أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - حسين علوان حسين - ملاحظات حول حركة حقوق المرأة و مدرسة النقد الأدبي الأنثوي















المزيد.....

ملاحظات حول حركة حقوق المرأة و مدرسة النقد الأدبي الأنثوي


حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي

(Hussain Alwan Hussain)


الحوار المتمدن-العدد: 3321 - 2011 / 3 / 30 - 23:41
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لا شك أن النساء يشكلن أكبر طبقة مستغَلة في العالم على مر العصور بفضل هيمنة ثقافة أولوية الرجل على المرأة ، و تبعية الأخيرة له ، أي بسبب : الآيـديـولـوجـيـا " الذكورية" . لقد صاغت مجتمعات الرجال مباديء هذه الثقافة منذ عشرة آلاف سنة أو يزيد ، و طورتها بتواصل منهجي ثابت و مستدام حتى أصبحت جزءاً راسخاً من الوعي الإجتماعي الخرافي السائد الذي يؤمن به و يروج له ليس الرجال فقط ، بل و حتى العديد من النساء المدجنات أنفسهن و ذلك لمصلحة مجتمع الرجال . فمنذ إنهيار المجتمع الأمومي ، إنهمكت ملايين العقول الذكورية عبر التاريخ لأدلجة و قنونة خرافة كون الأنثى مخلوقاً بشرياً ناقصاً بالولادة بالمقارنة مع الرجل (أرسطو ، القديس توماس) ، أو أنها "رجل ناقص" (خرافة خلق حواء من ضلع أعوج لآدم في التوراة والمنقولة من الفكر الديني السومري) . و علاوة على ذلك ، فقد ألصقت بالمرأة كل أنواع شرور الرجال : من إشعال الحروب (حروب طروادة ، البسوس) ، إلى الشبق و المكر (عشتار ، سالومي ، إمرأة العزيز) ، و ممارسة السحر الأسود (الحفلات الجماهيرية لأعدام الساحرات في أوربا و أمريكا لغاية القرن الثامن عشر : جان دارك في فرنسا ؛ المتطهرين في أمريكا) ، إلى التسبب بالفاقة و الجوع و الحظ العاثر (وأد البنات في جزيرة العرب قبل الإسلام و في الصين الآن بسبب سياسة الطفل الواحد للعائلة الواحدة و إمكانية التعرف على جنس الجنين قبل الولادة ) ، و التخلف الفكري "الطبيعي" (ناقصات عقل ودين) ، و الضعف الجسدي (رفقاً بالقوارير) .
كل هذه النعوت و النقائص تنبع من إطار شكلي واحد ألا وهو "تعريف المرأة من خلال الرجل أو بالمقارنة به" بإعتبارها "الجنس الآخر" ، أي كونها "ليست رجلاً". المرأة هنا تُدان ليس بسبب دورها الإجتماعي أو إقتدارها الذاتي ، و إنما بسبب كونها مخلوقاً مشكلته أنه إمرأة . و بالمقابل ، لا نجد أحداً يعتبر الرجال ناقصين لمجرد كونهم رجالاً . فمن الناحية الفسيولوجية أثبت العلم أن المرأة تمتاز على الرجل بقوة الملاحظة ، و الدقة في العمل ، و بالقدرة على التحمل و الصبر، و بالإخلاص ، و التدبير ، و التحسّب ، و الحس المرهف . و المرأة هي التي تخلق العائلة - و هي الوحدة الأساسية في المجتمع - و ليس الرجل ، واليُتم الحقيقي هو يتم الأم و ليس الأب . و الآن ، و بعد إكتشاف تقنية الإستنساخ البشري اللاجنسي (cloning)، فقد أصبح الرجال نوعاً زائداً (redundant specie)، على الأقل قدر تعلق الأمر بتكاثر النوع البشري . فوفق هذه التقنية ، كل ما هو مطلوب لتكاثر الجنس البشري هو : بيـضة إمرأة ، و خلية إمرأة ، و رحم إمرأة ، و مختبر علمي ، و مع السلامة لفحولتكم أيها الرجال !
