أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد مضيه - علم النفس الإيجابي وبناء الاقتدار بوجه الهدر






















المزيد.....

علم النفس الإيجابي وبناء الاقتدار بوجه الهدر



سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 2593 - 2009 / 3 / 22 - 09:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



عرضت الحلقات الثلاث السابقة للفصول 1-8 نماذج الهدر الإنساني التي تشمل المجتمع ، وخاصة قطاع الشباب. الهدر هو تعطيل طاقات الشبابوفكرها ووعيها وقمع حسها الوطني ، وتعويض ذلك بإغراق الشباب والناس عموما بالاستهلاك وحياة المتعة والإثارة. نزوة الموت تتغلب في مجتمع الهدر على نزوة الحياة في الساحة الوجودية فتولد سيرورة هابطة في الحياة الاجتماعية. وتساهم العولمة ، إلى جانب الاستبداد المحلي والأصوليات والعصبيات، في رعاية الهدر . العولمة الاقتصادية/ المالية غول يلتهم الكفاءات الشابة بنهم ويستنزفها لتغدو سربعا زائدة عن اللزوم. والعولمة بأنشطتها المدمرة تحصر العمل المنتج في نطاق الخمس من بين الأيدي العاملة النازلة إلى سوق الاقتصاد العالمي ؛ كما أنها تخلق توترات نفسية ناتجة عن انعدام الضمانات.
ويتجاوب الإنسان المهدور مع آليات الهدر فيبتلع الهدرالذي يشطر وجوده بين ظاهري زائف والوجود الحقيقي الأصيل المكظوم. تغدو نزوة الموت هي اللاعب الأقوى على الساحة الوجودية. وأبرز مظاهر الموات هو الاكتئاب واجترار العجز. فمن يكتئب يعجز عن الثورة ويحرم منها، ومن يثور لا يكتئب. يسفر الهدر عن تعطيل التفكير ، الأمر الذي بفضي إلى احتقان. وجود المهدورين يتجلى بالتوتر وسرعة الاستثارة وردود الفعل الانفعالية المبالغ فيها . ونقدم أخيرا عرض الفصل التاسع والمتضمن علاج الأمراض النفسية للهدر.

