أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تحسين كرمياني - أولاد اليهودية(رواية)6















المزيد.....

أولاد اليهودية(رواية)6


تحسين كرمياني
الحوار المتمدن-العدد: 3322 - 2011 / 3 / 31 - 22:54
المحور: الادب والفن
    


تم إعدام ستة شباب،أمام بناية البلدة المركزية،ست أخوة،اعترفوا بجرمهم المشهود،قاموا بسرقة(أحجار الكلس)من مستودع فضلات القاطرات الراحلة،لم يدينوا على ما ترتبت من نتائج لاحقة،سببت موت ثلاثة من الذين تناولوا حبوبهم الكلسية،سبعة فقدوا أبصارهم،خمسة فقدوا رجولتهم بصورة أبدية،الأموات،المصابون ألقيت الإدانة على عاتقهم،كونهم خرقوا التعليمات الصادرة،من الجهات الصحية العليا:
ـ (عدم تناول أي دواء من غير استشارة الطبيب).
رصّوهم متلاصقين،أمام أناس جلبوهم قسراً،بعدما أشاعوا خبراً مغرياً:
ـ ضرورة التجمهر أمام مبنى إدارة البلدة،بخصوص قضية مركزية تهم أمر البلدة..!!
الكل توقع أن المسألة تخص قضية الكلاب الهادرة،عيون تبحث عن منفذ لتوضيح الرؤية،بدأت الأفواه تختنق،سعال يعلوا،عطسات تتداخل،اخرجوا الرجال الستة،موثوقي الأيدي،تنهال عليهم اللكمات والصفعات،عرفت الناس سبب تجمهرهم،لم يجد أحدهم مهرباً من واقع الحال،الكل داخل شرنقة شرطة مسلحة،تراشقت البنادق،سقطت الأجساد الستة،سحلوهم بمركبة مسلحة داخل الأزقة،تمزقت أجسادهم إلى قديد لحم مبعثر،شبعت منها قطط البلدة ودجاجاتها،وتم ترحيل عائلاتهم إلى(نقرة النهاية)..!!
***
في اليوم الرابع من معاينة تجمعات الحشود الكلابية،سمعت الناس أصوات بنادق،طلقات غير منتظمة، عرفوا..بدأ المعركة التاريخية،صعدوا أسطح المنازل،أشباح جبلية تتموج،داخنة،رمادية،عملاقة، تسرح،تمرح،من غير كلل ولا ملل،دخان بنادق يعلوا،لا أحد يعرف الذي يجري،الخروج ممنوع،المعركة حاسمة،الوقت منتصف الظهيرة،اصطدمت العيون،مركبات الشرطة،تنسحب في قتال تراجعي غير منظم:
ـ (حرب الشوارع)..!!
هدر صوت جماعي،بنادق تطلق وتتراجع،نباح يقترب ويعلوا،احتاطت الناس لكل طارئ وارد، تسلحت بما وجدت،سكاكين وهراوات،أقنعت نفسها بوصول العدو اللدود إلى عمق البلدة.
في تمام الساعة الثانية ظهراً احتلت البلدة كلاب متوحشة وقذرة،لا تمل من ترديد(نشيدها الحيواني) الخالد..!!
***
خمس مروحيات حامت فوق رؤوس الناس،سابقاً كانت تأتي كل صيف في أزمنة الخير،أيّام الفطرة البشرية عندما كانت الناس تنام وأبواب منازلها مفتوحة،كانت المروحيات المزمجرة تحوم فوق البلدات والمزارع،ترش مبيدات لتقتل حشرات مزعجة تداهم البلدة بشكل ليلي ودائم.
مروحيات بيضاء تئز،تشرخ الصدغين،تبعث صفيراً كونياً لا ينتهي،بدأت تحوم فوق الرؤوس مع الفجر، مسحت فضاء البلدة،هبطت تدريجياً،حتى أصبحت تلامس قمم الأشجار،فجأة ألقت أشياء بشكل لافت للنظر،توقعت الناس:
ـ الحكومة الجديدة تلقي الهدايا إلى الشعب،ابتهاجاً بميلاد(السيد الرئيس)الميمون..!!
