أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسين علوان حسين - ستراتيجيات سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق خلال الفترة 2003-2008















المزيد.....



ستراتيجيات سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق خلال الفترة 2003-2008


حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي

(Hussain Alwan Hussain)


الحوار المتمدن-العدد: 3312 - 2011 / 3 / 21 - 11:03
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


التعريف بمصطلحات العنوان
المقصود بـ"الستراتيجيات" هنا هي تلك القواعد أو الأسس المعتمدة في اتخاذ القرارات اللازمة بصدد أية قضية أو موضوع إداري أو سياسي أو مالي أو عسكري مطلوب البت فيه لأي سبب كان خلال الفترة أعلاه . و يقصد بـ "سلطة الإحتلال الأمريكي للعراق" كل وحدة عسكرية أو إدارية أو أمنية أو دبلوماسية تابعة للبنتاغون أو وزارة الخارجية الأمريكية أو وكالة المخابرات المركزية العاملة ضمن قوات المتعددة الجنسيات و المخولة صلاحيات إتخاذ القرارات خلال نفس الفترة في العراق . أما الإحتلال فمن المعلوم أن المقصود به تلك الحملة العسكرية التي بدأتها و قادتها القوات الأمريكية إعتباراً من الساعة الخامسة من صباح يوم 20/3/2003 و المستمرة حتى نهاية عام /2010. وقد اعتمد الكاتب – كشاهد عيان و متابع - في تشخيص هذه القواعد استقراءه لردود الأفعال لسلطة الإحتلال في تصريفها للشأن العراقي بشكل يومي خلال الفترة أعلاه . و سنرى كيف أن نتائج تطبيق أي واحد من هذه القواعد لم تكن تنصب في مصلحة الشعب العراقي البتة ، بل كانت كارثية عليه ، و أن غالبيتها تخرق أبجديات القانون الدولي ، ناهيك عن المصالح الأمريكية طويلة الأمد في العراق و المنطقة . و في إدراجه لهذه القواعد فان الكاتب لا يقصد أنها كانت بمثابة لائحة عمل مدونة مسبقاً ومعتمدة باعتبارها قائمة تدقيق واجبة الإتباع و المراجعة قبل اتخاذ القرار بصدد كل قضية من طرف كل مسؤول في سلطة الإحتلال ، بل المقصود بها أن المبادئ القائمة ورائِها كانت تستحوذ تماماً على أذهان أصحاب سلطة اتخاذ القرار و تجنح بهم إلى تفضيل إختيارها دون غيرها من المبادئ ، على الأقل في اتخاذهم للغالبية العظمى من القرارات المصيرية .
أولاً / المسؤول الأمريكي هو الذي يضع القواعد ، و قواعده فوق كل القوانين و الأعراف الدولية
معلوم أن الرئيس الأمريكي "جورج بُش" و نائبه "دِكْ چَيني" كانا قد عقدا العزم على إحتلال العراق و إسقاط نظام صدام منذ عام 1998، أي قبل مجيئهما للسلطة ؛ و ذلك لأسبابٍ عديدةٍ لا يَسع المجال هنا للخوضِ فيها ؛ و قد عملا كل شيء لتحقيق هذا الهدف فور إستلامِهما للسلطة في كانون الثاني من عام 2001. و عليه فقد أصبح الشغل الشاغل لكل موظفي إدارتِهما منذ ذلك التاريخ هو تزويد وسائل الإعلام واسعة الإنتشار بالذرائع المفبركة لتسويغ عملية الإحتلال المتسلطة على ذهنية بوش و نائبه ، و لتسويقها للرأي العام الأمريكي و العالمي ؛ تارة بادعاء إمتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ، و أخرى باتهامه بمساعدة تنظيم القاعدة ، و أخيراً العمل على بناء الديمقراطية فيه ، الخ . و عندما لم يجاريهما رئيس وكالة الإستخبارات المركزية "جورج تَنِت" في مسعاهما هذا لكون معلوماته الإستخبارية الأكيدة تقيم الدليل القاطع على بطلان هذه الاتهامات، فقد قاما و لأول مرة في التاريخ الأمريكي بإستحداث مكتبٍ خاصٍ لهذه المهمة الحصرية و هو مكتب "الخطط الخاصة" برئاسة "دوكلاص فيث" و التابع مباشرة لوزير الدفاع "بول وولفتز". و استناداً إلى الإحصائية التي أعدها "مركز النزاهة الشعبي الأمريكي" المستقل في 2008 فإن الرئيس بُشْ و ستة من أرفع موظفي إدارته قد فبركوا لوسائل الإعلام تسعمائة و خمس و ثلاثين كذبة من عام 2001 و لغاية نهاية عام 2002 في إطار ما يسميه المركز المذكور بـ"الحملة المخططة تخطيطا دقيقا لتضليل الرأي العام" المحلي و الدولي.
و لدى تيقن هذه الإدارة عام 2002 من فشل كل ضغوطاتها الشديدة و دعايتها العالمية في إستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يشرعن مهاجمة العراق للمعارضة القوية لفرنسا و روسيا و الصين و ألمانيا و كندا لمثل هذا القرار ، فقد لجأت مع رئيس وزراء بريطانيا "طوني بلير" إلى تشكيل ما أسمته بـ"إئتلاف الراغبين" خارج إطار الشرعية الدولية ، و واصلت ترتيباتها العسكرية على قدم وساق وسط حملة دعائية محمومة رغم المعارضة الشعبية الواسعة للرأي العام الدولي .
القاعدة هنا هي أن رغبات الرئيس الأمريكي واجبة التنفيذ بغض النظر عن مدى مشروعيتها . و عليه فقد كانت حرب العراق أولَ حربٍ تشنها أكبر قوة عسكرية عالمية في التاريخ المعاصر ضد بلد صغير محاصر ، ذي جيش منهك بأسلحته و معداته البالية بدون وجود أية مصلحة قومية عليا للبلد المحتل ، و لا أي خطر على أمنه القومي . كما كانت أولَ حربٍ معاصرة تُسوّغ بالأكاذيب الصارخة .
