أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - بودريس درهمان - القراءة: ألف عام من التخلف، الجزء الأول















المزيد.....

القراءة: ألف عام من التخلف، الجزء الأول


بودريس درهمان
الحوار المتمدن-العدد: 2916 - 2010 / 2 / 13 - 18:33
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


الكل يتساءل لماذا المدرسة الابتدائية لا تنتج نهائيا قراءا أو في أقصى الحالات لا تنتج إلا قراءا يقرؤون فقط ببطيء، والكل يتساءل كذلك هل البرامج المدرسية غايتها القصوى هي تعليم الأطفال القراءة والكتابة فقط أم غايتها إنتاج قراء ذوو مهارات متعددة وسريعة. تعريف القراءة يتعدد بتعدد المقاربات والمجالات و الغايات التي من أجلها يتم توظيف فعل القراءة.
قامت منظمة اليونسكو سنة 1951 بتعريف مفهوم القراءة كالتالي: ْالقراءة هي قدرة شخص ما على قراءة وكتابة وفهم عرض بسيط يرتبط بواقعه اليومي ْ. لكن في أواسط الستينات بدأ يطفو على السطح مفهوم جديد للقراءة وهو مفهوم القراءة الوظيفية.تم تحديد هذا المفهوم بصريح العبارة سنة 1978 كالتالي: ْ من الناحية الوظيفية يعتبر أميا كل من لا يستطيع توظيف القراءة والكتابة من أجل تنمية قدراته وقدرات الجماعة أو الأمة التي ينتمي إليها.حسب هذا التعريف أصبح تعلم القراءة رهانا رئيسيا يساهم في إدماج الأفراد من جهة ومن جهة أخرى يساهم في تطوير المجتمعات.لتحقيق هذه الغاية، لابد من وصف فعل القراءة أولا، والبحث في أشكال تطوير هذا الفعل ثانيا.
بعض الشروحات المستوحاة من نظريات متعددة بأمكانها مساعدتنا على مقاربة هذه الظاهرة المستعصية على الفهم . أولا صعوبة عملية القراءة تعود إلى تعدد المستويات التي تتداخل لكي تحقق فعل القراءة . حينما يقرأ الإنسان يقوم بجهد فزيولوجي وذهني يرتبطان بحركة العين و ضمنيا بجهد الجهاز السمعي والصوتي للقارىء من جهة ومن جهة أخرى بجهد الذاكرة من أجل بناء وتنظيم المعنى. هذا التداخل المتعدد لتحقيق فعل القراءة دفع François Richaudeau  إلى وضع ثلاث تصاميم لثلاث أنواع من القراءة ،وهاته التصاميم مستوحاة من التطور التاريخي لعملية التواصل من جهة ومن المسار الفزيولوجي لعملية القراءة هاته التصاميم تخص :
القراءة الصائتة
القراءة الصامتة
القراءة التمتمة