كلام أنتشر من لسان لأذن،كادوا يكسروا(حظر التجوال)،لولا معارك كلابية بدأت داخل الأزقة،انتشر خبر عبر مكبر الصوت للجامع:
ـ أيها الناس،لا تلمسوا الأكياس،فيها لحوم مسمومة..!!
استبشرت الناس مبتهجة لحيلة الحكومة الجديدة،استمتعوا بمشاهد واقعية،كلاب رفاق متراصون، يتقاتلون من أجل عزة جنسهم وكرامتهم الحيوانية.
قتلهم جوع كافر،كانوا غزاة عميان،احتلوا البلدة من غير التفكير ومدارسة أمر ما بعد الاحتلال،والتفكير بالتعزيزات التموينية الواجبة للصمود.
جاء الغروب،هبط الليل،نامت الناس،شبعوا من إعادة مشاهد مسليّة،وحكايات ذي شجون..!!
***
في الصباح..
شرخت منبهات مركبات الشرطة فضاء البلدة،توقظ الناس بشكل جنوني غير مألوف،خرجوا بملابس نومهم إلى الشوارع،وجدوا مئات الجثث نافقة،كلاب فاقدة البصر،رجموها بالحجر في احتفال شعبي كبير،أقامت الناس مهرجانات حرائق كبيرة،أذكت نيران في إطارات مركبات مستهلكة،ألقت الكلاب الميتة طعماً لها،علت رائحة حريفة أفسدت جو البهجة العارمة،تراجعت الجموع فارة من اختناقات التنفس، ليتساقطوا في بيوتهم،تقلب أحشاءهم جائحة بغيضة،جعلتهم يقيئون بشكل متواصل،قبل أن تتدخل المروحيات الخمس تنقذ الموقف،رشّت معطراً للجو،أعاد الروح من جديد للناس.
ظلّت البلدة تلك الليلة ساهرة،استقطبتهم،ضربات موسيقية وطبلية قادمة من البيوت الصفيحية،ساروا أفواجاً تلو أفواج،يتراقصون فرحين لتخلصهم من الجائحة الأبدية للكلاب،والتي اختفت من البلدة،اعتقاد ساد العقول..!!
***
لم يقر بال النقيب(مالح)،جلس يتدارس القضية بروية،شيء ما حدث،شيء لا يجب تركه،رغم الهدوء الذي ساد،والفرح الموحد الذي عمّ جرّاءه أهالي البلدة،لم يعد يقلقه خطب(الملاّ)،كونه اختفى نهائياً من البلدة،وتوقف ضجيج كلاب تم أبادتها بصورة جماعية،الناس لم تعد تنفر من(الغجر)،لم تعد هناك رؤوس مقطوعة تتواجد في الشوارع،توصل إلى قناعة تامة،تلك الرؤوس كانت ضحايا سقطت سهواً تحت شراسة الكلاب،التهمت الأجساد وأتت بالرؤوس تلهوا بها قبل تركها في شوارع البلدة،لم يعد يهمه السبب،كونه لم يجد تفسيراً آخر للقضية،تلك الرؤوس التي أتوا بها..قالوا:
ـ وجدنا أرهط كلاب تحرسها..!!
تفرغ كليّا لمدارسة قضية النباح الكبير،قبل عروجه على وضعه الشخصي،ما حققه من نجاحات وظيفية، هيمنته الكاملة على أهالي البلدة،فشل كل ضابط سبقه في تسلم الملف الأمني لبلدة(جلبلاء)العصيّة،رغم ما حصل جرّاء حملاته المتواصلة،فقدان ناس،عوق آخرين،هجرة عائلات،أجراء أوّل عملية إعدام على الهواء الطلق في البلدة،رغب يتوصل إلى قناعة كاملة،قبل أن يعد تقريره النهائي إلى(حاكم)البلاد والعباد،بعد قرار حزبي تم تحريره:
ـ واجب على كل مسئول وحدة أدارية رفع تقرير أسبوعي يختصر فيه أعماله والملابسات الحاصلة ضمن نطاق إدارته.