و أستمر المسؤولون الأمريكان في إتباع نفس هذه القاعدة بعد إحتلال العراق إبان عهد الحاكم "جَيْ گارنر" أولا و بعده "بول بريمر" و مفوضيه في المحافظات العراقية في إصدار قرارات حل الجيش العراقي و الشرطة العراقية و وزارة التصنيع العسكري ، و إجتثاث البعث ، و في التواطؤ مع عصابات السرقة (الفرهود) لسلب ممتلكات الدولة و المتاحف و الجامعات و المكتبات العامة و الأهلين ، و في الحرق الممنهج لمقار الوزارات و دوائرها بالتعاون مع الإستخبارات الكويتية التي أرسلت أشاوسها مع صفائح البنزين بحماية دبابات المحتلين ، و في عمليات القتل للأبرياء بدافع الإنتقام الشخصي ، و في غيرها من القرارات التي تخرق على نحو سافر أسس القانون الدولي الذي يحدد بلا لبس مسؤولية السلطة المحتلة عن أمن البلد المحتل. و لعل أخطر تلك القرارات و أكثرها حماقة كان قرار حل الجيش العراقي و ترك حدود البلد مفتوحة ، مع الإمتناع عن نزع الأسلحة المتوسطة و الخفيفة و الأعتدة المسروقة من معسكرات الجيش العراقي المنحل بأعداد و كميات مهولة (أكثر من 300 ألف طن متري) من أيدي سالبيها من الأهلين فوراً - و هي الأسلحة و الأعتدة التي سرعان ما ستستعمل ضد أفراد و آليات و معسكرات الجيش الأمريكي نفسه ، ناهيك عن إزهاق أرواح مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء .
حتى نقاط التفتيش الثابتة و المفارز المتحركة في الشوارع و الطرق الخارجية كان قادتها هم الذين يضعون قواعد التصرف غير القانوني تجاه ركّاب السيارات المستوقًفة مثل التفتيش المهين للرجال و النساء ، و بَطح المدنيين على بطونهم ، و وَطءِ رؤوسهم أو الأظهر بالجُزَم ، و غيرها من التخرّصات التي لا يقوم بها حتى قُطّاع الطرق . و في عمليات دهم البيوت ، تروّع النساء و الأطفال ، و يُقلب الأثاث رأساً على عقب ، و تُكسّر الأبواب و القاصات ، و تُسرق الأموال و التحف و المستندات و الحواسيب ، لأن المجند الأمريكي فوق مبادىء حقوق الإنسان. و في المعتقلات ، يجري تعذيب المعتقلين مثلما كانت تفعل الأجهزة الأمنية في عهد الطاغية صدام حسبما عرف العالم من فضيحة سجن أبو غريب ، و ما خفي كان أعظم .

ثانيا ً/ إعتماد القوة المفرطة و خصخصة المواجهات الدامية
إستخدمت قوات التحالف آخرَ أجيال أشد الأسلحة فتكاً في الحرب ضد جيش متدهور المعنويات ومنهك في الحروب ، يقاتل بلا قيادة عسكرية حقيقية ، و بدون غطاء جوي و لا مقاومة ضد الطائرات ، و بأسلحة و معدات سبعينية و ثمانينية لا تصلح إلا "خردة" إزاء آخر مبتكرات الفتك الرقمية للقرن الواحد و العشرين . و للتقليل من الخسائر المنظورة ، فقد استخدم الجيش الأمريكي ستراتيجية "الضرب الثقيل" بأضخم ما لديه من قوة نارية في كل المواجهات ، فالموقع الذي يتطلب تدميره مثلا صاروخاً واحداً يتم قصفه بثلاثة أو خمسة صواريخ . ولم يتورع الجيش الأمريكي عن إستخدام الضربات الكتلوية و أشعة الميكرويف و الفسفور الأبيض و القنابل العنقودية في قصفه قبل الإحتلال وبعده ، ولا عن ضرب المدنيين العزل بطائرات الأف 16، مما أدى إلى مقتل و جرح مئات ألآلاف منهم . و مما زاد في ضحايا المدنيين يومياً هو استمرار تطبيق دورياته السيّارة (و عددها بالمئات يوميا) قواعد إشتباك المعركة عن قرب (أي التفويض المطلق بفتح النار على كل شخص قريب لا يرتدي بزة عسكرية أمريكية و لا يرفع يديه أو يستقل عربة متحركة) على إمتداد خطوط مساراتها حتى بعد إعلان قوات التحالف رسميا في 15 نيسان / 3003 إنجاز مهمتها في إحتلال العراق . فلأول مرة في تاريخ حروب الإحتلال ، واصلت الدوريات العسكرية الأمريكية التطبيق اليومي لقواعد الإشتباك الفوري عن قرب بإطلاق النار الكثيف من الرشاشات الثقيلة و المتوسطة و الخفيفة ضد حافلات نقل الركاب و السيارات المدنية المتحركة بالقرب من هذه الدوريات و بدون إنذار مسبق سواء في شوارع المدن أو على الطرق الخارجية ، و بضمنها سحق هذه العجلات المدنية براكبيها تحت سُرف الدبابات ، أو صدمها من الخلف أو الجوانب بالعجلات المدرعة و ذلك من آذار عام 2003 و حتى بداية كانون الأول من عام 2009 . و بكلمة أخرى ، و طوال ما يقارب ست سنين، فقد تعاملت دوريات القوات الأمريكية مع السيارات المدنية المتحركة على الشوارع و الطرق الخارجية معاملة القوة المعادية المشاركة في إشتباك المعركة ، و قتلت مئات الآلاف من المدنيين دون الإعلان عن ذلك.
و مما زاد في الطين بله ، إستخدام سلطة التحالف الواسع للشركات العسكرية الخاصة و شركات الحماية الخاصة في إنجاز مختلف مهماتها من حماية المعسكرات و المباني و حماية عمليات نقل التجهيزات و الأشخاص و الإستخبارات العسكرية ، إلى خوض المعارك المباشرة و مهمات الإسناد العسكري غير المباشر و التقني و اللوجستي و التدريب العسكري . و قد تطوّرت أعمال هذه الشركات الخاصة في العراق بعد الإحتلال لتصبح صناعة بليونية الأرباح تستخدم (48) ألف مرتزق خلال عام (2004) ، يعملون في أكثر من (181) شركة خاصة يزيد دخلها السنوي على (100) بليون دولار . و لا يمكن تمييز أفراد هذه الشركات عن أنفار العسكر الأمريكي بشيء ، و هم يتمتعون مثلهم بالحصانة القانونية بموجب القرار رقم (17) لبريمر. وبسبب ذلك فقد وفّرت هذه الشركات إمكانية التخفيف من عدد الخسائر بالأرواح و المعدات لقوات التحالف ، علاوة على توفيرها إمكانية تنصل المحتل من المسؤوليات القانونية للخروقات ضد حقوق الإنسان و جعل الحرب طَبَقاً مستساغاً للرأي العام الدولي . و يمكن القول أن كل واحد من حوالي (20000) من هؤلاء المرتزقة قد أطلق النار بدون سابق إنذار على ما لا يقل عن عشرة مدنيين عراقيين عزّل خلال فترة الدراسة ، و مجزرة ساحة النسور في أيلول 2007 خير دليل على ذلك. كما أثبتت التحقيقات في فضيحة أبو غريب (2004) تورطهم في أعمال التعذيب ضد المعتقلين أيضاً ، و في تهريب الأسلحة الأمريكية إلى داخل العراق و بيعها لكل قادر على الشراء فيه ، بضمنها مجموعات القاعدة .