الصحة النفسية
يستهل مشروع البناء الوطني باسترداد حق المواطنة لكل فرد وتصفية تفاعلات الهدر في النفسية. فبعد رفع الطغيان يجري ترميم الروح الجماعية من أعطاب الهدر. وكل الانقلابات والحركات التي غفلت عن المهمة أعادت إنتاج الاستبداد ودفعت الناس للتحسر على الماضي. الاعتراف بالإنسان المواطن ودوره ورأيه ومشاركته الفاعلة في اتخاذ القرارات التي تصنع المصير الوطني. المعركة لكشف الهدر واجتيافه(ابتلاعه) وإعادة إنتاجه لا تقل أهمية عن المعركة مع الهدر الخارجي. والخطوة الأولى في مسيرة الكشف تتمثل في الوعي بالدفاعات ضد الهدر والديناميات النفسية المتولدة عن الهدر وأبرزها الاكتئاب والغضب والتدمير والانشطار الذاتي . فهي تزوير للذات وقابلة للتغيير وصولا إلى استعادة عملية النماء [323]. إن أول تجليات الكفاءة هي الكفاءة النفسية التي توفر أساس نماء الطاقات الحيوية. كما أنها توفر المناعة بوجه التحديات والصعاب والمخاطر[ 316 ] . بهذه العدة نستطيع دخول عصرنا عصر الاقتدار المعرفي القائم على كفاءة العلم المستدام وكفاءة توظيف الطاقات الذهنية في مبادرات معرفية جريئة وطموحة والتي أصبحت وحدها تضمن الدور والمكانة في الشراكة العالمية[314]. إن أي تنمية للإنسان باتت تتطلب مشروعا وطنيا لبناء الاقتدار الشامل لمختلف الشرائح السكانية، خصوصا الطفولة والشباب والمرأة]. ومن أبرز مقومات الاقتدار العلمي تعلم التفكير التحليلي النقدي ، وتوسيع برنامج تنمية القدرات الذهنية كي يستوعب كامل أبعاد الذكاء الإنساني وأنواعه تبعا لنظرية الذكاءات المتعددة المستوعبة لكل مجالات النجاح في الحياة. ثم اتباع نظام تنمية التفكير والمبادرة والاعتماد على الذات في العملية التربوية.
وقد يكون أبرز ما يميز الكفاءة المهنية راهنا ومستقبلا هو امتلاك أخلاقيات العمل المهني والمسئولية المهنية والإحساس بالواجب والجهد طويل النفس والسعي الدائب نحو الإتقان. الاقتدار المهني يستند إلى ثقافة الإنجاز وأخلاقيات الإنجاز[317].
وتمثل الكفاءة الاجتماعية الركن الرابع من أركان الاقتدار، وتتمثل في الذكاء الاجتماعي، الذي يشكل البعد المتعلق بالآخرين وتفهمهم واستيعاب حالاتهم الوجدانية ومواقفهم وحاجاتهم . يتجلى ذلك في القدرة على التواصل والتفاعل والمشاركة والقيادة الجماعية والتعاون وسواها، والروح الجماعية من أبرز عناصرها. في عصر الانفتاح العالمي على مستوى الثقافات والسياسة والإعلام والاقتصاد يتزايد وزن وأهمية الكفاءة الاجتماعية في مجال مهارات العمل والقيادة والتسيير والتفاوض والتعاقد والتعاهد، مما بات يحكم الحياة الراهن في عصر الاستهلاكية تتعاظم إغراءات الانهيار ليس الخلقي فقط بل في قيمة الإنسان إلى مجرد مستهلك . فقد حملت هيمنة اقتصاد السوق مزيدا من أخطار انتشار أفات الفساد الكوني من رشاوى ومحسوبيات وتبييض أموال وتهريب المخدرات والسمسرات . باتت الحصانة الخلقية القيمية ضرورة للحفاظ على التوازن الذاتي والاحترام الكياني ؛ وباتت تنطوي على أهمية حيوية من حيث الجهد البناء طويل النفس بدلا من اقتناص الفرص[318].
يحدث كثيرا مع الانغلاق داخل نمط محدد من التفكير أن يتطور ذلك إلى نوع من التعصب. ومن الأمثلة على ذلك رفض المتعصببن لإسرائيل ممن غير أصحاب المصلحة بالطبع، الوقائع الدامغة على نهجها العدواني وتوسعها الاستيطاني وانتهاكاتها للقانون الدولي. وبالمثل نجد التعارض بين قناعات البعض وتصرفاتهم.
تتشكل مع الأفراد والمجتمع بأسره آلية نفسية داخلية نتيجة الممارسة والتفاعل مع معطيات الحياة تتمثل في بعدين أو أكثر أولهما الحفاظ على البنية من خلال انتقائية مفرطة وتعميم الأحكام والرؤى وتضخيم المعطيات والأفكار المؤيدة لها والتنكر للمعلومات والوقائع المعارضة. ويندفع الإنسان من ثم إلى إثبات صحة هذه البنية بكل الوسائل والأسانيد المتوفرة، بل هو يصل حتى اختلاق السلوكات المكرسة لها. حتى أن الإدراك المعرفي والقناعة العقلية يظلان عاجزين عن التغيير لأنهما يلقيان مقاومة على المستوى الوجداني . تلك هي الحالة الثنائية بين ما يصرح به عقليا ويدافع عنه في الشعارات ، وما يعاش على المستوى الوجداني المخالف للشعارات[322]. نخلص من ذلك ان الغرق في الماضي واجترار آلامه ومآسيه تهرب من حمل المسئولية. فليس المهم إثبات ظلم الواقع والوقوف موقف الضحية تستعرض ما حل بها من جور ، بل الأهم تدبير سبل التعامل مع هذا الواقع كي نخرج بأقل الأضرار كحد ادنى[325].
علم النفس الإيجابي