التطور التاريخي لعملية التواصل


تاريخيا قبل ظهور الكتابة كشكل من أشكال التواصل وكشكل من أشكال التبادل التجاري، كان التواصل الشفهي هو الشكل الوحيد للتواصل .الحبال الصوتية لإنسان ما تنتج ذبذبات أو تموجات صوتية تقوم أذن إنسان أخر بالتقاطها وتفكيك رموزها وبعد ذلك تحويلها إلى معنى وفق النظام التأويلي المتداول...بعد ظهور الكتابة أي منذ حوالي 5000 سنة وهو تاريخ ظهور الكتابة الهيروغليفية و 3500 سنة وهو تاريخ ظهور الكتابة الأبجدية - الكتابة التي نستعملها حاليا تعود إلى 3500 سنة - تحولت خطاطة التواصل وبدل أن تنتقل ذبذبات صوتية مباشرة من حبال صوتية إلى أذن ملتقطة أصبحت بأمكانها التنقل من ذاكرة اصطناعية التي هي محتوى رموز النص المكتوب عبر ذبذبات ضوئية تلتقطها العين وتحولها مباشرة إلى الحبال الصوتية التي تصرفها بدورها إلى ذبذبات صوتية داخلية والتي تستقر في النهاية في الذاكرة الفردية للقارىء.هذا التحول الذي حصل لعملية التواصل ساهم في أخراج الإنسان من تمثلات العشيرة التي كان يستهلك عوالمها التمثلية إلى فضاءات تأخذ أحجاما أكثر رحابة وأكثر شمولية.ساهم ظهور الكتابة في تمكين الإنسان من القدرة على إيصال صوته وأفكاره خارج نفوذ سلطة العشيرة.هذا التحول الذي حصل على مستوى أشكال التواصل سوف يتم تعميمه مع ظهور الكتاب وأشكال الكتابة وسوف يساهم لاحقا في تحويل العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.التحول الآخر الذي حصل يخص الجهاز العصبي للكائنات الحية،وقد حصل هذا التحول منذ ملايين السنين.
يؤكد علماء المستحثات أن تاريخ ظهور الأوسترالوبتك الذي منه انحدر الإنسان الحالي يعود إلى 4,20 مليون سنة. وبما أن تاريخ ظهور وتطور الكائن البشري يتداخل مع تاريخ التطور البيولوجي للدماغ، فأن علماء الأجهزة العصبية للكائنات الحية يؤكدون بدورهم أن تاريخ ظهور دماغ الزواحف le cerveau reptilien يعود إلى 200 مليون سنة وخصائص هذا الدماغ تتلخص في الوظائف التالية:
الحفاظ على درجة حرارة الجسد وعلى الحياة
تنظيم المجال، المسكن على الخصوص
التعلم عن طريق التقليد
أما تاريخ ظهور دماغ الثدييات فيعود إلى حوالي 60 مليون سنة ويتميز بالوظائف التالية:
الانفعال والتعاطف
التكيف مع المحيط
الانتماء إلى جماعة
الذاكرة كواصل Mémoire relaie
أما الدماغ الجديد، ما يصطلح عليه Néocortex فهو حديث الظهور و يعود فقط إلى بضع ملايين من السنين . من بين وظائفه:
الاستكشاف، التأويل، التفحص
استعمال الحواس للتمييز
التفكير العقلاني
اتخاذ القرار
التخطيط
التذكر

بخصوص عملية التذكر وهي عملية محايثة لفعل القراءة، يميز علماء النفس بين خمسة أنواع من الذاكرات وهي كالتالي:

الذاكرة القصيرة Mémoire à court terme: وهي تذكر بضع معلومات بداخل وعاء الوعي تدوم بضعة دقائق، مثل تذكر أرقام الهاتف وبمجرد ما يتم استعمالها يتم نسيانها مباشرة.
الذاكرة ذات المدى الطويل Mémoire à long terme :وهي تذكر معلومات كثيفة خارج وعاء الوعي قد تدوم بضع ساعات أو بضعة أشهر أو بضعة سنين .
الذاكرة البناء Mémoire constructive : وهي خصوصية العملية التي تجعلنا نتذكر وفق نظامنا المعرفي والتداولي
الذاكرة الظاهرية Mémoire explicite: يتم تسميتها كذلك بالذاكرة الصريحة Mémoire déclarative وهي تهم المعلومات الشخصية كالاسم الشخصي ، العنوان الشخصي ، رقم البطاقة الوطنية، اسم المدينة ، الحي ، الأصدقاء الخ. هذه الذاكرة هي الذاكرة التي يتم افتقادها أثناء حالات الإصابة بمرض فقدان الذاكرة.
الذاكرة الضمنية Mémoire implicite: هي عملية التذكر التي تأتي كنتيجة للمهارات الاستيعابية الحركية منها والمعرفية. هذه الذاكرة لا تصاب بأي آذى أثناء الإصابة بمرض فقدان الذاكرة . المريض ينسى أسماء أطفاله لكن لا ينسى قدرته على الكلام.
تاريخ الكتاب تاريخ القراءة