و النتيجة هي أنه إستناداً إلى الدراسة الميدانية المدعمة بشهادات الوفاة التي قامت بها مجلة "لانسيت" الطبية ذات المصداقية المعروفة فأن عدد المدنيين العراقيين الذين لاقوا حتفهم جراء العمليات العسكرية للفترة من آذار 2003 و لغاية نهاية شهر حزيران 2006 هو (654965) شخص ، زادوا بموجب التحديث لغاية كانون الأول 2008 إلى (1120000) ، وبلغ عددهم لغاية نهاية عام 2009 : (1366350) . و إستناداً إلى الإحصائيات العراقية الرسمية فإن عدد الأطفال الأيتام في العراق عند نهاية عام 2007 قد بلغ خمسة ملايين طفل ، أي حوالي نصف العدد الكلي للأطفال في العراق. و إذا ما أضفنا إلى هؤلاء العائلات المهجرة داخل و خارج البلد فسنحصل على أرقام فلكية تفوق التصور عن حجم المأساة الإنسانية الرهيبة التي سببها الإحتلال .
ثالثاً / تخريب النظام القائم (الفوضى الخلاقة)
دخل السياسيون الأمريكان الحرب دون التخطيط لأي هدف واضح أو مدروس خارج نطاق الإطاحة بصدام . و بعد إنجازهم لهذا الهدف بسرعة غير متوقعة ، بدأ التخبط ، و تَواصل التدمير لمؤسسات الدولة القائمة بشكل لم يحصل في أي إحتلال أمريكي خلال القرن العشرين ، بما في ذلك إحتلالاتهم في أوروبا و اليابان و أمريكا الوسطى ، و هو ما يعكس إحتقار المحافظين الجدد للحضارات و الشعوب الشرقية . و يمكن القول أن القيادة السياسية للاحتلال البريطاني للعراق عام (1918) كانت أرحم و أقدر على البناء المؤسساتي بما لا يقاس من القادة الأمريكيين في إحتلالهم للعراق عام (2003). بل بالعكس ، فقد ساهم الإنكليز ـ عن طريق مستشاريهم ـ في بناء دولة جديدة في العراق على أسس عصرية عبر التعامل مع النخب السياسية و العسكرية و الشعبية الموجودة ، في حين دمّر الأمريكان عمداً و عن سابق إصرار كل المؤسسات السيادية و الثقافية لأعرق دولة مستقلة في المنطقة و برعونة كارثية . أما الفرق الذي يعرفه الجميع بين الدولة كمؤسسات و بين الحاكم كفرد فقد كان أرفع من مستوى إدراك إدارة بُشْ و عساكره .
تصوروا كميّة الدماء المحقونة و الأموال العامة و الخاصة المحفوظة و الخسائر المتفادية حتى في صفوف جيش الإحتلال نفسه لو تم الإستبقاء على تشكيلات الشرطة و الجيش العراقي للإيفاء بواجب حفظ النظام و منع الفَلَتان الأمني و أعمال السلب و النهب و التخريب و السهر على ضبط الحدود الدولية بعد سقوط الصنم . و لا يمكن فهم كيف يتسنى لأي سياسي عاقل أن يتصور إمكانية إستتباب الأمن و حفظ النظام في ظل غياب أجهزة الشرطة و الجيش في بلد محتل : سكانه أمضوا عقوداً من الحصار و الحرمان من أبسط مستلزمات العيش ، و شبابه عاطلون ، و مدنيوه يسكن أكثرهم في الهامشيات ، و حدوده مفتوحة ؛ في ضوء عدم مقدرة الجيش المحتل - بل و حتى إمتناعه تماماً - عن الإيفاء بواجبه المفروض في حفظ الأمن لإنشغاله بتأمين الأمن لنفسه و مواقعه فحسب ، و على العراقيين و أمنهم و ممتلكاتهم السلام . لم يكن المحتلون يفهمون شيئاً عن طبيعة العراق و شعبه ، مثلما كانوا جهلة بمستلزمات الحكم المحلي للشعوب المقهورة ، و لذلك فقد حلت الكوارث تترى ، كارثة تنبثق من رحم كارثة .
كما أثبتت مجريات الأمور خلال الأعوام الخمسة التي تصرّمت على الإحتلال بطلان مبدأ الفوضى الخلاقة ، حيث لا يمكن للفوضى أن تشتغلَ أو تخلقَ شيئاً مفيداً دون و جودِ مؤسسات فوقية حاكمة و فاعلة في أي بلد كان ، لأن الفوضى المنفلتة لا تولد غير الدمار و الموت ، و لا يثيرها إلا من يريد إلغاء القانون كي يسرح و يمرح بلا رقيب ثم ما تلبث أن تدور الدوائر عليه .
رابعاً / تقسِّيم المقسَّم و تفضيل التعامل مع سياسيي المنافي
معلوم أن الشعب العراقي شعب متعدد القوميات و الأديان . قوميا ً: هناك العرب و الأكراد و التركمان، و دينياً هناك المسلمون و المسيحيون و الأيزيديون و الصابئة و غيرهم . كل هؤلاء عراقيون متجاورون و متصاهرون و متحابون و يشكلون معا شعباً واحداً غني التنوع . فجأة يأتي الإحتلال الأجنبي و نسمع منه ومن تابعيه نغمات تقسيمية جديدة : فالكرد مكوِّن قومي واحد و لا ينقسمون إلى سنّة و شيعة و لا إلى بادينانيين و سورانيين ، أما العرب فليسوا قومية واحدة بل هم مكونان : السنّة و الشيعة ، و مثلهم التركمان فهم سنة و شيعة و ليسوا قومية واحدة ، و المسيحيون آثوريون و كلدانيون ووو الخ ، و ذلك حسب الميزان الأعوج للتقسيم الجديد الذي أتحفنا به تابعو الرئيس بُشْ و نائبه في العراق بريمر . بعدها ، صرنا نسمع بتقسيمات جديدة تستكمل مستلزمات تقسيم المقسَّم : فالشيعة هم فيلية و شبك وشيعة الجنوب و شيعة الوسط و شيعة مدينة الصدر و شيعة النجف و الشيعة التركمان ووو الخ . و السنّة هم سنّة المثلث و سنّة الموصل و سنّة بغداد و سنّة الوسط و سنّة البصرة ووو الخ . و فجأة تتبرعم الأحزاب السياسية الطائفية ، و كل حزب يُنصِّب نفسه ممثلا لتقسيم ما، و على وحدة الشعب العراقي السلام . كل هذا التشرذم يجري برعاية المحتل الذي يرحب بالتعاون مع كل من يريد العمل ضمن أجندته على قاعدة "فرق تسد" لكي يَبقى مُمسكا لكل الخيوط بيديه.
