أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - خليل اندراوس - كغمرة الحِنطة- - في رثاء الرفيق الصديق د. أحمد سعد















المزيد.....

كغمرة الحِنطة- - في رثاء الرفيق الصديق د. أحمد سعد


خليل اندراوس

الحوار المتمدن-العدد: 3021 - 2010 / 6 / 1 - 00:38
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


هناك قول مأثور يقول: "إذا أردت معرفة عمق البحيرة ، فعليك أن تأخذ مجرى النهر عكسيا حتى تدرك العين التي من عمقها يطلع الماء".
وعندما أنظر إلى الرفيق أحمد سعد وعمق معرفة محيطه الفكري والإيديولوجي والفلسفي أعود عكسيا آخذا مجرى تاريخ حياته، حتى أصل إلى عمق مأساة شعبنا ونكبته العامة كشعب ونكبته الخاصة به، عندما فقد البيت والطفولة، وهُجِّر من قريته البروة ليصل إلى كفرياسيف، وليصبح من أوائل الحمر في بلده الجديد، وليتابع نضاله عضوا في الشبيبة الشيوعية وفي الحزب وسفره بعد ذلك إلى الإتحاد السوفييتي لينهل مبادئ الفكر الماركسي، وعلم الإقتصاد السياسي وليصل بعد ذلك إلى أعلى درجات المسؤولية الحزبية وليصبح كغمرة الحِنطة، زارعا بذور الفكر الثوري والمعرفة والنضال المثابر في سهول ووديان وجبال أرض الوطن- فلسطين.
فقد ولدت من مآسي وركام النكبة وعشت حياتك بكثافة ومثابرة واجتهاد وصبر ومعاناة، لا يقدر عليها سوى الرجال العظام ، حيث لم يستطع المرض مع كل قسوته أن يمنعك من ممارسة رسالتك الفكرية والنضالية والصحفية، فكم من مرةٍ حضرت إلى بيتك في ساعات الصباح الباكر لأجدك تحمل القلم وتكتب بعمق وغزارة لصحيفتك الإتحاد، التي كانت بالنسبة لك رسالة لأنك كنت مقتنعا بان طريقك، طريق حزبك، هو حبل النجاة لشعبنا، وبقلمك تعدم الحواجز، وتعانق بفكرك الإنساني الإنسانية، بل بل الكوني في ذاتك، لأنك مع كل معاناتك ومعاناة شعبك مارست المفاهيم الأممية بأرقى تجلياتها لاقتناعك بأهمية النضال اليهودي العربي في البلاد، ولإيمانك بأن المخرج الوحيد لكلا الشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي هو السلام العادل، سلام الشعوب بحق الشعوب. لم تيأس ولم تتقوقع، وحملت العلم الأحمر، وكتبت بالخط الأحمر طول حياتك. فكنت كتلك الموسيقى التي تعزف لحن الخلود الإنساني، لحن المساواة والعدالة الإجتماعية. فكن كذلك الذي يقول النبوءة ويبشر بعالم المستقبل. وعندما كنت تكتب كلمة صباح الخير في الإتحاد، كنت تدرك بأن اللغة أبعد من مجرد أسماء، أو ذكريات أو مفردات، بل كانت بالنسبة لك معاناة في قول ذاتك ووجودك ماضيا وحاضرا وأملاً في المستقبل. ومع كل مغريات الحياة، قاومت وادركت بأن المعاناة تصنع الرجال. وكنت كبيرهم. ومع كل هذا كنت تحمل ورد وزهر وياسمين التواضع الإنساني، الذي يجب أن يكون ميزة كل شيوعي، يتحلى بالأخلاق الشيوعية- الإنسانية.
كل عصر يعطي مبدعيه الذين تعمقوا ذواتهم وواقعهم، ما به من مأساة ونكبة تتجدد، ليتفاعل مع مكتسبات فكره وفلسفته من خلال أفق النموذج الذي كان خُلِق من معاناته في الماضي، أو للصورة التي يتوجب أن يكون عليها الآتي من خلال نضاله ورؤيته. لذلك كنت يا رفيق أحمد متعمقا في ذاتك، وراسما واضحا لأفق نموذجك المستقبلي، مملكة الحرية على الأرض. فكأنك كنت تقول: "إذا واظبتم على العمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة". "ولأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح الحياة أعماقها وتدنيه من أبعد أسرارها"، كما قال جبران خليل جبران في كتابه "النبي".
