أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - حميد مجيد موسى - حوار مع الرفيق حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بمناسبة مرور خمسة عشر عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب















المزيد.....



حوار مع الرفيق حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بمناسبة مرور خمسة عشر عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب


حميد مجيد موسى
الحوار المتمدن-العدد: 2480 - 2008 / 11 / 29 - 07:16
المحور: مقابلات و حوارات
    


الحوار الذي اجرته مجلة "الثقافة الجديدة" مع الرفيق حميد مجيد موسى (ابو داود)، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

حوار مع الرفيق حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

(الثقافة الجديدة) تحاور سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الرفيق حميد مجيد موسى (أبو داود)، بمناسبة مرور خمسة عشر عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، " مؤتمر الديمقراطية والتجديد " الذي انعقد خلال الفترة 12 - 25/10/1993 .

حاوره رئيس مجلس تحرير المجلة د. صالح ياسر

نرحب بكم، رفيقنا العزيز أبو داود، باسم هيئة تحرير مجلة " الثقافة الجديدة "، ونشكركم على تفضلكم بإتاحة الفرصة للقاء والتحاور حول قضايا تتعلق بالتاريخ ولكنها حاضرة في الراهن، ونقصد بذلك مرور 15 عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس (مؤتمر الديمقراطية والتجديد).

وبمناسبة الاحتفال بهذه المناسبة ثمة أسئلة كثيرة يمكن ان تطرح من زوايا مختلفة، ولكن المؤكد، وهو ضرورة إعادة السؤال الجوهري الى المواجهة ؛ لماذا هذه التجديدات، أو الصياغات الجديدة في الوثائق التي صادق عليها المؤتمر وما هي ضروراتها؟ وما هي دروسها وخلاصاتها الكبرى بعد 15 عاما باعتبار ان هذا المنجز ما زال في طور الصيرورة.

للإجابة على هذا السؤال المركب وتعميقا له، توجهنا للرفيق أبو داود وأجرينا معه الحوار التالي عبر طرح الأسئلة التالية:

مقدمات .... تراكمات ....

محطات مختلفة ورهانات
الثقافة الجديدة: كما هو معروف فقد كان المؤتمر الوطني الخامس (مؤتمر الديمقراطية والتجديد) الذي انعقد خلال الفترة 12- 25/10/1993 ابن ظروفه الصعبة والمعقدة، وسؤالنا المنطلقي هنا هو: هل بالإمكان ان نبدأ حوارنا بأوضاع الحزب قبل انعقاد المؤتمر وانعكاساتها على التحضير إليه؟ هل كان الحزب يعيش أزمة حقا اقتضت التجديد، أم ان ذلك كان انعكاسا لما حدث من تحولات دراماتيكية على الصعيد العالمي؟ ثم ما هي خلفيات القرار بعقد المؤتمر، والضرورات السياسية والفكرية والتنظيمية لهذا القرار؛ كي يمكن فهم المغزى العميق للتجديد الذي كان يراهن عليه الحزب آنذاك؟

الرفيق حميد مجيد موسى: قبل ان ابتدأ إجابتي على هذا السؤال أتوجه بخالص التعازي برحيل الشهيد الرفيق كامل شياع، شهيد الحزب والوطن والثقافة. ان استشهاده يشكل خسارة كبرى باعتباره احد رموز البناء السياسي الجديد ويمثل مشروعا سياسيا وفكريا تقدميا واشتراكيا. ومن المؤكد ان " الثقافة الجديدة " فقدت احد أعمدتها الرئيسية، غير أنني واثق من ان زملاء ورفاق كامل سيواصلون العمل ويشحذون الهمم ليسدوا بعضا من الفراغ الذي تركه رحيله.

أعود الى السؤال ذاته، والذي كان قد طرح عليّ من طرف " الثقافة الجديدة " بعد انتهاء أعمال المؤتمر الخامس ضمن مقابلة نشرت في العدد (228). لا يمكن فهم المغازي الفعلية للمؤتمر إلا من خلال الإشارة الى حقيقة انه كان ابن ظروفه الصعبة والمعقدة التي انعقد فيها. وارتباطا بذلك فقد طرح المؤتمر على نفسه طائفة من المهمات هي:

1- تدقيق وتضبيط سياسات الحزب ومواقفه، ووضع مسيرة الحزب على السكة الصحيحة، أي رسم خط سياسي يعكس الواقع بشكل أفضل.

2- الانشداد والتمثيل الأعمق والمعرفة الأدق بهموم الجماهير الشعبية المكتوية بنار الدكتاتورية.

3- التفكير أولاً وقبل كل شيء، في كيفية مساهمة الشيوعيين العراقيين، مع كل قوى المعارضة العراقية للتعجيل بيوم الخلاص لإسقاط الدكتاتورية، وإقامة البديل الديمقراطي المنشود.