طور البرت أليس (1995) الفلسفة العقلانية النمائية في الحياة، حيث يتحرر المرء من عقد الماضي المدمرة ذاتيا . تؤكد الفلسفة العقلانية ضرورة الوصول إلى استراتيجيات إدارة الحياة بفاعلية، بحيث نصبح أناسا أكثر قدرة على توجيه الذات، واستعادة اعتبار الذات وتعلم الاستقلالية وتعلم مبدأ الواقعية بلا أوهام . تبدأ حينذاك النظرة العقلانية بالبروز والنمو مما يشكل الشرط الأول للشفاء من الهدر الذاتي. وهذا يتطلب الوعي والحزم والإصرار على المثابرة[326].
علم النفس الإيجابي يعزز الاقتدار الذاتي. وهو تيار حديث جدا في علم النفس انطلق على يدي سيليجمان رئيس الرابطة الأميركية لعلم النفس. يركز العلم على أوجه القوة في الإنسان بدلا من أوجه القصور وعلى الفرص بدلا من الأخطار وعلى تعزيز الإمكانات بدل التوقف عند المعوقات. يهدف العلم إلى تنشيط الفاعلية الوظيفية والكفاءة والصحة الكلية للإنسان، بدلا من التركيز على الاضطرابات وعلاجها، من أجل توفير وسائل بناء الاقتدار الذاتي عند الكبار والصغار والشباب سواء بسواء، وذلك على مختلف مستويات الذهن والمعرفة والسلوك والمهنة والحالة الاجتماعية العامة. والواقع أن علم النفس الإيجابي ذاته انطلقت بذوره الأولى من التفكير الإيجابي او الواقعي تحديدا . من ضمن حركة الإصلاح المعرفي وعلم النفس المعرفي اللذين أصبحا يحتلان مركز النجومية في توجهات علم النفس المعاصرة[327].
من أهم مقومات الحياة الطيبة حب الشخص لحياته والوفاق مع ذاته ومع الدنيا والناس. وفي التقدير أن كل إنسان مهدور لديه فرصة طيبة كي يجد من ضمنها وسيلة أو أكثر للتعامل مع شرطه الوجودي الخاص به. ليس هناك حلول جاهزة ؛ إنما أدوات للتوظيف بأساليب وكيفيات نوعية تبعا لحالة كل شخص[328]. .
329، 30/
إن طريقة ألبرت أليس تسير في نفس المنحى : الشغل على المعتقدات الخاطئة والسلبية ومحاولة تحويلها إلى أفكار واقعية . وفي حال فشل الفكرة الإيجابية في تعديل الحالة الانفعالية نكون عندها بصدد تكوينات نفسية يسمونها " قناعات نواتية" تاريخية ومكبوتة وتحتاج إلى الكشف عنها من خلال أساليب استقصاء مكونات النفس البشرية. . المهم في كل هذا المساعدة على التدرب على التفكير الإيجابي باعتباره الضامن للاقتدار في التعامل مع قضايا الحياة وأزمتها[330]. التفكير الإيجابي لا يغض النظر عن سلبيات الحياة الفعلية؛ ولا يتغافل عن سلبيات الواقع إنما النظر في السلبيات والإيجابيات، يحذر من الإفراط في تعميم النظرات الإيجابية التي قد تؤدي إلى تجاهل الواقع في غناه وتعقيداته وأخطاره. وبصدد الذات فالتفكير الواقعي ينبغي أن يظل إيجابيا ولا يدع اليأس يتسرب إلى ذاته. نظرة ايجابية للذات تحافظ على قوى الفعل والنماء حتى ضمن الظروف غير المواتية[331].
الوعي يأتي في مقدمة التفكير الإيجابي، وعي بالإمكانات والقدرات والفرص، يشكل الوعي بالفاعلية الذاتية قلب القلب من نواة الاقتدار الإنساني فهو يدفع للتحرك والتدبر حتى في الوضعيات التي تبدو بدون مخارج. إنه المحرك الهام للدافعية والعزم والتصدي والإقدام ومجابهة التحديات، وابتداع الوسائل الأرقى والأكثر تعقيدا ، والتي بدونها لا يمكن للمرء إنجاز أي شيء حتى لو استطاع إلى ذلك سبيلا[331]. وتعرف الفاعلية الذاتية بأنها تلك العلاقة ما بين القدرة الشخصية المدركة وبين السلوك والحالة المعنوية.... والعديد من الكفاءات المحددة للاقتدار الإنساني تشتق من اقتدار الجماعات التي ينتمي إليها الفرد ويعيش وسطها. فإدراك المرء لإمكانات واقتدار محيطه الإنساني يعزز كثيرا من قدرته الذاتية على المجابهة والفعل. ويطلق لديه فاعلية عالية للمثابرة والاستمرار[332]. والتفاعل فيما بين الذاتي والاجتماعي يطلق طاقات على الفعل يتمخض عن الخروج من مرض الهدر الكياني وتحسين الصحة النفسية، ورفع مستوى القدرة على توجيه الذات ومواجهة الشدائد والتحصن ضدها.... تنفتح اليقظة الذهنية المتسمة بالمرونة على الجديد