ويسألون عن المهجرين!!


ساطع راجي
الحوار المتمدن - العدد: 2783 - 2009 / 9 / 28
المحور: حقوق الانسان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

شكت مفوضية الانتخابات من قلة الاقبال على تحديث سجلات الناخبين وإعتبرته أمرا خطرا خاصة بالنسبة للمهجرين داخل العراق الذين لن يكون بإمكانهم الادلاء بأصواتهم ما لم يراجعوا مراكز تسجيل الناخبين لتحديث سجلاتهم وتحديد المحافظات التي إستقروا فيها ليسمح لهم الادلاء بأصواتهم وأعداد هؤلاء المهجرين تتجاوز المليونين في داخل العراق، وهم بذلك يشكلون ما يشبه الشعب الجديد ليس فقط بسبب عددهم الكبير الذي يتفوق على عدد سكان بعض البلدان، بل أيضا لأنهم ينتمون الى مختلف مكونات الشعب العراقي وينتشرون في مختلف أنحاء العراق ولا يتذكرهم أحد إلا في أيام الانتخابات فهم موضوع دعائي جيد وأصوات سهلة يمكن الحصول عليها عند تنفيذ ابسط متطلباتهم الحياتية البسيطة وأحيانا يمكن الحصول على هذه الاصوات بمجرد إغداق الوعود أو توزيع بعض المواد الغذائية.
المهجرون داخل العراق كارثة إنسانية تتسع آثارها يوما بعد يوم وتنمي جيلا من العراقيين المنفيين داخل وطنهم وسط صمت الجهات الحكومية والنيابية وتجاهل تام للقضية في مقابل التركيز على بضع عشرات يعودون من خارج البلاد قسريا من وقت للآخر وتدفع الحكومة العراقية أجرة عودتهم بعدما فشلوا في الحصول على إذونات الاقامة في البلدان الاخرى وإستنفذوا مدخراتهم وغالبا ما يتم تصوير عودة هؤلاء على إنها دليل على تحسن الاوضاع الامنية في البلاد وإنها جاءت بسبب الارتباط "العاطفي والروحي بأرض الوطن" لا إنها عودة بأوامر قضائية وبتنفيذ قوة القانون المسلحة.
المهجرون في الخارج يحصلون على إهتمام إعلامي أكبر لأن السلطات العراقية لا تريد خروج الفضيحة الى بلدان أخرى كما إن المسؤولين يحرصون على اللقاء بالمهجرين في الخارج كنوع من الدعاية وتلافيا للإحراج الاعلامي خلال زياراتهم للدول الاخرى، أما المهجرون في الداخل فهم ضحايا لأخوتهم وجيرانهم وهم عرض ثانوي لتحسن الامن وهم عرض لا تريد الجهات الرسمية الاعتراف به فلا أحد يرغب بالاعتراف في إن جزءا من التحسن الامني يعود الى تصفية الاحياء المختلطة الانتماءات ليكون كل حي حكرا على طائفة أو قومية أو دين محدد.
المهجرون الآن شعب أو على الاقل هم أقلية من الناحية الواقعية ويستحقون التعامل معهم كأقلية لها حصصها في خارطة الحصص التي تشمل المال والسلطة في عراق اليوم، وربما سيأتي يوم ويقترح المهجرون تشكيل إقليم خاص بهم لا يتمسك بحدود جغرافية معينة بل يتعامل مع فئة المهجرين أينما كانوا في داخل البلاد كمواطنين فيه.
المهجرون الآن فضيحة وطنية وأخلاقية وسياسية تشكك بكل ما ينسج من أقاويل يومية عن الهوية الواحدة والاخوة والتحابب والالفة بين العراقيين، وتطرح سؤالا كبيرا فيما لو سيتم تكريم المهجرين بإعتبار إن خروجهم من منازلهم سببا لتحسن الامن واستقرار الاوضاع كما يتم تكريم أي شخص أو جهة لنفس السبب، فالمهجرون جزء من وضع أمني وجزء من فشل خدمي وسياسي تركهم يسكنون ما يشبه البيوت وما هو أقل من ذلك أيضا، يستجدون عطف الكاميرات التلفزيونية لتنقل شيئا من ألمهم لعل وعسى أن يستثير عطف مسؤول ما في لحظة عاطفية أو في لحظة إنتخابية.
عندما تعود بعض الاسر المهجرة الى منازلها أو الى ما تبقى من تلك أو حتى لأطلال تلك المنازل، تتزاحم الجهات الرسمية والاحزاب والتنظيمات والمنظمات والشخصيات على الظهور في الصورة ويدعي كل منها مشاركته في تحقيق هذه العودة "المباركة" لكن لا أحد يدعي المسؤولية عن تهجير ملايين المواطنين بصورة منظمة وعلى مدى أعوام تحت سمع وبصر الجهات الرسمية ولا أحد يسأل عن مصير عشرات البيوت الفارغة والمهدمة والمحترقة وحتى عندما تتوفر الادلة على مشاركة جهة سياسية في التهجير فإن القضية يتم تصفيتها بصفقة سياسية.
يجب إخراج المهجرين وقضيتهم من سوق الاصوات الانتخابية والتفكير جديا في خطة لوضع حل معقول يحفظ كرامة المهجرين ومستقبلهم سواء بإعادتهم الى مناطقهم الاصلية أو حتى بتوطينهم في أماكن نزوحهم والاعتراف بالامر الواقع بدل تعريض حياتهم للخطر في برامج إعادة غير مدروسة تعتمد لغة الشعارات تعرض العراق الى دوامة جديدة من العنف.
لقد فشلت الجهات الرسمية في التعامل مع مشاكل المهجرين في الجانب الخدمي والانساني علما إن فقدان المساكن حالة يمكن أن تصيب أي شعب لأسباب طبيعية حتى ودولة مثل العراق يمكنها توفير أماكن مؤقتة لسكن الاسر المتضررة من أي حادث لكن هذا لم يحدث حتى في حالة بضع عشرات من الاسر التي فقدت مساكنها في التفجيرات الارهابية.