وكما تعرفون، انعقد المؤتمر والحزب في أوضاع صعبة في كل الميادين السياسية والفكرية والتنظيمية. ما جرى في العالم من تحولات كاسحة كان لا بد ان يؤثر تأثيرا كبيرا على وضعنا الفكري داخل الحزب. كنا نعاني من أزمة، والأحداث عمّقت هذه الأزمة، التي لم يعد حول وجودها خلاف. ما حصل في العالم من انهيار التجربة السوفيتية لبناء " الاشتراكية " وانهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك النموذج السوفيتي لبناء " الاشتراكية " في أوربا، كل ذلك هزّ الكثير من القناعات، وتنوعت ردود الفعل على هذا الزلزال. وكان رد فعل البعض له طابع المحاكاة الميكانيكية، داعين الى نقل ما جرى في أحزاب البلدان المعنية وغيرها الى حزبنا دون الأخذ بعين الاعتبار ظروفنا، وملموسيات عملنا ونشاطنا وتاريخ حزبنا النضالي. كانت تطرح أمور بعيدة جدا عن إمكانية تطوير عمل حزبنا وإصلاحه. ويمكن القول، ان بعض الأطروحات كانت ذات طابع عدمي أكثر منها محاولة جادة ذات منطلق منهجي ماركسي لإصلاح الحزب. ومن تابع ما نشر في " الثقافة الجديدة " تحت باب " نحو المؤتمر الخامس.... آراء ومناقشات " يستطيع تلمس مثل هذه الطروحات، حتى باسم رفض الاستنساخ والتهيئة الفكرية كان البعض يدعو، من الناحية العملية، الى الاقتداء بما جرى في جيكوسلوفاكيا وألمانيا الديمقراطية والاتحاد السوفيتي. وكانت تلك بوجه عام ردود فعل أكثر منها استخلاصات منطقية متوازنة من تجربة كبرى.

وكانت هناك أمثلة ملموسة على تلك الطروحات من قبيل الدعوات لحل الحزب، أو الى تقديم استقالات جماعية من قبل قيادة الحزب، أو التخلي عن المبادئ العامة للحزب، أو التخلي عن الاشتراكية.... الخ. ترى، هل كانت هذه الطروحات دروسا صحيحة مما حدث، أم كانت أشبه بمعالجة الأزمة بتصفية الحزب كمؤسسة وكيان سياسي له طابعه الفكري؟

أما رد الفعل المعاكس فتمثل في النظر الى انهيار النموذج السوفيتي وكأنه حصيلة مؤامرة امبريالية – صهيونية، وبالتالي، لم تكن هذه الطروحات ترى العوامل الحقيقية الداخلية مثل الخلل الجدي الذي أصاب النظرية بسبب الجمود العقائدي وفي الممارسة بشأن إدارة الدولة والاقتصاد وشكل التعامل مع الناس. أصحاب هذه الطروحات، كانوا يدعون الى إبقاء كل شيء على ما درجنا عليه. هذا التيار كان منشدّا الى الماضي يحاججك بالتاريخ وأمجاد الماضي. وكان موقفه يعارض بهذا الشكل أو ذاك وأحيانا بصورة غير واعية، كل صيغة للتجديد. كان البعض يعتبر التجديد اتجاها تصفويا، أو مساويا للغورباتشوفية، وكأن البيريسترويكا، هي المحاولة الوحيدة لتجديد الماركسية، في حين ينبغي ان نفهم التجديد على انه لصيق بجوهر الماركسية، وينبغي ان يكون عملية مستمرة ضرورية وملحة. لكن التجديد ارتفع نتيجة الأزمة التي عاشها الفكر الماركسي ونموذج بناء الاشتراكية، بما في ذلك الجمود الذي هيمن على البحوث، فادى الى إحياء عملية التجديد.

تلك هي باختصار بعض ملامح الظروف التي عاشها الحزب فكريا. وكان على الحزب ان يقدم أجوبة فكرية، وان يواجه حالة الإحباط والجزع التي سادت شعوبنا جراء انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان حليفا فعليا للبلدان العربية. فغيابه عن الساحة الدولية، انعكس على أوضاعنا نحن. تجربتنا الدامية مع الدكتاتورية، خسرنا الكثير جدا، كان نصيبنا كبيرا من عبء التصدي لنظام صدام حسين. في ملفات الأمن التي استولى عليها رفاقنا خلال انتفاضة آذار المجيدة (1991) نجد ان الجزء الأكبر من اهتمام أجهزة الأمن كان مكرسا لمحاربة حزبنا. القمع الضاري ألحق بالحزب أضرارا فادحة أنهكت منظماتنا، وحالت دون قدرتنا على تحقيق نجاحات بارزة، فيما كان الناس في حالة من القنوط والترقب وانتظار انجازات تحيي الأمل من قبل حزبنا وغيره من قوى المعارضة. ذلك عامل موضوعي يؤدي عدم أخذه بالاعتبار الى شطط في التحليل والطروحات.

وبالمقابل كانت هناك مخاوف عند البعض من عقد المؤتمر، متسائلين ان كان ذلك يساعد أصلا على خروج الحزب من الأزمة أم يفاقمها؟ وكان هناك رأي يقول ان الظرف غير ناضج لعقد المؤتمر، ورأى آخر مفاده ان المؤتمر يجب ان يسبقه انجاز هام.... كانت مثل هذه الآراء موضع نقاشاتنا ونحن نتهيأ للمؤتمر.

