أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد البشيتي - في القرآن.. لا وجود لفكرة -الخَلْق من العدم-!















المزيد.....



في القرآن.. لا وجود لفكرة -الخَلْق من العدم-!


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 3085 - 2010 / 8 / 5 - 11:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يشتمل القرآن على كثيرٍ من الأفكار والتصوُّرات الكونية، فـ "خَلْقُ السَّماوات والأرض وما بينهما" شُرِحَ وفُصِّلَ في كثيرٍ من آياته، التي يُمْكِن أن نتصوَّرها، بالتالي، على أنَّها "كوزمولوجيا قرآنية"، وإنْ لَمْ نَعْثُرَ في القرآن على كثيرٍ مع من المفردات الكوزمولوجيَّة، كمفردات "الكون"، و"الطبيعة"، و"الوجود"، و"الفضاء"، و"العَدَم". وفي سورة "فُصِّلَت"، على وجه الخصوص، نرى من "الآيات الكونية" ما يَصْلُح لاتِّخاذه أساساً أو قاعدة لـ "الكوزمولوجيا القرآنية".

وبَعْدَ قراءة متأنِّية ومختلفة لـ "الآيات الكوزمولوجية (أو الكونية)" في القرآن، أستطيع القول إنَّ خَلْقَ الله لـ "الكون" لَمْ يَكُنْ "خَلْقاً للمادة من العَدَم"، مهما حاوَل "المؤوِّلون العلميون المعاصِرون"، المتأثِّرون بنظرية "الانفجار الكبير" Big Bang وغيرها من النظريات الكوزمولوجيَّة الحديثة، إظْهار وتصوير "الخَلْق القرآني للكون" على أنَّه خَلْقٌ للمادة Matter من العدم Nothingness.

ولَسْتُ بمُسْتَغْرِبٍ أن تبوء محاولاتهم بالفشل، فكيف لهم أن يُوفَّقوا وينجحوا وقد أخْفَقَ مؤسِّسو وأنصار نظرية "الانفجار الكبير" مِمَّن توفَّروا على غَرْس اللاهوت في صُلْب هذه النظرية في الإتيان بأيِّ دليل فيزيائي يُعْتَدُّ به على أنَّ "المادة" يُمْكن أن تأتي من "العَدَم"، مِثْلما أخفقوا في محاولتهم تصوير ذلك "الشيء (Singularity)" الذي منه جاء الكون على أنَّه "العَدَم"، أو ما يَعْدِله معنى؟!

إنَّ "فكرة الله"، الخالِق للكون، تَضْرِب "جذورها المعرفية" عميقاً في "صورة المادة" التي غُرِسَت في أذهاننا، فَلَقَد فَهِمْنا "المادة"، بمعونة تلك الصورة، فَهْماً فيه من "الذاتية"، أو من "الافتقار إلى الموضوعية"، ما حَمَلَنا، ويَحْمِلنا، على الاعتقاد بوجود، وبوجوب وجود، خالِق ميتافيزيقي للكون، وإنْ اختلفنا، دينيا وفلسفيا وعِلْميَّا، في فَهْم طبيعته، وخواصِّه، وصفاته، وفي طريقة، أو أسلوب، خَلْقِهِ للكون.

وهذا الفَهْم "الذاتي"، أو "عديم الموضوعية"، لـ "المادة" إنَّما يشبه لجهة "عاقبته المعرفية" أنْ تتصوَّر طَيْراً لا يملك، بطبيعته، من القوى والقدرات والخواص (المادية والطبيعية) ما يُمَكِّنه من الطيران، فإذا رأيته يطير تقول، عندئذٍ، وبتأثير تلك "الصورة المعرفية الذاتية"، بوجود، وبوجوب وجود، "قوَّة خارجية"، ميتافيزيقية الأصل والماهيَّة، بفضلها أصبح في مقدوره أن يطير.

وأذْكُرُ، في هذا الصدد، "مقالة علمية ـ فلسفية" قرأتُها وأنا صغير السنِّ، وقد جاء فيها أنَّ القول بـ "مادِّيَّة الوجود"، أو بـ "المادة أساساً للوجود"، تداعى وانهار؛ لأنَّ الفيزياء أثبَتَت أنَّ "الذرَّة" Atom ليست بـ "المادة الأوَّلية"، التي منها بُنِيَ "عالَم الطبيعة"، فكاتِب هذه المقالة إنَّما فَهِمَ "المادِّيَّة" على أنَّها قَوْلٌ بوجود "مادة ما"، في حجم ما، وبخواص ما، كـ "الذرَّة"، أو "الإلكترون"، أو "الكوارك"، يُبْنى منها، ومن مقدار ضئيل من أشباهها، "عالَم الطبيعة"، وكأنَّ "البناء المادي (الكوني)" يشبه "لُغَةً"، يمكن ويجب أن تُبْتَنى كل كلماتها ومفرداتها، على كثرتها، من مقدار صغير من الأحرف، أي من "الجسيمات الأوَّلية".

ومع أنَّ كل تجاربنا الفيزيائية تُثْبِت لنا وتؤكِّد أنَّ "المادة الأوَّلية (أو غير المُرَكَّبة)"، أي المادة التي يتألَّف منها، ويُبْنى، كل شيء ولا تتألَّف هي ذاتها من شيء، ليست سوى خرافة، فثمَّة كثير من الناس، ومن الفيزيائيين، ومن كبار الفيزيائيين، يميلون إلى الاعتقاد بوجود، وبوجوب وجود، "مادة ديمقريطس"، التي ما أن نَعْثُر عليها، ونُمْسِك بها، حتى نَعْثُرَ على "الأصل المادي" للوجود، ونُمْسِكَ به، وكأنَّ "المادة البسيطة، غير المُرَكَّبة، التي ليس لها مُكوِّنات (مادِّيَّة) أو محتوى (مادي) مختلف"، والتي لا يُمْكِن، بالتالي، تجزئتها، هي التي كانت في البدء، وهي التي منها نشأ وتكوَّن كل شيء، وإليها يجب أن ينتهي انحلال المُركَّبات المادِّيَّة جميعا.

ونحن لا نستطيع أن نُجيب عن سؤال "ما هي المادة؟" إذا لَمْ نُجِب قَبْلاً عن سؤال "كيف نعي الأشياء، ونُمَيِّز بعضها من بعض؟".

بالعين، نرى الشيء؛ وبالأُذن نسمع الشيء؛ وباليد (مثلاً) نلمس الشيء؛ وبالأنف نشم الشيء؛ وباللسان (مثلاً) نذوق الشيء. إنَّنا نملكُ خمس حواس، من خلالها نتأثَّر بالأشياء، أو بالمادة في صورها واشكالها المختلفة؛ وهذا "التأثُّر" هو ما نسميه "الإحساس"، الذي يختلف نَوْعاً باختلاف "عضو الإحساس"، أو "الحاسَّة". وكل شيء يُمْكِن أن نراه، أو نسمعه، أو نلمسه، أو نشمه، أو نذوقه، يجب أن يكون "مادة (Matter)"، فـ "المادة" هي وحدها، أي هي لا "الوعي"، التي تُثير فينا وتُوَلِّد الأحاسيس، التي، في حدِّ ذاتها، أي في طبيعتها وماهيَّتها، ليست بـ "مادة".

وبالمقارنة بين ما ينتمي في طبيعته وماهيَّته إلى "المادة" وما ينتمي إلى "الوعي (الفكر والشعور..)"، نرى أنَّ "الوعي" هو الشيء الذي لا يُمْكننا أبداً أن نراه، أو نسمعه، أو نلمسه، أو نشمه، أو نذوقه، فهو "المثالي (أو اللا مادي)" من الأشياء. وهذا "المثالي" غير المحسوس، غير المُدْرَك حسِّياً عَبْر أي عضو من أعضاء الإحساس، هو "جزء من الواقع"، فـ "الواقع" بعضه "مادي موضوعي"، وبعضه "مثالي ذاتي". وبـ "المقياس الكمِّي"، يُعَدُّ "الواقع المثالي الذاتي" قطرة في بحر "الواقع المادي الموضوعي". وبـ "المقياس التاريخي"، كان "الواقع المادي الموضوعي"، ثمَّ تَفَرَّع منه "الواقع المثالي الذاتي".

و"أعضاء الحواس الخمسة" إنَّما هي "مادة"، تُضاف إليها "مادة أُخْرى"، هي "عضو التفكير"، أي "الدماغ البشري". وليس "الواقع المثالي الذاتي" سوى ثمرة التفاعُل، أو التأثير المتبادل، بين "الواقع المادي الموضوعي" وبين "الحواس الخمس" و"الدماغ" لدى الإنسان، الذي لا يُمْكننا فهمه إلاَّ بوصفه ظاهرة اجتماعية ـ تاريخية.

بعضٌ من "الواقع المادي الموضوعي" يُمْكننا أن نُدْرِكه إدراكاً حسِّياً "مباشِرا".. بـ "العين المجرَّدة" مثلاً. وبعضٌ منه نُدْرِكه بـ "العين الاصطناعية" كـ "الميكروسكوب"، أو "التليسكوب". وبعضٌ منه لا يُمْكننا إدراكه حسِّياً بـ "حاسَّةٍ اصطناعية"، كـ "الميكروسكوب"، أو "التليسكوب"؛ ولكننا يُمْكِن أن نُدْرِك حسِّياً ما يَدُلُّ على وجوده، وعلى كَوْنِه جزءاً من "الواقع المادي الموضوعي". الـ "لا مادي" من الوجود إنَّما هو "الفكر (العقل، الوعي، الشعور، "الروح")" الذي لَمْ يَكُنْ له من وجود قَبْلَ "الإنسان"، في معانيه البيولوجية، والاجتماعية، والتاريخية.

