أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم حبيب - ما الموقف من سياسات الحزب الشيوعي والقيادة المركزية من الحكم العارفي في العراق















المزيد.....

ما الموقف من سياسات الحزب الشيوعي والقيادة المركزية من الحكم العارفي في العراق


كاظم حبيب
(Kadhim Habib)


الحوار المتمدن-العدد: 2797 - 2009 / 10 / 12 - 22:24
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


نشر الصديق الروائي والكاتب إبراهيم أحمد مقالاً تحت عنوان "عزيز الحاج: في آب بغداد الساخن". بعدها نشر الصديق الدكتور عزيز الحاج مقالاً ناقش فيه ما جاء في المقال الأول. وكلا المقالين يبحثان في أحداث الفترة التي أعقبت سقوط البعث في تشرين الثاني 1963 على أيدي الحلفاء القوميين للبعثيين.
إن المقالين ناقشا موضوعاً مهماً هو: الإستراتيج والتكتيك في السياسة وبشكل خاص حول سياسة الحزب الشيوعي العراقي في فترة الحكم القومي والحكم البعثي ومن ثم في الفترة الراهنة بشكل شديد التكثيف والاختصار.
الموضوع غاية في الأهمية, وكان النقاش هادئاً ومفيداً, لكنهما لم يستندا إلى وثائق ضرورية بل على الذاكرة بشكل خاص من جانب الأستاذ إبراهيم أحمد ولهذا برزت بعض المسائل غير المدققة التي اشار إليها عزيز الحاج. ولا شك في أن كليهما يمتلك الوثائق المهمة وبشكل خاص الدكتور عزيز الحاج حيث كتب الكثير في هذا الموضوع.
سأناقش من جانبي ثلاث مسائل جوهرية وردت لدى الكاتبين وبرؤية متباينة أو متفقة.
المسألة الأولى: هل كان خط آب سليماً إزاء حكم عبد السلام محمد عارف أم خاطئاً؟
المسالة الثانية: هل كان الموقف إزاء فترة حكم عبد الرحمن محمد عارف سليماً أم تضمن مواقف خاطئة؟
والمسألة الثالثة: هل كانت سياسة الحزب الشيوعي أو سياسة القيادة المركزية خلال هذه الفترة صائبة أم خاطئة خلال هذه الفترة؟
*****
المسألة الأولى: لم تكن سياسة خط آب 1964 للحزب الشيوعي العراقي صائبة حينذاك, بل كانت خاطئة لأنها لم تكن تنسجم مع واقع العراق حينذاك, رغم الشعور بالتخفيف العام الذي حصل في أعقاب إزاحة الحكم البعثي الدموي واحتلال القوميين الناصريين واليمينيين الشوفينيين منهم للسلطة بالكامل. وقد كانت مشاركة القوميين في أحداث 1963 مماثلة لدور البعثيين.
بعد تنفيذ الانقلاب ونجاحه اعتلى عبد السلام محمد عارف سدة الحكم وأصبح رئيساً للجمهورية ورئيساً لمجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة بصلاحيات استثنائية مطلقة ومفتوحة. وكان موقف الحزب الشيوعي في البداية أو في أعقاب الانقلاب سليماًً حين طالب بحياة دستورية والتحول صوب الحكم المدني وإدانة الجرائم السابقة, ولكن تغير هذا الموقف مع اجتماع 1964 وبتأثير فعلي من الحزب الشيوعي السوفييتي, إذ لم يكن هذا الخط واقعياً ولا موضوعياً, إذ كان النظام يمارس سياسة استبدادية والحزب يدعو إلى سلوك طريق التطور اللارأسمالي, ولم يعر النظام أي اهتمام لهذه السياسة. من هنا يفترض فينا الإجابة عن الأسئلة التالية: هل توفرت للحزب إمكانية فعلية للتعامل مع الحكم الجديد؟ وما السمات التي اتسم بها قائد النظام السياسي القومي الجديد؟ وما هي طبيعة هذا النظام؟
تميزت شخصية عبد السلام محمد عارف بما يلي:
1. عقلية استبدادية شمولية وعنجهية وروح مغامرة جامحة وشراسة في مواجهة الآخر وعدم التردد في القتل للوصول إلى الغاية التي يسعى إليها والاستعداد المستمر للتآمر ضد من يتحالف معه.
