أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - واثق غازي عبدالنبي - مهزلة الفتاوى الجنسية















المزيد.....

مهزلة الفتاوى الجنسية


واثق غازي عبدالنبي

الحوار المتمدن-العدد: 3437 - 2011 / 7 / 25 - 08:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مكانة الجنس في التفكير الديني:

يحتل الجنس موقعاً متفرداً ويتخذ مساحة واسعة في الديانات كافة، ولعله في الديانات السماوية الثلاث يحتل مكانة متميزة، سواء بعدد النصوص المتعلقة بالجنس الواردة فيها أو باهتمام رجال الدين المنتمين إليها، ولكن يمكن القول أن رجال الدين في الديانتين اليهودية والمسيحية استطاعوا أن يهذبوا هذا النصوص ويوظفوها لما يخدم مصلحة المجتمع، على الرغم من بقاء بعض الرواسب التي مازالت تثير المشاكل بين فترة وأخرى، أما رجال الدين المسلمين فقد بالغوا كثيراً بشأن الجنس وتشددوا فيه وضخموا دور النصوص وجروها في كثير من الأحيان إلى غير معناها، ولعل هذا التشدد في قضية الجنس لدى المسلمين يعود بالأساس إلى الطبيعة البدوية التي نشأ فيها الفقهاء والمفسرين للنصوص في المراحل المبكرة من نشأت الإسلام، وما لحقه من هيمنة الإسلام البدوي القادم من دول الخليج في العصر الحالي.

ولعلنا لا نغالي إذا قلنا، أن رجال الدين المسلمين يهتمون بقضايا الجنس أكثر من أي قضية أخرى، وهذا ما يظهر بشكل جلي بعدد الفتاوى المرتبطة بالجنس، والتي تعرف بالفتاوى الجنسية، مقارنة مع غيرها من الفتاوى المرتبطة بشؤون الحياة المختلفة. هذه الفتاوى الجنسية تدخل كل يوم إلى كل بيت عبر وسائل الإعلام المختلفة وخصوصاً الفضائيات والانترنيت والصحف والمجلات، فضلاً عن الجوامع والمراكز الدينية الأخرى، وهي تلعب دوراً في قولبة العقل الإسلامي بطريقة جعلت المسلمين يتحرجون من قضايا الجنس ولا يتحدثون فيه على الرغم من كثرة المشاكل المرتبطة به. وأغلب الفتاوى التي تصدر لا تزيد الأمر إلا تعقيداً، فهي تنطلق من واقع تحجيم مساحة الجنس في الحياة الاجتماعية، وزيادة عدد المحظورات ابتداءً من عدم جواز النظر إلى ما حرم الله مروراً بحرمة الاختلاط والحديث مع النساء لغاية عدم جواز مصافحة النساء وغير ذلك الكثير من الموضوعات التي شغلت أذهان المسلمين، خصوصاً الشباب منهم، وجعلتهم حبيسي سجن الخيالات الجنسية المريضة.

على العموم، فالجنس في عقول المتدينين، خصوصاً المسلمين، يرتبط بالإثم والخطيئة والغواية والشيطان، وأغلب الروايات الدينية الواردة في الكتب الدينية الثلاث (التوراة والإنجيل والقرآن) تصب في هذه المفاهيم عن الجنس. هذه التصورات جعلت من الجنس معضلة كبيرة تتفاقم جيلاً بعد جيل حتى أصبحت من الأخطار التي تهدد المجتمعات بالانفجار والانفلات، فكثرة القيود الموضوعة في المجتمعات الإسلامية، مثلاً، دفعت بعدد من الشباب المسلم إلى رمي فتاوى رجال الدين خلف ظهورهم لأنها لا توفر لهم حلولاً ناجعة ومنطقية لمشكلاتهم الجنسية، فعبارات من مثل الصبر والتعفف وغض البصر، التي يتحفنا بها رجال الدين في كل مناسبة، لم تعد مجدية في ظل الانفتاح الإعلامي الهائل على كافة مجتمعات العالم والتي يمتاز اغلبها بالانفتاح في قضايا الجنس.