كانت النية متجهة الى عقد المؤتمر في صيف 1992، لكن التعقيدات، والنقاش الطويل حولها، أدت الى عرقلة التحضيرات وتأجيل المؤتمر حوالي السنة.

إذن، انطلقنا من قناعة بضرورة عقد المؤتمر، وان تأجيل عقده ضار بالحزب. وكذلك كانت لدينا قناعة ان المؤتمر لا يمكن ان يحل كل الإشكالات، بل يجب ويمكن ان يمهد لمعالجتها باتجاه صحيح، وإلا فإننا مقدما نحكم عليه بالفشل. كانت هناك مثلا قضايا فكرية لا المؤتمر، ولا الحزب، مؤهل لإعطاء الكلمة النهائية بشأنها. فهي قضايا كانت تشغل بال العالم كله. وهذا ينطبق أيضا على عدد من القضايا التنظيمية والسياسية. فالمهم طرحها لنقاش دون شرط الحسم داخل المؤتمر. ولكن عدم طرح مهام تعجيزية أمام المؤتمر يجب ان لا يؤدي الى تقزيمه، لان البعض كان يرى ان يقتصر عمله على معالجة القضية التنظيمية، ولكن كيف يمكن للحزب أو لقيادة جديدة ان تعمل دون إقرار خط سياسي سليم وشعارات مناسبة وبرنامج للمرحلة؟

كانت لدينا قضايا متأزمة على صعيد حياة الحزب الداخلية والعمل القيادي، ومن الصعب حلها بغير شرعية المؤتمر. كانت هناك مقترحات مثل حل اللجنة المركزية، أو استبعاد قسم من أعضائها. ولو جرى العمل بمثل هذه المقترحات لتولدت ردود فعل لغير مصلحة نشاط الحزب الطبيعي لاحقا. لذلك بحثنا عن سبل تلافي ما يضر بالحزب، ويساعد على تماسك الحزب في ظرف مثل الذي كنا نعيشه، وكان المؤتمر هو الإجراء الشرعي الكفيل بمعالجة القضايا المتأزمة على صعيد الحياة الداخلية ولا سيما العمل القيادي.

تلك هي خلفية المؤتمر، وهي معقدة، ويمكن الاسترسال في تفاصيل أخرى. لا بد من التأكيد على ان المؤتمر سادته أجواء من الحرية والمكاشفة الحقيقية، ولم تنقص المؤتمرين الجرأة والمصارحة، فاشبعوا كل قضية مطروحة في جدول العمل بالنقاش. استمر المؤتمر أسبوعين بمعدلات تصل أحيانا الى أكثر من 12 ساعة. طول الفترة يعكس عدم التحضير الكافي لبعض الأمور، لكن الديمقراطية كانت متوفرة، حسب اعتقادي، وأظن ان هذه هي قناعة جميع الحاضرين.

سعينا ان لا نعالج الأمور العقدية المطروحة بنعم أو لا، أو الخيار مع وضد فقط. طرحت الأفكار بحرية، وانبثقت خيارات بعد ان اخذ النقاش مداه بكل تنوع الآراء. وكان من حق المندوب ان ينتقل من خيار الى آخر حسب قناعته. وهي طريقة أكثر ديمقراطية، لم نعتمدها سابقا. أشبعت نقاشا القضايا العقدية، السياسية منها وبعض القضايا الفكرية للنظام الداخلي والبرنامج. وباستثناء بعض التوترات المفهومة عند مناقشة قضايا مصيرية يحتدم حولها النقاش ويرتفع الصوت، سادت الجديّة والحماس والشعور بالمسؤولية في المناقشة. بهذه الطريقة صيغت القرارات بما هو انسب وأصلح للحزب. لم تستثن قضية هامة من النقاش، ولم يحرم أي مندوب من إبداء الرأي، فإذا اقتنع المؤتمر ان البت فيها ناضج يبت بها، وإذا اقتنع ان تأجيل البت هو الأنسب، كان له ذلك.

الثقافة الجديدة . في حديثكم عن أزمة الحزب ركزتم على آثار انهيار النموذج السوفيتي، وإنهاك منظمات الحزب تحت ضربات أجهزة الدكتاتورية. هل يمكن إضافة عوامل أخرى في توليد وتعميق الأزمة؟ منها التخلف الفكري، وسيادة نمط التفكير القديم خصوصا في قيادة الحزب. لقد ابتعد المؤتمر الخامس، مرغما كما يبدو، عن تقييم سياسة الحزب للفترة بين المؤتمرين الرابع والخامس، ولا سيما تقييم تجربته في الكفاح المسلح، الذي انتهى عام 1988 بهزيمة وصفت في حينها بأنها هزيمة عسكرية، لكنها كانت هزيمة سياسية أيضا، ترتبت على تلك الهزيمة إشكاليات معقدة. صحيح ان قضية تجديد الفكر هي فوق طاقة المؤتمر وليس من الصحيح حسمها بالتصويت، ولكن القيادة قصرت في تخليها عن التقليد السابق بإعداد وثيقة أو دراسات أو إجراء مناقشات تسبق اجتماعات اللجنة المركزية والمؤتمر، ويشارك في هذا الجهد كوادر ذوو اهتمامات فكرية .

