أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسين علوان حسين - الصراع في ملحمة كلكامش : قراءة في جدلية الملحمة /3















المزيد.....



الصراع في ملحمة كلكامش : قراءة في جدلية الملحمة /3


حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي

(Hussain Alwan Hussain )


الحوار المتمدن-العدد: 3335 - 2011 / 4 / 13 - 20:13
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ثالثاً/گلگامش و أنكيدو
1/ التناحر

بعد أن تصف الملحمة القوة البطولية التي حبتها الآلهة لگلگامش و حكمته و علمه الواسع ونسبه الشريف و جمال بدنه ، تنتقل الى إيجاد مكونات الصراع الضرورية لتحريك الأحداث و ذلك بوصفها طغيانه على شعب اوروك بالكلمات التالية :

في أوروك التي هو راعيها كان يتبختر جيئةً وذهاباً ،
إنه يسوسها مثل الثور الجامح ، شامخ الرأس .
و هو لا يُبارى عندما يجرّد أسلحته ،
و على أصحابه أن يبقون وقوفاً في نزالاته .

إنه يضطهد شباب أوروك بلا مسوّغ ،
گلگامش لا يدع أي شاب يبقى حراً لأبيه ،
و في الليل و النهار يتفاقم طغيانه ،
و هو گلگامش راعي الرعية المسالمة .

إنه هو الراعي الموكل بشعب اوروك ،
و لكنه لايسمح لأي فتاة بالبقاء حرة لأُمها .
ضجت النساء بشكاتهن الى الربَّات ،
و قدمن مظلمتهن أمامهن:

"رغم قوته و تفوقه و خبرته و عظمته ،
لكن گلگامش لا يدع أي فتاة تبقى حرة لأمها:
و لا حتى إبنة المحارب و لا عروس الشاب."
أصغت الربَّات لشكاتهن ،

(و خاطبن ) آلهة السماء أرباب الهمم ،
و تحدثن الى الإله آنو:
"لقد وضعت ثورا برياً متوحشاً في اوروك المسالمة ،
انه لا يبارى عندما يجرد أسلحته ،

و على أصحابه أن يبقون واقفين في نزالاته ،
إنه يضطهد شباب أوروك بلا مسوغ.
گلگامش لا يدع أي شاب يبقى حراً لأبيه ،
و في الليل و النهار يتفاقم طغيانه .

رغم أنه هو راعي شعب أوروك ،
گلگامش و الشعب المسالم ،
رغم أنه راعيهم و حاميهم ،
و لكنه لا يسمح لأي فتاة بالبقاء حرة لأمها ،

و لا إبنة المحارب و لا عروس الشاب ."
أصغى الإله آنو لشكايتهن ، (و فكّر):

" لتستدْعُنّ الإلهة آرورو العظيمة
فإنها هي التي خلقتهم ؛ خلقت البشر الكثيرين ،
لتخلق نداً لگلگامش ، رجلاً شديد البأس ،
و دعوه ينافسه فترتاح منه أوروك!"

إستدعَت الربّات الإلهة آرورو العظيمة (وقلن لها) :
"أنت التي خَلقتِ البشر ،
و عليكِ الآن أن تصنعي ما فكّر به آنو.

إجعلي منه غريماً بعزيمة لبه ،
اجعليهما يتنافسان كي ترتاح أوروك!"
إستمعت الإلهة آرورو لهذه الكلمات ،
و صنعت في نفسها ما فكّر به آنو .

قامت الإلهة آرورو بغسل يديها ،
و أخذت حفنةً من الطين و رمتها في البرية ،
وفي البرية خلقت أنكيدو البطل ؛
إنه نسل الصمت الذي حاكه قوياً ننورتا . (12)