في المحيط وتتنبه لما فيه من إمكانات ليست جلية للوهلة لأولى،... وإذ يتمسك الإنسان المهدور باليقينيات في مواقف دفاعية، غلإن الوعي بتحول الأشياء يزيد من قدرة المرء على المبادرة ومقاومة الشدائد والتغلب على الخوف من التغيير. تلك هي سمة العصر : تسارع التحولات وانعدام اليقين يثبات الأمور وحتميتها في مجالات التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والعمالة والمجتمع . اليقظة الذهنية وتفتح آفاق الرؤية والوعي بالتحولات والتغيرات والاحتمالات تتيح وحدها التعامل الناجع مع الوضعية المضادة للثبات والقطعية[333] . اليقظة الذهنية تفتح المجال أما مقوم آخر من مقومات التفكير الإيجابي مما يتمثل في المرونة والتلاؤمية على مستوى النشاط الذهني خصوصا ، والنمو عموما. وتعرف التلاؤمية ( المرونة الذهنية والسلوكية) بأنها القدرة على تدبير الأمور في الظروف الصعبة أو المهددة أو حتى في حالا المحن بمقاربة فعالة وناجعة[334]. فقد يكون التقدير متفائلا او متشائما في التعامل الفعال مع وضعية معينة . فليس التفاؤل هو الواقعي دوما ، كما أن التشاؤم ليس هو الفاشل بالضرورة . بكمن سر الاقتدار المعرفي في متى يتعين ان نكون متفائلين أو متشائمين كي ندير الوضعية بفاعلية.المهم أن نظل في وضعية مبادرة وقدرة على الفعل، وابتداع وسائل ومقاربات مغايرة، أو حتى استبدال الأهداف ذاتها[335].
يندرج هذا المنظور ضمن ثلاثية الاقتدار المعرفي المتمثلة في الانتقاء والتعظيم والتعويض. إنها ثلاث عمليات أو سيرورات أساس في توجيه النمو عبر مسار الحياة، ما ينطبق على المجتمعات كما على الأفراد كما الخلية الحية . ... يوجه الانتقاء قبلا حسن اختيار الأهداف، وتوجيه الإدراك والنشاط المعرفي بشكل انتقائي يوفر أفضل خدمة لها. .. أما التعظيم فبتمثل في عملية تعبئة المهارات والإمكانات والوسائل وتنظيمها بأكبر درجة ممكنة من الفاعلية والجدوى ، بما فيها تفعيل المتوفر وتطويره وتنميته، واكتساب الجديد الإبداعي. . أما التعويض فيتمثل في استخدام وسائل بديلة حين تعجز الوسائل الحالية ، أو تفقد فاعليتها[335]. الاستجابة الإيجابية للخسارة تشكل واحدا من أبرز مظاهر الاقتدار المعرفي على صعيد التعويض. ... يتمثل التفكير الإيجابي في الخسارة، إذاً في حشد الطاقات والامكانات وإعادة تنظيم التوجهات والأولويات ، بحيث تعاد للحياة معناها وتعاد مسيرة تحركها النمائي[336]. ...
هنا يقف " اسلوب التفسير المتفائل" على الضد من التفسير المتشائم . وتطور المفهوم على يد سيليجمان في كتابه المعروف جيدا " التفاؤل المتعلم"، كما طوره آخرون بالمنحى نفسه. ينطلق التفسير من نظرية العزو التي يكونها الشخص معرفيا من الأشياء والأحداث والوضعيات والمحن، وعن نفسه ذاتها[336]. إزاء التفاؤل تدرك الخسارة أو الشدة على أنها محدودة ضمن حيز ما، وما زال بالإمكان بدائل تعوض. كما يدرك الأسلوب المتفائل المحنة أو الخسارة على أنها انتكاسة مؤقتة. وبالتالي فإن إمكانات الانطلاق من جديد متاحة، بتوسل الوسائل الملائمة. . وعلى مستوى الذات يحافظ المرء على الثقة بالنفس بما يبقي الطاقات متوفرة لجولات جديدة. يحافظ التفاؤل على الأمل والمعنويات العالية ويندفع للحلول التعويضية البديلة. من جانب آخرا يؤدي أسلوب التفسير المتفائل إلى التخلي عن أهداف تشير الدلائل الموضوعية إلى تعذر إمكانية تحقيقها، في نوع من التحلي بالنظرة الواقعية التي لا تستسلم لليأس، بل تحافظ على الدافعية للسعي. لا يعتبر التراجع في هذه الحالة هزيمة وعجزا، بل واقعية في التقدير، وحسن توجيه الذات، انطلاقا من الرؤية المعرفية للحياة بأن لها فرصها وإرغاماتها، بما يتعين الدراية في حسن التعامل معها[337].