وإنَّنا لَنَسْأل، في مَعْرِض تأكيدنا "المستحيل الأوَّل (والأعظم والأكبر)"، وهو "خَلْق المادة من العَدَم"، أين هو ذلك الشيء (الجسم أو الجسيم) الذي يُمِكن إقامة الدليل الفيزيائي على أنَّه قد جاء إلى "الوجود" من "العَدَم"؟

هل لدى كل القائلين بخَلْق المادة من العَدَم من جوابٍ عن هذا السؤال الذي يتحدَّاهم أن يجيبوه قبل، ومن أجل، أن يقولوا بذلك، وأن نقول به معهم؟!

وأين هو ذلك الشيء، الذي لا ريب في وجود، والذي ثَبُتَ لديهم وتأكَّد أنَّه قد نشأ وَوُجِد في "خارج الزمان"، فَلَمْ تَكُن له "لحظة نشوء"؟

وإذا كان قانون "حِفْظ المادة" يُنْتَهَك، على ما يَزْعُم بعض الفيزيائيين، "انتهاكاً غير محسوس بالنسبة إليه"، فكيف لهم أن يقولوا بنشوء "مادة" من "العَدَم"، وكأنَّهم يَشْعُرون بما يَعْجَز القانون ذاته عن "الشعور به"؟!

فكرة الخالِق الميتافيزيقي للكون تطوَّرت، تاريخياً، حتى غدا (هذا الخالِق) في كثير من العقائد (الدينية والفلسفية) شبيها بـ "الخالِص" من "الفكر (العقل، الوعي، الشعور، "الروح"). أقول "شبيهاً"؛ لأنَّ فكرة "خالِق الكون"، في الأديان، ظلَّت، على ما بلغته من "تجريد (فكري)"، محتفظةً بشيء من "التجسيم"، وكأنَّ هذا الخالِق لا يُمْكِن فَهْمه وتصوُّره إلاَّ على أنَّه "كائن روحي لَمْ يتحلَّلَ بما يكفي مِمَّا ينتمي إلى عالَم المادة"، فقد ظلَّ شيءٌ من المادة، ومن "الجُسْمانية"، راسِبٌ في قَعْر وسفل هذا "الفنجان" الممتلئ "روحاً".

وفي الأديان السماوية الثلاثة، بَلَغَت فكرة "خالِق الكون" الدرجة العليا من "التجريد" في الإسلام، وفي الآية القرآنية "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرض جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنعام أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" على وجه الخصوص، فالله "ليس كمثله شيء". هنا، "الكاف" زائدة؛ لأنَّ الله "لا مِثْلَ له"، فهو لا يُشْبِهُ أيَّ شيء (أيَّ مخلوق أكان عاقلاً أم غير عاقل) وليس من شيء يُشْبِهُ الله. على أنَّ هذا الإفراط القرآني في تجريد فكرة "الخالِق" قد اقْتَرَن بما يُمْكِن أن يفهمه كثير من الناس على أنَّه "شيء من الجُسْمانية"، فالله من صفاته أنَّه "سميعٌ"، "بصيرٌ"، "عليمٌ"، ..إلخ؛ فإذا كان الإنسان "يَسْمَع"، فالله "سميع"، وإذا كان الإنسان "يُبْصِر"، فالله "بصير"، وإذا كان الإنسان "يَعْلَم"، فالله "عليم". وهذه الصفات الإلهية هي جميعا صفات على وزن "فَعيل"، وهو من صِيَغ المبالغة. والتنزيه القرآني لـ "الذات الإلهية"، والذي نراه على وجه الخصوص في نَبْذِ ورَفْض كل ما من شأنه أنْ يُفسَّر ويُفْهَم على أنَّه "شِرْكٌ بالله"، بدا في العبارة القرآنية "فَتَبَارَكَ اللَّه أَحْسَن الْخَالِقِينَ" أقل قوَّةً ووضوحاً؛ لأنَّ "أحْسَن الخالقين" عبارةٌ قد تُفْهَم على أنَّها إقرارٌ من "الواحِد الأحد" بوجود غيره من الخالقين، وإنْ كان هو "أحْسَنَهُم". وعليه، قال مُفَسِّرون إنَّ عيسى ابن مريم كان يَخْلُق، فأخبر الله عن نفسه أنَّه يَخْلُق أحْسَن مِمَّا كان يَخْلُق عيسى. وقال غيرهم إنَّ المعنى هو أنَّ الله "خير الصانعين"، فالبشر "يَصْنَعون (ولا يَخْلُقون)"؛ والله "يَصْنَع" أفْضَل وأحْسَن من البشر جميعا. وكانت العرب تُسمِّي كل صانع خالِقاً. وبدا كذلك في الآية "بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ.."؛ أي كيف يكون له وَلَد ولم تَكُن له صاحبة أو زوجة؟!

في التوراة، ظَهَرَ "خالِق الكون" على أنَّه من الصِّغَرِ بمكان، فهو إله بني إسرائيل فحسب، فضَّلَهم على سائر البشر، واتَّخَذَهم شَعْبَاً له، ومنحهم أرضاً ليست لهم، فَلَمْ أرَ إلهاً يَصْغُر بما قال، وبما عمل، كـ "إلههم"، فَهُمْ خلقوه على مثالهم الاجتماعي والتاريخي؛ ثمَّ جاء رَجُلٌ من بني إسرائيل يُدْعى "يسوع المسيح"، فَبَلَغَ به "التجسيد"، و"التجَسيم" و"التَمَثُّل" درجته العليا، فالله، "خَالِقُ الكون" انتقلَ ليستقر، على هيئة جنين بشري ذَكَر، في رَحْم امرأة (غير متزوِّجة) هي "مريم العذراء"، فنما هذا الجنين حتى وَلِدَتْهُ "أُمُّه" على هيئة ابن الله؛ وليس من فَرْق في النوع أو الماهيَّة بين الله وابنه. جاء "يسوع المسيح" إلى شعبه، أي إلى بني إسرائيل؛ ولكنَّه لَمْ يَجئ ليؤكِّد أنَّهم "شعب الله المختار"، وإنَّما ليؤكِّد أنَّ الله ذاته قد "تَهَوَّد"، أي أصبح يهودياً، وإلاَّ ما معنى أن يكون "ابن الله"، الذي ليس من فَرْق في النوع أو الماهيَّة بينه وبين "الله"، "أبيه"، "يهودياً"؟!

ولقد ظَهَرَ "يسوع المسيح"، حتى في القرآن، على أنَّه يقوم بأعمال هي من اختصاص الله وحده، فهو كاد أن يَخْلُق كما خَلَقَ الله آدم من طين.. "وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ". وقيل في تفسيرها "أَنِّي (أي المسيح) أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر، فَأَنْفُخ فِيهِ، فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه. وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَل يُصَوِّر مِنْ الطِّين شَكْل طَيْر، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ، فَيَطِير عِيَانًا بِإِذْنِ اللَّه الَّذِي جَعَلَ هَذَا مُعْجِزَة لَهُ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ". وهنا، نرى فِعْلَ "النَفْخ" في معناه الحقيقي غير المجازي، فالمسيح كان يقف أمام الناس، يَصْنَع من "الطين (الحقيقي لا المجازي)" كائناً على هيئة طير، ثمَّ يَنْفُخَ فيه نَفْخَاً حقيقيا لا مجازيا، فـ "يطير عياناً". وكان يَفْعَل كل ذلك "بإذن الله"، أي أنَّ الله أكسبه هذه القدرة التي هي له من دون سواه حتى يُقْنِع قومه بأنَّه مُرْسَلٌ من عند الله.

مبدعو ومُطوِّرو فكرة "الخالِق الميتافيزيقي" للكون حاروا في معرفة وتبيان وشرح أوجه العلاقة بين هذا الخالِق وبين "عالَم المادة"، و"كيف" خَلَقَ وأنشأ وأبدع الطبيعة.. وحاروا أكثر في معرفة السبب الذي حَمَلَه على خَلْق الكون، فـ "عَظَمَةُ الخالِق" تَبْهَت إذا ما خَلَق الكون لـ "غاية ما".. لغايةٍ مُعْلَنة أو غير مُعْلَنة.

ونحن لا يُمْكِننا فَهْم فكرة "الخالِق الميتافيزيقي" للكون إلاَّ إذا تصوِّرْنا هذا الخالِق على أنَّه "روح خالصة"، لا أثر فيها لكل ما ينتمي إلى "عالَم المادة"، فنَبْذُ "الجُسْمانية"، أو "التشيؤ"، إنَّما هو الشرط (المعرفي) الأوَّلي للتأسيس لفرضية "الخالِق الميتافيزيقي" للكون؛ فَدَعُونا الآن نتصوَّر، أو نفتَرِض، وجوداً أزلياً ـ أبدياً لـ "الروح الخالصة" بهيئتها تلك، أي بهيئتها التي لا أثر فيها لـ "الجُسْمانية"، أو "التشيؤ".

هذه "الروح"، وبحسب ما نَفْتَرِض، كانت ولَمْ يَكُنْ من وجود لـ "المادة"، أو "الطبيعة". ونقول، إذا ما جاز القول منطقياً، كانت تلك "الروح" وكان معها "العَدَم" Nothingness.