و في كل إنتخابات ، يتعالى الصراخ و النحيب من طرف كل من ينصِّب نفسه ممثلاً مقدساً لفئةٍ ما على ظلامة فئته خلال العهود المبادة ليستدر أصوات الناخبين ، و ينال نصيبه من الكعكة العراقية الدسمة بحجة دفاعه عن مصالح فئته (الصحيح هو الدفاع عن الكسب الشخصي غير المشروع) . فالعراق بلد فاحش الثراء ، و حيثما يَمْدُدْ هؤلاء يَغرِفون . أما المواطن العراقي المدمَّر فيقف حائراً وسط هذه المتاهة و الخلط العجيب للأوراق . ثم ما يلبث أن يَتقسَّم المقسم من جديد ، حتى أن بعض الكتل السياسية أصبحت لا تضم الآن إلا عائلة واحدة أو شخصاً واحداً وحسب. و في ظل مثل هذا التشظي الطفيلي ، لم يعد بوسع الأحزاب الوطنية التي ترفض الفئوية إنجاز شيء و ذلك في أحلك الأوقات عندما يكون العراق بأمس الحاجة إلى وحدة الصف و التكاتف لبناء مؤسسات الدولة الجديدة و البدء بمسيرة التنمية و الإعمار للشعب المنكوب . و بالطبع فان الشعب غير القادر بإرادة و عقول رجالاته و قادته السياسيين الوطنيين على التوحد و شد الصفوف لا يمكنه أن يعوِّل على المحتل الأجنبي ليحقق له وحدته المجتمعية لأن هذه الوحدة تتقاطع مع مصالحه و خططه . كل هذا أفسد العملية السياسية برمتها، و بات الشعب العراقي المنكوب محكوماً بقواعد "الديمقراطية القذرة" ، أبطالها مزورون و تقسيميون و إقصائيون و حراميّة و فاشلون سياسياً يتخذون من السيرة القذرة لصدام و عائلته مثلاً أعلى يُحتذى . في هذا الخضم المتلاطم لا يمكن أن تصبح الإنتخابات وسيلة للتغيير الحقيقي ، فنفس الوجوه تصعد من جديد في كل مرة عن طريق إقصاء أقوى منافسيهم بهذه الخديعة أو تلك ، و أبعدها شأواً و أبلغها تزييفاً كانت الدعاية لوجوب إنتخاب "القائمة المباركة من طرف المرجعية" ( إقرأ : الحزب القائد الجديد المقدس ) في إنتخابات 2005 أو دخول عباد اهته في غياهب جهنم و بئس المصير .
و يلاحظ أن غالبية القيادات السياسة التي قربها المحتل و سلمها المناصب أو الأموال هي تلك التي جاءت عائدة من منافيها في الخارج ؛ و أن نهم الغالبية العظمى لهؤلاء من الشراهة بحيث لا يُبقي للوطنيين المخلصين و الكفوئين من عراقيي الداخل أية فرصة للمشاركة الحقيقية في العملية السياسية . و أغلبُ الأحزاب الجديدة-القديمة تؤمن إيماناً نضالياً مقدساً – تماماً مثل حزب البعث المقبور – بالإستحواذ على السلطة و إقصاء الآخرين بهذه الخديعة أو بتلك المليشيا أو الدعاوى الكيدية ، و قياداتُها مَلَكيّة وراثية معادية للديمقراطية ، و فاقد الشيء لا يُعطيه . الستراتيجية هنا هي أن سلطة الإحتلال – مثل المصارف التجارية – تُؤْثِرُ أن تستثمر في التعامل مع زبائنها المعروفين و المجربين كضمانة للمصالح المستقبلية على قاعدة أنًّ "الشين المعروف خير من الزين المجهول".
طيب كيف يمكن إذن بناء مشروع الدولة العراقية الجديدة في ظل سيادة مفهوم الإنتماء للمكون الديموغرافي و ليس الإنتماء للوطن لدى معظم الكتل التاريخية المتصدية للشأن السياسي في ظل غياب مفهوم المواطنة الحقيقية القائم على أساس الموازنة بين الحقوق و الواجبات ؟ تحرص كل الكتل الطائفية و القومية حرصاً دموياً على التمتع بالحقوق و على تقاسم المغانم رغم أنها لا تفي مقابل ذلك بواجباتها في الحرص على مصلحة الشعب العراقي ككل . و للأسف فأن رجالات هذه الكتل تغيب عنها الشخصيات المجيدة التي يمكن أن تضاهي تلك التي تصدت لبناء الدولة العراقية في العشرينيات من القرن الماضي مثل عبد الواحد الحاج سكر و الشيخ محمود الحفيد و جعفر أبو التمن و البصير و حبيب الخيزران و أحمد الشيخ داود و الشبيبي و المدرس و عبد الغفور البدري ، و غيرهم الكثير ، بل نكاد لا نجد حتى من يقترب من وطنية رجال مثل نوري السعيد و العسكري و السويديان . و على صعيد رجال الدين ، يفتقد ليل الشعب العراقي الآن لأقباس الشيرازي و النائيني و عبد الكريم الجزائري و الشيخ مهدي الخالصي و السيد محمد الصدر و غيرهم الكثير. و السبب الرئيس وراء هذا الغياب هو طبعاً سياسة القطع الممنهج للرؤوس الوطنية التي أتبعها البعثيون بكل سادية و تَتَبُّع من شباط عام 1963 و لغاية آذار 2003.
خامساً / التوفيقية للموازنة بين مصالح أقطاب الكتل السياسية الجديدة
يطيب لقادة ما أصبح يعرف الآن بالكتل السياسية الرئيسية إخراج مشاهد تبويس اللحى أمام عدسات مصوري القنوات الفضائية التي يحرص كل قائد منهم على إنشائها بالمال العام المنهوب ، في نفس الوقت الذي يتحرك فيه تابعيهم لتوجيه السهام ضد معانقيهم ، خصوصاً الأقوياء منهم . و عندما يجتمعون إلى الموائد المستديرة أو المستطيلة فهم يرفضون الإتفاقَ على أي شيءٍ بإستثناء تقاسم المغانم ، و لذلك فقد شكلوا "لجنة التوازن" لهذا الغرض. و يذكر لنا "بريمر" في "سنته في العراق" أن أسرع قرار إتخذه مجلس الحكم كان ذلك الذي يخص تحديد رواتب أعضاءه ، و التي لم تكن ضخمة بالمقارنة مع الإمتيازات الخرافية التي منحها لأنفسهم و لعوائلهم أعضاء برلمان 2005 الفضيحة. طيب : كيف تُتَّخذ القرارات المصيرية و تُسن القوانين الأساسية إذن ؟ بالتوفيقية بين المصالح الشخصية للسادة الجدد ، و ذلك حسب قاعدة "شيِّلني حتى أشيِّلك" . فعندما يرفض سين المصلحة (أ) لصاد ، يرفض صاد بدوره المصلحة (ب) لسين ، مع إضافة بعض التوابل من الترغيب و الترهيب و استعراض العضلات و الهجوم الإعلامي و الهجوم المضاد أو المتراجع أحياناً، و ذلك في جولات مفتوحة من نزالات متوازية و عديدة لا تنتهي من نوع جديد للمصارعة الحرة غير المقيدة و التي يُسمَح فيها بالضرب في كل مكان و بكل الأسلحة و خصوصاً الصواريخ و العبوات و كاتم الصوت.