و سواء كان الأمر يتعلق بسَن القوانين ، أو تبوؤ المناصب المهمة ، أو منح الأجور والمكافئات ، أو الحقوق السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية ، أو النشاط الفكري أو الفني أو الإقتصادي ، فإن المساواة مفقودة تماماُ بين الرجل والمرأة منذ بدء التاريخ المكتوب و حتى وقتنا هذا حتى في أرقى المجتمعات . ولذلك لا نجد – مثلاً – رئيسة أمريكية إلى وقتنا هذا ، و لن أذكر المجتمعات العربية التي لم تعرف حتى الملكات منذ زبيبة التدمرية ، وشجرة الدر اللتين لم تتبوءأ العرش إلا بفضل موت زوجيهما الملكين . إذن فعالمنا هو عالم الذكور المهيمنين على النساء في كافة المناحي ، حتى في الفن . كل معلوماتنا عن المرأة كتبها و يكتبها الرجال ، و إذا ما أردنا التمتع بجمال المرأة فلن نجد غير تماثيل أو صور الفنانين الرجال عن "موديلاتهم" المدجنة ، في حين يتولى المجتمع الذكوري قَمع المرأة ، و يمنعها من تحقيق إمكانياتها الإبداعية الهائلة . و كذا الحال إذا أردنا التعرف على أحاسيس المرأة و نفسيتها و تطلعاتها الذاتية (الفكرة الفرويدية عن كون الجنس عند المرأة محكوم بعقدة "الغيرة من عضو الرجل") . إذن فالمرأة مسمّرة في علاقة مقلوبة مع الرجل ، فماكنة هيمنة الرجل على المرأة مضبوطة ضبط الساعات السويسرية الأولمبـيـة ، و ما من خلاص و لا مناص من آيديولوجيا الإلتزام بتقوى سجن البيت و المطبخ و الأعمال الشاقة المؤبدة بفضل إخلاص المشرعين و رجال الدين و العلماء و الفلاسفة المنحازين فكرياً لمصالح خصاهم . و على العكس من الساعة التي تدور عقاربها دوماً إلى أمام ، لا نستغرب إن إكتشفنا أن بعض الحقوق التي تحصل عليها المرأة اليوم في عدد من مجتمعات العالم الثالث سرعان ما ستفقدها غداً ، لتبدأ دورة التدجين البطريارقي الفحولي من جديد ، و مقارعة التدجين الذكوري الخجول من جديد . ففي العراق مثلاً ، فإن الوضع القانوني للمرأة اليوم (عام 2011) في الحقوق المنصفة لها في مضمار الاحوال الشخصية يتراجع بدرجات عن و ضعها وفق قانون عام 1959 و ذلك بفضل نفاق قادته اللاحقين من الرجال الذين يحلو لهم خداع النساء بكليشاتهم السخيفة حول "إيمانهم العميق جداً بإحترام المرأة ( إقرأ = تمسكهم بإستغلال إخواتهم وأمهاتهم و بناتهم) التي تشكل نصف المجتمع ( إقرأ = النصف المعطل قسراً) . و السؤال المهم هو : لماذا تبقى النساء أكبر و أقدم طبقة إجتماعية مستغلة في هذا العالم العجيب الغريب ، و إلى متى تبقى على هذه الحال بعد مضي قرنين من إنطلاقة كفاح المرأة المرير لنيل حقوقها ؟
المشكلة مركبة . هناك أولاً مشكلة النظرية . الحركة النسوية "الأنوثية" للعالم تحتاج إلى نظرية ثورية جديدة تكتبها نساء غير مدجّنات ، لنساء غير مدجّنات ، لأن كل النظريات الثورية المؤثرة حالياً في العالم هي – أصلاً – نظريات ذكورية ، و لذلك فحتى الأنظمة الثورية الإشتراكية القائمة و التي قامت لم و لن تستطع إلغاء إستغلال الرجل للمرأة . و يتوجب على مثل هذه النظرية – لكي تحرّك ملايين النساء – أن تحطم كل المنظومات الفكرية-المنطقية الذكورية السائدة ، وبضمنها حدود اللغة . فالإبن و البنت تكتسب إسم أبيها حسب و ليس إسم أبيها مع أمها مشتركين . والأبن المتعلق بأمه يعيّره المجتمع الرجولي بكونه "إبن أمه" (عند المصريين) أو "تربية أرملة" (عند العراقيين) . و "الإنسان" المذكر يشير – أيجابياً – إلى الذكر والأنثى معاً ، و لا يوجد رَجُلٌ "إنسانة" بالمعنى الإيجابي . والرجل العظيم لا يقبل إلا أن تبقى المرأة وراءه حسب مقولة : "وراء كل عظيم إمرأة" ، و لكنه لا يقبل طبعاً – إلا نادراً جداً – أن يكون مجرد "رجل وراء إمرأة عظيمة" . و يمكن للمرء أن يقدم آلاف الأمثلة من هذا النوع ، و في كل لغات العالم . ولكن الحركة النسوية العالمية لا تمتلك حتى الآن أكثر من مجرد "شذرات" من النظرية الثورية ، ولذلك فإن معظم إنتصاراتها تستند في أغلب الأحيان على تنازلات صغيرة من طرف الرجال المتنورين إلى هذا الحد أو ذاك ، بعد كفاح نسوي صبور و طويل .