الرفيق حميد مجيد موسى: حتى نضع الأمور في إطارها التاريخي الصحيح،لا بد من القول ان الحديث عن أزمة الحزب عندنا بدأ قبل الآثار السلبية للبيريسترويكا. تقرير اللجنة المركزية للمؤتمر كان يتضمن جوانب تقييمية. تمحور مركز ثقل النقاشات حول القضايا الآنية الملحة. ولكن لم تهمل قضايا أخرى ذات طابع تقييمي لسياساتنا. في مناقشاتنا قبل المؤتمر طرح رأي بإعداد وثيقة مستقلة لسياسة الحزب منذ المؤتمر الرابع، أو منذ انتقالنا الى معارضة النظام الدكتاتوري، أو منذ 1959، بل منذ تأسيس الحزب حتى انعقاد المؤتمر الخامس، ثم استقر الرأي على ان من مهام التقرير السياسي المقدم للمؤتمر ان يتناول بالتقييم سياسة الحزب. ولذلك نجد فيه وقفات عند المحطات والملامح الأساسية لسياسة الحزب منذ المؤتمر الرابع، كمواقفنا تجاه الحرب مع ايران، وغزو الكويت وكذلك مسالة الكفاح المسلح، التي تباينت الاجتهادات حولها. تقرير اللجنة المركزية المقدم للمؤتمر استصوب خوضنا للكفاح المسلح بوجه عام دون الدخول بتفاصيل وافية. مجّد التقرير حركة الأنصار وتراثها. ولكن هذا، حسب قناعة الجميع آنذاك، غير كاف، أي أننا كنا بحاجة الى التحليل التفصيلي عن الجوانب التطبيقية والسياسية والفكرية للحركة. كان المؤتمر عاجزا عن انجاز هذه المهمة، فاتخذ قرارا بتشكيل لجنة لمواصلة البحث في حركة الأنصار من رفاق مساهمين فيها. وهكذا لم يستنفذ النقاش حول المسألة، علما انه تواصل النقاش بعد المؤتمر الخامس، واقر المؤتمر السادس في عام 1997 وثيقة بهذا الخصوص. من المفيد الإشارة هنا الى ان هذه الوثيقة جرت مناقشتها في عموم الحزب قبل إقرارها في هذا المؤتمر (السادس) حيث تم الاتصال بالمعنيين بحركة الأنصار وتطوراتها. وبذلك نكون قد أوفينا بالعهد ان لا تذهب تجربة وممارسة في الحياة الحزبية كبيرة وخطيرة كالكفاح المسلح، وحركة الأنصار تحديدا، بدون استخلاص الدروس من تلك التجربة. وقد أنجز المؤتمر السادس هذه المهمة مستخلصا جملة دروس مهمة من بينها، بل وأبرزها، ان هذا الشكل النضالي (الكفاح المسلح) كان ضروريا لمواجهة القوة الغاشمة الدكتاتورية البغيضة، التي لم تترك الفرصة لخوض النضال السلمي بأي شكل من الأشكال والوسائل الأخرى حتى البسيطة منها. ولكن في إطار هذه الخلاصة العامة، كانت هناك ممارسات، أو نواقص، أو ثغرات غير صحية أثرت سلبا على محصلة هذا الشكل النضالي. وعندما نقول ان ما حدث كان هزيمة عسكرية بالأساس، إنما نريد تحريرها من كونها هزيمة سياسية، ذلك لأنه مطلوب وضروري التمييز بين موقفنا العام الذي يدمج بين مختلف أشكال النضال ويحدد الشكل النضالي الملموس في اللحظة التاريخية الملموسة، وبين أولئك المعادين أصلا لفكرة الكفاح المسلح والطعن، وممن أراد اعتبارها هزيمة فكرية – سياسية للإجهاض على الفكرة واعتبارها فاشلة من أساسها. فالكفاح المسلح، رغم الصعوبات والثغرات وعدم إكمال التجربة لمهماتها المطروحة، كان بالنسبة لنا فعالية واقعية صحيحة وبنت لحظتها، ولا يجوز اعتماد التحليل المجرد عند دراسة هذه الظاهرة، بل لا بد من تناولها في إطار سيرورتها، وبالتالي تنطرح قضية الظروف الملموسة، التي نشط الحزب فيها خلال اعتماده أسلوب الكفاح المسلح والنشاط الأنصاري. وهنا لا بد من تأشير حقيقة انه كان لتبدل الظروف والأحوال، وموازين القوى دور كبير في إلحاق الخسائر بحركة الكفاح المسلح من الناحية العسكرية.