يوضح النص أعلاه أن گلگامش كان ملكاً طاغياً على شعب أوروك ، و من ممارساته الطغيانية تنظيمه أعمال السخرة الجماعية التي يجب أن ينخرط فيها كل شباب و شابات أوروك القادرين على العمل بلا إسـتثناء ، حتى لإبنة المحارب و لعروس الشاب البطل ؛ الأمر الذي يجعل الأمهات و الآباء يخسرون قوة عمل أفراد عائلاتهم القادرين على الإنتاج لحسابهم . و يمكن تصور أن أعمال السخرة الجماعية هذه كانت تنصب على المنافع العامة لمؤسسة الدولة-المعبد ، مثل تشييد المعابد و تجديدها ، وبناء سور المدينة الكبير المرتبط بإسم گلگامش في التاريــخ ، و شق الأنهر و السواقي و كريها ، و غيرها من الأعمال التي تحتاج الى قوة عمل ضخمة و متكررة . فما هي الخلفية الاقتصادية-الاجتماعية و الآيديولوجية لأعمال السخرة الجماعية هذه ؟
لا يمكن تصور تقليد العمل الجماعي المجاني في دويلات المدن السومرية بمعزل عن الإرث القديم لإسلوب العمل الجماعي بين أفراد العشيرة في المشاعة الرعوية–الزراعية الأولية القائمة على أساسين : الملكية العامة لوسائل الإنتاج ، و تقسيم العمل التعاوني بين كل الأفراد القادرين على الشغل في المشاعة حسب القــدرات و الأعمار. في مثل هذه التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية يصبح العمل الجماعي النمط الأساسي و الوحيد المقبول للشغل المنتج لكون ثمار قوة العمل المبذول هنا تعود بالنفع على كافة أفراد المشاعة . و في أوروك ، فإن مبدأ النفع العام و ليس الخاص هو الذي وفّر المسوغ الديني-الإيديولوجي لأعمال السخرة الجماعية هذه ، علاوة على ما سيذكر من مسوّغات دينية بعد حين .
ويرتبط أسلوب أعمال السخرة الجماعية أيضاً بطبيعة الإنتاج الزراعي ألإروائي في السهل الرسوبي العراقي و الذي يتطلب قوى عمل ضخمة و منظمة لكري الأنهار و حفر الجداول ألإروائية الكبيرة لسقي الأراضي الزراعية و بزلها ، و بناء السدود و النواظم في أوقات الفيضانات . و لقد ساد في ظل هذا الأسلوب - المعروف بنمط الإنتاج الآسيوي - النظام السياسي المعروف بـ"الإستبداد الشرقي" حتى يومنا هـذا لإعتبارات سياسية تسلطية حتى بعد زوال مسوغاته الاقتصادية ، كما أنتج في حضارات وديان الأنهار القديمة أكبر عدد من الملوك المؤلهين في تاريخ البشرية لضمان ترويج و شرعنة أعمال السخرة الجماعية المربحة جداً للطبقة الحاكمة المنظمة لعمليات النهب الجماعي لحسابها .
أما الأساس الأوتوقراطي الخاص بأعمال السخرة الجماعية ، فهو المفهوم الديني السومري الذي سبق الحديث عنه و المتمثل بكون الآلهة إنما خلقت البشر للغاية الأساس المتمثلة بتكفل البشر بإنجاز الأعمال اليومية الخاصة بالآلهة مثل إسكانها و إكسائها و إطعامها و إقامة الأعياد لها و غير ذلك . و على أساس هذا المبدأ تأسست دويلات المدن السومرية الثيوقراطية و التي يرتبط اقتصادها بهيمنة سلطة المعبد . و النصّين الأساسيين اللذين يوضحان هذا المبدأ هما "قصة الخليقة البابلية" و ملحمة "أتراحاسس" عن الطوفان التي نشرها كل من "لامبرت" و "ميلارد" عام (1969). و لما كانت مدينة أوروك هي أصلاً المدينة التابعة لإله السماء آنـو و سيدة الآلهة إنّانا أو عشتار حيث يوجد معبدهما ، لذا فان كل أعمال السخرة الجماعية لمواطنيها عبيد الآلهة إنما هي واجبات مقدسة تنصب لمصلحة الآلهة التي يدين لها العباد ليس فقط بخلقـهم بل و برفاهــهم الإقتصادي و الإجتماعي و العائلي و الشخصي و الصحي أيضاً . و بعكسه ، إذا ما أظهر العبيد جحودهم لخالقيهم ، فستستنـزل الآلهة على عبادها جامَّ غضبها و تبيدهم جماعياً بالطوفانات أو الأوبئة أو سـنوات الجفاف الطويلة أو الحروب و غيرها من الجوائح المهلكة . و يليق بالآلهة دائماً التبجّح بأنها أعظم و أول المتسببين بعمليات الإبادة الجماعية الخاطفة لحيوات لبشر في التاريخ ، و ذلك بالطبع قبل إلقاء قنبلتي هيروشيما و ناگازاكي ، أللتين لا بد أن تكونا قد أثبتتا للآلهة أخيراً و على نحوٍ مقنع تماماً صحة فرضية زوال إحتكارها لبراءة الإختراع هذه .
و هكذا نجد أن تفاعل آيديولوجية الأرض (ضرورة العمل الجماعي التعاوني بين أفراد المشاعة الرعوية–الزراعية) بالسماء (خلق الآلهة للبشر لكي يتكفلوا بخدمتها يومياً) يسفر في النهاية عن صياغة المبدأ المضحك المبكي القائل بأن مصالح البشر إنما هي دائماً ، و في التحليل النهائي ، مصالح الآلهة ؛ في حين أن مصالح الآلهة لا تتطابق دائماً مع مصالح البشر بسبب كون البشر مذنبين بالولادة ، في حين أن الآلهة منـزّهة أو معصومة حتى و إن إرتكبت أكبر الحماقات(13). و بالطبع فقد كان بإمكان السلطة السيادينية دوماً كسر هذه القاعدة باستنـزال العصمة بالبشر من أمثال گلگامش ، أو بتجريد الآلهة من عصمتها مثلما حصل مع أم كل الآلهة تعّامة و إبنها كنگو في قصة الخليقة السومرية-الأكديّة .
و لقد بقيت أعمال السخرة الجماعية تمارس تحت هذه التسمية أو تلك في العراق حتى بعد تطبيق إدارة الدولة أسلوب جمع الضرائب من المواطنين على نحو منتظم و كاف للصرف على هذه الأعـمال الضخمة . و آخـر و أسوأ تطبيقات لها هي تلك التي مارسها نظام الإبادة و النهب الفاشي في العراق طوال سنوات حكمه الإرهابي الأسود (1968/2003) و التي تأخر خلالها الإله آنو في الإستجابة لتوسلات أمهات العراقيين بتخليصهم من طغيان صدام فأخذ المبادرة الرب الأمريكي الجديد الخالق و الراعي القديم لصدام ، و إن بعد لأي . و لم يتوانى الرب الجديد - المعروف بشدة حرارة أسلحة الإيمان و التقوى لديه - بتذكير العراقيين بأن مصالح الأرباب الجدد في قتل العراقيين العزَّل ( أكثر من مليون و نصف المليون قتيل ) ليلاً و نهاراً و سراً و جهاراً ( مع إنجاز أتم تدمير منظم في التـاريخ لبنيتهم الإقتصادية التحتـية و الحضارية بلا وازع و لا رادع ) إنما هي مصالح العراقيين أنفسهم ، و هي كذلك مصالح العالم أجـمع ، و أن العكس هو صحيح أيضاً ؛ و هذا ما يثبت ليس فقط عالمية المبادئ الدينية السـومرية ، بل و كذلك حداثويتها .
و يؤكد النص الخاص بخلق آرورو لأنكيدو من مادة الطين - و ليس غير الطين - حقيقة هذه العالمية (Universality)( 14) ، و كذلك عالمية فكرة خلق الإنسان على صورة رب السماء(15)، وفكرة تسليط الآلهة للناس على الناس . و لكن الوقائع اللاحقة للملحمة المتمثلة بتحول الصراع بين گلگامش و أنكيدو إلى صداقة أخوية قـوية و تعاون بنّاء تثبت أن إتحاد البشر مع بعضهم من شأنه أن يفسد كل مخططات الآلهـة ، القديمة منها و الجديدة على حد سواء ، شريـطة أن تكون "خدمة مصلحة الوطن " هي أساس هذا الاتحاد و ليس تقاسم الغنائم و الجيف من قبل الوصوليين . و موضوعة خلق الإنسان من الطين هي موضوعة عراقية بامتياز لأن الحضارة القديمة لوادي الرافدين كانت أول و أعظم حضارة طينية في تاريخ البشرية . ويستحق الطين هذه المنـزلة السامية ، فهو الذي حفظ للبشرية طبعات أصابع هذه الحضارة من خلال الرقم الطينية و الآجر والفخار الطيني ، علاوة على تكفله بتوفير المادة الخام المجانية لخلق أعظم مخلوق على الأرض و على صورة رب السماء آنو.
ولم يكن تنظيم حملات العمل الجماعي وحدها هي التي يشتكي منها أهل أوروك ، حيث يشير نص الملحمة إلى أمر آخر عندما يؤكد على أن گلگامش كان :
" ... لا يبارى عندما يجرد أسلحته ،
و على أصحابه أن يبقون وقوفاً في نزالاته ،
إنه يضطهد شباب أوروك بلا مسوغ..."