ثم هناك مشكلة الوعي الإجتماعي المتدني عموماً عند المرأة بسبب تخلف وضعها الإجتماعي نتيجة ترسخ أيديولوجية التهميش عبر التاريخ . ولذلك نجد مجتمعات بأكملها تنسلخ أكثرية النساء فيها عن مصالح جنسها لتلتحق بمصالح جنس الرجل و خدمة آيديولوجيته القمعية بكل جد و إخلاص . ثم هناك مشكلة "عالمية الأستغلال و شموليته المكانية" بحيث إن مستلزمات الصراع تتطلب من كل إمرأة الوقوف ضد الممارسات اليومية للغالبية الساحقة من الرجال المحيطين بها ، و بعضهم هم الأقرب اليها (الزوج أو الأب أو الأخ أو رب العمل) والذين يساكنوها و غالباً ما تعتمد عليهم إقتصادياً . كل هذه الظروف تفرض على المرأة أنماطاً غير تقليدية و غير مؤاتية لإدارة الصراع ، مما تستوجب غالباً إيثار الشكل السلمي الهاديء للكفاح .
و من ضمن حركة الكفاح لإنتزاع المساوات الإقتصادية والإجتماعية و الثقافية للمرأة ، تأتي مدرسة النقد الأدبي الأنثوي (feminist literary criticism) القوية الإرتباط بحركة المطالبة بحقوق المرأة . و قد مهدت لقيام هذه الحركة مقالة مهمة لـلروائية "فرجينيا وولف" عنوانها : "غرفة ذاتية" نشرت عام 1929 ، شرحت فيها التأثيرات السلبية للمجتمع الذكوري على النتاجات الأدبية للمرأة . أما البداية الحقيقية للحركة الأنثوية الحديثة (modern feminism) فقد جاءت عام 1949 بمقالة الكاتبة الفرنسية "سيمون دو بُفوار" المعنونة :"الجنس الثاني" و التي قدّمت فيها نقداً شاملاً لثقافة تشخيص المرأة كـ "موضوع سلبي" هو "الآخر" في مقابل "الذات الإيجابية" المهيمنة للرجل بإعتباره "الممثل العام للإنسانية" كما تفرضه اللغة و الأساطير الجمعية المتداولة عن المرأة في الأعمال الفنية الرجولية المنحازة . و طالبت فيها المرأة أن تبدأ أولاً بتعريف نفسها بالقول : "أنا إمرأة" ، لكي تكشف النقاب عن التباين الذي تستبطنه الثنائية القطبية لـ"الذكر" و"الأنثى". و هي التي نبّهت إلى الحاجة الماسّة لنظرية نقدية أنثوية جديدة مستقلة تتجاوز الأطر النظرية الرجولية السائدة و تقعيداتها المنطقية المنحازة ضد المرأة .
في أمريكا ، نشرت "كيت ميليت" كتابها الموسوم :"سياسة الجنس" عام 1969 ، و الذي إستخدمت فيه مفردة "سياسة" للإشارة إلى الآليات التي تعبر عن العلاقات السلطوية التي يفرضها المجتمع على المرأة . و عرضت في كتابها لمختلف أصناف الترتيبات و الصياغات و المؤسسات الإجتماعية التي تهدف إلى التغطية على إستخدام التسلط لتكريس هيمنة الرجل على المرأة . و فضحت سيادة النظرة المنحازة ضد المرأة في التحليلات النفسية لفرويد عبر إختراعه لعقدة "غيرة المرأة من العضو الذكري للرجل". كما حللت نصوصاً من روايات الأدباء "لورنس" و "ميلر" و "مايلر" و "جان جينيه" ، و شرحت كيف أنها ليست في الواقع إلا تجليات لحالات يتولى فيها هؤلاء الكتاب عبر الخيال الروائي عملقة وتمجيد أنواتهم الذكورية عن طريق تحقير المرأة بتصويرها كموضوع للإستسلام الجنسي .