الكتاب قبل أن يصل إلينا بالشكل الذي يوجد عليه الآن عرف تغيرا عبر التاريخ.كلمة Liber التي هي الجذر الذي اشتقت منه كلمة Livre تعني باللاتينية قشرة الأشجار وهذه الدلالة تحيلنا إلى أصل الكتاب.قبل القرن الأول الميلادي،كان يتم استعمال أوراق القصب التي تنبت بضفاف النيل ويتم تصديرها الىباقي أنحاء العالم .أوراق القصب المكتوبة والمدورة تنطوي على بعضها البعض وتشكل كتابا.يصطلح على هذا النوع من الكتاب: Le volumen.بعد هذا النوع من الكتاب وبالموازاة معه،تم الاهتداء بمنطقة آسيا الصغرى إلى الجلد كوسيلة للكتابة.هذا الجلد المدبوغ يليق للكتابة ومسح الكتابة لإعادة الكتابة مرة ثانية. تعايش هذا النمطين من الكتابة إلى حدود القرن الرابع الميلادي حيث أصبح الجلد المدبوغ الشكل السائد لصناعة الصفحة المكتوبة: Le parchemin . الصفحات المشدودة بعضها لبعض بخيط أصبحت هي الكتاب الجديد المعروف تحت أسم: codex Le.هذا الشكل الجديد هو أصل الكتاب الحالي.
تطور شكل الكتاب واكبه تطور الكتابة والقراءة.الكتابة،أثناء بداياتها الأولى كانت خالية من كل بياض ومن كل تنقيط أو فواصل.إنها كتلة واحدة مستمرة تعيد إنتاج شكل قراءتها.شكل القراءة الوحيد الذي كان سائدا هو القراءة الصائنة،وقد كان هذا جد طبيعي لغياب نظام للوقف.استمر ت هندسة تأثيث الصفحات المكتوبة، دون الاكتراث بجهد حركة العينين اللتان تصابان بالوهن من جراء كتلة المكتوب الغير مجزأة إلى وحدات،هذا الاستمرار دام قرون آمن الزمن ولم يحدث عليه أي تغيير إلى حدود نهاية الألفية الأولى حيث بدأت البياضات والفواصل في الظهور وساهم هذا التأثيث الجديد للصفحات في توظيف حركة العينين أكثر.رغم أن القراءة بالشفتين استمرت كما كانت عليه ألا أن هذه المرة أصبح الصوت غير مسموع،وأصبحت ترى شفتي القارىء تتحركان دون أن يصدر عنهما أي صوت.هذه الظاهرة الجديدة التي تخص عملية القراءة بالشفتين فقط دون أنتاج ذبذبات صوتية آتت بعد ألف عام من القراءة بصوت مسموع،مما دفع بالنقاد إلى الحكم على عملية القراءة الصائنة بتخلف عمره ألف عام،ألف عام والبشرية تقرأ بصوت مسموع دون أن تستطيع القراءة بالعينين فقط . من غرائب الأشياء نجد أن طرق التدريس بالمدارس الابتدائية تكتفي فقط بتلقين طرق القراءة الشفهية، بمعنى أنها تريد أن تعود إلى حالة من التخلف عمرها دام ألف سنة.بمجرد ما يستطيع التلميذ الطفل التمييز بين الحروف وقراءتها بشكل مسموع يعتبر المدرسون بأن الأهداف المتوخيات من القراءة قد تم تحقيقها.

أنواع القراءة

كما تمت الإشارة إلى ذلك، التحول التواصلي للكائن البشري نتج عنه نوعين من القراءة، فبالإضافة للقراءة الصائتة التي كانت سائدة ظهر نوعين من القراءة :القراءة التمتمة La lecture subvocalisée والقراءة الصامتة La lecture silencieuse.الأولى يتميز مسارها بالطول وبتعدد المسارات المتدخلة:
تدخل مسار إنتاج الكلام:الحبال الصوتية والحنجرة
تدخل مسار التقاط الكلام:العصب السمعي وجهاز الأذن
تدخل مسار التقاط وتفكيك الرموز:العصب البصري وشبكة العين