فإلى ماذا تشير الأبيات الثلاثة أعلاه ؟ إستناداً إلى أندرو جورج (1999: xlvii) فإن إحدى إمكانيات تفسير النص أعلاه تكمن في إحالته على مندرجات:
القصيدة السومرية لبلگامش (16) و العالم الأسفل ، و التي نجد فيها أن شبان أوروك يضطرون لمشاركة بلكلمش في شهيته التي لا تشبع لما يبدو انها كانت مباراة تتطلب بذل جهد جسماني شديد الوطأة ، و هو ما يتطلب من النساء أيضاً أن يقضين النهار كله معهم للأيفاء بمتطلبات ذويهن المجهدين جداً .

و أميل إلى الإستنتاج بأن المباريات المذكورة أعلاه لم تكن في الواقع إلا تدريبات عسكرية إجبارية لشبان أوروك على مختلف فنون القتال الحربي التي تجري بإشراف گلگامش نفسه ، والتي تتطلب من الشباب الذين أكملوا التدريبات - كيما يُقَرُّ لهم باجتيازها - الوقوف نداً إزاء گلگامش نفسه . و لما كان تحقيق مثل هذا المستوى الرفيع من المقدرة القتالية أمراً صعباً جداً لأن "گلگامش لا يُبارى عندما يجرد أسلحته " ، لذا فقد كان يترتب على شبان أوروك المواظبة على التدريب يومياً و هم "يبقون واقفين في نزالاته" و لفترت طويلة لحين وصولهم الى مستواه القتالي و الوقوف أنداداً له في النزالات الثنائية . و بالنسبة إلى نساء أوروك ، اللائى كن يحضرن هذه التدريبات ليس فقط لخدمة أبنائهن أو إخوتهن المنهكين و إنما كـ "مشجِّعات" لدفع المتدربين على إثبات جدارتهم أمامهن ، فإن فرض مثل هذا المستوى الرفيع من الإنجاز التدريبي القتالي ما هو إلا "إضطهاد لا مسوّغ له لشباب أوروك " أمام أنظار أهليهم ، خصوصاً وأن فشلهم إثبات جدارتهم أمام الجمهور خلال نزالاتهم مع گلگامش هو أمر مشين بسمعة العوائل التي ينتمون اليها .
و من الناحية التاريخية ، فإن هذا التفسير معقول تماماً إذا ما أخذنا بعين الإعتبار الوقائع التالية و التي تشير كلها الى الحاجة الماسة لمملكة أوروك الى فرض التجنيد الإجباري لأول مرة في التاريخ لإنشاء جيش عالي التنظيم و التدريب يكون على أهبة الإستعداد للدفاع عن المدينة في أي وقت:

أ. أن مدينة أوروك ، مثل غيرها من مدن العرق القديم و الحديث الغنية بالموارد و الـثروات ، قد بقيت – طوال عشرات القرون – عرضة لخطر الإحتلال و النهب سواءً من طرف بدو الصحراء من جهة الجنوب-الغربي أو القبائل الجبلية من الشمال-الشرقي .
ب. تنقل لنا المدونات المسمارية قصة الحرب بين ملك أوروك "إنمركار" – السابق على گلگامش – و بين ملك "أرّاتا" في لورستان ، كما تنقل هذه المدونات أخبار الحرب بين گلگامش نفسه و ﺃﮔّﺎ (17). و أساس الحربين المذكورتين هو إقتصادي بحت و يبين أن علاقة أوروك في عهد گلگامش مع جيرانها لم تكن سلمية دائما.
ج. أن نفس هذه الدواعي الاقتصادية – غنى أوروك و غيرها من مدن العراق القديم و حاجتها الماسة إلى إستيراد الأخشاب و الحجر و المعادن – هي التي تدفع أيضاً ملوك هذه المدن الى توجيه أسلحتهم شمالاً و شرقاً و غرباً في سلسلة من عمليات الغزو و الغزو المضاد و التي تطلبت إستعدادت عسكرية لا نـهاية لها . و سنرى في الملحمة نفسها تصويراً رمزياً لأحدى هذه الحروب .