بعدها إقترحت الكاتبة الفرنسية من أصل بلغاري "جوليا كرستيفا" في : "الذات المتكلمة" (1985) موضوعة كون النشاط الجنسي (sexuality) الأنثوي يتميز عن مثيله لدى الذكر بكونه "ثوري و تحطيمي و متغاير الطبيعة (غير مثلي)" . و بينَتْ أن المبدأ البسيط و الأساسي الذي ينبغي للحركة الأنثوية الإنطلاق منه هو "البقاء خارج التعريفات الذكورية للأنثى" ، أي :كسر أُطر الصياغات الفكرية الرجولية التقليدية السائدة .
أما الفرنسية "هيلين سيكسو" ، فقد طالبت في مقالتها : "ضحكة الميدوزا" (1976) من النساء الكاتبات أن "يضعن أجسادهن في كتاباتهن" ؛ و ربطت بين علم الأشارات (semiotics) الكرستيفي الخاص (اللغة الأم لمرحلة ما قبل الذكورية) مع النشاط الجنسي الأنثوي الذي تؤمن بكونه يتجاوز منطق نظام السلطة الذكوري . و تعتقد سيكسو بأن الكتابات الأنثوية "ستتجاوز دائماً الخطاب المنهجي للنظم المؤسسة على المركزية المتمحورة حول العضو الذكري". و تعتبر أن للنشاط الجنسي الأنثوي إرتباطه المباشر بالإنتاجية الشعرية (شعرية الخلق) ذات التوجهات البدنية-النفسية التي تكسر سلطة الدلالة المستندة إلى نظام الإستقطاب الجنسي الأحادي للرمز اللغوي .
وتستخدم حركة النقد الأنثوي مختلف المرجعيات النظرية في التحليل ، و منها أفكار مدرسة التحليل النفسي و النظرية الماركسية و النظريات المتعددة لمدارس ما بعد البنيوية السبعينية و منها : نظرية "قلق التأثر" و "التفكيكية" و "تحليل الخطاب" و النقد المتأسس على "إستجابة القاريء" و "نظرية التلقّي" و "علم الأشارات" و "نظرية أفعال الخطاب" ؛ و الثمانينية : "النقد الحواري" و "النقد التاريخي الجديد" و "الدراسات الحضارية" على حد سواء . و إذا ما وضعنا جانباً التباينات في المنطلقات النظرية للمناهج أعلاه ، فيمكن القول أن مختلف مدارس النقد الانثوي تستند على قواعد عامة مشتركة في إستكشافها لعامل الإختلاف الجنسي و الأمتياز الظاهر في الشكل و الموضوع و التلقي والتحليل و التقييم للأعمال الأدبية . و أهم هذه القواعد هي :
1. الفكرة المركزية هي أن الثقافة – أساساً – هي أبوية المنحى (بطريارقية) تتمركز حول جنس الذكر و هيمنته لكونها منظمة و موجهة بحيث تُبقي المرأة تابعاً للرجل و على كل الصعد . و يتم تلقين المرأة بثقافة التفوق الذكوري هذه حتى تحتقر جنسها نفسه و تتعاون في عملية خضوعها الذاتي لـهيمنة (أخيها) الرجل .
2. أن مفهوم الجنوسة (أي كون الشخص ذكرأ أو أنثى) يتحول من مفهوم فسلجي مكتسب بالولادة إلى "يافطة لإجتماعية" . فوفق الثقافة الذكورية السائدة ، فإن المرأة ليست أنثى بحكم الولادة ، بل أنها "تكتسب كينونتها كإمرأة" ثقافياً حيث يتولى المجتمع الرجولي إنتاج هذا المخلوق الموصوف بكونه أنثى . و لما كانت هذه الثقافة تشخص الذكر إيجابياً بإعتباره الجنس "النشط و المغامر و المسيطر و العاقل و الخلاق و القوي" ، إذن فالأضداد اللغوية المتمحورة إستقطابياً تجعل جنس الأنثى يشخص سلبياً بشكل ذاتي باعتبارها : "الخاملة و الخجولة و الضعيفة و العاطفية و المحافظة".