الحاكم يريد(موجز مختصر)،لما حصل من حوادث متزامنة،قبيل أسابيع من إعداد الفرح الوطني الكبير لعيد ميلاده الميمون،من أين أتت الكلاب،كيف تكاتفت،تعايشت معاً،أسئلة تلح،يريد إيضاحات،أجوبة مقنعة إلى حدٍ ما.
الكلاب كما هو سائد،في كل بلدان الشرق الأوسط،البلدان المتخلفة عمرانياً وثقافياً،تتقاتل بلا رحمة،بلا سبب تتقاتل،كيف توصلت هذه الكلاب،إلى وئام شامل،توافق عادل،ائتلاف موحد،في عالم بلا قانون،مصالحة كلبية،لابد جهة ما،تقوم بتدريبها،تحقنها بأدوات الرفض،تعلمها صناعة الفوضى،تمهد لها سبل تعكير رؤوس الأنظمة الجديدة.
تأخذه الصفنات بعيداً،يتقهقر ليبدأ دورة أخرى من البحث الخائب في مواضيع لا تنتهي،صرف أكثر من خمس ليالي وست نهارات ساهراً يفكر،زار ميدانياً مواقع المزابل الهائلة،مرابض اتخذتها الكلاب مستعمرة صارمة الاجتياز،قبل أن يأمر شرطته في هجوم مباغت،لم يكلفه الهجوم،سوى صرف كل الإطلاقات التي كانت بحوزة شرطته،الأمر الذي دعاه أن يطلب إمدادات حربية من الجهات العليا، بعثت(الحكومة المركزية)المروحيات الخمس،العائدة لوزارة الزراعة،المروحيات الحربية في مهمة حراسة بيت(الحاكم)ليل نهار،تحسباً لرد فعل مباغت من قبل عشيرة(الحاكم)المنحى من منصبه،بداعي لوثة عقلية باغتته جرّاء كبر سنّه.
تم تطهير البلدة من كل الجثث المبعثرة،وتبخير الفضاء بماء العطر،سهل هذا الأمر من مهمة كسب ود الناس بعدما كانوا خصوم،وجدوه(الرجل الملائم)لمرحلة التغيير السياسي في البلاد،رجل رغم(لا رحمته) ضرورة مرحلة عصيبة،يعمل بهمة ونشاط،غايته المثلى،فرض القانون بكل تشعباته في البلدة،رغم أنه أبدى قسوة استثنائية للمحافظة على أرواح الناس،ضد العابثين والمستغلين والحيوانات الانتحارية:
ـ إطاعته واجبة على كل ذكر وأنثى.
كلام ظلّ يردده(الملاّ)الجديد في خطبه على مضض،تم الاتفاق عليه..!!
***
جلس يكتب تقريره النهائي،مجمل نشاطاته،أعماله المنجزة،ما جرى من حوادث خارقة في ظل سيادته.
جاءه خبر مفاجئ،كلب ينبح في مكان ما،ملسوعاً قام من وراء طاولته،وقف يسمع الكلام مرة أخرى:
ـ سيدي كلب آخر ينبح.
ـ كلب واحد فقط.
ـ رصدنا نباحه،سيدي كلب واحد فقط.
أنتبه لصيغة كلام شرطيه..صاح:
ـ يا كلب لا تجمع بين سيدك والكلب في صياغة كلامك.
هيأ شرطته،أنطلق،شق جموع ناس واقفين على طرفي الشارع الرئيس للبلدة،خرجوا يتحرون صدق الشائعة،بدأ التصفيق الجماعي،علت الهتافات الشعبية،تلك الوصلة التشجيعية زادت من معنوياته،وصل أماكن المزابل،بعدما أزيحت بحملة شعبية كبيرة تحت أمرته،شارك فيها كل شباب البلدة،وقف يصغي، نباح مبحوح يأتي من مكان ما..قال لحارسه الشخصي:
ـ من يأتيني بخبره له مكافأة..!!