لن نسأل "لماذا خَلَقَت تلك الروح الطبيعة؟"؛ لأنْ لا مَنْطِقاً في السؤال وإجابته؛ ولكنَّنا يمكن ويجب أن نسأل "كيف خَلَقَتْها؟". فَكِّروا مَليَّاً في الإجابة لعلَّكم تتوصَّلون إلى ما يُثْبِتَ صِحَّة تلك "الفرضية".

هل نجيب قائلين "إنَّ الروح الخالصة خَلَقَت الكون إذ تَحَوَّلَت هي إلى طبيعة أو مادة" كتَحوُّل مقدار من الجليد إلى ماء؟ هذه الإجابة فاسدة منطقياً؛ لأنَّ "التحوُّل" هو تَحوُّل شيء من صورة إلى صورة، ولا يُمْكِن فَهْمه، بالتالي، إلاَّ على أنَّه "اجتماع الثابت والمتحوِّل"، فثمَّة "شيء مشترَك" بين "الجليد" و"الماء" ظلَّ "ثابتاً" إذ تحوَّل الجليد إلى ماء، وليس من "تحوُّلٍ" لا يستوفي شرطه المنطقي والواقعي الأوَّل والأهم وهو وجود هذا "الثابت" في العلاقة بين الطرفين، أو الصورتين. إنَّ الماء (H2O) يظلُّ محتفظا بوجوده، أكان صَلْباً أم سائلاً أم غازاً، فهو إنَّما يُوجَد في صورة من صورٍ ثلاث (صَلْب، سائل، غاز) ويُمْكِنه أن يتحوَّل من صورة إلى صورة.

إذا تحوَّلَت "الروح الخالصة" إلى "طبيعة" فهذا إنَّما يعني وجود "شيء مشترَك" بينهما، ظلَّ ثابتاً لَمْ يَعْتَرِه تغيير في جوهره، فما هو هذا "الشيء الثالث المشترَك" الذي نراه تارةً على هيئة "الروح الخالصة"، وطوراً على هيئة "الطبيعة"؟!

يكفي أن نَفْهَم خَلْق الكون على أنَّه "الروح الخالصة وقد تحوَّلَت إلى طبيعة" حتى نَنْبُذَ تلك الإجابة، التي تَلِدُ لنا سؤالاً أكبر، والتي لَمْ تُمَكِّننا، بالتالي، من القول بصحَّة تلك "الفرضية"؛ فلْنَبْحَث عن إجابة أُخرى.

هل نجيب قائلين "إنَّ الروح الخالصة، في خَلْقِها للكون، لَمْ تتحوَّل هي إلى طبيعة، وإنَّما أنشأت وأبدعت الطبيعة من العَدَم"، فَلَبِسَت (أو لَمْ تلبس) هذا اللبوس المادي.. وإلى حين"؟

وهذا السؤال إنَّما يَلِدُ سؤالاً آخر هو "كيف خَلَقَت تلك الروح المادة من العَدَم؟"، فلْنُحاوِل، أوَّلاً، إجابة السؤال الوليد.

ليس بـ "الأمْر (أمْر كُنْ)" يمكن أن تَخْلُق الروح الخالصة المادة من العَدَم؛ فـ "الأمْرُ" إنَّما هو علاقة بين طرفين: "آمِر" و"مأمور". "الروح الخالصة" يمكن ويجب أن تكون هي "الآمِر"؛ ولكن أين هو، وما هو، "المأمور"؟!

تَصوَّر أنَّكَ تريد أن تَخْلُق "طاولة" بما يشبه طريقة الخَلْق بـ "الأمْر كُنْ". إنَّكَ ستأمُر "شيئاً"، هو "لوحٌ من خَشَب"، بأنْ يكون (أي يُصبِح ويصير) طاولة، فإذا أمَرْته، وأطاع أمْركَ، ونشأت الطاولة بالتالي، فإنَّكَ لَمْ تَخْلُق الطاولة من العدم.. من لا شيء.

أمْرُكَ إنَّما هو أمْرٌ لـ "شيء" موجودٌ معكَ، بأنْ "يتحوَّلَ" من صورة إلى صورة.. من "لوح خشبي" إلى "طاولة"، فهذا الشيء، وهو "الخشب" كان على هيئة "لوح"، فغدا إذا أمْرتهُ وإذا أطاع أمْركَ، على هيئة "طاولة".

لِنَطْرَح جانباً الآن الخَلْق في طريقة "الأمْر كُنْ"، فهو كما أوضْحنا لا يُمْكنه أن يكون خَلْقاً من العَدَم، ولنُجِبْ عن السؤال ذاته قائلين: "إنَّ الروح الخالصة خَلَقَت الكون ليس بالأمْر كُنْ وإنَّما بالتصوُّر، وبطرائق ذهنية أُخْرى كالإرادة والاختيار والقرار". لقد تصوَّرت "الروح الخالصة" شيئاً (الكون) ورَغِبَت في وجوده، وأرادت وجوده، وقرَّرت أن يُوْجَد، فَوُجِد (من لا شيء، أو من العَدَم).

هذه الطريقة في الخَلْق (في خَلْق الكون، أو في خَلْق المادة من العدم) قد تبدو "الفضلى" بحسب منطق "الروح الخالصة"؛ ولكن عيبها الجوهري هو "انتفاء الحاجة إليها"، فـ "المادة"، في تجربتنا، أي في تبادُلنا التأثير معها، إنَّما تُثْبِت لنا وتؤكِّد، في استمرار، أنْ ليس لها من "مبتدأ لا مبتدأ له" في عناصرها ومكوِّناتها، أو في قواها وخواصِّها، أو في "سلسلتها السببية".

لو ثبت لنا وتأكَّد، مثلاً، أنَّ جسيم "الكوارك" هو "المادة الأوَّلية البسيطة"، التي لا يُمْكنها أن تنشأ عن "مادة أُخْرى"، وأن ليس لها، بالتالي، من "تاريخ"، فعندئذٍ، لا بدَّ لهذا الجسيم من أن يُلِحَّ علينا بالسؤال الآتي: "كيف، ومن أين، ومتى، جاء؟". لِنَقُلْ إنَّ هذا الجسيم (الكوارك) موجود، وإنَّ وجوده لا ريب فيه، فهل توصَّلْنا، فيزيائياً، إلى ما يقيم الدليل على أنَّه لَمْ ينشأ، ولن ينشأ، ولا يُمْكنه أبدا أن ينشأ، عن "مادة أُخْرى" حتى نشرع نبحث عن "العِلَّة الميتافيزيقية" لوجوده؟!

هل زوال هذا الجسيم من الاستحالة بمكان؟

وإذا كانت الإجابة هي "كلا، ليس زواله بالأمر المستحيل" فهل يعنى زواله أنَّه لَمْ يتحوَّل إلى شيء آخر، أو أشياء أُخْرى، أو إلى مادة في صورة أُخْرى؟!

وعندما نتحدَّث عن "المادة" ينبغي لنا ألاَّ نَضْرِب صفحاً عن حقيقة أنَّ "الطاقة" هي صورة من صور "المادة".

تجربتنا في "عالَم المادة" إنْ عَلَّمتنا شيئاً في منتهى الأهمية فهذا الشيء إنَّما هو أنَّ "النشوء" و"الزوال" في عالَم الطبيعة ليسا سوى "التحوُّل".. تَحَوُّل لمادة من صورة إلى صورة، فـ "الشيء" إذا نشأ فإنَّه لا ينشأ من "لا شيء"، وإذا زال فإنَّه لا يزول بوصفه "مادة"، وإنَّما بوصفه صورة من صورها.

لقد اسْتَنْطَقْنا كل ما عَرِفْناه حتى الآن من ظواهر الطبيعة، فهل نَطَقَت بغير ما يؤكِّد أنْ لا شيء يُوْجَد، أو يُمْكننا تصوُّر وجوده، إذا ما أخْرَجْنا من جسده روحه الفيزيائية، أي القوى والقوانين والخواص الفيزيائية التي تَجْعَلَهُ على ما هو عليه، أو تَنْقله، في تطوُّره، من حال إلى حال، فأين هو هذا الشيء الذي كان ولَمْ يَكُنْ له من قواه وقوانينه وخواصِّه الفيزيائية شيئاً حتى نقول مع القائلين بوجود، وبوجوب وجود، "الروح العليا" التي أدْخَلَت فيه تلك "الروح الفيزيائية"، أو "تقمَّصَتْهُ"، فدَبَّت فيه "الحياة"؟!

وأين هي تلك الظاهرة الطبيعية التي وَقَفْنا على كل "أسبابها الفيزيائية بوجهيها الكمِّي والنوعي"، فعَجِزْنا عن فَهْمِها وتفسيرها، أو عن "استنساخها (في المُخْتَبَر مثلاً)"، لِكَوْنِنا ضَرَبْنا صَفْحاً عن "عِلَّتها الميتافيزيقية"؟!

إنَّنا يكفي أنْ ننأى بعقولنا عن "الذاتية" في فَهْم "المادة"، وأنْ نفهمها في موضوعية، وبمزيدٍ من الموضوعية، حتى تنتفي لدينا الحاجة (المعرفية) إلى القول بوجود، وبوجوب وجود، "العِلَّة الميتافيزيقية"، التي تحتاج هي ذاتها إلى تعليل، يكفي أن نتوصَّل إليه حتى نَنْبُذها.