338/ طور باحثون في علم النفس الإيجابي نظرية في الأمل باعتباره يمكن أن يلعب دور العدسة لرؤية أوجه الاقتدار عند الأشخاص، كما عند الجماعات والأوطان. ... الأمل الفعال هو المرتبط بالاعتقاد بالقدرة على تحقيق الأهداف، من خلال إيجاد السبيل لذلك ، والسعي للسير عليها بدافعية عالية ، في حالات تتصف بالاحتمالية ، او بمقدار معين من انعدام التأكد ، حيث يبرز الأمل الفعال عند هذه النقطة تحديدا، من خلال آليتين معرقيتين:
الأولى تتمثل في التفكير الوسائلي، أي البحث عن سبل الوصول وتعظيمها وتنويعها. فالإنسان الذي يحدوه الأمل في تحقيق أهدافه يشعر بالقدرة على إيجاد السبل والوسائل للوصول إليها. وكلما ارتفعت درجة الأمل زادت القدرة على إيجاد الوسائل والبدائل.
والثانية فهي التفكير التدبيري، ويعني تعبئة الطاقات والموارد للسير في طريق التنفيذ من خلال الجهد الواعي و المقصود. وهو يتضمن المبادرة إلى استخدام هذه السبل ومتابعة السير عليها وهو واثق من النجاح[338].
الأمل حالة وجدانية ونظام تفكير يقوم على إدراك القدرة على التدبر والتنفيذ والمثابرة عليهما. الواقع ان القدرة المدركة تعزز الحالة الوجدانية، التي تعود بدورها فتعزز الالقدرة الذاتية.
حسن الحال الذاتي
والابن الشرعي لتزاوج التفكير الإيجابي والعواطف الإيجابية هو حسن الحال الذاتي..... أثبتت الأبحاث المعاصرة في عمل الجهاز العصبي خطا تشابك السلبي والإيجابي في الانفعالات بحيث تنال من بعضها البعض؛ إذ تبين أن كلا منهما مستقل عن الآخر ويتبع نظاما عصبيا خاصا به. ومن ثم فالحد من السلبي لا يؤدي بالضرورة إلى تنشيط الإيجابي. كل منها محدد بيولوجيا على مستوى الفرد والنوع ، وكل يقوم بوظائف حيوية قائمة بذاتها على مستوى حفظ البقاء[339].كل من العواطف السلبية والإيجابية تمثل نظاما بيولوجيا سلوكيا تطور للتعامل مع مهام حيوية ، جد مختلفة بعضها عن البعض الأخر في خدمة حفظ البقاء. العواطف السلبية جزء من نظام الضد او الكف والانسحاب , وتتمثل الغائية الأساس لهذا النظام في إبعاد الكائن الحي عن التهديدات والمتاعب والمشكلات، من خلال سلوك التجنب أو الهروب .أما العواطف الإيجابية فتشكل احد مكونات نظام المقاربة والمواجهة والمبادرة ؛ وسلوكات التوجه نحو الوضعيات والتجارب يمكن أن تحمل السرور والمكافأة. وهو نظام تكيفي بالغ الأهمية لدفع النماء؛ إذ يضمن توفير الموارد لإشباع الحاجات الأساس. ... نظام العواطف الإيجابية هام جدا للانفتاح على الدنيا والإقدام عليها والمبادرة والانغماس والفاعلية الذاتية والوفاق مع الذات وتقديرها، وكذلك الوفاق مع الدنيا والآخرين. مما يطلق عليه طاقات النماء والإنجاز والتمدد والثقة بالإمكانات والقدرات، بالغة الحيوية لبناء الاقتدار ومقاومة الهدر. .أما الانفعالات السلبية فتضيق سجل الفكر/ العمل وتجدده في الاستجابات الدفاعية الهروبية لإنقاذ الكائن الحي من الخطر وإفلاته منه.
تبين أن العواطف الإيجابية تتعزز من خلال العمل والممارسة أكثر مما يعززها التفكير. فهي ترتفع مع الانخراط في النشاط والانفتاح على المحيط، في أبعاده الاجتماعية والمهنية والجسدية. يميل الأشخاص ذوو العواطف الإيجابية لأن يكونوا نشيطين جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا. ... تحدث أفضل لحظات السعادة والرضى حين يتمدد جسد المرء وذهنه إلى أقصى حدود طاقتها وحيويتها ، في جهد إرادي لإنجاز شيء صعب أو ذي قيمة . وعليه فلا بد من أجل تعزيز العواطف الإيجابية ودفع حيوية النماء إلى الأمام، من القيام بأشياء هامة في الحياة، ولو كانت قليلة، حتى وإن كانت حياتنا مليئة بالروتين الإجرائي. .. ويتوطد الاقتدار النفسي من خلال تشغيل كل من نظامي العواطف، تبعا لمقتضيات الحال، وتجاوز النظرة الأحادية . ولقد ثبت من الأبحاث أن توازن التعبير السلبي والتعبير الإيجابي عن الانفعالات والمشاعر هو الاستجابة الأكثر فاعلية في مواجهة المحن . .. يكمن وجه القوة في حرية التعبير عن العواطف . المهم أن يشكل التعبير عن المشاعر الإيجابية والسلبية مدخلا للتحرك والتصرف لتغيير الوضعية، وليس مجرد الاستسلام وانتظار الفرج[341].
الذكاء الانفعالي