3. الزعم الآخر هو أن الآيديولوجيا الرجولية التي تسود كل الأعمال الأدبية العالمية الموصوفة بالرفيعة المستوى أو الراقية ، إنما تتمحور على إجتراحات البطل الذكوري من أمثال "أوديب" و "عوليس" و "هاملت" و "القبطان آهاب" و "هَك فِنْ" ممن يجسدون المصالح الذكورية في ميادين رجولية للفعل . و في مقابل هؤلاء ، فإن دور الأنثى في هذه الأعمال – إذا ما حصلت الانثى على أي دور فيها – يبقى هامشياً و تابعاً ؛ فهي إما مجرد "إكسسوار" مكمل لصورة الذكر ، أو معيقة لأهدافه و آماله . و بكلمة أخرى ، فإن الأعمال الأدبية العالمية الرفيعة المذكورة أعلاه - و غيرها كثير - خالية من نماذج الشخصيات النسائية الواقعية و المستقلة ذاتياً . و لذلك ، فإن هذه الأعمال تدفع قراءها من الإناث إلى تقمص أدوار نقيضها الجنسي بألتزام موقف الذات الذكورية و تمثيل القيم و أساليب الإدراك و الشعور والتصرف الرجولية . و عليه ، فإن معايير و مباديء علم التذوق الجمالي والفني المطبّقة في تقييم الأعمال الأدبية حتى الآن – رغم الإدعاءات المزورة بالتزام مقولاتها للحيادية و الموضوعية و العالمية لهذه القيم – مليئة بالأوهام الذكورية ، و هي منحازة بشكل سافر للمصالح و للمنطق الذكوري .

كل هذا يعني وجود حاجة ماسة إلى إعادة تقييم الأعمال الأدبية الكبيرة عن طريق إنصاف وجهة النظر الأنثوية ، و أخذ إعتراضاتها و قيمها و مصالحها بعين الإعتبار . و أحد أهم وسائل تحقيق هذا الهدف هو التوجه نحو جمهور القراء من الإناث لكي تصبح كل واحدة منهن "قارءة مُقاوِمة" (Resisting Reader) تميط اللثام عن أغـراض المؤلـف الذكوري و ألاعيبه المنحازة . و الوسيلة الثانية هي تشخيص أنماط "صور المرأة" في الأعمال الأدبية المهمة كالروايات و القصائد الرجولية و التنبيه على زيفها. و قد تم تحديد نمطين متضادين لهذه الصورة الفنية : أولاً المسقط المثالي للمرأة كموضوع لرغبات الرجال (العذراء المقدسة ، ربات الإلهام ، ملاك البيت ، بياترس حبيبة دانتي). و في مواجهة هذه الصورة ، هناك المسقط الشيطاني للمرأة (دليلة ، سيرسي ، الساحرة ، الأم إلتي تخصي أولادها) و بضمنها الشخصيات النسوية لـ"جوسر" و "شكسبير" و "ريتشاردسن" و "إبسن" و "شو" . أما الأسلوب الثالث فتسميه "إلين شوولتر" بـ "النقد الجنساني" (gyno-criticism) الذي يهدف إلى تأسيس و تطوير أطر نقدية أنثوية ملائمة تفيد في تسليط الأضواء على مميزات مختلف أنواع الأدب النسوي و بضمنها الرسائل الشخصية و دفاتر المذكرات النسوية . و أحد الأهداف هنا هو تسليط الضوء على كيفية التعامل مع موضوعات أو تجارب أنثوية بحتة لا يتعرض لها الرجل كالحمل و الولادة و الرضاعة و العلاقة بين المرأة و المرأة (الأم و إبنتها، أو الأخت و أختها ، أو الصديقة و صديقتها) . هنا تستطيع المرأة أن تعبِّر عن المشاعر الداخلية العميقة و الهموم الذاتية على نحو فريد و ليس مجرد وصف هذه التجارب كفعاليات من الخارج مثلما يفعل الرجل . والإهتمام الرابع هو كشف النقاب عن المؤلفات الأدبية النسوية غير المنشورة ؛ أما الهم الخامس فهو إثبات وجود تجارب نسوية مستقلة و متميزة في أنماط التفكير و الشعور و التعبير و التقييم و الأحساس بالذات إزاء العالم الخارجي . أما على صعيد اللغة ، فهناك محاولات متنوعة لتوصيف مميزات "اللغة النسوية" مثل الأسلوب النسوي المتميز في الكلام و في الكتابة و في تركيب بنية الجملة و في صياغة الصور و إبداع الكنايات.