"الكوزمولوجيا القرآنية" نراها في وضوح، وعلى حقيقتها، وبلا زيادة ولا نقصان، إذا نحن اجْتَنَبْنا "التأويل العِلْمي"، بوصفه رِجْساً من عمل "الشيطان" الذي يَظْهَر لنا على هيئة "المؤوِّل العِلْمي"، الذي يعيث في "اللغة"، وفي "النصِّ القرآني"، فساداً، "مُعَدِّداً" القرآن الواحد، وكأنَّ القرآن يُمْكِن أن يختلف (يتعدَّد) معنى وتفسيرا وفَهْما، مع اختلاف المكان والزمان، وكأنَّ المسلمين اليوم ينبغي لهم أن يفهموا معاني النصِّ القرآني ذاته بما يُخالِف ويناقِض فَهْم أسلافهم (من المسلمين)!

وكل الجهد الذي بذله "المؤوِّلون العِلْميون المعاصرون (المُغْرِضون)" إنَّما يشبه لجهة مَنْطِقه ونتائجه أن تَفْهَم الآية "وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" على أنَّها "إشارة قرآنية" إلى "السَّيَّارة" التي نَعْرفها اليوم!

ولقد فعلوا ما يشبه ذلك إذ أعلنوا اكتشافهم "إشارة قرآنية" إلى "الذرَّة" Atom في الآية "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ".

ولو لَمْ يَنْزِل القرآن "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" لَقُلْنا مع القائلين بوجوب وجود "العباقرة" من "المؤوِّلين العِلْميين" الذين يتوفَّرون على التدليس في "لغة" القرآن توصُّلاً إلى تفسير آياته للعامَّة من المسلمين بما يقيم الدليل، على ما يتوهَّمون، على أنَّ في آياته قد بُذِرَت بذور كل الاكتشافات الكونية المهمة، غير متورِّعين عن الإساءة إلى الدين والعِلْم معاً.

"الإيمان الديني" لا يقوم على "نصٍّ ديني" يحفظه المؤمن عن ظهر قلب من غير أن يَفْهَم معانيه الحقيقية ومراميه، فكيف لإيمان المسلم أن يَثْبُت ويتوطَّد إذا ما حَمَلوه، عبر "تأويلهم العِلْمي"، على أن يفهم الآية ذاتها وكأنَّها آيات مختلفة، متضاربة ومتناقضة، معنى وتفسيرا؟!

القرآن، وفي كثير من آياته، تَضَمَّن ما يمكن تسميته "كوزمولوجيا قرآنية"، فلنَقِفَ عليها، على أن نَنْبُذَ "التأويل العِلْمي المعاصر" الذي يبتنيه أصحابه من خلال إساءتهم إلى اللغة، والدين، والعِلْم، معاً.

"إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ".

إنَّ أحداً من المسلمين لَمْ يُجادِل، من قَبْل، أي من قَبْل ظهور ما يسمَّى "التأويل العلمي" للقرآن، أو لبعضٍ من آياته، في "معنى" عبارة "سِتَّة أيَّام". ولَمْ نَقِفَ على أيِّ جِدالٍ في هذا الأمر في عهد النبي على وجه الخصوص، فكلُّ من اعتنق الإسلام كان يَفْهَم "سِتَّة أيَّام" على أنَّها "أيَّامٌ أرضية (دنيوية)". وقد جاء في "تفسير الجلالين": إنَّ رَبّكُمْ اللَّه الذي خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض في سِتَّة أَيَّام من أَيَّام الدُّنْيَا، أَيْ في قَدْرهَا؛ لأنَّه لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَمْس. ولو شَاءَ لَخَلَقَ السَّماوات والأرض في لَمْحَة. و"الأحد"، بحسب "تفسير الجلالين"، كان أوَّلها، أي أوَّل أيَّام الخَلْق السِتَّة، و"الجمعة" كان آخرها.

والله بَعْدَ ذلك، أي بَعْدَ انتهائه من خَلْق السَّماوات والأرض، "اسْتوى على العرش"؛ ولكن أين كان الله قبل ذلك، أي قبل أن يشرع يَخْلِق السَّماوات والأرض؟

هذا السؤال ليس من الكُفْر في شيء، فقد سُئِلَ النبي (من مسلمين) السؤال ذاته؛ وقد أجاب عنه.

"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ".

في "تفسير الجلالين" جاء: كان عرش الله على الماء "قَبْلَ أن يَخْلِق السَّماوات والأرض (في سِتَّة أيَّام)".

وجاء في "تفسير ابن كثير": يُخْبِر الله عَنْ قُدْرَته عَلَى كُلِّ شَيْء، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض فِي سِتَّة أَيَّام، وَأَنَّ عَرْشه كَانَ عَلَى الْمَاء. وقد قال النبي: اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْل الْيَمَن. قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا، فَأَخْبِرْنَا عَنْ أَوَّل هَذَا الأمر كَيْف كَانَ؟ قَالَ النبي: كَانَ اللَّه قَبْل كل شَيْء، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء، وَكَتَبَ في اللَّوْح الْمَحْفُوظ كل شَيْء. وقَالُوا للنبي: جِئْنَاك نَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الأمر، فأجاب قائلاً: كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله. وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء، وَكَتَبَ في الذِّكْر (اللوح المحفوظ) كل شَيْء، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض. وسُئِلَ النبي: يَا رَسُول اللَّه، أَيْنَ كَانَ رَبّنَا قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه؟ فأجاب قائلاً: كَانَ فِي عَمَاءٍ (العَمَاء هو السَّحاب) مَا تَحْته هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ بَعْدَ ذلك (على الماء). وَقَالَ مُجَاهِد ووَهْب بْن مُنَبِّه وَضَمْرَة وَقَتَادَة وَابْن جَرِير: كان عَرْشه عَلَى الْمَاء قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا.. قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات والأرض، فَلَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض قَسَمَ ذَلِكَ الْمَاء قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفًا تَحْت الْعَرْش وَهُوَ الْبَحْر الْمَسْجُور (أي البحر الْمَمْلُوء). وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض فِي سِتَّة أَيَّام، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء، فَكَانَ كَمَا وَصَفَ نَفْسه تَعَالَى، إِذْ لَيْسَ إلاَّ الْمَاء، وَعَلَيْهِ الْعَرْش، وَعَلَى الْعَرْش ذُو الجلال والإكرام وَالْعِزَّة وَالسُّلْطَان وَالْمُلْك وَالْقُدْرَة وَالْحِلْم وَالْعِلْم وَالرَّحْمَة وَالنِّعْمَة الْفَعَّال لِمَا يُرِيد. وسُئِلَ ابن عَبَّاس: عَلَى أَيِّ شَيْء كَانَ الْمَاء؟ قَالَ عَلَى مَتْن الرِّيح.

وفي "تفسير الطبري" جاء: قال وهب بن مُنَبِّه: إِنَّ الْعَرْش كَانَ قَبْل أَنْ يَخْلُق اللَّه السَّمَوَات والأرض, ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ صَفَاء الْمَاء, ثُمَّ فَتَحَ الْقَبْضَة فَارْتَفَعَ دُخَان, ثُمَّ قَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ..

وسؤالنا الآن إلى "المؤوِّلين العلميين للقرآن" هو الآتي: هل ما نُسِبَ إلى النبي من أقوال وإجابات، في "التفاسير الثلاثة"، قد جاء من مسلمين افتروا على النبي كذبا؟

إنَّه سؤالٌ ينبغي لهم إجابته قَبْل، ومن أجل، أن يصبح لـ "تأويلهم العلمي" مَنْطِقاً.

عرش الله، قَبْلَ الخَلْق، كان على "الماء"، فهل لهذا "الماء" من معنى غير الذي نَعْرِف؟!

هل هذا الماء غير الماء الذي يتألَّف الجزيء منه من ذرَّتي هيدروجين وذرَّة أوكسجين (H2O)؟!

عندما سُئِلَ النبي "أَيْنَ كَانَ رَبّنَا قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه؟"، أجاب قائلاً: "كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْته هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ بَعْدَ ذلك".

إلى أن يقيموا الدليل (ولن يقيموا) على أنَّ هذه الإجابة قد نُسِبَت إلى النبي زورا وبهتانا، لا بدَّ لنا من أن نستمسك بهذا "التصوُّر الكوزمولوجي"، فالله، قَبْلَ الخَلْق، كان في عَمَاءٍ، أي في سَحاب. ومِنْ حَوْل هذا السَحاب كان "هواء".. كان من فوقه، ومن تحته، "هواء". ثمَّ قام الله بـ "خَلْق" عرشه.. وقد خَلَقَه على الماء، "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ..". وكان "اللوح المحفوظ" أيضاً.

إنَّ الله، وقَبْلَ أن يشرع يَخْلُق السَّماوات والأرض، أو قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه، كان في "عَمَاءٍ"، من فوقه ومن تحته، "هواء"؛ وكان "ماءٌ"، وكان "اللوح المحفوظ"؛ وقام الله من ثمَّ بخَلْق عرشه، فكان عرشه على الماء.

كان الله، ولَمْ يَكُن "العرش"؛ وكان، أيضاً، "العَمَاء"، و"الهواء"، و"الماء"، و"اللوح المحفوظ"؛ ثمَّ خَلَقَ الله عرشه، فكان عرشه على الماء، ثمَّ "بدأ الخَلْق"، أي خَلْق السَّماوات والأرض؛ وقد استغرق هذا الخَلْق "سِتَّة أيَّام" أرضية. وليس في القرآن، أو في تلك الأحاديث النبوية، ما يُشير إلى أنَّ الله قد خَلَقَ (قبل خَلْقِهِ السَّماوات والأرض وما بينهما) العَمَاء، والهواء، والماء، واللوح المحفوظ.