سياحة في عالم الفتاوى الجنسية:

إن نظرة سريعة على بعض الفتاوى والآراء الصادرة بخصوص القضايا الجنسية وطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة والتي تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة يومياً وتمتلئ بها بطون الكتب الدينية، يمكنها أن تلقي الضوء على حجم التخلف والتأخر الكبيرين الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية، وإلى حجم المشكلة التي يعاني منها الشباب، خصوصاً مع عدم أمكانية الزواج التقليدي بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية وانتشار البطالة.

تمتاز الفتاوى الجنسية بصورة عامة بسطحية التفكير وتقيدها بحدود النص، وهما السمتان اللتان تمتاز بهما منتجات سوق الفتوى بشكل عام، ولكن الفتوى الجنسية تمتاز بصفة أخرى هي الهاجس المرضي من انتشار الفحشاء في المجتمعات المسلمة مع الإصرار على المؤامرة التي يحيكها الغرب ضد المسلمين. وفيما يلي بعض الفتاوى التي أثارت ضجة في الأوساط الإعلامية المختلفة والتي اعتمد فيها أصحابها على الدليل النقلي دون الدليل العقلي:

(1) فتوى رضاعة الكبير: صرح احد أستاذة الحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر بأن إرضاع الزميلة لزميلها في العمل يعطي غطاء شرعياً لما يسمى بالخلوة الشرعية نظراً لأنها بعد إرضاعه ستصبح أماً له من الرضاعة. وقال أنه يستند في فتواه إلى واقعة سالم مولى أبي حذيفة، وهو كان ابناً بالتبني لأبي حذيفة، وعندما حرم القرآن التبني طلب الرسول من الأم أن ترضع ابنها بالتبني حتى يمكنه الدخول عليها وهي أرضعته بالفعل لأنه كان في مكان وعمر ابنها وكان يناديها قائلاً يا أمي.

وقد تعرضت هذه الفتوى إلى كثير من الانتقاد، وأصبحت موضوعاً خصباً لرسامي الكاريكاتير، ولكن الأستاذ دافع عن فتواه بضراوة، قبل أن يعتذر عنها، وقال أن فتواه مسندة للإمامين البخاري ومسلم وأن الموظفة في حالة إرضاع زميلها يمكنها أن تخلع الحجاب أمامه. وهذا يعني أن كل سكرتيرة عليها أن ترضع رئيسها في العمل، لأنهما في خلوة في كثير من الأحيان!!. من الجدير بالذكر، أن عدم واقعية الفتوى يتمثل بعدد من الأسباب أبرزها، كيف يمكن لشخص بالغ أن يرضع من امرأة تماثله في العمر دون أن يكون للموضوع بعد جنسي؟

(2) حرمة خلع الملابس أثناء المعاشرة الزوجية: من الفتاوى الجنسية الشهيرة الفتوى التي أصدرها أحد الأساتذة بجامعة الأزهر ثم تراجع عنها سريعاً ونفاها نفياً مؤكداً، حيث كان الرجل ضيفاً على أحد برامج الفتوى في احد الفضائيات وسُئل عن حكم الشرع في خلع الزوجين لملابسهما أثناء المعاشرة الزوجية، فأجاب أن خلع الزوجين لملابسهما ليس حراماً فقط، لكنه أيضاً يوجب التفريق بينهما وبطلان عقد الزواج، واستند إلى عدة أحاديث تحرم المعاشرة الجنسية بين الزوجين إذا اقترنت بالنظر إلى الأعضاء التناسلية، كما تطرق إلى تقيد حرية التجرد من الملابس أثناء المعاشرة الجنسية بين الزوجين، والتي تستند إلى حديث شريف يقول إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرد.