ثم ما يلبث المحتل أن يتدخل ، فيُقنَع المتصارعَين على تمرير أجزاءً من المصلحتين في نفس الوقت ، و نعود مرة أخرى لستراتيجية تبويس اللحى أمام المصورين ، و على نزالات المصارعة غير المقيدة على الأرض . و إذا فشلت جهود المحتل في التقريب بين أطماع المتخاصمين ، فإنه يقف وقفة المتفرج ليفسح المجال لستراتيجيتين بالعمل : أولاهما الهروب إلى أمام بالتأجيل و كنس قمامة القضية تحت السجادة مثل تأجيل تعديل الدستور و عدم إصدار قانون الأحزاب و السلوك الإنتخابي و ، و ، الخ . أما القاعدة الثانية فهي قيام أقوى المتخاصمين بفرض الأمر الواقع على الأرض بقوة السلاح على الطريقة الإسرائيلية . طيِّبْ ، من يسهر إذن على المصالح العليا للعراق الجديد ؟ بعض الأصوات المبعثرة و الخجولة هنا و هناك ليس إلا ، و التي سرعان ما تتبدد أو تُقمع وسط ضجيج قعقعة أسلحة المتصارعين ، و وسط تجاهل أو جهل قادة المحتلين .
و يبرز لنا في ظل هذه المعمعة المفهوم الفج لما يسمى بالديمقراطية التوافقية بحجة أن العراق بلد متعدد المكونات الإجتماعية ، و أن هذا النمط من التوافق حيوي لإنجاح العملية السياسية فيه . هنا يبرز مجال إشتغال ستراتيجية الضحك على الذقون و الإستهانة بالحقائق الجيوسياسية و بعقول العراقيين التي يمارسها الأحتلال و غالبية ساسته الجدد على غرار أكاذيب "بُش الإبن" . طيب أين هو البلد غير المتعدد القوميات؟ الجواب هو أنه لا يوجد هناك أي بلد في العالم واحدي القومية ، و إلا كيف يتسنى لأكثر من ستة آلاف قومية قائمة على وجه الأرض أن تتواجد في أقل من مائتين و عشر دول؟ و إذا كان أساس المواطنة الجديدة ليس الإنتماء للأمة العراقية الموحدة و إنما للمكون الطائفي أو القومي فكيف نبني العراق الجديد و نرتقي بمواطنية الفرد العراقي ؟ لقد جرّب اللبنانيون الدوّامة التوافقية (و ليس الديمقراطية التوافقية) في ظروف إحتلالية مشابهة مدة تزيد على نصف قرن ، فأين أوصلتهم مثل هذه الدائرة القذرة ؟ تدخلات أجنبية متوالية و ضعف و ارتهان مستديم بالقوى الخارجية و حروب و مجازر و إحتلالات و إغتيالات و أمراء طوائف و ملايين المهاجرين . نفس الشيء يحصل الآن في العراق ، و لهذا يستطيع المراقب أن يستنتج بحزن شديد بأن مشروع الدولة العراقية الجديدة يرقد الآن في غرفة الإنعاش ، و سيلفظ أنفاسه الأخيرة أو يبقى معتلاً اعتلالاً مزمناً ما لم تضخ فيه بسرعة دماء جديدة من ناشطين سياسيين ولاؤهم للعراق و حسب . و قد نعود للدكتاتورية مجدداً ، و إلى تكريس حكم المافيات تحت مظلة الفدرالية ، لأن الطبقة السياسية الجديدة إقصائية ، و غير قادرة على الحكم ، و لا تشبع من النهب و الإستحواذ ، و لا يوجد قضاء مستقل و فعال في العراق ليفرض سلطة القانون عليها.

سادساَ / تحقيق التقدم بوضع الجداول الزمنية التحكمية
منذ الفاتح من مايس / 2003 عندما رتّب "بُشْ" على متن حاملة الطائرات الأمريكية "إبراهام لِنْكُلْن" الراسية قرب ساحل سان دييغو في كاليفورنيا حفلاً إستعراضياً ليلقي فيه خطبته التي صارت تعرف الآن بعنوان "أُنجِزَتْ المهمة" أمام بحّارة و طيّاري تلك الآلة الحربية الجهنمية، بدأت إدارة بُشْ بفرض الجداول الزمنية التحكمية لرسم المستقبل السياسي للعراق. الهدف طبعا هو خلق الإنطباع بوجود عملية سياسية في العراق ليست جديدة فحسب ، بل و هي فعّالة أيضاً . و هذا يعني أن نجاح المحتل لا يقتصر على الإطاحة بصدام ، بل يتعداه إلى بناء الديمقراطية في العراق . بعدها بعشرة أيام جاء الحاكم بريمر للعراق و الذي حُددت فترة حاكميته بعام واحد ، أي حتى 28/ تموز/2004 . و السؤال هو لماذا سنة واحدة لا أقل و لا أكثر ؟ الجواب هو أن الإدارة الأمريكية إعتبرت تلك الفترة كافية لكي يصدر هذا الحاكم قوانين ملزمة تتحكم فيما سيلي من خطوات خارطة الطريق لخلق العراق الجديد . و مجلس الحكم – الذي كرست عضويته التقسيمات ألإعتباطية لمكونات الشعب العراقي المذكورة أعلاه – حددت مدته بمدة حاكمية بريمر، لماذا لم يستبقى لحين إجراء الإنتخابات العامة ؟ لا أحد يعرف . و حدد يوم 30 كانون الثاني من عام 2005 موعداً لإجراء الإنتخابات لإختيار جمعية وطنية إنتقالية ، فلماذا هذا التاريخ بالضبط و العراق يغرق في الإرهاب ؟ لا نعرف . طيب ، جرت الإنتخابات في التاريخ المذكور و قاطعتها عدة محافظات ، فلماذا إستمر التمسك بنتائجها؟ لا نعرف . و مسودة الدستور الجديد المثيرة للجدل و التي طبخت على عجل في أروقة جمعية وطنية غير متوازنة التمثيل ، جاءت مليئة بالمطبّات القانونية ، و قد حدد لها يوم 15 تشرين الأول من عام 2005 للتصويت عليها ، فلماذا هذا الإصرار على الإلتزام الآلي بهذه التوقيتات التحكمية و الشعب العراقي يقف إزاء مسألة مصيرية مثل الدستور عندما كان واضحا أن أغلب مواد هذا الدستور قد أصبحت مبعثاً للإختلاف و ليس الإجماع الوطني مثلما هي القاعدة في الدساتير الدائمة ؟ لا نعرف . طيب ما هي إذن الستراتيجية المعتمدة من طرف الإدارة الأمريكية لفرض كل هذه المواعيد التحكمية ؟
الجواب هو أن الإدارة الأمريكية تعاملت في قضية نقل الحكم في العراق إلى ساسته الجدد معاملة المقاولة المحددة فيها مسبقاً سيناريوهات فقرات الإنجاز ، و أوكلت للحاكم بريمر أولاً و من بعده السفير خليل زاد و كروكر مهمة الإشراف على تنفيذها بنفس المواعيد المحددة مسبقاً لها ، وليكن ما يكون . لماذا ؟ لكي تُسرع في الخروج من المستنقع العراقي بعد عرقنة الحرب فيه أولاً. و ثانياً لكونها غير مهتمة بمن يَحكم العراق و لا بالكيفية التي يُحكم بها العراق في ضوء كون كل الكتل السياسية الرئيسية فيه واقعة تحت نفوذها القوي ، و لذلك فإن بمقدورها التدخل في الوقت المناسب لفرض إرادتها كلما دعت الحاجة إلى ذلك ، خصوصاً عندما تفشل آليات التوافق المستوردة منها في وضع الأمور الخلافية بين تلك الكتل ضمن إطارها المقبول .