نأتي الآن الى الجانب السياسي للقضية وننظر إليه من خلال طرح جملة تساؤلات، نلخصها فيما يلي: هل ان الحزب أصرّ على ممارسة نفس الزخم ونفس الأساليب بعد ان تبدلت الظروف؟ (استخدام النظام الدكتاتوري السابق للسلاح الكيمياوي)، انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية وتفرغ الجيش العراقي لمهام جديدة، وتراجع بعض الحلفاء في المعارضة آنذاك لممارسة نفس الدور لاعتمادهم على الخارج؟ أقول هل ركب الحزب رأسه، وظل يعاند حركة الواقع الجديد، أم أعاد ترتيب أولوياته ( كان يهجر، يسفر، يقلص كي لا تحصل كارثة)؟ في الواقع اتخذ الحزب في ذلك الوقت جملة من الإجراءات، التي منعت حصول تلك الكارثة. يهمني هنا الإشارة الى التداخل بين السياسي والعسكري. فكما هو معلوم كل هزيمة عسكرية تؤدي الى جملة من التفاعلات السياسية، مع الإشارة الى الاستقلالية النسبية في هذا المجال، في نهاية المطاف. لذا لا بد من التحذير من تلك الأصوات، التي كانت تريد تحميل الحزب، وبشكل خاطئ طبعا، مسؤولية فشل الكفاح المسلح من دون اخذ التبدلات والعوامل، التي جرت الإشارة إليها أعلاه، فالتمييز بين القضيتين مطلوب كي لا نضيع في لجة التقيمات المتطرفة بهذا الاتجاه أو ذاك.

ومن جانب آخر فانه وبسبب الوضع التنظيمي، الذي أشرت الى أزمته، عجزنا عن بلورة وثيقة فكرية متكاملة على أساس ورقة عمل تطرح على الكوادر للمناقشة، ومن ثم يصار الى تلخيص المناقشة من قبل اللجنة المركزية. البعض رأى ان معالجة هذا الشأن في المؤتمر فوق طاقته. صحيح أننا لم نوكل الى هيئة مختصة معالجة القضايا الفكرية، التي تواجه المؤتمر، لكن هذا لا يعني ان الوثائق التي طرحت أمام المؤتمر خلت من هذه القضايا، فالمؤتمر شخص الضعف في عملنا الفكري والحاجة الى توظيف كل طاقات الحزب الفكرية، وبالأساس مفكري الحزب، وقد حاولنا ذلك في إطار إعداد البرامج، لكن مشاريع جيدة وضرورية لم تتحقق سواء بسبب أساليب عملنا أو بسبب الخلافات الشخصية. ويهمني ان أؤكد هنا على ان الخوض بكل القضايا الفكرية وفي ظل الظروف التي كانت سائدة على الصعيدين المحلي والعالمي، لا يجوز ان يتم على أساس الفعل ورد الفعل. فتقييم ما حدث في الاتحاد السوفيتي وبعض دول أوربا الشرقية، عمل يحتاج الى ان تشترك فيه مجمل الحركة الشيوعية وليس حزب بمفرده. ولهذا عندما طرحت هذه القضية آنذاك لم يكن مطلوبا من الحزب انجاز دراسة متكاملة، لان شروطها أصلا لم تكن متوفرة. لذلك كان المطروح على الحركة هو ماذا يمكن ان نستخلص من هذه التجربة المثيرة؟ وكيف نصوغ برامج وتوجهات فكرية وسياسية لخلق بدائل للنظام الرأسمالي الذي تواصل وتكيّف بمقابل عدم نجاح التجربة الاشتراكية؟ هل معنى ذلك انه لا يمكن تكرار هذه التجربة؟ وإذا تكررت فكيف ستكون؟ وما هي المسارات الجديدة التي ستتخذها، وبأي الأفكار والوسائل والتدابير؟ كل هذا يحتاج الى جهد معرفي عميق وواسع تشترك فيه كل التجارب الملموسة لاستخلاص مفاهيم نظرية عامة تصلح لعملية التغيير العالمية المطلوبة.

نعم، لقد حققت الرأسمالية " انتصارا " إعلاميا ومعنويا، ولكن علينا كماركسيين ان نجيب على سؤالين خطيرين هما: الأول لماذا فشلت التجارب الاشتراكية؟ وهل ان فشل تلك التجارب يعني أيضا فشل الفكرة ذاتها؟ والثاني هل أن " انتصار " الرأسمالية هو انتصار حقيقي أم انه حدث نتيجة فشل تلك التجارب؟

أقول، واستنادا الى تحليل ملموس لما حدث ان من الخطأ الربط التعسفي بين التجارب المشار إليها وبين فكرة الاشتراكية ذاتها وقيمها ومثلها المعروفة. فالذي فشل هو ليس الفكرة ذاتها بل نموذج محدد وملموس لبناء الاشتراكية في مجموعة بلدان. ومن هنا أهمية استخلاص الدروس المطلوبة من هذه التجربة لمواصلة المسيرة الجديدة، التي تحدث في ظروف أخرى هي ليست بالضرورة نفس الظروف، التي اندلعت فيها ثورة أكتوبر العظمى عام 1917، ولا نفس الظروف التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، فقد تغيرت معطيات كثيرة ونشأت موازين قوى جديدة لا بد من أخذها بالاعتبار عند بلورة ملامح البديل.