انتشر خبر المكافأة بي الجموع المحتشدة،اندفعت مواكب الشباب صوب الجبال،حملوا معهم هراوات وسكاكين،طمعاً بمكافأة غير معلنة،بعد نصف نهار وصله خبر:
ـ سيدي كلب واقف بباب كهف.
في الصباح التالي قاد حملته الشرطوية باتجاه مكان النباح،وصلوا الوادي الذي يفصل الجبل عن البلدة،أخترق بـ(ناظوره)عتمة الغبار،وجد كهفاً ببابه كلب ينبح،خشى أن يكون الكلب محتالاً،كمين حيواني غاية في المكر،توقع الكهف يخبأ فرقة كلاب متحمسة لرد اعتبارها،تريد أن تنتقم لكرامتها الكلبية،تجحفلت وتهامست وتفاهمت حول تطبيق خطة حيوانية مباغتة ومحكمة،احتلال مدروس للبلدة هذه المرّة.
صاح على حارسه الشخصي،الذي جاء مهرولاً:
ـ كم رصاصة في مخازن البنادق.
ـ لا رصاصة لدينا سيدي.
ـ كيييييييف.
ـ نفد العتاد في معركتنا السابقة.
ـ ما العمل لو دهمتنا فرقة كلاب كاملة.
ـ نلقي لحم مسموم بباب الكهف وننسحب.
ـ لا..لن أنهزم من هذه المعركة من غير مجابهة حقيقية هذه المرة.
ـ سيدي،ليتقدم منّا رعيل نحو الكهف،بالحراب يواجهون الاحتمالات الواردة.
ـ فكرة صائبة قد تفلح،قم بقيادة الرعيل.
ـ أأأأأأنا..ومن سيحرسك سيدي.
ـ حسناً..مر أحدهم بقيادة الرعيل.
راقب الرعيل المتعثر،يمشون شاهرين بنادق خالية،وصلوا الكهف،رأى كيف قام الرعيل بتمزيق الكلب الذي لم يقاوم،رآهم يقتحمون الكهف ببسالة نادرة،بعد تصريف نبضات قلب متسارع ونثر شهيق صائت ،رأى الرعيل يخرج،يحملون شيئاً عجز(الناظور)بيانه،أحدهم راح يركض صوبه،أنتظر نصف ساعة،قبل أن يتهالك الشرطي الراكض بين أقدامه:
ـ سسسسدي وجدناه..ناه..ناه..فيفيفيفي الككككككهفهفهفهففف..!!
***

تلك الليلة..
سهر الجميع في جلسات شعبية،أنعش ليلهم الخبر الكبير،وكانت الألسن تصوغ نهايات متوقعة لختم القضية المركزية في البلدة بشمع الخلود،بعضهم توقع،ستكون الدعوة إجبارية في الغد،سيشيعون بأعينهم الرجل الذي احترموه لزمن طويل،سيشدون وثاقه،تنهال عليه ما لدى الشرطة من رصاص، ستسحله مركبة النقيب(مالح)في الأزقة،بعضهم توقع،أن السيد النقيب،سيقوم بنفسه تصويب مسدسه إلى رأسه،مستبدلاً طلقة الرحمة بطلقة البداية،سيقوم بقيادة المركبة في الشوارع والأزقة،ليبعثر لحمه على كل شبر أرض.
تضاربت الأنباء،تناثرت التوقعات،الليل ينقرض،الكلام يتناسل،والصباح كسلحفاة يقترب بتثاقل،لم يشعر أحدهم برغبة في النوم.