2. لم يكن عبد السلام محمد عارف مثقفاً ولا يعي مفهوم الديمقراطية وحق الآخر في إبداء الرأي, وكان ضد الأحزاب بشكل تام وأياً كان هذا الحزب, ولم يبادر إلى تشكيل حزب الاتحاد الاشتراكي لاحقاً إلا تحت تأثير الناصريين من أجل رفض إقامة أحزاب سياسية أخرى ومنعها من التأسيس والعمل العلني الشرعي, ومطاردة الأحزاب السرية لوأدها من الوجود أصلاً. وكان الهم الأكبر حل الحزب الشيوعي واحتواء رفاقه.
3. وكان عبد السلام محمد عارف مشدوداً إلى القبيلة التي انحدر منها شداً لا فكاك منه, كما كان يسعى إلى وضع المراكز الحساسة والأساسية في أيدي أبناء قبيلة الجُمَيلة بشكل خاص لضمان استمراره في الحكم.
5. هيمنت على فكر عبد السلام عارف الإيديولوجية القومية المتعصبة والانشداد الفعلي للماضي وللفكر اليميني الشوفيني الذي يرى بأن هناك من يريد تدمير القومية العربية ويكره الأمة العربية وتاريخها ومستقبلها, واتهم الجميع بالشعوبية لأن لهم وجه نظر أخرى.
6. كما كان مسلماً سلفياً متزمتاً وطائفياً متعصباً, لكنه كان بعيداً عن أن يسلم السلطة للقوى الدينية, وكان كارهاً عميقاً لا للمذهب الشيعي فحسب, بل وللشيعة "الرافضة!" عموماً. وكان يتهمهم جميعاً بالشعوبية.
7. وكان شديد الكراهية للشيوعية والاشتراكية وللحزب الشيوعي العراقي على نحو خاص. إذ تميزت مشاركته مع البعثيين وعهده بقمع شرس للحزب الشيوعي العراقي وقوى اليسار الديمقراطي, وقتل بيديه وبيد عبد الغني الراوي الكثير من الشيوعيين. وفي فترة حكمه في الجمهوريتين الثانية والثالثة لقي غالبية شهداء الحزب الشيوعي حتى ذلك الحين نهايتهم الحزينة بالموت بأساليب مختلفة.
8. وكان عبد السلام محمد عارف واحداً من أبرز وأشد المناهضين لمنح الشعب الكُردي حقوقه القومية المشروعة والساعين بكل السبل, وخاصة العسكرية, للقضاء على الحركة المسلحة التي كان يقودها ملا مصطفى البارزاني.
9. ورغم حديثه عن القومية والوحدة العربية كان أكثر القوميين قطرية ورغبة في الاحتفاظ بالحكم بيديه.
هل تركت هذه السمات أثرها على طبيعة الحكم في فترة حكمه؟
10. كما كان يحمل حقداً لا مثيل له لعبد الكريم قاسم برزت بشكل صارخ في جريمة قتله في دار الإذاعة العراقية وعلى أيدي عبد السلام محمد عارف وأحمد حسن البكر وبقية الطغمة في شباط 1963.