فمعرفتك وفكرك جعلاك نسرا تحلق بجرأة الفتوة مندفعا ترى نور الشمس القادم بعد ظلام الليل الدامس، راغبا أن تكون دائما مع النور الأول لصبح الإنسانية الجديد. لقد كنت نعم الصديق، محسنا توضح فكرك ورسالتك، تصرح ما في موقفك من قبول أو رفض بشكل موضوعي، بعيد عن الذاتية والأنانية. "وإذا صمت صديقُك ولم يتكلم، لا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صدى قلبه". فكم من مرة جلسنا سويةً، ووضعك الصحي لم يسمح بطول الزيارة أو الحديث، كنت بعد صمت تطرق وتبحث عن القضية أو الموضوع الذي لم اكن أرغب بطرحهما، فكأنك كنت تصغي لصوت قلب أصدقائك ورفاقك. وكنت لا تكثر إستعمال الألفاظ والعبارات لقناعتك بأن الصداقة الحقيقية لا تحتاج الى المفردات والأقوال، بل هي شعور من القلب إلى القلب. وغيابك أوضح لمئات وآلاف أصدقائك عمق محبتك واحترامك ومكانتك لأنك لست فقط من حجارة الوادي، لا بل صخرتها، لا بل جبلها. وكم كانت لقاءاتنا تملأها مشاعر الفرح والحوار الفكري، وكذلك الأخذ بملذات الحياة، لمعرفتنا بانها قصيرة وفانية ترفرف فوق رؤوسنا حلاوة اللقاء والصداقة الرفاقية. ولمعرفتنا بأن "القلب يجد صباحهُ في الندى العالق بالأشياء الصغيرة، فينتعش ويستعيد قُوتهُ". وكم كانت هذه اللقاءات تستعيد قوتك ورغبتك بالحياة طولاً وعرضا. فالرغم من وضعك الصحي كنت تحب الحركة، والسفر وتسعى كي لا تتغيب عن النشاطات الحزبية المختلفة لإيمانك بأن الحياة تكون بالحقيقة ظلمة حالكة إذا فارقتها الحركة. ولأنك كنت صاحب الفكر والمعرفة فحركتك ونشاطك وتواجدك في مختلف النشاطات كان مباركا ومقترنا بالمحبة والعطاء والإخلاص، زارعا بذور معرفتك وفكرك بدقة وعناية منتظرا حصاد نشاطك وعملك بفرح ولذة، واضعا في كل عملك نسمة من روحك المُحبة للعطاء والتضحية. لقد مررت خلال السنوات الأخيرة بفترة صعبة من الناحية الصحية، ولكن رغم وحش الحزن والألم الذي أعمَل أنيابه في جسدك، تضاعف الفرح والتفاؤل في نفسك وفي أعماق قلبك، كقنبرة الماء التي لا تكف عن الغناء.
كل كاتب مسؤول، وكل مفكر، وكل من يريد أن يحمل القلم، عليه أن يتفاعل بعمق مع ذاته، مع روحه وقلبه وفكره، لكي يستطيع أن يتواصل مع القارئ، وأنت يا رفيق أحمد كنت خير من فعل ذلك. لأن الكتابة يجب أن تكون رسالة لا يستطيع أن يتفاعل معها إلا من يقرأ بعمق، وفهم وإدراك وإحساس، متقبلاً بفكر نقدي جدلي الرسالة التي يحملها، وكم كنت ملتزما لفكرك الجدلي العالمي المتفاعل مع روحك وقلبك وذاتك. لعلمك بأن صاحب القلم فقط يستطيع أن يقوم بدوره المؤثر إيجابيا وثوريا على الوعي الجماعي للجماهير الشعبية. وهذا الأمر ممكن فقط من خلال التفاعل مع الواقع الإجتماعي والثقافي المعاش. وكنت يا رفيق أبو محمد من صلب وحرارة وجمرة هذا الواقع. فكانت الكتابة في يديك كالعجينة تصنع بها ما تشاء، وتكتب في كل المجالات لتعطينا خبزنا اليومي نحن الرفاق، من خلال قوتنا اليومي صحيفة الإتحاد. قال العرب القدامى بأن "عبقر" ما هو إلا موضع "الجن"، ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من قوته وجودته وحسنه، فقالوا العبقري والعبقرية. ورُبَّ قائل: ان العبقرية هي من الطبيعة، وكذلك ملكة الإبتكار والتوليد والخلق الفكري والأدبي والسياسي، وهذا ما جعل حبيبنا ورفيقنا أحمد سعد ليس رجلاً من حبير وورق، بل من لحم ودم وروح وقلب، تميز بطبيعة جذورها عميقة في تراب الوطن كزيتونة، عبقريته دائمة كخضرة الزيتون.