و لابد من الإنتباه هنا الى أن الملحمة ترينا بأن نساء أوروك – وليس الرجال – هن اللائي يقدمن شكواهن للربَّات الإناث في مجمع الآلهة السومري ، وأن هذه الربات الإناث هن اللائي يضغطن على آنو لإيجاد حلٍ لمواطني أوروك ، و هن اللائي يستدعين الإلهة آرورو لخلق غريم لگلگامش . فلماذا هذا الإختيار المتميز للنساء في تبني دور حلّال المشاكل الاجتماعية ، و كذلك تولي خلق الإنسان نفسه ؟ إن الرمزية الاجتماعية لهذه الوقائع واضحة ، فالمرأة هي الأم الرؤوم لكل إنسان ، و هي الراعي الأمين لمصالح الأبناء و المدافع عنهم سواءً في العائلة الأمومية أو الأبوية . و لكن الملـحمة تطور هذا الدور الأمومي لتجعل المرأة راعية لمصـالح البشر في السماء مثلما هي على الأرض ، و هذا مايثبت الجذر الأرضي للآلهة السومرية ، و بالطبع لكل الآلهة . و سنعود الى هذا الموضوع عند مناقشة الصراع بين گلگامش و عشتار . أما نسبة فعل خلق البشر إلى الإلهة الأنثى آرورو فيبدو أنه نابع من تصور السومريين بأن خلق البشر هو "إختصاص سماوي أنثوي" لا يقوى عليه حتى أبو الآلهة آنو ، مثله في ذلك مثل إختصاص الأنثى بولادة الأطفال في العائلة الأرضية . و لذلك فإن آنو يوجه نساء أوروك للذهاب إلى آرورو لخلق أنكيدو و ليس لغيرها . وموضوعة إختصاص إلهة أنثى بخلق الإنسان تنطوي على تفهم عميق للدور البايولوجي-الإجتماعي للجنس الإنثوي في مجمع الآلهة بإعتباره الإنعكاس السماوي لمجمع العائلة الأرضي .
مرَّ بنا سابقاً وصف التقاء شمخة (ألتي تمثل حضارة المدينة) بأنكيدو ( البرّي المتحول الى حارس ليلي للماشية ) ، أما كيفية تلاقي أنكيدو بگلگامش فترويه الملحمة عبر قصة صراع معقد آخر :

و فيما كان أنكيدو يمتِّع نفسه بشمخة ،
رفع عيناه ، فأبصر رجلاً .
فخاطب أنكيدو شمخة قائلاً :

"ياشمخة ، إذهبي فأحضري ذاك الرجل ،
و دعيني أعرف سبب مجيئه الى هنا ."
نادت شمخة على الرجل ،
و تقدمت إليه و كلمته :

" إلامَ أنت مسرع يا رجل ؟
و أين العزم ، عزمك الشاق هذا ؟"
فتح الرجل فاه و خاطب أنكيدو قائلاً:

" لقد دُعيت الى وليمة عرس ،
لأن قسمة الناس هي عقد القِران .
و سأملأ مائدة الحفل
بالاطعمة الشهية لوليمة العرس .

أما بالنسبة لملك أوروك المسوّرة ،
فإن الغشاء يفتضه الحاصد الأول .
نعم ، بالنسبة لگلگامش ملك اوروك المسوّرة ،
فإن الغشاء سيفتضه الحاصد الأول .

فهو الذي يجامع عروس المستقبل ،
يجامعها هو الأول ، و عريسها من بعده .
كتب علينا هذا بمشيئة قدسية :
"عندما قطعوا حبل سرته ، وهبوا العروس له !" "

فاكفهر و جه أنكيدو غضباً من كلام الرجل
.......
.......
و مضى أنكيدو تتبعه شمخة .

دخل ميدان مدينة أوروك ،
فتجمّع حوله حشد من البشر .
وقف في شارع أوروك المسورة ،
و الناس يتحلقون حوله و يناقشون أمره .

" أن بنيته هي بنية گلگامش ،
و إذا كان أقصر طولاً منه ، فإن عظمه هو الأقوى .
لابد أنه ذلك المولود في الجبال ،
و الراضع لحليب الوحوش ."

أقيمت في أوروك الاحتفالات بانتظام ،
و امتلأ الشبان بالفرح وقدموه بطلاً :
لكي يباري الرجل الكامل الأوصاف ،
لكي يتحدى گلگامش نداً كالإله .

و هُيءَ السرير لإلهة الأعراس ،
كي يلتقي گلگامش بالعذراء مساءً .
فتقدم أنكيدو و وقف في الدرب ،
و أغلق الطريق بوجه گلگامش .

وقفت أوروك حوله ،
و تحلّق أهلها عليه ،
و تدافع الجمع أمامه ،
و تناكب الرجال حوله .

ومثل الرضيع في الأحضان راحوا يقبلون أقدامه ،
كان الكامل الأوصاف قد ....
و لإلهة الأعراس كان السرير مهيأً .
و أصبح لگلگامش كالإله البديل .

سدَّ أنكيدو بقدمه باب دار العرس ،
مانعاً گلگامش من الدخول ،
و اشتبكا مع بعضهما عند باب دار العرس ،
و تصارعا في الشوارع و في الميدان .

إنخلعت أعمدة الباب و اهتز الجدار ،
[ و تصارعا في الشوارع و في الميدان . ]
[ و انخلعت أعمدة الباب و اهتز الجدار .]
......
إنحنى گلگامش و إحدى قدميه على الأرض ،
و زال عنه الغضب ، فأوقف النـزال .
و بعد أن أوقف النـزال ،
خاطبه أنكيدو ، قائلاً لگلگامش:

"أنت الذي ولدتك أمك متفرداً ،
إنها البقرة البرية الراعية ، الإلهة ننسون !
إنك الأعلى مقاماً فوق كل الأبطال ،
فقد جعل إنليل مصيرك أن تكون ملك الناس !

.....
لم ترغب بفعل هذا الأمر ؟
.... أي ِشىء .... تريده بهذا الافراط ؟
دعني ......
مأثرة لم يحققها بشر على وجه الأرض ."