سابعاً / خلق الكومبرادور
رغم تشوّه الإقتصاد العراقي و إتسامه بالأحادية لإعتماد حكوماته على صادرات النفط الخام بالدرجة الأولى في الدخل القومي ، و لكن المعروف أن وادي الرافدين بلد زراعي بامتياز ، فهو يمتلك دجلة و الفرات اللذان يرويان ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة ، كما أن لديه ثروة حيوانية كبيرة ، و صناعات محلية منتجة. كان الإنتاج الزراعي قبل الإحتلال يساهم بسد حوالي 60% من الإستهلاك المحلي من المنتجات الزراعية سنوياً، فيما يسد القطاع الصناعي نسبة الثلث ، كما كان هناك دعمٌ تنمويٌ للقطاعين . زد على ذلك أن الصناعات الإستخراجية للكبريت و الفوسفات و الصناعات التحويلية المتعلقة بهما كانت تدر مليارات الدولارات سنوياً للعراق رغم أنها كانت تباع في زمن الحصار بأبخس الأثمان عن طريق التهريب عبر الأردن و إيران . ثم يأتي المحتل فيَفتَح الحدود بلا حسيب و لا رقيب أمام كل السلع المصنعة و المنتجات الزراعية و الغذائية و الدوائية ، و تُغرق الأسواق المحلية بالمنتجات الرخيصة – و بعضها مغشوش و أكثرها متدني النوعية – و المدعومة من الدول المصدرة لها و بلا كمارك ، في حين يتوقف الدعم الحكومي عن الصناعيين و المزارعين و مربي الدواجن ، و تصبح مناجم الكبريت و الفوسفات و مقالع الحجارة و الرمل نهباً لمافيات المهربين ، فتنتهي الزراعة و الإنتاج الحيواني المحلي أو تكاد ، و يضمحل الإنتاج الصناعي العراقي ، و تنمو طبقة جديدة من الكومبرادور - و بعضها يتولد من شركات النهب المرتبطة بعائلة صدام و مخابراته و أيتامه و التي تأسست خلال تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء و الدواء . حتى الأمن الغذائي للشعب العراقي منهار . تلك هي نتائج ستراتيجية الإستيراد المفتوح التي نفذها المحتل ، و لن أتحدث هنا عن الإضرار الصحية بعيدة المدى و الناجمة عن تعاطي المنتجات الغذائية و الأدوية المغشوشة ، و لا عن التلوث البيئي و الإختناقات المرورية الحاصلة بسبب إستيراد السيارات القديمة غير المستوفية للمعايير الدولية الجديدة التي تحدد سقفاً لكمية إنبعاثات الغازات السامة .
معلوم تاريخياً أن الطبقة الكومبرادورية فئة ترتبط مصالحها الطبقية بالمصالح الدولية و ليس بمصلحة البلد المستهلك ، و لذلك فهي تعادي المصلحة الوطنية في تحقيق النمو الإقتصادي الناجز لأن ذلك يَحرِمها من مواردها الضخمة من بيع المنتجات التي تتولى هي استيرادها ، و هي لا تستثمر أرباحها في تطوير الإنتاج المحلي، بل تهرِّب الأموال للخارج لتستورد من جديد ، أو تستثمر في بناء الأسواق المركزية لتصريف وارداتها السلعية. و قد يتبادر إلى الذهن أن إقتصاد السوق يتطلب فتح الإستيراد بلا قيود ، و لكن هذا غير صحيح مطلقاً، لأنه لا توجد الآن - و لم توجد عبر التاريخ - أية دولة تحترم مواطنيها المنتجين تقبل باستيراد المنتجات المدعومة من دولها المنتجة لتتنافس مع منتجاتها المحلية من نفس النوع و غير المدعومة من طرفها لأن ذلك يتجاوز بفجاجة على مبدأ المنافسة الحرة المتكافئة الشروط .
ثامناً / السكوت عن الفساد الإداري و السياسي لشراء التابعين
لغاية نهاية عام 2008، كلّف غزو العراق الإقتصاد الأمريكي ما يزيد على ثلاثة ترليونات دولار ، فيما كلف بريطانيا و أستراليا و غيرها من الدول المشاركة فيه ما يزيد على 20 بليون دولار. و لما كان جنود سلطة الإحتلال قد استهلوا مهمتهم التحريرية في العراق بالتواطؤ و المشاركة في عمليات الفرهود ، لذلك فقد أصبحت ثقافة النهب الممنهج للمال العام و الخاص هي السائدة في العراق الجديد. خلال عام 2004 فقط ، سُرق ما مجموعه تسعة مليارات دولار من صندوق إعمار العراق ، و الإعلان الأمريكي الرسمي عنها لا يقول بسرقتها و إنما يصف القضية بكون هذه الأموال "لم يمكن العثور عليها" كما لو كانت فلساً واحداً مفقوداً و ليست تسعة بلايين دولار تزيد على الرقم الإجمالي الميزانية السنوية للعراق عام 1993. و يستنتج تقرير مكتب المفتش العام الأمريكي الذي حقق في هذه القضية بأن "سلطة قوات التحالف لم تنشئ و لم تطبق إجراءات الرقابة الإدارية و المالية و التعاقدية الضرورية و الكافية لتأمين الإستخدام الشفاف لأموال الصندوق" ، كما يتهمها أيضاً بالضعف الشديد في الكفاءة. لاحظوا إننا نتحدث هنا عن صندوق بمبلغ إجمالي قدره 18 بليون دولار مخصص لإعادة أعمار بلد مدمر بالكامل ، و يعيش 70% من شعبه تحت خط الفقر. و بالطبع فقد كانت هذه أكبر عملية سرقة للنقد في التاريخ . و الشيء العجيب و المؤلم هو أن كل الكوارث التي تصيب الشعب العراقي منذ 8 شباط 1963 و لحد الآن مكتوب لها أن تأخذ أبعاداً مهولة تتكسر في نهايتها كل الأرقام و المقاييس السابقة و اللاحقة . أين ذهبت كل هذه البلايين ؟ الجواب : لشراء الذمم و تسديد فاتورة الإسناد الكويتي – السعودي - الإيراني للغزاة .