لم يكن هناك أي وهم لدى القوى السياسية العراقية المختلفة في أن حكومة عبد السلام محمد عارف ليست سوى استمراراً للحكم العسكري الذي هيمن على البلاد والذي جاء بالبعث إلى السلطة, وأن غلاة العسكريين القوميين هم الذين يهيمنون على السلطة, وأن حكومة عارف–يحيى غير عازمة على تحقيق الديمقراطية في العراق وفسح المجال أمام مختلف القوى السياسية للعمل بحرية ووفق الشرعية الضرورية, بل كل الدلائل كانت تشير إلى أنها حكومة ذات نهج استبدادي مطلق وقومي يميني وشوفيني وطائفي, وهي غير راغبة في التوجه صوب الحياة الدستورية والديمقراطية والحزبية والتعددية السياسية أو احترام حقوق الإنسان وحقوق القوميات. تجلى ذلك في انتزاع عبد السلام محمد عارف قرارات واضحة بصلاحيات استثنائية واسعة جداً من مجلس قيادة الثورة الذي كان على رأسه ومنحه سلطة مطلقة في البلاد, بما في ذلك عدم العودة إلى المجلس الذي منحه تلك الحقوق المخالفة لمبادئ الحرية والديمقراطية والدولة المؤسسية, كما أن مثل هذه الصلاحيات المطلقة لم تحترم بأي حال إرادة الشعب وحقه في التعبير عن مصالحه والمطالبة بتنفيذها بل كانت تخضع لإرادة الدكتاتور الفرد.
لم يكن الحزب الشيوعي العراقي وحده من دعا إلى إنهاء الحكم العسكري والعودة بالبلاد إلى الديمقراطية والحياة الدستورية, بل شاركت فيه كل القوى السياسية الأخرى في توجيه انتقاداتها الشديدة للحكم الجديد باعتباره حكماً عسكرياً واستبدادياً ويمينياً وشوفينياً وطائفياً منافياً للديمقراطية والشرعية الدستورية وحقوق المواطنة المتساوية. وكان من بين أبرز المنتقدين الأستاذ إبراهيم كبه والأستاذ كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل والشيخ محمد رضا الشبيبي والدكتور محمد سلمان حسن وغيرهم. ولكن عارف لم يستجيب لكل ذلك, حتى بعد إصداره للدستور المؤقت أو صدور قرارات التأميم في تموز 1964.
من هنا أرى بأن موقف الحزب في رفض خط آب ورفض محاولة حل الحزب الشيوعي العراقي كان صائباً في فترة حكم عبد السلام محمد عارف, إذ لم يكن بالإمكان تخليص العراق من الحكم العسكري والحكم المطلق وبناء الديمقراطية والحياة الدستورية, ولكن لم يكن بالإمكان إسقاطه بحمل السلاح والعمل الحاسم, إذ لم تكن للحزب مواقع مناسبة في القوات المسلحة حينذاك, وفي هذا أؤيد رأي الدكتور عزيز الحاج, إذ أنه الأكثر دقة وقرباً من الواقع العراقي حينذاك. إذ كنت في حينها في العراق ومطلع على الوضع بشكل تفصيلي,
المسألة الثانية: تَسلَمَ عبد الرحمن محمد عارف السلطة بعد موت أخيه في حادث الطائرة. وجاء بتأييد من العسكريين من أتباع عبد السلام محمد عارف والقريبين منه عائلياً وعشائرياً. ولكن عبد الرحمن كان يختلف عن أخيه. كان هو الآخر أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار التي ساهمت بإسقاط النظام الملكي, ولكنه تميز بالهدوء ورغبة أقل في ممارسة الحكم وتطلع أكبر في معالجة القضايا العالقة في البلاد بحلول وسطية وسلمية, كما لم يكن مستبداً, ولكنه كان عاجزاً عن المبادرة والتأثير في الأحداث بسبب ضعف شخصيته إزاء الضباط الآخرين الذين رشحوه ليحل محل أخيه بعد موته وعدم قدرته على تغيير الحكم العسكري وإقامة الحياة الدستورية. وبالتالي كان يعيش التردد إزاء الموقف من الحريات العامة ومن القضية الكُردية ومن تدخل الجيش في الحياة السياسية والاقتصادية والتأثير على مسيرة الدولة ومن اتخاذ مواقف واضحة في مجال اقتصاد النفط الخام, رغم رغبته الشخصية بحل كل هذه القضايا. ولعب الدكتور عبد الرحمن البزاز دوراً مهماً في محاولته حل المسألة الكردية, ولكن العسكريين لم يسمحوا له بذلك واُجبر عبد الرحمن محمد عارف على إزاحته من الحكم بعد عودته من سفرة عمل في الاتحاد السوفييتي.