فقبّل أحدهما الآخر و انعقدت أواصر الصداقة بينهما.

و هكذا ينتهي الصراع التناحري بين بطلي الريف و المدينة بانعقاد سلام الشجعان الذي أصبح يتمتع به شـعب أوروك . و الإنتصار المتحقق هنا متعدد الوجوه . فهناك أولاً إنتصار أنكيدو ، و معه عرسان أوروك ، بحمله گلگامش على الإقلاع عن عادة ممارسة حق الليلة الأولى الكريهة . و هنـاك إنتصار أمهـات شباب و شابات أوروك اللائي لن يجـبر گلگامش أبناءهن على أعمال السخرة و التدريب العسكري القاسي مستقبلاً . و هنـاك إنتصار گلگامش و أنكيدو اللـذين ربـح كل واحد منهما الآخر بفضل إيثار گلگامش التصرف كرجل ماجد يغلِّب مبدأ التوافق الإنساني على أمجاد الإنتصارات الخاوية و ذلك بروح رياضية عالية و نادرة المثال جداً في الأدب القديـم . و مع هذا الصلح تبدأ الملحمة بتقديم ليس گلگامش المحارب البطل إزاء أنكيدو إبن البرية الداخل تواً قفص المدنية ، بل تقدم لنا گلگامش-أنكيدو خلال صيرورة يتحولان فيهما إلى شخص واحد برأسين هو رأس السياسي الناجح القادر على تحويل التحديات المصيرية إلى فرص للنجاح على الصعيدين الشخصي و الشعبي . و لابد أن الآلهة قد هنـأت نفسها هي الأخــرى - كالعادة - على تفادي فشل مخططاتها الترقيعية ، بفضل تكفُّل الإنسان العاقل بإصلاح حماقتها المتمثلة بجعلها شعب أوروك المسالم يبتلي بصنيعتها الطاغية گلگامش . ويعود الفضل الأول في كل هذه الإنتصارات إلى المعلمة الماجدة شمخة التي سبق لها و أن حذرت أنكيدو من "الأفكار الآثمة" الجاهزة ضد گلگامش "الأثير عند شمش المقدس" و الذي "حبته الآلهة العظيمة بالحكمة الواسعة" ، مما رسّخ في ذهن أنكيدو ليس فقط فكرة قبول الآخر بل و كذلك الإستعداد الشجاع للإعتراف المـخلص لـه بتفرده و بملوكيته و مقابلة روحه الرياضية و الحضارية العالية بمثلها. و هكذا فأن انتقال أنكيدو الى أوروك يؤشر آخر مرحلة من مراحل تطوره الإجتماعي و الذي يـَختَتِم بايجاز فني رفيع قصة إرتقاء البشر في كل أرجاء العالم من مرحلة الوحشية ، الى الرعوية ، الى التمدين و التماهي مع رأس السلطة .
لا بد لنا من التطرق إلى أحد التجليات الفذة للفكر الجدلي السومري في الملحمة و المتمثلة بتفعيل و احدٍ من أهم أساليب الإشتغال الإجتماعي لقانون وحدة و صراع الأضداد و الذي تقدمه لنا الملحمة على نحو متقدم زمنياً و بوعي سردي واقعي لا يضاهى في كل الأدب العالمي القديم و حتى بعض الجديد . فلدينا أولاً الصراع الإجتماعي ضد ظلم الملك گلگامش ، و هو أساس إنطلاقة الفعل الدرامي في الملحمة برمتها لكون الهدف الأول للسرد هنا هو وضع حد للظلم الإجتماعي للملك و ليس حسم قضية شخصية مفبركة مثل إختطاف "هيلين" من طرف عشيقها "باريس" حسبما تعرضه الإلياذة (الصحيح : هروب هيلين برضاها مع حبيبها باريس) ، و لا تعدد طالبي يد "بنبلوبي" للزواج إثر إنشغال زوجها "عوليس" بالتمتع بأحضان الحوريات بعيداً عنها مثلما تعرضه الأودسة . الموضوع هنا يخص إحتجاج الشعب الحر ضد ظلم الحاكم المتجبِّر الذي يغلِّب مصلحته الذاتية على مصلحة المجتمع ، أي أن هدف الفعل الملحمي هو تحقيق المصلحة الإجتماعية و ليس الثأر للكرامة الشخصية المهدورة . و الحل للظفر بالعدالة الإجتماعية مثلما يقدمه نص الملحمة بإيجاز لغوي و فكري بليغ هو : "خلقُ ندٍ لگلگامش : رجلٌ شديد البأس ، ينافس گلگامش ، فترتاح منه أوروك " . هنا لدينا أقدم و أروع تجلي فني لتوظيف دور فكرة صراع المتضادات في رفع الظلم الإجتماعي عن طريق التراضي بتغليب الموضوع على الذات . و الصراع المعروض هو من نمط خلق المضاد (أو المعادل) الإيجابي و ليس السلبي (مثل أرسال "جيمس بوند" مدججاً بمختلف أنواع الأسلحة مع إجازة بالقتل المجاني لكل مناوئي ملكة بريطانيا / الصحيح هو أن شخصية جيمس بوند بناها :إيَنْ فْلَمِنگ إستناداً لشخصية مخابراتية بريطانية كانت مثار إعجابه هو وكل رجالات المخابرات الإنگليز ثم ظهرت بعدئذ أنها كانت تشتغل دوماً لمصلحة المخابرات السوفيتية ). و المقصود بالمضاد الإيجابي هو ليس إزاحة الغريم بالقتل (مثلما سنرى في قتل خمبابا) ، أو بفناء المتضادين (مثل مقتل هاملت و عمّه) ، بل بالإحتكاك الشديد به و بما يؤمن تسليط صدمة قوية عليه تجعله يستفيق من غيّه و يعي ظلمه الإجتماعي فيرعوي عنه ما دام حليماً ذا نظر . و المغزى هنا هو إدراك أن للإنسان – كل إنسان – صفاته الإيجابية الخيّرة إلى جانب شروره ، و كل هذا في إطار وحدة واحدة لا إنفصام لها . كما توضّح الملحمة كون أن الأمر الحاسم في تغليب أفعال الخير على الشر (أو بالعكس) يعود إلى وعي الإنسان (أو عدم وعيه) لضرورة تغليب مصلحة المجتمع على مصلحة الذات عبر التجاريب و الأحداث و النظر البعيد خارج إسار المصالح الفردية التي لا يمكن أن تتحقق أبداً بالضد من مصلحة الجماعة مثلما يقول المثل الشعبي العراقي : لا خير في شجرة لا تظلل أهلها . و لهذا نجد أن أنكيدو الحر لا يثور ضد گلگامش لتحقيق مصلحة ذاتية ، و أن گلگامش لا يُجهز على غريمه أنكيدو كي يواصل إمتاع نفسه بالعرائس العذراوات رغم توفر المسوّغ الديني له لفعل ذلك . الملحمة هنا تمجّد الأنسان و تنتصر له بإعتباره أثمن رأسمال ، و تُجَوهِر الطيبة الأصيلة لديه من خلال إستيعاب جدل تحقق مصلحة الذات بتحقيق مصلحة الجماعة مثلما سنرى بعدئذ في غزوة جلب خشب الأرز لشعب أوروك ، أو الغوص في أعماق البحر لجلب نباة الحياة لشعب أوروك و ليس لگلگامش وحده . ثم إن لدينا ثانياً فكرة وحدة الأضداد خارج نطاق المصالح الذاتية عن طريق إتحاد البشر مع بعضهم (گلگامش مع أنكيدو ، و گلگامش و أنكيدو مع شعب أوروك) لتحقيق المصالح الإجتماعية المشتركة . و كل هذا يحصل في إطار واقعي بعيداً عن النمطية الدرامية التي تعتمد مبدأ مواجهة البطل الخيِّر كلياً بالغريم الشرّير كلياً ، و حسم الصراع بانتصار الخير المحض على الشر المحض أو بالعكس . الصراع هنا يتحول إلى فكرة إتحاد قوى الشعب المندمجة المصالح للصراع ضد المصالح الخارجية .

