أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - ماهر اختيار - التوازن البيئي ومفهوم حدود الممكن















المزيد.....

التوازن البيئي ومفهوم حدود الممكن


ماهر اختيار
الحوار المتمدن-العدد: 3466 - 2011 / 8 / 24 - 15:11
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


يُّعد كتاب كلود برنار" مقدمة في دراسة الطب التجريبي 1865" واحداً من الأعمال المنهجيّة المميزة التي تدعو الباحث للبدء بطرح أسئلةٍ وصياغة فرضيات مؤقتة، وتحثه أيضاً، في خطوات منهجيّة لاحقة، على القيام بفعل التحقق عبر الملاحظة الحسية واختبار عينات من المادة المُراد دراستها. فقد أكد برنار في كتابه هذا على أن اقتصار الباحث على ملاحظة الطبيعة معتمداً فقط على حواسه يُنتج معرفةً توصيفيةً بعيدةً عن الطرق التفسيريّة، تلك التي تُعدُّ بدورها واحدة من الخطوات الضرورية لاكتشاف قوانين في ميدان علوم الطبيعة. دعا برنار إذاً الباحثين إلى الانطلاق من خطوةٍ نظريةٍ تبدأ بطرح أسئلةٍ على ظواهر الطبيعة، موضحاً بأن أسئلة الباحث تقوده إلى صياغة عدة فرضيات، يتم التحقق منها عبر خطوات تجريبانية تؤيّد أو تفند ما تقوله. تأتي أهمية وجهة نظر برنار حيال هذه الخطوات المنهجيّة من زاوية محاولته أنسنتها، أي التأكيد على أهمية ذات الباحث العارفة التي تطرح أسئلة وتجهد في صياغة فرضيات مؤقتة. لقد حقق هذا المنهج، المنطلق من الذات الإنسانيّة باتجاه موضوعات خارجيّة، إنجازاتً رائعةً في حقل الطب التجريبي، إذ قاد كثيراً من الأبحاث إلى تفسير معظم أمراض الجسم الإنساني من خلال تحديد أسبابها وطرق علاجها، وذلك انطلاقاً من إتباعه لهذه الخطوات التجريبانية. لكن في مقابل هذا النجاح، فإننا نعتقد بأن البعد الإنساني لهذا المنهج قد فشل فشلاً ذريعاً في إيجاد حلولٍ لمشكلات تحيط بالإنسان، مشكلات ترتبط على سبيل المثال بالبيئة وبالوسط الجغرافي وبالمناخ، والتي أدت إلى ولادة أزمات جديدة في وسطنا البيئي. في الواقع لم يوفر هذا المنهج للباحثين أفكاراً أو أدواتاً تجنب حاضر الكرة الأرضية ومستقبلها اضطرابات بيئية تبدو مرعبة في تأثيرها على مصير الكائنات الحية على المدى البعيد. فقد جلبت فكرة مركزية الإنسان ارتفاعاً في معدلات التلوث، وتقلباتً مناخية غير متوقعة، وتراجعاً في نوعيّة مواده الغذائيّة التي أدت على ما يبدو إلى ظهور أمراضٍ جديدةٍ تؤذي الإنسان والطبيعة على حد سواء.
وكأننا في اتجاهٍ يفرض علينا التراجع عن فكرة مركزيّة الإنسان، بوصفه كائناً قادراً على تفسير وسطه الطبيعي وعلى حل المشكلات التي تَنُتج عنه، ويدعونا للعودة إلى مرحلة قديمة كان خلالها الإنسان يُصغي لصوت الطبيعة متأملاً تكرار ظواهرها ومحاولاً الانقياد والتساوق مع حركة عناصرها. من هنا يمكننا القول إنه إذ نجح الأسلاف في الحفاظ على استمرار نسلهم عبر الانسياق وراء الطبيعة وليس عبر تحدّيها، فإنه يتوجب على الإنسان المعاصر، إذا ما أراد الاستمرار واسترداد توازن وسطه البيئي، أن يتقيد بالحدود المفروضة من قبل الطبيعة وأن لا يتجاوزها متخيلاً أن قدرته العقلية تفوق ظواهرها الخام. وجهة النظر هذه- تحجيم الذات الإنسانية والإصغاء لما تقوله الطبيعة - قد تكون خطوة من ضمن خطوات متعددة تساعد على إنقاذ الوسط الطبيعي وعلى استعادة توازنه السابق، توازن قد يضمن استمرار حياة الكائن الحي على وجه الكرة الأرضية مُبعداً مفاجآت غير سارة والتي قد تهدد وجوده. لكن ما هي هذه القواعد التي يمكن تلقفها إذا ما أصغى الإنسان لصوت الطبيعة؟ يمكننا القول إن إحدى هذه القواعد تتمحور حول مفهوم حدود الممكن، فماذا يعني ؟