تعني الملاحظات أعلاه من بين ما تعنيه، هو أننا نريد تحديد الرؤية والتصور وفقا للجديد الذي حصل، وفقا لمستوى تطور القوى المنتجة العاصف، ووفقا لعلاقات الإنتاج وما تتخذه من أشكال جديدة، وفقا للتناقضات الجديدة التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي. لقد حصلت جملة متغيرات على مستوى الإنتاج، وعلى مستوى العلم، وعلى مستوى التكنولوجيا، على مستوى الحياة الاجتماعية الداخلية، على مستوى الحياة الثقافية، وهذه كلها لا بد ان تستوعب لكي يختار حملة الفكر الاشتراكي الطريق الأنسب لخلاص البشرية من عالم الاستغلال، عالم الأخطار واللامساواة واللاعدالة، وإقامة المجتمع الجديد الحر، الحضاري، العادل، الإنساني الذي يضمن للمواطنين العيش الكريم والانتعاش وحرية التقدم. وأتصور أننا – في الحزب الشيوعي العراقي – قدمنا مساهمتنا في هذه السيرورة طيلة الـ 15 سنة الماضية، وواصلنا البحث بشأن تقديم مساهمة في هذا الجانب. فمنذ المؤتمر الخامس حتى يومنا هذا، كان هاجسنا قائما على التفاعل مع كل ما هو جديد في الفكر، كما كانت الرغبة جادة للمساهمة في المجهود الفكري. ووفقا لإمكانياتنا أنتجنا خلال مسيرة تلك السنوات، التي تلت انعقاد المؤتمر الخامس مجموعة من البحوث والدراسات التي تلخصت مؤخرا في الوثيقة الفكرية التي ناقشها واقرها المؤتمر الوطني الثامن للحزب الذي انعقد في ايار 2007 .

وهذه الوثيقة هي أيضا تعتبر نفسها انطلاقة ومواصلة للجهد المبذول ومحفزة للمزيد من الجهد لاحقا.

وحتى نعطي للتجديد معناه الحقيقي، وليس الشكلي، علينا ان نتذكر ان العمل الفكري عند الشيوعيين ليس حدثا طارئا أو فعالية محددة تقام وتنتهي، بل هو عملية مستمرة ودائمة. ومن هنا ينبغي على الشيوعيين ان لا يتصوروا التجديد كلحظة. ونظرا لان الحياة في حركة دائبة لا تنقطع، وان الواقع في تغيير دائم فلابد، إذن، من إعمال الفكر وبلورة الرؤى عن العالم وتحديد معالم الطريق الجديدة في ظل المتغيرات العاصفة، محليا وعالميا، للوصول الى الاشتراكية بمفهومها الجدلي.

الثقافة الجديدة. كيف تصفون، أيها الرفيق العزيز أبو داود، ابرز النتائج التي انتهى إليها المؤتمر الوطني الخامس للحزب، وأين تكمن أهميته؟ نطرح هذا السؤال لأننا نتذكر انه حال انتهاء أعمال المؤتمر تباينت الآراء بشأنه. فهناك من قال ان المؤتمر لم يجدد الحزب بما فيه الكفاية، في حين رأى آخرون ان المؤتمر لم يجدد على الإطلاق؟!

الرفيق حميد مجيد موسى: اعتقد ان الأمور نسبية. في بداية كلامي أشرت الى أننا لم نضع على عاتق المؤتمر مهمات خارقة. كان الجهد ينصب على انجاز شيء متواضع، مثلا، على صعيد تدقيق سياسة الحزب لتكون اقرب وأكثر تجاوبا مع نبض الشارع العراقي، مع طموحات الناس، وذلك انطلاقا من معايشة وفحص وبحث جاد حول ما يؤرق الناس ويشغلهم، كموضوع الحظر الدولي والفيدرالية وتحالفاتنا. .... لم ينجز المؤتمر كل ما كنا نطمح إليه هذا صحيح، ولكنه نجح في انجاز مهامه المتواضعة، التي دلت على ان الحزب كان جاداً في إصلاح نفسه، جاداً في ان يكون أكثر واقعية وبعيدا عن الجملة الثورية الصاخبة، جاداً في النظرة الانتقادية لكل جوانب عمله دون تردد أو محرمات مسبقة، جاداً في استلهام دروس التحولات التي جرت في العالم. فعملية التجديد كبيرة ومعقدة، ولها مداخل وتصورات عديدة ومختلفة. نجحنا في جعل فكرة التجديد، على الأصعدة المختلفة (حتى نكون في مستوى متطلبات العصر وغير متخلفين عن حركة المجتمع) فكرة مقبولة بصورة عامة، ولا تخضع للابتزاز والإرهاب الفكري والاتهام بالتحريفية والانتهازية. اعتقد ان هذه خطوات ايجابية وفرت المناخ الصحي داخل الحزب والأجواء المريحة لكل عمليات البحث اللاحقة، ولتطوير المفاهيم والمقولات بحيث يظل الحزب في الموقع الصحيح. واشعر ان هذا غير قليل، على صعيد التنظيم كانت هناك في السابق قيود حقيقية سواء نابعة من النظام الداخلي أو الممارسات.