و يشير النص أعلاه الى طقسين مقدسين في أوروك : أولهما حق الملك بالليلة الأولى ، و ثانيهما الزواج الإلهي المقدس . و لهذين الطقسين جذراً اقتصادياً-إجتماعياً واحداً ؛ فقد سبق الحديث عن موضوع ربط العراقيين القدماء لفكرة الجماع بالحكمة ، و قد تبين الجذر الاقتصادي لهذه الفكرة . و شبيه بهذا الربط هو ربطهم فكرة خصوبة المرأة بخصوبة الأرض و كثرة المياه و الزرع و إنتاج الماشية بإعتبار أن منشأ كل هذه الأشياء واحد و هي الإرادة المكينة للآلهة. حيث توضح لنا "قصة الخليقة البابلية" أنها – أي الأرض – قد خلقت هي الأخرى من جسد إلإلهة "تعّامة" و التي هي الأم الأولى لكل الآلهة ، و هي كذلك أم كل البشر الذين خلقهم إنليل/مردوخ من دماء إبن تعّامة و زوجها الإله القتيل "كنگو" (18). هذا هو أصل قصة كون الأنسان ليس إلا "بضعة" او "وجهاً من أوجه " الآلـهة - و التي تُقلب فيها الحقائق ، حيث يتحول فيها البشر من خالقين للآلهة الى مخلوقين من طرفها - و هو أيضاً منشأ فـكرة " الخطيئة الأولى" للبشر المخلوقين من دماء إله نجس رجيم هو كنگو. وهكذا يرث الإنسان نجاسة الآلهة ، و لذلك يتوجب عليه – كوريث ملتزم – أن يسدد ديون وتبعات هذا الميراث المقسوم طوال عمره .
و بموجب هذا التصور ، فإن خصوبة النساء و خصوبة الأرض و الرفاه الاقتصادي للسكان هي أمور مرهونة بالإرادة الطيبة للآلهة تجاه البشر ، و هي إرادة متقلبة المزاج و لا يمكن الركون اليها دائماً . و تتطلب عملية إدامــة هذه الإرادة الطيبة تقديــم العباد للأضاحي و النذور بإستمرار ، مع أداء سلسلة معقدة من الصلوات و الطقوس في أوقاتها المحددة على مدار السنة . و لمّا كان الملوك من أولي الأمر هم الممثلين الشرعيين للآلهة على الأرض و فقاً للآيديولوجية السياسية الدينية للعراق القديم ، لذا فقد إختص هؤلاء الملوك بأداء واحد من أهم هذه الطقوس ، ألا وهو طقس الزواج الإلهي المقدس ، و الذي يقوم فيه الملك - باعتباره بديلاً مجسداً للإله - بالإتصال جنسياً في الغرفة المقدسـة (و إسمها قدس الأقداس ) بالإلهة إنّانا ( عشتار ) في بداية فصلي الربيع (الأول من نيسان) و الخريف (الأول من آب) لضمان موسـم إنتاج زراعي-رعوي مجزٍ ، و ذلك بموجب أعياد دينية رسمية بهيجة يحتفل الشعب المتقي فيها بكل ورع و إخـلاص و إندماج . و تمثل الإلهة إنّانا (عشتار) هنا عادة عذراء شابة من المنذورات أو اليتيمات اللائي يتربين داخل المعبد أولاً ، ثم يصبحن كاهنات فيه . و يـنظِّم فنانو المعبد أغنية حب شبقة تؤديها العروس بهذه المناسبة . و قد وُجد نص إحدى هذه الأغاني الممجدة للجمال و الحب و التي ألقتها العروس التي قامت بدور الإلهة إنّانا في زمن الملك السومري "شو- سن" و التي نشرها كريمر عام ( 1956 )(19). و بموجب الفكر الديني السومري ، فإن خصوبة كل شيء على وجه الأرض خلال الفصل القادم ، من النساء إلى التربة و المواشي ، مرتـهنة بممارسة الملك و عروسه لهذا الطقس على أحسن ما يرام . أما إذا فشل الملك في إسترضاء الآلهة ، و بانت نذر الشؤم لغضبها عليه ، فإن هناك طقس "المـلك الـبديل" و الذي من شأنه ترضية الإلهة و تجاوز غضبها على الملك (20).
و لكن ماذا عن خصوبة العروس التي تتزوج حديثاً ؟ من الذي يضمن أنـها لن تكون عاقراً ؟ و من هو المُجْير الشفيع للبشر الخطّائين في كل شيء لو أن الآلهة الغاضبة عليهم - لذنوبهم الكثيرة طبعاً - قد إختارت أن تصيب العرائس الجدد بالعقم ، أو على أطفالهن بالإجهاض أو الموت المبكر ؟ يجيب الفكر الديني السومري على نحو مقنع تماماً للعباد الخطّائين و المتَّقين بأن من شأن إفتضاض العروس الجديدة من طرف الملك – ظل الآلهة على الأرض – في يوم عرسها أن يضمن الخصوبة لها ويبارك في نسلها ، بأمر الآلهة المكينة طبعاً ، مثلما يؤدي أداء الملك لواجبه الديني كإله بديل في طقس الزواج الإلهي له إلى ضمان الخصب على وجه الأرض . و عندما يتولى زمام الحكم فحلٌ طاغية من طراز گلگامش ، فإن الأمر لا يتطلب غير فبركة بعض الملاحق الأسطورية للإطار الديني العام و المـعترف به بخصوص إمتياز الملك الخاص بالاتصال المباشر بالآلهة لـكي يتحول حق الليلة الأولى إلـى "سُنّة" من السنن الدينية الواجـبة الإتبـاع . و في حالة گلگامش ، فإن التسويغ الآيديولوجي الذي تفتق عنه الفكر الديني السومري القديم لهذا الحق هو تلقين المواطنين الأتقياء قرار الآلهة بكونها قد "قضت بوهبه عبادها من العرائس منذ أقتطاع حبل سرته من رحم أُمه الإلهة ننسون" . و ما دامت الآلهة قد منّت على عبادها بوهبهم شبه إله عظيم كــگلگامش يسهر على مصالحهم ، لذا فأن واجب العرفان بالجميل يحتم على هؤلاء العباد الإمتثال لقرار الآلهة تحصيل هبة بشرية له بالمقابل . و بالطبع فإن قرارات الآلهة لا تقبل المناقشة لكونها واجبة الإتباع دائماً إذا ما أراد البشر التمتع بالخير الوفير الناجم عن رحمتها لهم ؛ فالبشر ملك لها ، و من حق المالك التصرف وفق ما يشاء بملكيته . و الغريب أننا لا نسمع شيئاً عن أفعال أو ردود أفعال زوجة گلگامش (أو زوجاته في الواقع مثلما ستشير الملحمة عرضاً إليهن ) في الملحمة رغم أن التاريخ و الملحمة يشيران إلى زواجه و وجود إبن له . و يرجَّح غياب أي ذكر متميز لها في أحداث الملحمة لحد الآن فرضية عـدم وجـود دور درامي فاعل لها . و لا بدّ أنها كانت تُـؤْثر الصمت السلبي – مثل غيرها من بنات جنسها المظلومات في المجتمع الذكوري عبر التاريخ – حفاظاً على كرامتها إزاء عادة زوجها المقدّسة في فصل فعل الحب عن فعل الجنس(21).