من خلال قراءتنا لأعمال المؤرخ الفرنسي بروديل، يمكننا تعريف هذا المفهوم بالقول إنه عبارةٌ عن عتبةٍ تتضمن عوائق تمنع الإنسان من تجاوزها خلال حقبةٍ زمنيةٍ قد تستمر لعدة قرون. بمعنى ما، يُعبر مفهوم حدود الممكن عن السقف الواجب عدم تجاوزه، أو إن في تجاوز جانب من جوانبه خطراً على التوازن البيئي على المدى البعيد. نستنتج من هذا التعريف أن احترام تكرار ظواهر الطبيعة ومحاولة الحفاظ على توازن محيطنا يتم من خلال مراعاة حدود الممكن، وفي عدم استغلال العقل الإنساني في سبيل خرقها. يشرح بروديل هذا المفهوم مُبيّناً بأن الطبيعة تفرض على الإنسان مُمكنات تُوفر له حرية العمل والتطوير، ولكنها تمنعه، في الوقت ذاته، من تجاوز عتبات أخرى، وهو منعٌ نابعٌ من بنية وهيكلية تواتر ظواهرها، إنه تواتر قاعدي يحافظ عملياً على توازن الوسط البيئي وعلى تنوع أحيائه.
في دراسته لتاريخ الحضارات عبر العصور، رأى بروديل أن الإنسان كان دائماً (وما زال) يحاول تجنُب العوائق في رحلاته التجارية، ولهذا كان يُفضل السير عبر السهول – في الطوابق الأرضية حسب المفردات التي يوظفها بروديل في نصوصه- لسبب بسيط هو أنه كان محتماً عليه البحث عن الممرات الصالحة للسير، تلك التي توفرها الجبال والهضاب المرسومة من قبل الطبيعة. لقد بدا الإنسان، من وجهة نظر مؤرخنا، كائناً سجين الأودية والممرات الجبلية؛ فقد كان ممنوعاً عليه تجاوز الأمكنة التي تفوق قدرته الجسديّة أو سقف إمكانات عقله الجمعي خلال فترة تاريخية ما. يستحضر بروديل، في هذا الصدد، الكثير من الأمثلة المتعلقة بمفهوم حدود الممكن، إذ يذكر في دراسته للحضارة الماديّة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، بأن نجاح سفر السفن في أعالي البحار وفي إقامة علاقات تجارية بين قارات العالم يعود إلى تقدم الإنسان في صناعة وسائط النقل، ولكن هذا التقدم ظل مقيداً بالحدود المفروضة من قبل الوسط المائي والتي لا يمكن للبحارة تجاوزها خلال تلك الحقبة التاريخية، مثل: سرعة السفن، وقدرة ووزن حمولتها، أو حتى غضب البحر في الشتاء إذ يعيق الإبحار لعدة شهور. وقد ذهب بروديل إلى أبعد من ذلك عندما توصل لقاعدة مفادها بأن التضاريس الجغرافية والمناخ يُعدّان من المعطيات الأساسيّة التي تحدد خصائص الوسط الملائم لحياة الكائن الحي ولاستمراره. انطلاقاً من هذه القاعدة نعود للفكرة التي ذكرناها سابقاً ألا وهي ضرورة إصغاء الإنسان للطبيعة والانسياق وراء حتمية تواتر ظواهرها، وذلك في سبيل معرفة حدود الممكن الذي تفرضه، إذ في معرفة هذه الحدود وفي احترامها فرصة لضمان التوازن البيئي الذي يكفل حياة آمنة للجماعات الإنسانية.
يؤكد بروديل أن الطبيعة عندما توفر عملياً ممكنات تسمح للإنسان استثمارها من أجل تقدمه وتطور مجتمعه، فإنها تمنع عنه ممكنات أخرى. فإذا وفرت الطبيعة للإنسان إمكانية زراعة الأودية، فإنها منعته من زراعة الجبال، أو إنها لم توفر له هذه الإمكانية. وهو إن استطاع مستقبلاً استغلال هذه المساحات الجبلية - مرتكزاً على أدواته التقنيّة- من أجل مضاعفة إنتاجه الزراعي، فإنه بذلك سيتجاوز حدود الممكن وينتج ما هو مُخالف للوسط البيئي والمناخي. ولعل أبسط مثال في هذا السياق هو البيوت البلاستيكية التي تم إنشاءها من أجل الاستجابة الكميّة، لا النوعيّة، على الطلب المتزايد لاستهلاك المواد الغذائية المتساوق مع الزيادة السكانية حول العالم. هي بيوت تُزرع في داخلها أنواع كثيرة من الخضار والفواكه تلبي حاجات السوق المحلية والخارجية، وقد تم النجاح في زراعتها عبر تجاوز حدود الممكن الذي فرضه المكان الجغرافي وفصول السنة المناخية. فهذه دراسة لفريق من الباحثين الفرنسيين وجدت بأن المساحات الشاسعة التي تحتلها هذه البيوت في جنوب أوربا تسمح للمواطن بتناول الخضار على مدار السنة و بأسعار زهيدة، ولكن كان ذلك على حساب عناصر هامة ألا وهي: إنتاج هذه المواد خارج موسمها الطبيعي ومخالفة منطق البيئة فيما يخص تواتر الفصول المناخية. لقد تولد عما سبق نتائج خطيرة، إذ تحجب هذه البيوت جمال الطبيعة عبر أعدادها الكبيرة؛ وتكرس هرمية اجتماعية