(3) فتوى ختان الإناث: رفض أحد شيوخ الأزهر قيام وزير الصحة في (1994) بمنع ختان الإناث وأعلن أن ختان الإناث من شعائر الإسلام ولا يجوز لأحد أن يمنعه، وتمسك الشيخ بموقفه، على الرغم من الدعوى القضائية التي رفعتها ضده المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بمصر لإصداره فتوى تبيح ختان الإناث. ومن المعروف أن ختان الإناث في مصر والسودان واليمن وبعض الأقطار العربية الأخرى يشكل مشكلة كبيرة، إذ أن أكثر من حوالي (90%) من الفتيات المصريات يتعرضن للختان، ويتعرض عدد منهن إلى الموت جراء هذا الفعل. كما أنه يسبب الكثير من المشاكل الجنسية للمرأة في حياتها الزوجية، لأنه يعيقها عن أداء المشاركة الجنسية الكاملة.

(4) عدم جواز الجلوس على كرسي كانت تجلس عليه امرأة: يرى بعض رجال الدين عدم جواز الجلوس على كرسي كانت تجلسي عليه امرأة إلا بعد مدة من الزمن لا تقل عن خمسة دقائق. وهم يستندون في فتواهم هذه على حديث يفيد هذا المعنى، ولا نعرف هل أن هذه الفتوى خضعت للعقل أم أن قائليها قاموا بدور الناقل للحديث فقط؟ فلا يمكن، في ظل الأوضاع الجديدة للمجتمعات الإسلامية، أن تعمل على تطبيق مثل هذه الفتوى غير الواقعية.

(5) حرمة مصافحة المرأة: يرى اغلب رجال الدين عدم جواز مصافحة المرأة تحت أي ظرف، ويرى البعض جواز ذلك. وهناك صنف ثالث يتخذ موقفاً وسط، إذ يرى (أن المصافحة جائزة شرعاً، ولكن ليست على إطلاقها، فالمرأة إذا كانت شابة فتية غضة بضة وعلى قدر كبير من الجمال لا تجوز مصافحتها خوفاً من حدوث الفتنة والوقوع في المحظور، أما إذا كانت المرأة دميمة وخاصمها الجمال فلا ضرر من مصافحتها). ويسخر أحد الصحفيين من هذا الرأي بالقول: (يبدو أن عدم جواز مصافحة الجميلات يرجع إلى أن الفتنة نائمة في راحة أكفهن وأن الشيطان ساكن بين أناملهن أو تحت أظافرهن، أما الدميمات فيبدو من وجهة نظر الداعي أن الجمال لم يخاصمهن وحده، بل خاصمهن الشيطان أيضاً).

(6) حرمة نظر الشخص إلى أعضاءه التناسلية: يرى عدد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين أن نظر الشخص إلى أعضائه التناسلية يعمل على إثارة الشهوة. فالمسلمون يقولون أن علي بن أبي طالب لم ينظر طيلة حياته إلى أعضائه التناسلية، أما المسيحيون فقد كتب احدهم قائلاً: (عندما تخلع ملابسك في أثناء الاستحمام مثلاً كن عفيفاً في نظرك ولا تتطلع إلى أعضائك حتى في المرآة.. لأن هذا يثير الشهوات فيك).

فتاوى ما بعد التخلف:

هذه نماذج قليلة من الفتاوى الجنسية، والتي نلاحظ منها أن الهاجس الجنسي لدى رجال الدين هو المحرك لها، وليس المصلحة العامة أو الشريعة أو الدين، فقد لاحظنا أنها من القضايا المختلف فيها، ولكن ما يدفع رجال الدين إلى إصدارها هو العقل المريض الذي يهيمن عليهم ويدفعهم، ربما لا شعورياً، إلى إصدار مثل هذه الفتاوى التي يغلفونها بمقولات من مثل الحفاظ على تعاليم الإسلام أو العفة لدى المسلمين وغير ذلك، وكأن تعاليم الإسلام وعفة المسلمين تقف على مثل هذه الفتاوى الجوفاء. إن هذا النوع من الفتاوى يقود المجتمعات الإسلامية إلى مرحلة ما بعد التخلف بعد أن عاشت مرحلة التخلف كاملة، بينما يبحث الآخرون اليوم عن مرحلة ما بعد الحداثة، بعد أن عاشوا مرحلة الحداثة كاملة.