بعدها إستمرت السرقات و تزايدت لتصل في عام 2007 إلى ما مجموعه 100 بليون دولار من أصل 200 بليون دولار هي مجموع واردات الخزانة العراقية للسنوات الخمس 2003-2007. كل هذه سرقات نقدية لأرصدة مصرفية يفترض أن تكون خاضعة للمراقبة ، أما سرقات المواد الخام من النفط و مشتقاته و مصانع التصنيع العسكري و آليات و أسلحة وزارتي الدفاع و الداخلية و الوزارات الأخرى فحدث و لا حرج . و أسوأ منها الفساد الحكومي الموثق في وزارات النفط و التجارة و الدفاع و الداخلية و المالية و التربية و التعليم العالي و العمل و الشؤون الإجتماعية و الزراعة و الصناعة و الإسكان و إدارة إقليم كردستان و شؤون البيشمركة (الذين أصبح عددهم يزيد الآن على 350 ألف شخص) ، و ديوان الرئاسة و رئاسة الوزراء و البرلمان وو الخ. حتى هيأة النزاهة لم تسلم من الفساد . و كان الله في عون "ولد الخايبة" من الجائعين و المهجرين .
تاسعاً / دولرة الإقتصاد العراقي
المقصود بالدولرة عملية ربط العملة المحلية للبلد زائداً تجارته الخارجية و الداخلية بالدولار الأمريكي على نحو بنيوي يَصعُب الخلاصُ منه مثلما هو حاصل في السعودية و الكويت. و ترتبط سيرورة هذه العملية بطبيعة تطور الدور التاريخي للدولار الأمريكي في التجارة الخارجية العالمية . منذ عام 1945 اكتسب الدولار الأمريكي صفة "المعقل الآمن" للإقتصاد الأمريكي عندما أصبح العملةَ الوحيدةَ التي يباع بها النفط في أسواق العالم كافة ، ليتحول بذلك من عملة أمريكية محلية إلى عملة للإحتياطي النقدي العالمي . في عام 1971 ، أخرج الرئيس الأمريكي "نكسن" الدولار الأمريكي من قاعدة الذهب نهائيا ، و بذا فلم يعد البنك الإحتياطي الفدرالي الأمريكي ملزماُ بإستبدال دولاراته بالذهب بنسبة (35) دولاراً للاونصةِ الواحدة مثلما كانت عليه الحال قبلئذٍ ، في حين بقي النفط الخام يباع بالدولار الأمريكي في الأسواق العالمية للنفط في آسيا و أوربا و أمريكا بسبب تبعية المنتجين في دول الأوبك و غيرها للسوق الرأسمالية الأمريكية.
و قد مكّن هذا الإمتياز الفريد للدولار في التجارة الخارجية الدولية وزارة الخزانة الأمريكية من طبع مئات البلايين من الدولارات الورقية بدون غطاء من الذهب لأن كل إحتياطيات نفط العالم أصبحت هي الغطاء الفعلي للدولار الأمريكي . هذه الدولارات الورقية التي لا قيمة حقيقية لها يستخدمها المستهلك الأمريكي لإستيراد كل ما يشاء من السلع من كل دول العالم المصدرة لتلك السلع ، لتتحول هذه الدولارات الورقية إلى دولارات بترولية تستخدمها في المقابل كل دول العالم المستهلكة للنفط لتسديد أقيام إستيراداتها من البترول من الدول المنتجة له في الأوبك و غير الأوبك . و يُقدَّر أن ما يزيد على ترليون من كتلة البترودولار هذه تعود مرة ثانية إلى السوق الأمريكية الداخلية سنوياً بشكل إستثمارات من طرف دول الأوبك نفسها في شراء سندات الخزينة الأمريكية و الأسهم و العقارات الأمريكية و غيرها حسب التفاهم الحاصل بين دول الخليج و نِكْسِنْ منذ عام 1971. هذه الدورة تقوّي أسعار الصرف العالمية للدولار، و تجعل كل دول العالم المستوردة للنفط تتسابق في بيع منتجاتها للأسواق الأمريكية كي تحصل منها على الدولار فتسدد بواسطته إحتياجاتها المتزايدة من البترول . نحن هنا إزاء لعبة هزلية : المستفيد الأول و الأخير فيها هي أمريكا المستورد و المستهلك الأكبر للنفط ، و التي لا تحتاج لعمل شيء في إستيراد النفط الخام غير إنتاج الدولار الورقي ، في حين تقوم كل دول العالم غير المنتجة للنفط بإنتاج شتى أنواع البضائع و تبيعها لأمريكا بأبخس الأسعار كي تحصل منها على دولاراتها الورقية و تشتري بها البترول . و بكلمة أخرى ، فإن أمريكا تمتلك بترول العالم كلِه مجاناً. و لذلك لا تهتم الإدارات الأمريكية المتعاقبة كثيراً بالعجز المستديم في ميزانها التجاري مادامت ماكينات طبع الدولار الورقي تشتغل على قدم و ساق في واشنطن ، و لا يوجد دَين داخلي أو خارجي لا يمكن تسديده بها. و لو أن دول الأوبك قررت بكرة بيع نفطها بعملة غير الدولار الأمريكي لانخفضت القيمة الشرائية للدولار الأمريكي فوراً إلى أقل من العُشر في أحسن تقدير ، و لأنهار الإقتصاد الأمريكي و الصيني و الياباني و إقتصادات كل التنانين الآسيوية و غيرها من الدول غير المنتجة للبترول و التي تستخدم الدولار إحتياطياً لعملاتها المحلية .