إدارة الحياة العاطفية يخضع للذكاء الانفعالي. وقد وضعت مقاييس لقياسه مقارنة بمقاييس الذكاء العام المعروفة.
يدرج المختصون الذكاء الانفعالي في أربعة محاور: 1ـإدراك الانفعالات والوجدانات والعواطف ، وتحديدها عند الشخص ذاته وعند الآخرين والقدرة على التعبير الواضح والدقيق عنها. ؛ 2- توظيف الذكاء العاطفي في تيسير التفكير من حيث توجيهه وتعديله وتحديد أولوياته، وكذلك القدرة على توليد العواطف والمشاعر الميسرة لحسن إطلاق الأحكام وتقدير مختلف وجهات النظر وجوانب مسألة ما ، وصولا إلى الحلول الفاعلة للمشكلات والتفكير الجماعي.3_القدرة على تفهم الروابط بين مختلف الحالات الوجدانية ، وإدراك أسباب الانفعالات والاستبصار بنتائجها وصولا إلى الاستبصار بالحالات العاطفية المركبة . 4- إدارة الانفعالات والعواطف من حيث الانفتاح على الإيجابي كما السلبي منها وإدارتها وتوجيهها[342].
وهذا يوضح أهمية تنمية الذكاء الانفعالي منذ الطفولة. إن كلا من التفكير الإيجابي وإدارة الحياة الانفعالية وحسن توظيفها يشكلان مقومين أساسيين وحيويين من مقومات الاقتدار والتمكين الذاتي وبالتالي حسن الحال الوجودي. وهو كله ما يمكن تعلمه والشغل عليه وتنميته.