نزار قباني في الكتاتيب:

من بين القصائد الكثيرة التي كتبها الشاعر المفكر (نزار قباني) اخترنا قصيدة (الخرافة) من ديوانه (قصائد متوحشة) لتكون الخاتمة التي تلقي مزيداً من الضوء على مهزلة الفتاوى الجنسية التي شوهت وتشوه عقول صغارنا وشبابنا، والتي تصور كل شيء في المرأة على أنه عورة وكل ما يرتبط بها شر، وهذا الوضع الذي تحدث عنه الشاعر في زمن الكتاتيب لا يختلف عن وضعنا الحالي ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين، زمن التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات، ولعل الفتاوى التي ذكرناها أعلاه تبين حقيقة الوضع المتدهور لفتاوى الجنس في مجتمعاتنا الإسلامية.

حيِنَ كُنَّا.. في الكتاتيبِ صغارا
حَقنونا.. بسخيفِ القولِ.. ليلاً ونهارا
درَّسونا:
" رُكبَةُ المرأة عَورَه.. "
" ضِحكةُ المرأة عَورَه.. "
" صوتُها..
ـ من خلفِ ثُقب الباب ـ عَورَه "
* * *
خوَّفونا.. من عذاب الله إن نحن عشِقنا
هَدَّدونا.. بالسكاكين.. إذا نحنُ حَلُمنا..
* * *
شوَّهونا..
شوَّهوا الإحساسَ فينا والشُعُورا..
فصلوا أجسادَنا عنَّا..
عُصُوراً.. وعُصُورا..
صوَّروا الحبَّ لنا.. باباً خطيرا
لو فتحناهُ.. سقطنا ميّتين
فنشأنا ساذجين
نحسبُ المرأةَ.. شاةً أو بعيرا
ونرى العالَم.. جنساً وسريرا..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,277,282,071
- الصراع بين الدين والعلم في أمريكا
- قصة المفهوم المعاصر لكلمة (حجاب)
- الحاضر مفتاح الماضي
- المحتكرون
- الحياة هي الوجدان
- الله لا يحب العبيد
- احذروا من تدين الأبناء
- المبدعون مصيرهم جهنم
- ديني أم دين آبائي؟
- كُلنا نتبرك بروث البقر
- عقدة الزواج الطائفي
- مأساة الثقة العمياء
- جرائم جيش الله المسيحي
- جرائم عقيدة المخلص
- توليستوي والمسيحية
- حزام الكتاب المقدس .. ثلاث حكايات عن أحتكار الحقيقة في أمريك ...
- نقد فكرة المقدس
- عقائدنا من صنع المحيطين بنا
- العقيدة الدينية ومنهج الشك
- في معنى الدين والتدين


المزيد.....




- دعم دولي للملتقى الوطني الجامع في ليبيا
- سفير نيوزيلندا في قلب الأزهر: المسلمون جزء من مجتمعنا
- بعد مذبحة المسجدين.. ماذا وراء تصريحات أردوغان ضد أستراليا؟ ...
- خامنئي: الإمكانيات السعودية ستقع في أيدي مجاهدي الإسلام قريب ...
- نيوزيلندية اعتنقت الإسلام كانت من بين ضحايا الهجوم على المسج ...
- تحالف جديد في سوريا .. بشعار -العلمانية هي الحل-
- وقف ضد الحراك.. الفكر السلفي في الجزائر
- فايننشال تايمز: دولة التسامح أشد ارتيابا حيال الإسلام السياس ...
- تفاصيل مراسم تأبين ضحايا مذبحة المسجدين بنيوزيلندا
- -سبائك من اللحم المذهب-... أغلى وجبات الطاهي التركي نصرت (في ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - واثق غازي عبدالنبي - مهزلة الفتاوى الجنسية