مع التباشير الأولى للفجر،خرجت الجموع تنشد تطورات القضية المحورية،وقفوا أمام(البناية المركزية) للبلدة،رأى النقيب(مالح)،الحشود تتنامى من غير سبب،تقف،تستفهم بعض رجال الشرطة،رصد جيداً مقايضات علنية لدى بعضهم،لمح،تلتقط أيدي شرطته(السجائر مقابل الكلام)،لم يثر عصبيته،فهو مثلهم لم تصل رواتبهم منذ شهرين،نتيجة وجود اختلاس كبير في الخزينة المركزية للبلاد،أشيع،أحد المقربين من(الحاكم)غسل أموال البلاد وهرب،التأكيد على تلك القصّة،جاء من قبل إذاعات العدو،إذاعة البلاد أعلنت،مراراً وتكراراً:
ـ (البنك المركزي)للبلاد تعرض لحريق هائل جرّاء تماس كهربائي غير متعمد،أحدث تلفاً كبيراً في الأموال العامة..!!
إذاعات العدو،تقول الحقيقة منقولة من جواسيس مندسين في نظام الحكم الجديد،الحكومة هي فعلت الحريق كي تمحي الأثر،تعرف،أموال البلاد صارت في بنوك العالم،لا يجوز فضح ذلك المقرّب جداً لمهندس(الثورة اللا..دموية)،صهره المدلل،أبن عمّه تحديداً.
لم يجد النقيب(مالح)عدوانية تجاه ما يرى،قبل الرشا الحاصلة أمامه حتى أشعار آخر،تراجع إلى طاولته،ضغط زر الجرس،جاءه الحارس الشخصي فوراً:
ـ لا أريد تجمهر الناس بهذه الصورة.
ـ سيدي..الناس تتوقع عميلة إعدام اليوم.
شعر النقيب باقشعرار يسري في عروقه،قام من وراء طاولته،تقدم من حارسه..صاح:
ـ إعدااااام من..!!
ـ الملاّ(صالح).
ـ تريد أن تقلب الدنيا على رأس الحكومة.
عاد النقيب،جلس وراء طاولته..صاح:
ـ فرقوهم فوراً.
تفرق الجميع،رغبة ضارية تدفعهم لمعرفة مصير(الملاّ)بعد اختفاء دام شهرين،ظنّ الجميع(الملاّ)توارى كلياً عن البلدة،جرّاء سمعته بعدما تلوثت بـ(مسحوق الزنا)،عادت تلك الخطبة المشهودة إلى الأذهان، يوم نكر القضية،رابطاً قصته بقصة أحد أنبياء الله.
عادت الألسن تبحث عن تفاصيل ذات صلة،البعض راهن بما يملك من مال،وراء القضية كيد ستكشفه الأيام،بعضهم لم يذهب خارج حدود الرغبة..قالوا:
ـ الملاّ إنسان،كل إنسان يزل في أوقات معينة،أبواب التوبة مفتوحة ما لم يغرغر المرء..!!
***
خبر تواجده مع أكياس تمر(زهدي) وخبز يابس داخل الكهف،جاء مع نباح كلب أعمى،حين مزقوا جسد الكلب،سمعوا تمتمات بشرية وأنين،وجدوه مصاباً بمرض غير مفهوم،نقلوه وسط حشد جماهيري يتدافع،احتشدوا،رغبة واحدة جمعتهم،رؤية وقائع معركة جديدة،عاد الموكب من رحلة الهجوم،يحملون جسداً متهالكاً،عرفوه من مسوحه،غمغمت الأفواه،وجدت الصمت أسلم في ظل ظروف راهنة ملغومة،أدخلوا(الملاّ)إلى بناية البلدة المركزية،عاد الناس،سهروا وتناقشوا الحكاية من كل الجوانب ممكنة التأويل،تجمعت توقعاتهم في بؤرة واحدة،مكان مرعب،منصة كونكريتية،في يوم قريب جداً،أعدم عليه ستة أخوة..!!