كما أن الارتباط بقضية كبرى يغير دلالة الذات ويغير دلالة الأزمات. يخفف وطأة الشدائد ويجعل الديمومة متحركة نظرا لارتباطها بأمل تحقيق الغايات المستقبلية، وتعبئة الطاقات من أجلها. وهذا يقضي على مأزق الحاضر وتجمد الديمومة, وهذا هو الدرس الأساس الذي تعلمنا إياه سير كبار المناضلين والمكتشفين والمبدعين ممن يشكلون رواد النماء الإنساني ويشقون مسالكه ويقدمون نماذجه[343].

244/ تدل الأبحاث النفسية على وجود أربع حاجات أساس من يحققها تكتسب حياته كامل دلالتها. أولاها الحاجة إلى الغائية المتمثلة في وضع أهداف مستقبلية للحياة تعطيها قيمتها وامتلاءها وتطلق عملية الديمومة والصيروة الناشئة في تحقيقها. وثانيها الحاجة إلى إقامة قيمة مرتبية في الحيا ة، مما يعطي دلالة جيدة للأشياء والمواقف . والثالثة الحاجة إلى تقدير حسن الفاعلية وصواب السلوكات ومبرر المساعي والجهود. ما يشعر الفرد بقدرته على الفعل والتأثير. وبالطبع تتلخص الحاجات الثلاث في الحاجة المركزية التي توفر مرتكز القيمة الذاتية والاعتبار الذاتي سواء الفردي منه أم الجماعي. والوجود المليء من وجهة نظر الصحة النفسية يتطلب تعدد المعاني من حيث المرتبية والمجال. كما أن المجتمع يغتني من خلال تنوع المساعي والأهداف، بحيث يتمكن المرء من تحمل الصعاب والمعوقات[344] .
إلا أن الارتباط بقضية كبرى يتجاوز هذا المستوى اليومي للمعنى والقيمة ومرتبيتها. إنه يضفي على الوجود معنى متساميا على الواقع المادي في تحدياته ومحنه. ولذلك فإنه يعبئ الطاقات الحيوية، ويمد المرء بذلك الإحساس بالسيطرة على الوقائع والأحداث ، وبالقدرة على تغيير مسارها بما يحقق الهدف. ويطلق على هذه الفعاليات " السيطرة المدركة".. وكل من لديه سيطرة وضبط أعلى يكون الأقل قلقا حيال الشدائد، والقدرة الأفضل للحفاظ على التوازن[345]
وبمقدار ما ينغمس المرء في العمل ويصحح مساره من أجل وصول أفضل يعيش تجربة وجودية ذاتية تتصف بما يلي : تركيز مكثف على ما يفعله المرء في اللحظة الحاضرة، وتداخل الفعل والوعي وامتزاجهما ، وهو بنسى مرور الزمن الذي يتسارع بدون الإحساس يثقله. كما أنه يشعر بالقدرة على التحكم في الوضعية وتوجيهها ، ويعيش نتيجة النشاط على أنه مجز ذاتيا ، بمعنى أن الهدف يستحق الجهد المبذول من اجله ، وأن هذا الجهد ذاته ممتع ويوفر الحماس والدافعية. ... هذه النوعية تتمتع بالقدرة على تنمية المهارات للحد الأقصى، بما يوسع الفرص في نوع من الوحدة الجدلية بين الإنسان وظرفه الحيوي. وبقدر ممارسة هذه المهارات النامية باستمرار تتوسع الفرص بل تتم صناعتها. . تتضمن هذه الحيوية اهتماما عاما بالحياة والمثابرة والإصرار وتفتح الذهن على الإمكانات، مع درجة متدنية من التركيز على الذات وندب حالها. شخصية ذات اندفاع ذاتي تصنع الريادة في حياتها ، من خلال بناء معادلة التقاء الوضعيات عالية التحدي مع المهارات العالية . هكذا تنمو المهارات ويتقدم السير على طريق بناء مشروع الوجود، ويرتفع تقدير الذات ويتم التحصن ضد الشدائد ، وعلى رأسها الهدر.
إذن فمقاومة الهدر تمر بمراحل:
الاقتناع بإمكانية تنمية الاقتدار الذاتي والتمكين وتعزيز حسن الحال وصولا إلى التعامل مع عالم القوة الراهن والمستقبلي.
الوعي بديناميات الهدر النفسية وآليات الدفاع الذاتية ضده وصولا إلى كشف آثارها السليية المعطلة ، وبالتالي إيقاف التواطؤ الذاتي مع الهدر.
التفكير في طروحات ومعطيات علم النفس الإيجابي على مستوى التفكير الإيجابي والعواطف الإيجابية وربط الوجود بقضية توفر له معنى وتفتح السبل أمام السعي نحو النماء.
إنها مسألة ذاتية في الأساس تتمثل في إرادة الكيان والسير على طريق صناعته.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,526,704,767
- اكتوبر شمس لا تغيب - مبادئ أكتوبر شبكة الإنقاذ من وحشية العو ...
- استحالة التقدم في ظل الاستبداد
- عرض كتاب -الإنسان المهدور- الحلقة الثانية
- الإنسان المهدور
- مين فرعنك يا فرعون
- محمود أمين العالم في الحياة الفكرية العربية 3- جدل الواقع في ...
- محمود أمين العالم في الحياة الفكرية العربية - 2 الجدلية جوهر ...
- محمود أمين العالم في الحياة الفكرية العربية الحلقة الأولى
- المجزرة .. كوارث ودروس
- الجدار واغتيال ياسر
- الهندسة الوراثية لدولة إسرائيل
- الأحزاب الصهيونية تتبارز بالدم الفلسطيني
- بوش والحذاء... سخرية في حفل ساخر
- فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
- تصعيد المقاومة الشعبية بوجه سعار الاستيطان
- زيوف أقحمت لتشويه الماركسية
- ماركسية بلا زيوف 1
- تحية للحوار المتمدن في عيده السابع
- وخرج القمر عن مداره
- أكتوبر و عثرات البناء الاشتراكي