و المعضلة الكبيرة الأخرى التي تواجهها الهيمنة العالمية للدولار على تجارة النفط هي التناقص الحاد في الإنتاج العالمي للنفط الخام ، خصوصا من حوض بحر قزوين و البحر العربي و بحر الشمال و خليج المكسيك و في غيرها من المناطق ، و ذلك في نفس الوقت الذي يتزايد فيه الطلب العالمي عليه بإستمرار. و لكون النفط ثروة ناضبة بتسارع حاد ، لذا فإن التزايد المستمر في أسعاره حسب قوانين العرض و الطلب من شأنه أن يخلقَ أزمةً رأسماليةً جديدة قوية من أوضح نتائجها تدمير الهيمنة العالمية للدولار نتيجة القضاء على قوته الشرائية .
في عام 2000 ، و فيما كان الشعب العراقي يئن وطأة تحت الحصار ، قرر الطاغية صدام فجأة بيع النفط العراقي باليورو بدلاً من الدولار الأمريكي لكون الدولار الأمريكي هو "عملة العدو" حسب تعبيره. إتخذ صدام هذا القرار بدوافع سياسية بحتة و ليست إقتصادية لكون تطبيقات السياسة الإقتصادية أرفع من مستوى مداركه ، و لكنه أسفر في النهاية عن عوائد إضافية للعراق بعدة مئات الملايين من الدولارات عندما إرتفع سعر صرف اليورو من دولار واحد إلى دولار و نصف بسبب قوة إقتصادات الدول الأوربية و عدم وجود عجز في موازينها التجارية الخارجية ، و لأسباب أخرى ليس هنا موضع عرضها . بعدها ، إتخذت كل من فنزويلا و إيران و إندونيسيا نفس القرار . دقت هذه القرارات ناقوس الخطر في واشنطن . ما السبيل إلى منع إنهيار الدولار الأمريكي بسبب التحول المحتمل للدول المنتجة للنفط من بيع نفطوها الخام بالدولار إلى بيعها باليورو أو بالفرنك السويسي مستقبلاً على سبيل المثال ؟ و كيف يمكن تأمين إستمرار الأمريكان في التمتع بإمتياز استهلاك كل سلع العالم مجاناً مقابل طبع الدولار الورقي ؟ و السؤال الثالث هو : كيف يمكن ضمان تدفق البترول بكميات كافية إلى الأسواق العالمية في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات الهايدروكاربونية بأن إنتاج العالم منه سيتجاوز مرحلة القمة عام 2011 لينحدر بعدها هذا الإنتاج بسرعة شديدة فتتزايد أسعاره بشكل حاد و تنهار معاقل الرأسمالية الدولية الواحدة بعد الإخرى مثل أحجار الدومينو ؟ الجواب هو : بإحتلال العراق المالك لثاني أكبر إحتياطي نفطي بالعالم، و دولرة إقتصاده، و بيع أكبر ما يمكن من نفطه بالدولار وليس باليورو الأقوى و ذلك طيلة السنين العشرين القادمة – و هي المدة المطلوبة لتوصل أمريكا إلى إنتاج بدائل فعّالة و رخيصة للنفط . و علاوة على ذلك ، فإن تسارع وتائر تصدير النفط العراقي سيضمن بيعه بأبخس أسعار الصرف للدولار ، و التي يتحكم بها وول ستريت حسبما يشاء فيعوّمَها عندما ترتفع أسعار النفط و يدعمَها عندما تنخفض ليُبقيَ النفط العالمي كله يباع عبر التاريخ بنفس قيمته الشرائية العائدة لعام 1900 . و لما كان كل بترول العالم ملكاً مجانياً لأمريكا بدولاراتها الورقية ، لذا فإن صادرات العراق المتزايدة من بلايين براميل النفط الخام ستصب في الخزانة الأمريكية مجاناً . و لهذا السبب نجد أن النفط العراقي يباع الآن بالدولار الأمريكي و ليس باليورو ، و نجد أن الدولار الأمريكي قد أصبح العملة المحلية الثانية التي تنافس الدينار العراقي في التجارة الداخلية في العراق بعد الإحتلال ، و لنفس السبب نجد أن وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني يستعجل كل الإستعجال في منح إمتيازات ما يسمى بتراخيص عقود خدمة حقول النفط العراقية الجبارة للشركات الأجنبية بالجملة و بأجحف الشروط على المصالح الستراتيجية للشعب العراقي ، و نسمعه و هو يتحدث بعدها عن زيادة إنتاج العراق إلى عشرة ملايين برميل يومياً ، و نشاهده و هو يطالب الأوبك بتخصيص حصة إضافية للعراق لهذا الغرض . و حتماً ، سنسمع أقوياء الأوبك غداً و هم يقولون للنفط العراقي : "تفضل – سيّدنا المحترم – بالتدفق بكل طاقة ممكنة حسبما هو مخطط لك في البيت الأبيض الأمريكي لحمايتنا و حماية حبيبتنا الرأسمالية العالمية من السقوط ".






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة الخنزير البهلوان -نجم-
- رسالة قصيرة


المزيد.....




- حول الحساب الختامي للموازنة ..رئيس الهيئة البرلمانية لحزب ال ...
- قي الذكرى 45 على تأسيس “الحزب” :رسالة للعضوية والأصدقاء من ر ...
- تونس: حزب العمال يساند الإعلاميين والصحافيين في معركتهم
- هنأ بحلول رمضان ورحب بالافراجات عن معتقلين ” التقدمي ” يدعوا ...
- الحركة التقدمية الكويتية: لا أفق جدياً لتصحيح المسار عبر الا ...
- النهج الديمقراطي يطالب بألغاء قرار الحجر خلال رمضان
- النهج الديمقراطي ببني ملال يدين القمع المخزني للاحتجاجات
- ? ? النبي المسلّح: تروتسكي إبّان ثورة أكتوبر ج 10 (66)
- كيف تكون المناهضة التقدمية للإمبريالية؟
- حزب ماكرون: ندعم مغربية الصحراء .. والبوليساريو خارج السياق ...


المزيد.....

- الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس / جورج لارين
- الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (6) / مالك ابوعليا
- كتاب ذاتي طافح بالدغمائيّة التحريفية الخوجية – مقتطف من - - ... / ناظم الماوي
-  الثورة المستمرة من أجل الحرية والرفاهية والتقدم لكل البشر - ... / عادل العمري
- أزمة نزع الأيديولوجيا في الفلسفة / مالك ابوعليا
- الشيوعية الجديدة / آسو كمال
- الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (5) / مالك ابوعليا
- الشيوعية الجديدة - البحث عن الحزب والدولة و مشاكل الشيوعية ا ... / اسو كمال
- المفهوم اللينيني حول الآيديولوجيا العلمية ونُقّاده / مالك ابوعليا
- إفريقيا والمغرب العربي في عَيْن العاصفة الإمبريالية / الطاهر المعز


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسين علوان حسين - ستراتيجيات سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق خلال الفترة 2003-2008