النبي قال: كَانَ اللَّه قَبْل كل شَيْء، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء..

وقال: كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله. وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء..

وقَوْلاه "كَانَ اللَّه قَبْل كل شَيْء"، و"كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله"، لا يتعارضان مع القول القرآني، وقوله، "وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء.."، فـ "الماء الذي عليه كان عرش الله" كان ولَمْ تَكْنْ السَّماوات والأرض وما بينهما؛ فـ "لَيْسَ إلاَّ الْمَاء، وَعَلَيْهِ الْعَرْش، وَعَلَى الْعَرْش ذُو الجلال والإكرام وَالْعِزَّة وَالسُّلْطَان وَالْمُلْك وَالْقُدْرَة وَالْحِلْم وَالْعِلْم وَالرَّحْمَة وَالنِّعْمَة الْفَعَّال لِمَا يُرِيد".

وقد قال مُجَاهِد ووَهْب بْن مُنَبِّه وَضَمْرَة وَقَتَادَة وَابْن جَرِير: كان عَرْشه عَلَى الْمَاء قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا..

وجواباً عن سؤال "عَلَى أَيِّ شَيْء كَانَ الْمَاء؟"، قال ابن عبَّاس: "عَلَى مَتْن الرِّيح".

أمَّا وهب بن مُنَبِّه فقال: إِنَّ الْعَرْش كَانَ قَبْل أَنْ يَخْلُق اللَّه السَّمَوَات والأرض, ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ صَفَاء الْمَاء, ثُمَّ فَتَحَ الْقَبْضَة فَارْتَفَعَ دُخَان, ثُمَّ قَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ..

من هذا الماء، الذي كان "على متن الرِّيح"، والذي كان عليه عرش الله، ومن "الصافي النقي" منه، قبض الله قبضة، ثمَّ فتح القبضة فارتفع "دخان"، أي ظَهَرَ "بخار الماء"؛ ومن هذا "البخار"، أو "الدخان"، خَلَقَ الله، في يومين من أيَّام الخَلْق السِتَّة، سَبْع سماوات. وذاك "الصافي النقي" من الماء هو ما يُفَسِّر "صفاء وشفافية" السماء.

وهذا "البخار"، أو "الدخان"، يمكن ويجب فهمه على أنَّه "السماء الأولى، أو البدائية، أو الهُيُوليَّة" التي "سَبَّعها" الله، أي جَعَلها "سَبْع سماوات".

في "كتاب الله"، أو في "اللوح المحفوظ"، ويوم خَلَقَ الله السَّماوات والأرض، كَتَبَ الله وقرَّر أنَّ "عدد" الشهور عنده 12 شهراً. "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ".

عدد الشهور عند الله 12 شهراً.. وعدد أيَّام الأسبوع عند الله يجب أن يكون 7 أيَّام؛ وهذه الأيَّام السبعة يجب أن تكون السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.

ويكفي أنْ نُمْعِن النظر في معاني هذه الآية حتى يتَّضِح لنا ويتأكَّد أنَّ الله قد خَلَقَ السَّماوات والأرض وما بينهما في سِتَّة أيَّام أرضية؛ فهل من "تأويلٍ" لعبارة "في سِتَّة أيَّامٍ" يَصحُّ بَعْدَ ذلك؟!

إنَّ "الخَلْقَ من العَدَم" ليس بالخَلْق الذي يقول به القرآن، فالله كان، وكان عرشه على "الماء"، ولَمْ تَكُن السَّماوات والأرض (وكان أيضا "العَمَاء"، و"الهواء"، و"الريح (التي على متنها كان الماء)".

"أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ".

"السَّماوات" و"الأرض" كَانَتَا "رَتْقًا"، أَيْ كانتا متَّصلتين، مُتلاصقتين، مُلْتَزقتين، مُتَرَاكِمتين، في ابتداء الأمر، أي قَبْل أن يشرع الله يَخْلُق السَّماوات والأرض وما بينهما. ثمَّ "فَتَقَ" الله هذه مِنْ تلك، فَجَعَلَ السَّمَاوات سَبْعًا والأرض سَبْعًا؛ وَفَصَلَ بَيْن السَّمَاء الدُّنْيَا والأرض بِالْهَوَاءِ، فَأَمْطَرَتْ السَّمَاء، وَأَنْبَتَتْ الأرض؛ وَلِهَذَا قَالَ "وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُل شَيْء حَي أفلا يُؤْمِنُونَ".

"الفتق"، لغة، هو "شقُّ" الشيء، أي فصل بعضه عن بعض. قال ابن منظور في "لسان العرب": "الرَّتْقُ هو ضد الفَتْق". وقال ابن سيده: "الرَّتْقُ هو إلحام الفتْقِ وإصلاحه. نقول: "رتقه، يرتقه، رتقا، فارتتق"، أي "التَأَم". ونقول: "فتقه يفتقه فتقا"، أي شقَّه"، فالفتق خلاف الرتق.

وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة، عن ابن عباس، إنَّ المعنى هو: كانتا شيئاً واحداً. كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما، ورفع السماء إلى حيث هي، وأقرَّ الأرض. وهذا القول يوجب أنَّ خلق الأرض مقدَّم على خلق السماء؛ لأنَّ الله لمَّا فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية.

وقال ابن عبَّاس: "كانت السَّماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلمَّا خلق للأرض أهلاً فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات".

وقال عطية العوفي: "كانت السماء رتقاً لا تمطر فأمطرت، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت فأنبتت".

وقال إسماعيل بن أبي خالد: "كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة، ففتق منها سبع أرضين".

وقال أبو جعفر: أوْلى الأقوال، في ذلك، بالصواب، قول مَنْ قال إنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً مِنَ المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات، لدلالة قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..".

وقال كعب: "خلق الله السَّماوات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً في وسطها، ففتحها بها، وجعل السَّماوات سبعاً والأرضين سبعاً".

الآية، في ضوء كل تلك التفاسير، تفيد معنيين. الأوَّل هو أنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً مِنَ المطر والنبات، ففتق الله السماء بالغيث، والأرض بالنبات. والدليل على هذا المعنى قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ". والمعنى الثاني هو أنَّ السماء والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء، أو الريح، فالسماء رفعها عن الأرض بغير أعمدة (تأكيداً لقدرته) أي جعلها مُقبَّبة على الأرض مثل القُبَّة.

لقد بنى الله السماء، أي رفعها بغير عمد، وجَعَلَهَا سقفاً. فما معنى ذلك؟

معناه، الذي لا يختلف فيه اثنان يحتكمان إلى المنطق، هو أنَّ السماء كانت ملتصقة بالأرض، ففصلها عن الأرض إذ رفعها عنها بغير عمد، فصار بينهما هواء أو ريح.

الآية إنَّما خاطبت عقول الناس الذين أدهشتهم رؤية السماء مرفوعة عن الأرض كسقف لا أعمدة له، فقالت لهم إنَّ السماء كانت، مِنْ قَبْل، ملتصقة بالأرض، فرفعها الله بقدرته الخارقة بغير عمد ترونها. ولَمَّا فصلها ورفعها عن الأرض صار ممكنا أنْ تمطر السماء، وأنْ تنبت الأرض، وأنْ تكون حياة، فمِنَ الماء خلق الله كل الكائنات الحية.

إذا كان "الخَلْقُ" هو "الفَتْق" فغنيٌ عن البيان أنَّ "الأرض"، وعلى هيئة ما، كانت قبل "الخَلْق".. كانت "ملتصقة، ملتزقة، بالسماء (الهُيُوليَّة)"، فبدأ "الخَلْق"، بالتالي، بـ "فَصْل" كلتاهما عن الأخرى. كانت "الأرض" و"السماء" مُرْتتقتين؛ ثمَّ فَصَلَ الله بينهما إذ أصْدَر أمْر "الفَتْق".

إنَّكَ لا تَخْلُقَ من العَدَم الهيدروجين والأوكسجين "المُرْتتقين (أي المتَّحِدين)" في الماء، أي في جزيء الماء، إذا ما قُمْتَ بـ "فتقهما (أي فصلهما)". إنَّكَ تُغَيِّر فحسب حال وجودهما، فَهُما كانا (الهيدروجين والأوكسجين) متَّحِدين (اتِّحاداً كيميائياً) في جزيء الماء (H2O) فَجَعَلْتُهُما (بالفتق الكيميائي) منفصلين.

وإنَّكَ لا تستطيع أن تَزْعُم أنَّكَ قد خَلَقْتَ الهيدروجين والأوكسجين من العَدَم إذ قُمْتَ بـ "فتقهما" فَتْقَاً كيميائياً.

خَلْقُ السَّماوات والأرض في سِتَّة أيَّام شُرِح على خير وجه في سورة "فُصِّلَت"، وإنْ لَمْ تأتِ هذه السورة على ذِكْر "الفَتْق".

في تلك السورة، نَقِف على جوهر "التصوُّر الكوزمولوجي القرآني"، فقد جاء فيها: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".