القراءة الصامتة تتميز بالسرعة وبالفعالية وتتميز بتوظيف مسار واحد فقط هو مسار التقاط وتفكيك الرموز.القراءة التمتمة Lecture subvocalisée ظهرت بفعل لجوء القراء إلى استعمال القراءة الصامتة والقراءة الصائتة على حد سواء وهي القراءة بالشفتين وهي النوع الأكثر تداولا بين التلاميذ بداخل المدارس العمومية.هذا النوع من القراءة يعتبر عائقا فعليا لعملية فهم النصوص ،لأن الشفتين توظفان كحصارين لسرعة القراءة من جهة ولفهم النصوص من جهة أخرى : ما دام الذهن مشغولا بإنتاج الصوت المسموع فأن المعنى ينبري ويحل محله جهد الأذن في التقاط الصوت.
القارىء البطيء هو القارىء الذي لا زال لم يستطع التخلص من تحريك شفتيه أثناء القراءة. القراءة الصامتة،أي القراءة بالعينين فقط ،تتميز بالفعالية وبوفرة المعلومات التي تقتبسها من النص المكتوب.المعلومات التي تلتقطها الأذن أثناء تقديم نشرة الأخبار مثلا اقل بكثير من المعلومات التي تلتقطها العين من الصفحة الأولى لجريدة ما ، القارىء المتمرس يستطيع خلال مدة إلقاء الأخبار الإطلاع على محتويات الجريدة بأكملها .
رغم كل أجابيات القراءة الصامتة التي تتعامل مع ما هو مكتوب ، فأن مارشال ماك لوهان Marshall MC Lu han ينتقد كل ماهو مكتوب تحت تبرير مفاده أن » الإنسان المتحضر ؟« أصبح يرزح تحت دكتاتورية جديدة ألا و هي دكتاتورية المكتوب . يقول ماك لوهان مع ظهور مطبعة Gutenberg أصبحت الإنسانية جمعاء مقحمة في عالم تحليلي، عقلاني تجزيئي ومجرد.. في حين القراءة الصائتة بصوت جوهري كانت تساعد على الأقل على توظيف مجموعة من الحواس .ويضيف مارشال ماك لوهان بأن النصوص المكتوبة وكل ما هو مكتوب بصفة عامة يساعد على تقوية النزعات الفردانية بداخل الثقافة الأبجدية.هذه الثقافة ساعدت في ما مضى على القضاء على النزعات القبلية حيث تم تحويل الأفراد والجماعات إلى أفراد » متحضرين؟ « بمعنى أفراد متساوون أمام القانون المكتوب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,868,003,298
- الكتاب الأبيض...للأتحاد الاوروبي
- حول الأصول البيولوجية للذكاء
- تاريخ الحركة التربوية التقدمية
- من العقل إلى الذكاء
- من أجل إعادة النظر في مراكز تكوين المعلمين والمعلمات
- حول الأصول الاجتماعية للذكاء
- من بنية العقل إلى بنية المخ
- من العلوم الإنسانية إلى علوم الإنسان:نحو تأسيس علم للقراءة.
- سبعة رجال و المادية التاريخية
- القارة ألألسنية
- من برلين إلى سقوط جدار برلين
- مدخل الى نظرية التداول-الجزء الثاني-
- مدخل الى نظرية التداول-الجزء الاول-
- حدود العقائد و عقائد الحدود
- التاريخ بالتماهي و التاريخ بالتماثل
- الصحراء، القبيلة و ما قبل تشكل الدولة المغربية.
- السياديون، الفدراليون و الجمهورية الفرنسية السادسة
- حق تقرير المصير، هل هو حق أم باطل؟
- الاستنساخ الدبلوماسي الفرنسي/ الأمريكي
- نظام الحكم الذاتي الإقليمي القومي الصيني


المزيد.....




- مسارات تناقش تحديات بناء الثقة في المناطق المحررة من داعش
- الدائرة الأوروبية للأمن والمعلومات: تركيا تمتلك خيارات كثيرة ...
- والله باعوك يا وطن
- المحقق الصرخي يثبت بالدليل بأن خليفة المارقة مزق القران!!
- المحقق الصرخي يبين السبب الذي أضعف أمة الإسلام ...
- الحمر والجعافرة تحزن وتفخر بشهيد الجيش والوطن
- أخبار لا تحظى بالاهتمام
- 9 فنادق ستضمن لك ليلة لا تُنسى.. ومن بينها دبي
- جواد ظريف ينتقد -مجموعة العمل-.. ويؤكد: -الانقلاب- لن يتكرر ...
- ليونته الجسدية -تشنج- كل من يشاهده.. ما قوة هذا الرجل؟


المزيد.....

- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين
- لدليل الإرشادي لتطبيق الخطط الإستراتيجية والتشغيلية في الج ... / حسين سالم مرجين - مصباح سالم العماري-عادل محمد الشركسي- محمد منصور الزناتي
- ثقافة التلاص: ذ.محمد بوبكري ومنابع سرقاته. / سعيدي المولودي
- دليل تطبيق الجودة والاعتماد في كليات الجامعات الليبية / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - بودريس درهمان - القراءة: ألف عام من التخلف، الجزء الأول