يتضح مما سبق أن الهدف العام لحركة النقد الأدبي الأنثوي هو توسيع "القانون الأدبي" (literary canon) الذكوري السائد عبر إعادة ترتيبه ، أو إزاحته كلياً في بعض الحالات . و المقصود بالقانون الأدبي : مجموعة الأعمال الأدبية التي جعلها الإجماع النقدي المتراكم تكتسب صفة "الأدب الكبير" و التي تخدم كأمثلة أساسية لتاريخ الأدب و للنقد الأدبي و التعليم الأكاديمي. و لقد أفلحت هذه الحركة في رفع المنزلة الأدبية للعديد من الأديبات اللائي بقين إلى وقت قريب مغبونات نقدياً بإعتبارهن أديبات من الدرجة الثانية مثل "آن فِنتش" و "جورج صاند" و "إلزَبث براوننگ" و "إِلزَبث ﮔـاسكل" و "كرستينا روزيتّي" و "هارييت بيتشر ستاو" و "سيدوني ﮔـابرييل كوليت" . كما ساهمت في جلب الأنتباه لأعمال أدبية نسائية بقيت مهملة إلى وقت قريب بـاعتبارها لا تستحق الإهتمام النقدي الجاد و من بينهن "مارﮔـريت كافنديش" و "عفرا بين" و "ماري مونتگيو" و "جوان بيلي" و "كيَت شوبان" و "شارلوت ﮔـلمن" و "زورا نيل هيرستن".
و رغم حداثة حركة النقد الأنثوي ، فإن الكتابات النظرية والنقدية لممثليها تتزايد سنوياً كماً و نوعاً و منذ عام 1969. وهناك اليوم مجلات و دوريات عديدة متخصصة بالنقد الأدبي الأنثوي ، و برامج دراسية متخصصة في الأدب النسوي في أغلب الجامعات الغربية . أما في غالبية البلدان العربية النائمة فإن حصونها الجامعية الرجولية الغارقة في التخلف باقية "أعلى من مستوى النقد الأنثوي" ، و لأسباب معلومة .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خَلَفْ
- دِشَرْ
- ستراتيجيات سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق خلال الفترة 2003-20 ...
- قصة الخنزير البهلوان -نجم-
- رسالة قصيرة


المزيد.....




- لأول مرة.. امرأة تقود قوة حرس حديقة كروجر الوطنية في جنوب إف ...
- بعد اغتصابها، تخاطر بحياتها لحماية مجتمعها من العصابات المسل ...
- تقرير أممي: نصف النساء في 57 دولة محرومات من الحريات الجسدية ...
- تقرير أممي: 50% من النساء في 57 دولة محرومات من -الاستقلالية ...
- الصحافية المصرية سلافة مجدي حرّة!
- مشتاقون إلى مائدة الأسرة.. أول إفطار في ظروف قاسية لسكان مخي ...
- بايدن يرشح أول امرأة لمنصب وزيرة الجيش الأمريكي
- هذه قصة معاناة ضحية العنف الأسري أسيل الغيشان
- النيابة العامة المصرية تحيل طبيباً إلى محكمة الجنايات استدرج ...
- «الحرية لانتصار الحمادي» حملة للافراج عن شابة يمنية اعتقلها ...


المزيد.....

- الهزيمة التاريخية لجنس النساء وأفق تجاوزها / محمد حسام
- الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناه ... / ريتا فرج
- سيكولوجيا المرأة..تاريخ من القمع والآلام / سامح عسكر
- بين حضور المرأة في انتفاضة اكتوبر في العراق( 2019) وغياب مطا ... / نادية محمود
- ختان الإناث بين الفقه الإسلامي والقانون قراءة مقارنة / جمعه عباس بندي
- دور المرأة في التنمية الإجتماعية-الإقتصادية ما بعد النزاعات ... / سناء عبد القادر مصطفى
- من مقالاتي عن المرأة / صلاح الدين محسن
- النسوية وثورات مناطقنا: كيف تحولت النسوية إلى وصم؟ / مها جويني
- منهجيات النسوية / أحلام الحربي
- الواقع الاقتصادي-الاجتماعي للمرأة في العراق / سناء عبد القادر مصطفى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - حسين علوان حسين - ملاحظات حول حركة حقوق المرأة و مدرسة النقد الأدبي الأنثوي