وبحسب "التفاسير القرآنية"، التي يسعى أصحاب "التأويل العِلْمي" للآيات الكونية القرآنية إلى تخطِّيها، تنطوي هذه الآيات على إِنْكَار من اللَّه عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْره وَهُوَ الْخَالِق لِكُلِّ شَيْء؛ فكيف "تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا" أَيْ نُظَرَاء، وشُركاء، وأمثالاً تَعْبُدُونَهَا مَعَهُ، وهو الذي "خَلَقَ السَّمَوَات والأرض فِي سِتَّة أَيَّام"؟!

وهنا، أي في تلك الآيات، ميَّزَ الله ما يَخْتَص بالأرض مِمَّا يَخْتَص بِالسَّمَاءِ. ولقد ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الأرض أوَّلاً لأنَّها كالأساس؛ والأصل أَنْ يَبْدَأ الخَلْقَ أو البناء بالأساس، ثُمَّ بَعْده بِالسَّقْفِ كَمَا قَالَ "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرض جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات".

ولكن، في الآية "أَأَنْتُمْ أَشَدّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكهَا (أي سَقْفها) فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا والأرض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَال أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ ولأنعامكم"، من سورة "النازعات"، نرى أنَّ دَحْو الأرض كان بَعْد خَلْق السَّمَاء، فَالدَّحْو هُوَ مُفَسَّر بِقَوْلِهِ "أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا". وَكَانَ هَذَا بَعْد خَلْق السَّمَاء.

قارِن الآن بين "التصوُّرين الكوزمولوجيين" في القرآن كما وردا في سورة "فُصِّلَت" وسورة "النازعات": في سورة "فُصِّلَت"، جاء "لقد خَلَقَ الله (للبشر) ما في الأرض جميعا (أي كل ما في الأرض) ثمَّ (أي بَعْدَ ذلك) استوى إلى السماء (أي قَصَدَها وتوجَّه وارتفع إليها، فهي كانت موجودة قبل أن يخلق منها، أو يجعلها، سبع سماوات) فسوَّاها (أي جعلها) سبع سماوات؛ وقد قال "سوَّاهُنَّ" ولم يَقُلْ "سوَّاها"؛ لأنَّ الضمير في "سوَّاهُنَّ" يرجع إلى السماء التي هي في معنى الجمع الآيلة إليه, فصيَّرها "سبع سماوات في يومين". و"سَوَّى"الشيءَ معناه: قَوَّمَه وعَدَّلَه وجَعَلَه سَويًّا؛ و"سَوَّى" العمل معناه: أَتَمَّهُ.

أمَّا في سورة "النازعات" فيقول الله إنَّه قد قام بـ "دحو (بَسْط)" الأرض، مُخْرِجاً منها ماءها ومرعاها، بَعْدَ خَلْق السماء. وهذا قد يُثير التساؤل الآتي: كيف يقوم الله بـ "دحو" الأرض مُخْرِجاً منها ماءها ومرعاها "بَعْد" خَلْق السماء، بحسب ما ورد في سورة "النازعات"، وهو الذي خَلَق (للبشر) ما في الأرض جميعا "قَبْل" أن يجعل السماء سبع سماوات، بحسب ما ورد في سورة "فُصِّلَت"؟!

إنَّ الأرض (أي كوكب الأرض) بحسب هذا "التصوُّر الكوزمولوجي القرآني"، الذي تضمَّنته سورة "فُصِّلَت"، هي أوَّل وأقْدَم شيء خلقه الله. وهي أيضا الشيء الذي اسْتَغْرَق خلقه كاملا الجزء الأعظم من مُدَّة الخَلْق (أربعة أيَّام من زمن الخَلْق الذي هو ستَّة أيَّام). ومن هذا لا بدَّ لنا من أن نَسْتَنْتِج أنَّ الأرض أقْدَم وجودا من الشمس ومن مجرَّتنا (مجرَّة درب التبَّانة) وأنَّها (أي الأرض) مهما شاخت تَظل الشمس (مع سائر الأشياء في الكون) أصغر منها عُمْراً، وبما لا يزيد عن بضعة أيَّام. ويكفي أن تَعْتَقِد بأنَّ الأرض هي أوَّل وأقْدَم شيء خلقه الله حتى تَعْتَقِد، أي حتى يجب أن تَعْتَقِد، أيضاً، بأنَّ الأرض والكون بأسره متساويان عُمْراً، وبأنَّ الفَرْق في العُمْر بين الأرض وبين سائر المخلوقات في الكون لا يتعدَّى، ويجب ألاَّ يتعدَّى، بضعة أيَّام فحسب.

والله، في سورة "النازعات"، يَنْسِب ظاهرتي "الليل" و"الضحى" إلى السماء، وليس إلى الأرض، فقد "أغْطَش (أي أظْلَم)" ليلها، أي ليل السماء، وأخْرَج (أي أظْهَر) ضحاها، أي ضحى السماء. و"الضحى" لغةً "ضوء الشمس"، أو "ارتفاع النهار وامتداده"، أو "وقت ارتفاع النهار وامتداده وانتصافه". لقد نَسَبَ "الضحى" إلى السماء، وإنْ قال في سورة "الشمس": "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا".

لقد رأيْنا هنا فَصْلاً لظاهرتي "الليل (الذي أظْلَمَه)" و"الضحى (الذي أظْهَرَه)" عن الأرض؛ ثمَّ فَصْلاً لهما عن "الجبال" التي قام بإرسائها (أي تثبيتها) لئلا تميد بالبشر.

وفي سورة "الأنبياء" ورد "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ". "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار". الله، هنا، يَذْكُر "الليل" و"النهار" مع "الشمس" و"القمر"، فَهُما، أي "الليل" و"النهار"، يدوران حَوْلَ الأرض (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) كما تدور الشمس (في الظاهِر) والقمر. والليل (الدائر حَوْل الأرض) يُغْشي، أي يُغطِّي (بظُلْمَتِهِ) النهار.

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ..". النهار (أو الليل) يَجِيء، ثُمَّ يَذْهَب وَيَخْلُفهُ الليل (أو النهار) لا يَتَأَخَّر عَنْهُ لَحْظَة؛ كما قال "لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ". تَارَة يَطُول هذا، وطورا يَقْصُر ذاك. هذا يَأْخُذ مِنْ ذاك، ثُمَّ يَتَعَاوَضَانِ؛ كَمَا قال "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَار وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْل"، أَيْ يَزِيد مِنْ هذا في ذاك، وَمِنْ ذاك في هذا".

الله، في سورة "النازعات"، أنْجَز، بَعْد خَلْق السماء، ثلاثة أعمال (في الأرض) هي: دحو الأرض، وإخراج الماء والمرعى منها، وتثبيت الجبال فوقها. و"دحو" الأرض ليس من معانيه (اللغوية) أنْ يُخْرِج منها ماءها ومرعاها. معناه فحسب هو "بَسْطها".

ولكن، أين كانت الأرض؟

بحسب فهمنا للرواية القرآنية، كانت الأرض على سطح الماء. وقد أَنشد ابن بري لزيد بن عمرو بن نُفَيْل:

دَحَاها , فلما رآها اسْتَوَتْ على الماء , أَرْسَى عليها الجِبالا

وهذا إنَّما يعني أنَّ الأرض، بحسب "التصوُّر الكوزمولوجي القرآني"، تَعْدِل "اليابسة (من غير جبال) فقط، وأنَّ "الماء" ليس بجزء من "كوكب الأرض"!

وفي تفاسير ابن كثير والجلالين والطبري والقرطبي جاء أنَّ الله خَلَق الأرض في يومين هما الأحد والاثنين.

وجاء في تفسير الطبري أنَّ اليهود أَتَتْ النَّبِي فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْق السَّمَوَات والأرض, فقَالَ: "خَلَقَ اللَّه الأرض يَوْمي الأحد والاثنين ,وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثلاثاء, وَخَلَقَ يَوْم الأربعاء الشَّجَر وَالْمَاء وَالْمَدَائِن وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَاب, فَهَذِهِ أَرْبَعَة أيَّام. وَخَلَقَ يَوْم الْخَمِيس السَّمَاء, وَخَلَقَ يَوْم الْجُمُعَة النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر والملائكة.. وفي نهايته، أي في نهاية يوم الجمعة خلق آدَم وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّة, وَأَمَرَ إِبْلِيس بِالسُّجُودِ لَهُ, وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِر سَاعَة. قَالَتْ الْيَهُود: ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش", فقَالُوا: قَدْ أَصَبْت لَوْ أَتْمَمْت قائلاً ثُمَّ اسْتَرَاحَ; فَغَضِبَ النَّبِي غَضَبًا شَدِيدًا, فَنَزَلَ: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات والأرض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ".

وجاء أيضاً أنَّ اللَّه خَلَقَ يَوْمًا وَاحِدًا فَسَمَّاهُ الأحد, ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الاثنين, ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثلاثاء, ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الأربعاء, ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيس; وقد خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ هما الأحد والاثنين, وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثلاثاء, وَخَلَقَ مَوَاضِع الأنهار والأشجار يَوْم الأربعاء, وَخَلَقَ الطَّيْر وَالْوُحُوش وَالْهَوَام وَالسِّبَاع يَوْم الْخَمِيس, وَخَلَقَ الإنسان يَوْم الْجُمُعَة, فَفَرَغَ مِنْ خَلْق كُلّ شَيْء يَوْم الْجُمُعَة. وفي تفصيل آخر، جاء أنَّ الله خَلَقَ التُّرْبَة يَوْم السَّبْت, وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَال يَوْم الأحد, وَخَلَقَ الشَّجَر يَوْم الاثنين, وَخَلَقَ الْمَكْرُوه يَوْم الثلاثاء, وَخَلَقَ النُّور يَوْم الأربعاء, وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس, وَخَلَقَ آدَم بَعْد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة.