وإذا أردت التعمق في الإجابة استطيع القول أننا هجرنا آلية وطريق الاستنساخ، والأحكام المسبقة، والتكرار دون تمحيص للمقولات، والمفاهيم النظرية وتبنيها بدون دراسة عميقة وانتقاديه، أو – وهذا الأهم – تبنيها دون الأخذ بالاعتبار تجليها في ظروفها الملموسة التي تعكس الواقع العراقي التاريخي الملموس. هذا لا يعني انه لم تكن لدينا محاولات في هذا المجال، بل هناك محاولات جنينية لدى قادة الحزب في تقصي الحالة الموضوعية الملموسة والواقع العراقي وفي مقدمتها المحاولات المجتهدة للرفيق الخالد (فهد).

واهم شيء في هذا المجال، هو أننا أطلقنا حرية التفكير المسؤول والجاد في إيجاد طريق خلاص الشعب العراقي مما يعانيه من مآسٍ، وأيضا الانخراط في حركة النضال من اجل خلاص البشرية مما تعانيه من آلام واستغلال وجوع وفقر وأمراض. فنحن، في كل الأحوال، بالإضافة الى كوننا حزب وطني عراقي، نحن أيضا حزب شيوعي أممي الطابع، ومقتنعون عن حق وحقيقة بان ما يجري في العراق لا يمكن ان يكون منفصلا عن ما يجري في العالم والعكس صحيح، فما يجري في العالم العراق جزء منه. لقد شكلت هذه الرؤية، وهذه العلاقة الجدلية المنطلق الأساسي في مجهودنا الفكري وتحديد موقفنا السياسي. وبالمقابل فقد أطلقنا الإبداع والتفكير الانتقادي والانفتاح على دراسة كل التجارب العالمية، ورفضنا الجمود والتكلس في تابلوهات نظرية غير قابلة للحياة، وهذا نعتبره انجازا فكريا كبيرا. وعلى أساس هذه كله وانطلاقا منه تم إعادة النظر بالصياغات والمفاهيم والمقولات ذات الطابع السياسي والفكري والتنظيمي. ولذلك استطيع القول، أننا سعينا الى التغيير بالجملة وليس بالقطاعي، مستندين في ذلك الى الروح الحية للماركسية، وبالتجربة الثرية لحركتنا وبمنهجية التناول الماركسي للأوضاع التاريخية الملموسة.

الوثيقة البرنامجية

مفاهيم واطروحات تعكس عمق التجديد ومداه

الثقافة الجديدة: الوثيقة البرنامجية التي اقرها المؤتمر الوطني الخامس تعتبر وثيقة مهمة تبلورت موضوعاتها، وأطروحاتها الكبرى، ومفاهيمها الجديدة، بعد مناقشات واسعة وعاصفة شهدها الحزب خلال الفترة التي سبقت انعقاد المؤتمر. وسؤالنا هنا هو: ما هي الموضوعات والأطروحات والمفاهيم التي يمكن اعتبارها جديدة في هذه الوثيقة، والتي تتيح القول ان الحزب قدم مقاربة جديدة على صعيد البرنامج ضمن خطاب جديد يريد تأسيس تمايزه واستقلاليته وخصوصيته، ويؤكد جديّة الخطوات التي قام بها كي ترتقي الى القول بأنه تجديد حقيقي؟

الرفيق حميد مجيد موسى: كما هو معروف، ركزنا في الوثيقة البرنامجية التي اقرها المؤتمر الخامس على قراءة واقعية، حقيقية للحالة العراقية بأوجهها المتعددة: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية. وفي ضوء هذه القراءة العميقة، وأيضا في ضوء المعرفة التفصيلية، والأعمق بالواقع العراقي وبالتراث الثوري العراقي سعينا الى بلورة صياغات تساهم في تغيير ما هو موجود، والسير به الى ما يجعل البلد في مستوى اجتماعي أرقى أو تعمل من اجل تقدم البلد لتحقيق تطور في كل الميادين يخلصه من التخلف، ومن العلاقات البالية، ويدفعه شوطا الى المراحل الأكثر تقدما لتحقيق الأهداف النهائية.

ومن اجل تحديد دقيق للمهام وطبيعة المرحلة فقد شخصنا هذه المرحلة بكونها المرحلة الوطنية – الديمقراطية، كما وصفنا محتواها، وهي بالتأكيد ليست مرحلة الاشتراكية لكنها تبني المقدمات الاقتصادية – الاجتماعية التي تسهل الانتقال اللاحق الى الاشتراكية. علما أننا لم نكن نتصور التقدم الاجتماعي في العراق بمعزل عن التقدم العالمي، ولكن بالطبع وبعيدا عن التبسيط والشكلية، فان هذه المرحلة معقدة وتتضمن مسيرة طويلة الأمد.