رحمك الله.
إبن الرفيق "القصار الأحمر"
د. خليل إندراوس





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,224,141,898
- ألاغتراب والعلاقة الجدلية بين الاقتصادي والسياسي بالمفهوم ال ...
- منطلقات الفارابي الفلسفية
- ألموقف الماركسي من القضية القومية – فلسطين كمثل
- من أجل بناء عقلية جدلية معاصرة
- جدلية العلاقة بين العام والخاص وعلم الاجتماع الطبي
- إسرائيل والهروب من الحقيقة!
- من المهام الرئيسية ، في العصر الامبريالي: ألنضال ضد عولمة ال ...
- أمريكا واسرائيل رأس الأفعى
- ألانسجام المتطور مع الذات ومع الآخر
- كيفما تكونوا يُولَّ عليكم
- ماركس المغربي
- أهمية -المعرفة المادية- والعمل من خلال الهيئات الحزبية
- جدلية القوى المنتجة
- ألعلاقة الجدلية بين البيئة الجغرافية وتطور المجتمع الانساني
- بمناسبة 90 عاما على تأسيس الحزب الشيوعي الإسرائيلي
- من أجل حماية الكنيسة والوجود الوطني في الارض المقدسة
- غرب الظلمات – إبن ميكيافيلي
- ألأهمية العالمية لثورة أكتوبر
- رسالة بروليتارية
- السلفية واستغلال التقنيات الحديثة


المزيد.....




- الهيئة التعليمية في كلية الحقوق 4 رفضت تكليف مدير للفرع خلاف ...
- سعدات لمادورو: معركة فنزويلا هي معركة كل الأحرار والشرفاء في ...
- متضامنون مع شعب فنزويلا - فليسقط تدخل الولايات المتحدة والات ...
- تضامن فلسطيني مع فنزويلا في كوبا
- السودان.. إطلاق سراح أكثر من 2430 معتقلا منذ اندلاع الاحتجاج ...
- الهيئة التعليمية في كلية الحقوق 4 رفضت تكليف مدير للفرع خلاف ...
-   قمع مسيرة 20 فبراير2019 للأساتذة المفروض عليهم التعاقد
- آلاف المتظاهرين في عدة مدن فرنسية تنديدا بمعاداة السامية
- تضامن فلسطيني مع فنزويلا في كوبا
- تنفيذ حكم الإعدام بحق 9 متهمين في قضية مقتل النائب العام


المزيد.....

- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي
- الشهيد محمد بوكرين، أو الثلاثية المقدسة: الامتداد التاريخي – ... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - خليل اندراوس - كغمرة الحِنطة- - في رثاء الرفيق الصديق د. أحمد سعد