ولكن العراق عاش تحسناً في مجالات عدة, ومنها الحياة التعليمية والثقافية والنشر والقدرة على الحركة السياسية, رغم استمرار اعتقال الشيوعيين وزجهم في السجون. ومع ذلك كانت الفترة تستوجب إعادة النظر بسياسات القوى الوطنية العراقية, ومنها سياسة الحزب الشيوعي التي تقررت في 1965 وتعزت في العام 1967. فبدلاً من شعار إسقاط النظام كان المفروض أن يكون شعار التحول صوب الحياة الدستورية والديمقراطية والمساهمة في منع وقوع انقلابات ومن أجل حل المسألة الكردية بطرق سلمية.
المسالة الثالثة: كان شعار الإطاحة بالسلطة وعبر العمل الحاسم, أي العمل العسكري, غير سليم وغير منسجم مع واقع العراق وقدرات الحزب الشيوعي العراقي, وبالتالي كانت المعارضة بهذه الطريقة هروباً إلى أمام وسياسة يسارية انعزالية متطرفة قادت إلى تسهيل مهمة البعثيين بشكل غير مباشر في الإطاحة بالسلطة, رغم أن السبب في سقوط النظام العارفي يكمن في طبيعة النظام وسياساته وعدم الانفتاح على الشعب والديمقراطية.
وكانت سياسة القيادة المركزية أكثر تطرفاً وأكثر تشنجاً وبالتالي أدت إلى إضعاف الحزب الشيوعي وإلى نشوء حالة من المنافسة والمزايدة اليسارية التي آذت الحزب والوضع العام. لقد التزم عزيز الحاج بالخط الذي وضعه مع زكي خيري, الذي رفض الانشقاق رغم تأييده للخط الفكري المتياسر المشترك لهما.
في العام 1967 وقبل الانشقاق وضع عزيز الحاج وزكي خيري مشروع برنامج للحزب تضمن المهمات الجديدة للمرحلة الثورية الجديدة, وهو يختلف عن برنامج الحزب الشيوعي, وكانت على النحو التالي:
"إن المهام أنفة الذكر هي مهام وطنية ديمقراطية وليست مهاماً اشتراكية, وهي ما خلفته ثورة [14 تموز] الثورة الوطنية الديمقراطية غير المنجزة, جراء انقطاعها بثورة الردة, وعلى المرحلة الجيدة من الثورة إنجازه. بيد أن المرحلة الجديدة من الثورة لن تكون ثورة ديمقراطية خالصة. فالشيء الأساسي, الأكثر أهمية, في كل ثورة هو السلطة السياسية في الدولة, هو مسألة من سيمسك بزمام سلطة الدولة, أية طبقة وأي حلف بين الطبقات ستمثله الدولة الثورية الجديدة؟ أي طبقة ستكون الطليعة والقائد للدولة الجديدة؟ إن انتصار الثورة الحاسم, لا يمكن أن يتحقق إلا بقيام جمهورية ديمقراطية ثورية, تضطلع فيها الطبقة العاملة وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي, بالدور الطليعي والقائد السياسي, وتعتمد بالأساس على حلف العمال والفلاحين. إن الاستعمار سيبقى هو العدو الأساسي والرئيسي للثورة, ولكن اتجاه الضربة ضد الاستعمار قد تبدل.فلم يعد اتجاه الضربة مسدداً ضد الاحتلال الأجنبي والحكم الاستعماري [الكولونيالي] المباشر كما كان في ثورة [1920] الوطنية العامة, ولا ضد النظام الملكي شبه الإقطاعي التابع للاستعمار كما كان في ثورة [14 تموز] الوطنية الديمقراطية, بل ضد الدكتاتورية العسكرية البوليسية الممثلة للبرجوازية المعادية للثورة الآن, فأن المصالح والهيمنة الاستعمارية تختفي الآن وراء ستار هذه الدكتاتورية الرجعية الشوفينية المعادية للشعب وللديمقراطية وللقومية الكُردية وللشيوعية ولحركة التحرر العربي الثورية المتهادنة مع الاستعمار واحتكاراته"( مشروع منهاج الحزب الشيوعي العراقي. مسودة أولية للمناقشة العامة. المسيرة التاريخية للثورة العراقية نحو جمهورية ديمقراطية ثورية. منشورات الحزب الشيوعي العراقي. عام 1967. ويشار هنا إلى أن هذا الكراس قد كتب بالا تفاق بين زكي خيري وعزيز الحاج وطرح للمناقشة باسم الحزب الشيوعي العراقي).