و يوضح الوصف السابق طبيعة الحل الذي يقدمه الفكر الديني السومري لواحدة من أهم و أعقد المعضلات الفكرية في كل الأديان ألا و هي كيفية ترتيب العلاقة التواصلية بين العباد و الرب . و تكمن صعوبتها في المفارقة الواضحة الكائنة بين الواقع المادي و الملموس للإنسان-العبد و لوسائطه التواصلية مع الآخر من جهة ، و بين الوضع اللامادي و "الروحاني" لتصور الإنسان عن كينونة الأرباب و التجليات المقنعة لوسائلهم الإتصالية مع عبيدهم من البشر ، من جهة أخرى . و الحل المختار هنا – و المتمثل بإصطفاء قسم من البشر ممن يُمنحون إمتياز هذا الأتصال المباشر – يوضح الطابع المادي و الأرضي الملموس لتجلي هذه العلاقة السماوية عند السومريين . و يمتد طيف هذا التجسيد بين: أ) تخوم التأليه المباشر للإنسان-المثال صاحب الإمتياز ( الزعيم السياسي أو الديني أو السياديني) ؛ و بين : ب) حدود التقديس بالإنابة أو بالوساطة لهذا الإنسان-المثال عبر ما تتيحه منظومة الطـقوس الخاصة بالعبادة المعينة من و سائل تحقيق هذا الأتصال بالإنابة لسماع إرادة الرب ؛ و ج) بين الإتصال البشري المباشر بالرب ، أو الجمع بين هذه المنازل كلها . و لاتتيح الأديان المعاصرة إختيارات تتجاوز هذه الحلول للإتصال بالرب ، و إن كانت تكرّس نوعاً "شرعياً" واحداً أو نوعين على حساب النوع الثالث ، لتختلط بمضي الأزمان كل هذه الأنواع من جديد . و تمثل أم گلگامش ، الإلهة الثانوية ننسون ، التطبيق العملي لفكرة الإتصال بالآلهة العظام عبر البشر المؤلهين ؛ فيما يمثل إبنها گلگامش أسلوب الأتصال بتلك الآلهه نيابياً عبر الشفعاء الأثيرين و القريبين إليها ، في حين يتمثل الإتصال المباشر للإنسان بربه بفكرة "الإله الشخصي" . و تتطابق هذه الأساليب التواصلية الثلاثة مع التنوعات الممكنة لشخصيتي المتكلم و المخاطَب و/أو المستمع في الواقعة الكلامية (speech event) بين الشخص الأول (أنا - نحن) ، و الثاني (أنتَِ - أنتم) ، و الثالث (هو - هم) . كما تتطابق الأولوية في اختيار هذا الأسلوب التواصلي أو ذاك مع المصالح الإقتصادية السياسة للطبقة الحاكمة أو الثائرة على الحكم . و الجدير بالذكر أن كل الثورات الدينية في العالم تنحصر بمسألة شرعنة أو تحريم هذا الأسلوب التواصلي مع الرب بدلاً من ذاك ؛ وكل قوم بما لديهم فرحون . و كائناً ما كان إسلوب الإتصال المعتمد ، فإنه لا يسمح له بالأبتعاد كثيراً عن رجال الدين ، لكي تتاح لهم سلطة إستثمار مركزية الطقوس الدينية لتيسير الوساطة بين الإنسان و السماء كوسيلة لإكتساب النفوذ و السيطرة المادية و الإجتماعية و السياسية .
و أخيراً ، لابد من الإشارة إلى أن الصراع الإقتصادي – السياسي الناجم عن تداخل المصالح و الأدوار بين المعبد الرئيسى و قصر الحاكم في العراق القديم – على الأقل منذ عهد گلگامش و حتى عهد آخر ملك عراقي مستقل قبل الإحتلال الأخميني ، و هو نبونهيد (539-556 م) – كان غالباً ما يصار إلى "تكامله" عبر ترتيب إقامة رابطة أُسرية بين قيادتي المؤسستين عن طريق تسنم إبن الكاهنة العظمى للمعبد الرئيسي رئاسة السلطة ؛ أو بالعكس ، أي تعيين الملك لإمرأة من أهله لقيادة المعبد الرئيسي في الدولة . و في أزمان الإنحطاط السياسي ، أو خلو العرش من المنافسين الأقـوياء ، فإن المعبد كان في أغلب الأحيان هو مركز القوة الذي يوفر المرشح المناسب لسد هذا الشاغر.
و يكنّي نص الملحمة أم گلگامش ، ننسون ، بلقب "البقرة البرية المقدسة" ، و هو باللفظ الأكدي "ريمات" ، أي "الريم" بالعربية . و لكن لماذا هذا الإختيار لرمز الريم أو غزال البر بالنسبة للأم-الإلهة ؟ بتقديري أن هذا الإختيار مقصود بالنسبة للإلهة الصغيرة ننسون ، وذلك للأسباب التالية :
• إرتباط رمز الريم بالجمال و بالبراءة و الرشاقة و سرعة الحركة و التمنع و بعد المنال ، بالتالي بأقصى التفرد المثالي المنشود للإنثى في مجتمع الرجال الشرقي حتى وقتنا هذا .
• كون الريم هي أم الثور البري (گلگامش) ، رمز القوة و الصبر و الفحولة ، و قد إرتبط الثور في العراق القديم بالآلهة الذكور على الدوام .
• إرتباط رمز الريم البري بفكرة الحرية و رفض العبودية و التدجين .
• إرتباط الريم بـ "العين الواسعة" و التي ترمز عند السومريين إلى سعة الفهم و بعد النظر ، و لذلك نجد أن العيون تهيمن على مايقارب ربع بُنية وجوه التماثيل الصغيرة لآلهتهم . و الجدير بالذكر أن الملحمة تبدأ بوصف گلگامش بكونه "هو الذي رأى كل شيء"، اي الواسع التجربة و الفهم . و من المعلوم أن علماء اللغة المحدثين (مثل سويتسر ، 1992) يلاحظون إرتباط حاسة البصر في أغلب لغات العالم بالفهم و العلم .