***
تأجل الإعدام المتوقع لأسبوع كامل،الكل ينتظر بفارغ الصبر،لا شيء يصل،صار الخبر يقايض بالذهب،لا أحد يملك قطعة ذهب،بلدة لا تعيش إلاّ على اصطياد أسماك النهر،بيع الحطب اليابس،العمل لنقل البضائع للتجار القادمين من بلدات بعيدة،عمل تنانير طينية مربحة أيضاً،فلاحة جرفي النهر بمحاصيل صيفية،بيع أصواف أغنام،نفر قليل يمتلك راتباً تقاعدياً يسيراً،كان قبل زمن ليس ببعيد يعمل عامل سكك حديد،أو نائب عريف متقاعد،كل خبر ليس بوسعه أن يطول،مهما كانت صلادة الزنزانة الحاضنة له،وصل الناس المتلهفين،المراقبين عن كثب كل شاردة وواردة في البلدة،وجدوا الخبر مفاجأة،ربما تلفيق لامتصاص الغضب العارم المتفاعل في رأس كل فرد،مذ سقط(الملاّ)بزلة لسان:
ـ (الملاّ)مصاب بمرض غامض خبيث..!!
خبر جعل أفواه تتساءل،عيون تبحث عن مصداقية ما يجري،ربما(الملاّ)فعل فعلته،المرض الخبيث،كما هو شائع،لا يأتي إلاّ من طريق مواقعات خبيثة مع نسوة خبيثات،توقعت الألسن أنه عقاب فضائحي، جرّاء ما فعل داخل الزنزانة مع تلك النسوة القذرات..!!
***
عجز طبيب المشفى تشخيص المرض،أمر بنقله من الزنزانة وحجره في ردهة انفرادية داخل المشفى، تحت حراسة حديدية،الخوف تنامى،توعدات ناس تصاعدت علناً،مع تنامي دعوات الانتقام،كغسل للعار الذي لحق بهم.
كلمة واحدة من لسان عابث كانت تقود أنثى في البلدة إلى حتفها بسكين أو بضربة ساطور،فالبلدة منذ عهد قديم تعودت على الحماسة الزائدة في التعامل مع القضايا الأخلاقية،لذلك وجدوا أنفسهم غير قادرين على تحمل وزر القضية،أتحد قرارهم على إزاحة ما أصابهم في صميم يقينهم كي يتفرغوا إلى حياتهم التالية.
التوقعات لم تكن في محلها،مجرد أقاويل غير مسنودة تحررها أفواه الشرطة،ربما لغاية لا يعلمها أحد تدخل ضمن القضايا السرية عند البوليس،مجرد شكوك تحوم سراً حول الحدث الجديد،ناس البلدة لا تجتمع على رأي واحد،لا تتفق على أقاويل غير مقترنة بأدلة ناسفة،ما زال هناك كثير ممن يكتم يقينه يذهب على أن القضية لم تكن سوى عبارة عن فبركة شرطوية لغاية لابد أن تظهر،أولئك الذين عرفوا معدن(الملاّ)،قوّة يقينه ونزاهته،واصلوا حربهم السريّة لتفنيد مزاعم المؤسسة الأمنية للبلدة،عبر قصاصات ورق تلقى ليلاً بطريقة غاية في البراعة أمام المنازل وداخل السوق،من تلك الأوراق رسم النقيب(مالح)هالة الرعب المحيق به،قرر أن تكون الحراسة حول المشفى بكامل قدرات دائرته.
الناس بدءوا يتناسون القضية..يوم سمعوا:
ـ (الملاّ)ميت سريرياً،مسألة لفظ أنفاسه الأخيرة،سواء كانت آثمة أو بريئة،مجرد وقت مستقطع.
الشائعات في(جلبلاء)مثل النار تخمد وتتأجج،أعادت سيرة(الملاّ)إلى سطح الذهن،منهم من جهر:
ـ الملاّ(صالح)دخل الغار ليستغفر ربّه،كي يمحي خطيئته الكبرى.
منهم من وجد:
ـ دخوله الكهف،محاولة نوم قرناً كاملاً كي يعود ويجد غريمه النقيب(مالح)ميتاً.