الله "يُسَبِّع" الواحد، أي يجعله سَبْعاً، فالسماء الواحدة جعلها سَبْع سماوات؛ والأرض الواحدة جعلها سَبْع أرضين. "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً".

"وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ". أي جَعَل في الأرض جبالا من فَوْقها (من فَوْق سطحها أو تربتها أو على ظَهْرِها). وباركَ فيها، أي أكْثَرَ خيرها بما جَعَلَ فيها من المياه والزروع والضروع. وقدَّر فيها أقواتها، أي قَدَّرَ أرزاق أهلها ومعاشهم، وخَلَق فيها ما يحتاج إليه البشر من الأرزاق، والأماكن التي تُزْرَع وتُغْرَس، والأنهار والأشجار والدواب.

في أربعة أيام، أي فِي تَتِمَّة أَرْبَعَة أَيَّام . وَمِثَاله قَوْل الْقَائِل: خَرَجْت مِنْ الْبَصْرَة إِلَى بَغْدَاد فِي عَشْرَة أَيَّام, وإلى الْكُوفَة فِي خَمْسَة عَشَرَ يَوْمًا; أَيْ فِي تَتِمَّة خَمْسَة عَشَرَ يَوْمًا.

في أربعة أيَّام من أيَّام الخَلْق الستَّة، وبحسب سورة "فُصِّلَت"، خَلَق الله الأرض (في يومين) وجَعَل فيها رواسي من فوقها، وجعلها صالحة للحياة (في يومين آخرين). وعليه استغرق "عمله الأرضي" هذا أربعة أيَّام. وفي اليومين الأخيرين (الخميس والجمعة) من أيَّام الخَلْق الستَّة، أنْجَز "عمله السماوي"، فاسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ.. وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا، وزَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ.

هنا، نرى في وضوح أنَّ الله لَمْ يَقُمْ في أثناء "عمله السماوي (الذي استغرق يومين هما اليومين الأخيرين من أيَّام الخَلْق الستَّة)" بـ "دحو" الأرض كما ذُكِرَ في الآية "أَأَنْتُمْ أَشَدّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا والأرض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَال أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ ولأنعامكم"، من سورة "النازعات".

لقد أخْرَجَ من الأرض ماءها ومرعاها، وقام بإرساء الجبال، "قَبْلَ" أن يبدأ "عمله السماوي"، فهو أنْجَزَ وأتَمَّ "عمله الأرضي" في أربعة أيَّام، ثمَّ أنْجَزَ وأتَمَّ "عمله السماوي" في يومين؛ ولم يَكُن من تداخُلٍ بين العملين. وقوام "عمله السماوي" كان الآتي: اسْتَوى إلى السماء وهي دخان، فَجَعَلَها سَبْع سماوات، مُزَيِّناً السماء الدنيا بمصابيح (أي نجوم). وفي آخر يَوْم الْجُمْعَة خَلَقَ اللَّه آدَم فِي عَجَل. ومعنى "اسْتوى إلى السماء وهي دخان" هو عمد إلى خلقها، وقصد إلى تسويتها، وهي بهيئة الدخان. و"الدخان"، بحسب تفسير ابن كثير، إنَّما هو "بخار الماء المتصاعِد من الأرض إلى السماء" حين خُلِقَت الأرض.

وجاء في تفسير الطبري: عن ابْن عَبَّاس, عَنْ النبي، أنَّ الله فَرَغَ مِنْ خَلْق الأرض وَجَمِيع أَسْبَابهَا وَمَنَافِعهَا مِنْ الأشجار وَالْمَاء وَالْمَدَائِن وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَاب فِي أَرْبَعَة أَيَّام, أَوَّلهنَّ يَوْم الأحد, وَآخِرهنَّ يَوْم الأربعاء.

وفي أمْرِ الرواسي، أو الجبال، جاء في تفسير القرطبي: لَمَّا خَلَقَ اللَّه الأرض مَادَتْ عَلَى وَجْه الْمَاء; فَقَالَ لِجِبْرِيل ثَبِّتْهَا يَا جِبْرِيل. فَنَزَلَ فَأَمْسَكَهَا فَغَلَبَتْهُ الرِّيَاح, فقَالَ: يَا رَب أَنْتَ أَعْلَم لَقَدْ غُلِبْت فِيهَا، فَثَبَّتَهَا (الله) بِالْجِبَالِ وَأَرْسَاهَا.

وهذا إنَّما يعني أنَّ الأرض خلقها الله على وجه الماء، وأنَّها في اليومين الأولين (من أيَّام خلقها الأربعة) كانت عُرْضَة لـ "المَيَدان"، أي التحرُّك والاضطِّراب والتمايل، فهي تشبه لوح خشب على وجه الماء، تجري به الرياح، ولا بدَّ، بالتالي، من وسيلة لتثبيته. وهذه الوسيلة، بالنسبة إلى الأرض، كانت "الجبال"، أو "الرواسي".

لقد أتّمَّ الله خَلْق الأرض في أربعة أيَّام، وقَبْل خَلْق السماء (أو السماوات السبع) والنجوم والشمس والقمر.

ويُقرِّر "المؤوِّلون العِلْميون المعاصرون" أنَّ "كل ما في السماء الدنيا يقع في داخل باقي السَّماوات"، مستنِدين إلى الآية "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا". هذا تأويل فاسِد من الوجهة المنطقية، فَوِفْقَهُ ينبغي لنا أن نَفْهَم "باقي السَّماوات (سِتُّ سماوات)" على أنَّها سماوات لا يُوْجَدُ فيها إلاَّ ما هو موجود في "سمائنا"، أي "السَّماء الدنيا". ولو كان لديهم أقلِّ قدر من الذكاء لسألوا أنفسهم، قبل أن يبتدعوا هذا التأويل، السؤال الآتي: "هل يُمْكِن أن يكون القمر "نوراً"، والشمس "سراجاً وهَّاجاً"، في "السماء السادسة (أو السابعة)" مثلاً؟

هذا القمر ليس بـ "نور" بالنسبة إلى "سكَّان كوكب يقع في نهاية مجرَّتنا، أي مجرَّة "درب التبانة"، التي هي "نقطة" في "بحر الجزء الذي نُدْرِك من السماء الدنيا"!

"السماء" في "صورتها القرآنية" إنَّما هي "السقف" بالنسبة إلى الأرض، التي هي كـ "الأرضية" بالنسبة إلى "البناء الكوني"؛ "وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا..". "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً..".

وهذا "السَقْف"، الذي هو هلى هيئة "قُبَّة"، يُمْكِن أن يَقَع كله، أو "كِسَفاً (أي قِطعاً) منه"؛ ولكنَّ الله الرؤوف الرحيم بالناس "يُمْسِك السماء" من "أنْ"، أو لئلاَّ، تقع على الأرض إلاَّ بإذنه، فتَهْلكوا. "أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ". "أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ".

قدرة الله إنَّما تكون "بين الكاف والنون (كُنْ فيكون)"، فهل نَقِفُ هنا على معنى "الخَلْقُ من العَدَم"؟

"بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ".

في أَيِّ حَال يَقُول الله للأمر الَّذِي يَقْضِيه (يُريده ويُقَرِّره) كُنْ؟

أفي حَال عَدَمه؟

تِلْكَ حَال لا يَجُوز فِيهَا أَمْره, إذْ كَانَ مُحالاً أَنْ يَأْمُر إلاَّ الْمَأْمُور, فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُور اسْتَحَالَ الأمر; وَكَمَا مُحَال الأمر مِنْ غَيْر آمِر, فَكَذَلِكَ مُحَال الأمر مِنْ آمِر إلاَّ لِمَأْمُورِ. أَمْ يَقُول لَهُ ذَلِكَ فِي حَال وُجُوده؟

تِلْكَ حَال لا يَجُوز أَمْره فِيهَا بِالْحُدُوثِ, لأنَّه حَادِث مَوْجُود.

هل أراد الله وقرَّر خَلْق الشمس، مثلا، فأمَر هذا المأمور، وهو الشمس، أو أصْل الشمس، بأنْ يكون على هيئة شمس، فكان، أي أصبح على هيئة شمس؟!

لا بدَّ أوَّلاً من وجود المأمور، فيأمره الله بأن يصبح في هيئة مختلفة. لقد أمَرَ الله بعض اليهود بأن يكونوا، أي أن يصبحوا، قردة، وما كان لهذا الأمر أن يتحقَّق لو لم يكن من وجود لهؤلاء اليهود.

الله إذا أراد خَلْق شيء فإنَّه يقول لهذا الشيء كُنْ فيكون. أي أنَّه يقول لشيء موجود كُنْ على هيئة أخرى، فيصبح عليها. "المأمور" يجب أن يكون موجودا. والأمْر إنَّما يَجْعَل هذا الشيء الموجود، قبل الأمر، على هيئة مختلفة، فالخَلْقُ، على ما نرى، لا يكون من العَدَم. إنَّه فِعْلُ "تحويلٍ" لشيء من صورة إلى صورة. إنَّ الله يقول للأمر "كُنْ"، فيكون (ذلك الأمر) على ما أمره الله أن يكون وأراده.