ملاحظة : شرح الهوامش سيرد في الجزء الأخير




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,857,528,001
- الصراع في ملحمة كلكامش : قراءة في جدلية الملحمة /2
- الصراع في ملحمة كلكامش : قراءة في جدلية الملحمة /1
- قصة قصيرة : يوم جمعة في حياة جندي مكلف عراقي
- حكاية الموت الغريب للفيل -جَلا-
- ملاحظات حول حركة حقوق المرأة و مدرسة النقد الأدبي الأنثوي
- خَلَفْ
- دِشَرْ
- ستراتيجيات سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق خلال الفترة 2003-20 ...
- قصة الخنزير البهلوان -نجم-
- رسالة قصيرة


المزيد.....




- من يقف وراء -الهجمات- الغامضة على مواقع حيوية إيرانية؟
- روسيا ستطبق مبدأ "المعاملة بالمثل" رداً على العقوب ...
- السوداني يدعو إلى إعادة العمل بقرار سابق لاستيفاء الرسوم الج ...
- نائب : توطين رواتب الدفاع ستكشف الكثير من الفضائيين والغاء ح ...
- ارتفاع عدد ضحايا كورونا من الأطباء المصريين إلى 101
- حرس الحدود الإيراني يتحدث عن -العمل العظيم- ويوجه رسالة إلى ...
- -المذنب العملاق- يظهر في سماء هذه الدولة العربية
- قرارات على وشك الصدور... إجراءات قد تطول آلاف السعوديين في أ ...
- العدل الأمريكية: القبض على مواطنة كادت تسلم روسيا وثائق سرية ...
- أصحاب الدخل المحدود في العراق يطالبون بالتعايش مع وباء كورون ...


المزيد.....

- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسين علوان حسين - الصراع في ملحمة كلكامش : قراءة في جدلية الملحمة /3