قاسية، من الناحية الاجتماعية، وذلك في توظيفها ليد عاملة غير قانونية، تعمل في ظروف عمل غير إنسانية وقريبة من عبودية معاصرة. أما من الناحية البيئية، فأصحاب هذه البيوت يستخدمون أصنافاً كثيرة من المبيدات المؤذية للطبيعة وللإنسان على حد سواء، وتعجز وزارة الزراعة عن متابعتها وعن مراقبتها وذلك لكثرتها من ناحية الكم، ولكثافة تركيبها الكيميائي من ناحية النوع. أما الحل فيتلخص، حسب هذه الدراسة، في ضرورة انتظار ما تقدمه الطبيعة في كل موسم، ومحاولة تناول خضار وفاكهة الموسم وذلك احتراماً للحدود التي فرضتها الطبيعة. إذاً قد يستطيع عقل الإنسان إيجاد مخارج لأزماته المتكررة، إلا أن الاعتماد على حلول مُخالفة للعتبة التي فرضتها البيئة يؤدي لمشكلات جديدة وبالتالي الابتعاد عن إيجاد حلول لأزمات راهنة ومُلحة.
بالنتيجة، إن قبول العيش تحت سقف هذه العتبة والانقياد لما يُوفره حدود الممكن المُمنوح من قبل البيئة يساعد الإنسان على العيش بسلام، وعلى ضمان مستقبل الأجيال القادمة. من هنا تنبع أهمية مفهوم حدود الممكن، فحضور آثاره في وسطنا البيئي هو عبارةٌ عن مكونٍ من مكونات هذا الوسط وشرطٍ من شروط استمراره وتوازنه. ورغم أن هذا المفهوم هو قانونٌ يجسد معاناة البشرية في ضرورة الانقياد والإصغاء لأوامر الطبيعة، ألا أننا نعلم بأن كل قانون- سواءً كان طبيعياً أو وضعياً- هو إلزام وقيد للحرية الفرديّة في سبيل المصلحة العامة، إذ يؤدي اختراقه إلى تفككٍ وخللٍ يهدد الكرة الأرضية حاملة الجنس البشري منذ آلاف السنيين. إنه قانون يُلزم الإنسان بضرورة احترام الوسط البيئي من خلال عدم تجاوز مُمكناته، والصبر على تواتر فصوله، وعدم المبالغة في استغلال المكان الجغرافي لإغراض تجارية دون مراعاة توازن الطبيعة وتنوع أحياءها، فمن خلال احترامنا لحدود الممكن نضمن توازن وسطنا البيئي واستمرار حياتنا بشكل أفضل.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,916,675,169
- آلية استبداد الأنظمة العربية لشعوبها مُستمرة، فهل من حلٍ؟
- ربيع الثورات العربية... عوائق تأخره وآفاق نجاحه
- التوازن البيئي من الضرورة الجغرافيّة إلى مسؤوليّة الإنسان ال ...
- أهمية ودور الشعب من أدبيات التصوف الاجتماعي إلى مناهج الحولي ...
- الإنسان أمام كوارث الطبيعة، من الوجود إلى السلب
- أنسنة الحاكم العربي وفعل المواطنة، المبالغة في مدحه خيانة لل ...
- يبحثون عن طاقة لا تقتل وسطهم البيئي، ونبحث عن حاكم لا يقتل ش ...
- ضرورة التأسيس لأنظمة حكم قابلة للخطأ في البلدان العربية
- التصوف الاجتماعي... وجه من وجوه انتقاد الاستبداد السياسي
- علاقة الحاكم العربي بشعبه...استمرار لماضٍ قاتم!
- الثورات العربية وضرورة التأسيس لدولة القانون...إسقاط الطبقة ...
- غياب القانون بوصفه أزمة في بنية البلدان العربية


المزيد.....




- في المحيط الهادئ.. اكتشاف -مقهى القرش الأبيض-
- شركة هندسة بدبي..هل تبني أبراجاً من الخيال العلمي بالهند؟
- فيديو لشخص يحلق ذقنه في القطار يثير موجة عارمة من الاستهزاء ...
- العراق: ملايين الشيعة من جميع أنحاء العالم يتجمعون في كربلاء ...
- من إيران والسعودية إلى مصر وتركيا مروراً بإسرائيل.. إليكم قد ...
- جلد ودماء وتلويح بالسيوف في إحياء ذكرى عاشوراء
- زعيما الكوريتين يزوران جبل بايكتو رمز جذور الكوريين
- قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن: تصدي للشائعات أم تكميم ...
- الممانعة شفافة وخصومها مرتبكون
- -دنيانا-: قصتي مع الحرب


المزيد.....

- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة
- المسألة الزراعية في المغرب / عبد السلام أديب
- الفساد في الأرض والسماء: الأوضاع الطبقية لتدميرالبيئة / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - ماهر اختيار - التوازن البيئي ومفهوم حدود الممكن