"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إنَّ مَثَل عِيسَى"، أي شَأْنه الْغَرِيب، "عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم"، أي كشأن آدم. خَلَقَ الله آدم مِنْ تُرَاب، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ بَشَرًا "فَيَكُون" أَيْ فَكَانَ؛ وَكَذَلِكَ عِيسَى قَالَ لَهُ كُنْ مِنْ غَيْر أَب فَكَانَ. في خلق آدم، كان "المأمور" هو "التمثال الطيني"، فالله أمَرَ هذا التمثال، بعدما صنعه، بأنْ يكون (بأن يغدو أو يصبح) بشراً، فكان.

"المادة"، وكما رأيْنا من خلال طريقة الخَلْق القرآني للسَّماوات والأرض، لَمْ تُخْلَق من العَدَم، فبعضٌ من المادة أخْبَرَنا القرآن بوجوده قَبْلَ أنْ يشرع الله يَخْلُق السَّماوات والأرض وما بينهما في سِتَّة أيَّام. وهذا الخَلْق الإلهي ـ القرآني لـ "الكون" إنَّما كان، بحسب الوصف القرآني له، يَعْدِلُ في معناه "خَلْق (أو صُنْع) شيء من شيء"، كصُنْع النجَّار لطاولة من لوح خشبي؛ ولكن هل في القرآن ما يشير إلى "فناء المادة" يوم القيامة؟

إنَّكَ يكفي أن تقرأ ما وَرَدَ في القرآن من وصفٍ لـ "نهاية العالَم"، أي لـ "يوم القيامة"، ومن وصفٍ لـ "الجنَّة" و"النار"، وأنْ تَفْهَمَ ما قَرَأْت بمعانيه الحقيقية، أي بلا زيادة ولا نقصان، حتى تتأكَّدَ أنَّ "الإفناء الإلهي ـ القرآني" للعالم، أو لـ "الحياة الدنيا"، ليس فيه ما يشير إلى "فناء المادة"، أو إلى أنْ يَخْلِفَ العَدَمَ الوجود.

وتوصُّلاً إلى ذلك، أي إلى هذا الفَهْم، وهذا الاستنتاج، أمْعنوا النظر، واعْمِلوا التفكير، في معاني الآيات القرآنية الآتية:

"يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ".

"وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً".

"إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ. لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ. خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ. إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً. وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسَّاً. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً".

"فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ. وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ. وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ".

"يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً".

"إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ. وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ".

"كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً".

"إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا".

"يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ".

"فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ".

"فناء العالَم" إنَّما يعني، في القرآن، أنْ "تُبَدَّلَ الأرضُ غير الأرض.."؛ وقيل في الشرح والتفسير أنْ تصير الأرض التي نَعْرِف "أرضاً بيضاء كالفضَّة". وغنيٌّ عن البيان أنَّ عبارة "تُبَدَّلَ الأرض غير الأرض (وأن تُبَدَّل السَّماوات أيضا)" لا تنطوي على أيِّ معنى من معاني الفناء والزوال، فـ "الأرض التي بُدِّلَت" تظلُّ صورة من صور "المادة"، وكأنَّ انتقالها من حالٍ إلى حال هو جوهر معنى "الفناء الإلهي ـ القرآني" للعالَم يوم القيامة.

وفي هذا "الفناء"، يُسَيِّر الله الجبال، أي يَذْهَب بها عن وجه الأرض، فهي إنَّما جَعَلَها الله في الأرض رواسي، تُثَبِّت الأرض، وتَمْنعها من أن تميد بالبشر. وبِرًَفْعِهِ تلك الرواسي تغدو الأرض بارزةً، أي ظاهرة، ليس عليها شيء من جَبَلٍ ولا غيره.

وفي "يوم الفناء (القارعة)"، يَرُجُّ الله الأرض رَجَّاً، أي يُحَرِّكها حركة شديدة عنيفة، ويَبُسُّ الجبال بَسَّاً، أي يُفَتِّتها، فتغدو "هباءً مُنْبَثَّاً"، أي غباراَ مُنْتَشِراً.

وفي "يوم النَفْخِ في الصُّور نفخةً واحدةً"، تُحْمَل الأرض والجبال، أي تُرْفعا، فَيَدُّكهما الله دَكَّاً، أي يَدُقُّهما. وَدَقُّ الشيء يعني كسره؛ وَدَقُّ الحَبَّ يعني جَعْله مسحوقاً ناعماً. وفيه، أيضا، تَنْشَقُّ السماء، فتبدو واهيةً ضعيفةً.

وفي وَصْفِ "يوم فناء العالَم"، أو "الحياة الدنيا"، تَرْجُفُ الأرض والجبال، أي تُزَلْزَل الأرض والجبال، وتكون الجبال رَمْلاً مُجْتَمِعاً، فيَشْرَع يتساقط. والسماء تَنْشَق، والأرض تُمَد، أي تزيد سعتها، ولا يبقى عليها بناء ولا جَبَل، وتُلْقي ما فيها من الموتى إلى ظاهرها، مُتَخَلَّيةً عنهم. وهذا هو ذاته معنى أنْ تُزَلْزَل الأرض، وتُخْرِج أثقالها. والسماء لا تَنْشق فحسب، وإنَّما "تُطْوى"، فالله، "يوم القيامة"، يطويها كطيِّ السِّجِل للكُتُب؛ أمَّا "النتيجة النهائية" فنراها في قوله "كما بَدَأْنا أوَّل خَلْق نُعيدهُ"، أي يَهْلَك كل شيء، أي يعود "الكون" إلى ما كان عليه من حالٍ عند، أو قَبْل، خَلْق الله للسَّماوات والأرض وما بينهما في سِتَّة أيَّام.

إنَّ "القيامة" تؤثِّر في السَّماوات بالانشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، وفي الجبال بالدكِّ والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس والقمر بالتكوير والانكدار. وتكون الجبال، أي تصبح، "يوم القيامة"، كالعهن المنفوش؛ إنَّها تصير كالصوف المتطاير، تتفرَّق أجزاؤها وتتطاير في الجوِّ حتى تكون كالصوف المتطاير عند الندف.

وبَعْدَ هذا "الإفناء الإلهي ـ القرآني" للعالَم، أو لـ "الحياة الدنيا"، يَخْلُد المؤمنون في الجَنَّة "ما دامت السَّماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربُّكَ"، ويَخْلُد الكافرون في النار، أو جهنَّم، "ما دامت السَّماوات وألأرض إلاَّ ما شاء ربُّكَ".

وهذا إنَّما يعني أنَّ أهل النار وأهل الجنَّة يَدُومان (يَخْلُدان، يَبْقيان) فيهما (أي في النار والجنَّة) ما دامت (ما بَقِيَت، ما خَلُدَت) السَّماوات والأرض؛ فـ "القيامة" لا تعني زوال، وفناء، السَّماوات والأرض، وإنَّما اختلاف وتَبَدُّل حالهما. أمَّا عبارة "إلاَّ ما شاء ربُّكَ" ففيها معنى "الاستثناء"، فدوام أهل النار وأهل الجنَّة في ما هُمْ فيه من الجحيم أو النعيم ليس أمْراً واجباً بذاته، بل هو مَوْكول إلى مشيئة الله.

وَبَعْد كل هذا الذي شَرَحْنا وأوْضَحْنا هل يجوز القول بأنَّ الخَلْق الإلهي ـ القرآني لـ "الكون" كان خَلْقاً لـ "المادة" من "العَدَم"؟!

إنَّ "الكوزمولوجيا القرآنية" تؤكِّد بما لا يَدَع مجالاً للشك أنَّ الخَلْق الإلهي لـ "الكون" لا يتعارَض وإنَّما يتوافق مع مبدأ أو قانون "المادة لا تفنى ولا تُسْتَحْدَث (ولا تُخْلَق) وإنَّما تتحوَّل من شكل إلى آخر"، فـ "خالِق الكون" ليس بِمُبْدِعٍ لـ "المادة" من "العَدَم"، وإنَّما هو "مُحَوِّل لها" من صورة إلى صورة، ومن شكل إلى شكل.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,246,792
- -السلبيون- انتخابياً!
- عباس.. هل يرتدي كوفية عرفات؟!
- صورة -المادة- في الدِّين!
- هل أصبحت -المفاوضات بلا سلام- خياراً إستراتيجياً؟!
- الأزمة الاقتصادية العالمية تنتصر ل -قانون القيمة-!
- هرطقة تُدْعى -الملكية الفكرية-!
- الآلة
- معنى -التقريب-.. في مهمة ميتشل!
- أمراض ثقافية يعانيها -الطلب- في اقتصادنا!
- حكوماتنا هي الجديرة بلبس -النقاب-!
- صورة -المفاوِض الفلسطيني- في مرآة -الأمير-!
- معادلة ليبرمان!
- الفقر والفقراء.. في دراسة مُغْرِضة!
- ما تيسَّر من سيرة -القطاع العام-!
- مهزلة يُضْرَب بها المثل!
- الرأسمالية الأوروبية تتسلَّح ب -العنصرية-!
- -العبودية-.. غيض يمني من فيض عربي!
- -المعارَضة- إذ غدت -وظيفة حكومية-!
- إسرائيل -تقصف- الطموح النووي الأردني!
- تعليق -لاهوتي- على حدث رياضي!


المزيد.....




- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...
- مناقشة أولى رسائل الدكتوراه في مجال العلوم الإسلامية بروسيا ...
- مصر... المؤبد لـ11 متهما من -الإخوان- والسجن 15 عاما لـ106 ف ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد البشيتي - في القرآن.. لا وجود لفكرة -الخَلْق من العدم-!