ثم خلص التقرير إلى المهمة التي تواجه الطبقة العاملة والحزب الشيوعي العراقي فأكد ما يلي:
"إن السلطة الثورية الجديدة بقيادة الطبقة العاملة هي وحدها القادرة على إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي لم تنجز بعد والتي يطالب تسعون بالمائة من سكان العراق إنجازها. ولكن يترتب على السلطة السياسية الجديدة, على الجمهورية الديمقراطية الثورية, ليس فقط إنجاز واجبها الأساسي والغالب: مهام الثورة الوطنية الديمقراطية, بل بإمكانها ومن واجبها أيضاً إنجاز المهام الانتقالية الأولية للثورة الاشتراكية. يعني المباشرة بالخطوات الأولى من الثورة الاشتراكية. فأن المرحلة الثورية الجديدة ليست مرحلة وطنية ديمقراطية وحسب, بل إن المرحلة الختامية من الثورة الوطنية الديمقراطية يمكن ويجب أن تمتزج بالثورة الاشتراكية, بالمرحلة الانتقالية الأولية من الثورة الاشتراكية. إن الحلقة المشتركة بين الثورتين هي السلطة الثورية الجديدة, هي الدكتاتورية الديمقراطية الثورية التي تقودها الطبقة العاملة وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي." (نفس المصدر السابق).
على ماذا يستدل من هذه المقاطع الضافية من مشروع منهاج الحزب الشيوعي العراقي حينذاك. يبدو لي بوضوح ما يلي:
إن المجموعة التي أيدت هذا الخط كانت متأثرة بشكل خاص بالاتجاهات الماوية والتروتسكية التي تبلورت في أمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا والتي كانت تدعو إلى مثل هذه الاتجاهات, وهي لم تكن سوى محاولة تنظير لا ترتبط بالواقع العراقي المعاش حينذاك وطبيعة المجتمع والمشكلات المباشرة التي تواجهه. كما إنها كانت ردة فعل للخط اليميني الذي طرحه الحزب الشيوعي في خط آب 1964 ومحاولات التشبث بذلك الخط السياسي.
لقد عبر هذا الخط عن ذهنية يسارية وخط يساري انعزالي يرفض دور البرجوازية الوطنية ويخونها, كما يرفض دور البرجوازية الصغيرة ويعتبرها عاجزة عن تحقيق مهمات المرحلة الوطنية الديمقراطية, في حين كان المجتمع لا يزال يعيش في مرحلة تسودها العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والطبقة العاملة لا تشكل إلا نسبة ضئيلة جداً من السكان, وأن الغالبية العظمى من السكان هم الفئات الفلاحية الفقيرة على نحو خاص. ثم يربط بين مهمات المرحلة الوطنية والمرحلة الاشتراكية من خلال سلطة الدولة متجاوزاً على كل القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية التي تتحكم بعمليات التحول الاجتماعي وبعيداً كل البعد عن واقع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الفعلي. لقد كان المشروع هروباً إلى أمام ومزايدة لا معنى لها في واقع الحزب وصراعاته حينذاك. كما أن المشروع لم يأخذ بعين الاعتبار التغير الذي حصل في العراق بعد حادث طائرة عبد السلام محمد عارف وحلول أخيه عبد الرحمن محمد عارف في الحكم, حيث تبلورت مواقف أخرى كان لا بد من دارستها بعناية ومعرفة مدى إمكانية الاستفادة منها لتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق دون اعتبار النظام القائم ديمقراطي, إذ لم يكن ديمقراطياً بأي حال, ولكنه لم يكن أيضاً على شاكلة حكم عبد السلام محمد عارف.