الدليل القاطع على ذلك،كان الكلب المرافق له،الكلب الذي مزقوه بالحراب ولم يحرك ساكناً سوى التوسل والأنين،فتبين أنه كلب أعمى.
في خضم التضاربات اللسانية بين الناس،تفاجئوا بخبر غير سار..النقيب أعلن:
ـ فتح تحقيق كامل حول القضية.
تم جر أصحاب الأفران والمخابز وأصحاب بيع التمور،بعد ضرب مبرح،صرخاتهم انطلقت ليلاً لتفزع أحشاء البلدة،أعترف صاحب مخبز:
ـ (الملاّ)جاءني ذات صبيحة قبل اختفائه،أشترى كميّات كبيرة من أقرص الخبز،توقعت أن الموضوع لا يتعدى حدود أعمال خيرية جبل عليها منذ سنوات.
صاحب متجر تمور اعترف:
ـ بعت(الملاّ)أكياس تمور،خجلت سؤاله عن سبب شرائه كميات هائلة،تمر(زهدي)قديم مدوّد.
تم سجن المعترفون بناء على قرار حزبي غير قابل للنقاش،كونهم خالفوا الأوامر المركزية الجديدة، والتي تقتضي..ضرورة أخبار رجال السلطة بكل عمل لافت للنظر ومخالف للأعراف السائدة..!!
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- أولاد اليهودية(رواية)4
- أولاد اليهودية(رواية)3
- أولاد اليهودية(رواية)2 /حازت على المرتبة الثانية/في مؤسسة ال ...
- أولاد اليهودية(رواية)1
- قضية فرحان/قصة قصيرة/
- المسكين مخلوف /قصة قصيرة/
- مزبلة الرؤوس البشرية/قصة قصيرة/
- حدث في ليلة مأزومة/قصة قصيرة/
- في أزمنة ليست سحيقة//قصة قصيرة//
- ليسوا رجالاً..(قصة قصيرة)
- بعد رحيله..جائزة محي الدين زنكنة للمسرح
- مسرحية(ماما..عمو..بابا..ميت)القسم الثاني..الأخير
- ماما..عمو..بابا..ميّت(مسرحية)القسم الأوّل
- حديث مقاهينا(مسرحية)المشهد الثالث/الأخير
- حديث مقاهينا(مسرحية)المشهد الثاني
- حديث مقاهينا(مسرحية)المشهد الأوّل
- قصة قصيرة(الذبيحة)مهداة إلى/سعد محمد رحيم
- رواية(قفل قلبي)القسم الأخير
- قفل قلبي(رواية)16 الديوان الملحق بالرواية2
- قفل قلبي(رواية)16


المزيد.....




- موسيقى القوالي... تكافح التطرف
- فنان سعودي يشكر ولي العهد (فيديو)
- العلاج بالموسيقى... جديد الطب النفسي في لبنان
- بيان من أسرة الموسيقي السويدي المتوفي في عمان
- أبوظبي تفتتح مؤتمر أبوظبي الدولي للترجمة في دورته السادسة
- كتارا تصدح بقصائد مدح خير الأنام
- بسبب موقفها من إسرائيل... دعوة ناتالي بورتمان لحضور مهرجان س ...
- العثماني اشتغلنا في جو ساده التشاور والتعاون في السنة الأولى ...
- طالب باجتماع المجلس الوطني لتفعيل الاستقالة.. الخناق يشتد حو ...
- هل يعيد -الواق واق- الأمل المفقود في -ضبوا الشناتي-؟


المزيد.....

- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني
- الحلقة المفقودة: خواطر فلسفية أدبية / نسيم المصطفى
- لا تأت ِ يا ربيع / منير الكلداني
- أغصان الدم / الطيب طهوري
- شعرية التناص في القصيدة المغربية المعاصرة / أحمد القنديلي
- بلاغة الانحراف في الشعر المغربي المعاصر / أحمد القنديلي
- المذبوح / ميساء البشيتي
- مذكرات كلب سائب / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تحسين كرمياني - أولاد اليهودية(رواية)6