المزيد.....


- الثقافة والتفسير الانتروبولوجي / عادل بوحجير
- نقد العقل الخالص / عامرحناحداد
- تجنب الألم سيكولوجية الدفاع عن النفس / علي عبد الرحيم صالح
- علي الوردي ..وازدواج الشخصية العراقية / قاسم حسين صالح
- جوزيف فريتزل: صدمة أوروبا الجنسية / نضال نعيسة
- الذكاء الاصطناعي بين الرخاء السلمي والرخاء الإحتكاري / أبو الحسن سلام
- ميثولوجيا الخطاب السياسي - اليسار العراقي نموذجاً - / علاء جواد كاظم
- الإنسان وأساطيره / كامل الجباري
- الانسان المستوحد بين جحيم الاخرين وجحيم الوحدة / كاظم الحسن
- ومضات حول التفكير العلمي / حسيب شحادة


المزيد.....

- قتلى في قصف مدرسة للأونروا بغزة
- روغوزين:- قطاع بناء السفن الحربية الروسي بات مشكلة للأعدائنا ...
- عائلات بأكملها تسقط ضحايا قصف إسرائيلي محموم ثالث أيام عيد ا ...
- السلطات الاحتلال المغربي تفرج عن سجين سياسي صحراوي
- خلاف النفط بين بغداد والأكراد أمام القضاء الأميركي
- هل يخشى الأميركيون صحوة الألمان؟
- مدينة الناصرية تتنكر لشاكر الغرباوي
- واشنطن ستزود العراق بـ 5 آلاف صاروخ
- سقوط أهم قاعدة في بنغازي بأيدي مسلحين
- المعارضة تقترب من مطار حماة العسكري


المزيد.....

- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي
- حياتي الزوجية أنا اخترتها... لماذا تحوّلت جحيماً؟ / ماريا خليفة
- الروح العلمي الجديد عند غاستون باشلار / زهير الخويلدي
- الفضاء العمومي عند هابرماس / خالد مخشان
- القطيعة المعرفية في التقدم الفكري / المنصور جعفر
- جورج باتاي: الجنون المتنقل بين الفلسفة والقداسة / مجموعة من الباحثين العرب
- العنف المؤسس على الدين / حاتم تنحيرت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد مضيه - علم النفس الإيجابي وبناء الاقتدار بوجه الهدر