من هنا يتبين بأن سياسة الحزب حينذاك لم تكن سياسة واقعية معبرة عن واقع وإمكانيات الحزب أو الجماهير الواسعة. ولكنها لم تكن السبب في ما حل بالعراق من كوارث, فالسبب الحقيقي يكمن في سياسات القوى التي وصلت إلى السلطة حينذاك وتلك القوى التي تأمرت مع البعث لإسقاط حكم عبد الرحمن محمد عارف والمجيء بحكم البعث الفاشي.
وقد شخص كل من عزيز الحاج, وكذلك إبراهيم أحمد, بصواب خطأ تلك السياسة التي دعت إلى حمل السلاح للإطاحة بالحكم العارفي, وخاصة عارف الثاني, وأن تلك السياسة قد أضعفت النظام العارفي الثاني, ولكنها لم تكن السبب في إسقاط النظام, بل كانت طبيعة النظام هي السبب الرئيسي في سقوطه, إضافة إلى التآمر البعثي والأمريكي أو الخارجي عموماً.
كاظم حبيب 14/10/2009







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,099,667
- من أجل إنجاز برنامج واقعي للتحالف الديمقراطي العراقي المنشود ...
- كم من حاكم مستبد ونرجسي يمسك برقاب شعوب منطقة الشرق الأوسط؟ ...
- قانون الانتخابات والديمقراطية في العراق !
- هل يلعب حكام إيران بالنار؟ وهل يحفر أحمدي نجاد قبره بيديه؟
- مقابلة صحفية مع الدكتور كاظم حبيب أجرها الكاتب والفنان التشك ...
- ما العلاقة بين النقد وبين العاملين في الشأن العام في العراق؟
- لا يمكن إخضاع مبادئ وشرعة حقوق الإنسان للإرادة الذاتية للحكا ...
- هل العراق بحاجة ماسة إلى جبهة ديمقراطية واسعة؟
- مقابلة صحفية في الشأن العراقي
- قوى التيار الديمقراطي ستبقى بحاجة إلى مزيد من الجهد لتوحيد ص ...
- التردي الحضاري في السلوك الأكاديمي لجامعة تكريت وموقف الدكتو ...
- حوار مع الأخ الفاضل الدكتور جواد الديوان
- حين تتوقف ساعات بعض أو كل القوى الديمقراطية في العراق, فإن ا ...
- رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر في قوى التيار الديمقراطي العر ...
- مهرجان الحزن والفرح المتشابك, مهرجان الحب والحنين والحياة في ...
- ماذا يجري في صفوف القوى الديمقراطية العراقية ؟
- الضحية هو شعب العراق والجلاد متعدد الهويات!
- قناة العراقية الحكومية تشجع على ممارسة العنف المضاد!
- شارع المتنبي ونعيم الشطري وجهان لكتاب واحد هو الإنسان ...
- الثقافة العراقية ما بعد 2003


المزيد.....




- هولندا تقبض على المشتبه به في -حادث أوترخت- وتخفض حالة -الخط ...
- محورها مرسي.. ضاحي خلفان يقدم هدية لوسيم يوسف مع -التحية الإ ...
- -مروحيات روسيا- تتهم سلوفاكيا بإصلاح غير قانوني لمروحية Mi-1 ...
- ما سر هجوم هولندا؟
- رئيس جمهورية موزمبيق: عدد ضحايا إعصار إيداي قد يصل إلى ألف ق ...
- بعد الفنادق الفاخرة والباهظة دبي تشهد ظهور فنادق بأسعار معقو ...
- مصادر تركية: مسلح أوتريخت أطلق النار على أحد أقربائه "ل ...
- -لا-.. قناة مصرية جديدة ببلجيكا معارضة لنظام السيسي
- إرهابي نيوزيلندا بكامل قواه العقلية وسيدافع عن نفسه أمام الم ...
- أنباء عن حريق داخل قسم بمعتقل ريمون الإسرائيلي


المزيد.....

- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم حبيب - ما الموقف من سياسات الحزب الشيوعي والقيادة المركزية من الحكم العارفي في العراق