وعند قراءة هذه الوثيقة التي صادق عليها المؤتمر الوطني الخامس يشعر المرء على الفور ان متطلبات صياغة خطاب جديد للحزب ليست سهلة، إنها تدخل ضمن متطلبات جديدة لا تستكين لاستعارة النماذج الجاهزة وتطبيق الوصفات الآلية، بقدر ما هي مطالبة بمباشرة حوار مباشر مع نتائج المعارف العلمية ومتطلبات التناقضات التاريخية الملموسة، الحاصلة في بنية الواقع العراقي الملموسة. واستناداً لذلك توجب علينا أن نسعى لفحص كل مقولاتنا ومفاهيمنا، وتجنب القفز على المراحل أو سبقها، وأن نبتعد عن التخطيطية والارادوية، وعن كل ما يعرقل حرية التفكير والاجتهاد في الحزب. لقد سعينا إلى أن تكون توجهاتنا البرنامجية أكثر دقة في التعبير عن حركة الواقع، وأكثر عمقا في التعرف على خصائصه الملموسة، وفهما لتاريخ وتراث شعبنا، واستيعاباً لفعل قوانين التطور الاجتماعي بعيداً عن الارادوية والنظرة الميكانيكية. وكنا نرى، ولا نزال أيضا، إن مرونة هذه التوجهات ستضمن تفاعلاً إيجابياً مع الجديد، الذي تطرحه الحياة وما يفرزه العصر من تناقضات وتطورات. ومن هذا المنطلق وبهذا المعنى وضعت الوثيقة البرنامجية التي اقرها المؤتمر الوطني الخامس لتكون:

- متواضعة في صياغاتها، واقعية في تناولها لملموسيات الواقع.

- بعيدة عن الأحكام المطلقة والأحكام المستقبلية البعيدة، بالتركيز على ماهو ناضج في المرحلة المعنية، والمهمات الآنية العاجلة التي تساعد شعبنا على الخلاص من الدكتاتورية، وإقامة الحكومة المؤقتة وفق مهمات محددة، لتحقيق البديل الديمقراطي.

وإضافة لذلك فإن أبرز القضايا الجديدة هي:

- لم يرد في الوثيقة البرنامجية أية إشارة لقوانين الانتقال الى الاشتراكية.

- اختفى مفهوم دكتاتورية البروليتاريا.

- تأكيد الخصوصية وتوسيع المرجعية التاريخية حتى أعماق التاريخ " حضارة شعوب وادي الرافدين والحضارة الإنسانية ".

وعدا ذلك، هناك العديد من الموضوعات والاطروحات والمفاهيم الجديدة التي تضمنتها الوثيقة البرنامجية ومن بينها:

أ- على الصعيد الاقتصادي، طرحت نظرة جديدة لدور رأس المال في عملية التنمية من خلال التأكيد على:

- الاستفادة من توسيع القطاع الخاص المحلي، وتدعيم نشاطاته المنتجة والخدمية.

- القبول بتدويل العملية الإنتاجية من خلال القبول بدور محدد لرأس المال العربي، والأجنبي المنتج في عملية التنمية اللاحقة.

ب- رؤية جديدة لدور المؤسسة العسكرية.

ج- تطوير رؤية الحزب للقضية الكردية على الصعيد الاستراتيجي. يمكن رؤية ذلك على مستويين:

المستوى الأول، إقرار الحزب بضرورة قيام وطن. ويتجلى ذلك بصيغة " تأكيد حق تقرير المصير للشعب الكردي في كل أجزاء وطنه ".

المستوى الثاني، تأويل حق تقرير المصير ملموسياً، أي في العراق، بطرح مطلب " .... تعبئة القوى وتعزيز النضال المشترك، والأخوة العربية الكردية وإقرار صيغة الفيدرالية لإقليم كردستان دستورياً ".

الثقافة الجديدة: إشكالية المرجعيات التي استندت إليها الوثيقة البرنامجية، التي صادق عليها المؤتمر الوطني الخامس، هذه المرجعيات متنوعة وتنحصر بين التاريخ القديم والحاضر، وتبين ان المهمة التي كانت تطمح إليها تلك الوثيقة، هي استئناف النظر في المرجعية التاريخية وإعادة النظر في بعض الأطروحات السابقة للحزب في هذا المجال. القارئ للوثيقة البرنامجية المشار إليها يمكنه تلخيص الفكرة التالية القائلة بان الوثيقة تتوسع في حقلها التاريخي حيث تتمثل المرجعية التاريخية في " حضارة شعوب وادي الرافدين والحضارة الإنسانية والرصيد النضالي التاريخي لشعبنا العراقي ، ومن نضاله من اجل التحرر الوطني والديمقراطي، ومن المنجزات الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة عام 1958" هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان الوثيقة توسعت في مجال المرجعية الفكرية للحزب والتي تتمثل في الاسترشاد " بالماركسية، مستفيدا من سائر التراث الإنساني الاشتراكي ".

ومن جانب آخر، فان الوثيقة البرنامجية تجاوزت بعض الصيغ والمفاهيم التي تعودنا عليها وهي تتصدر البرامج السابقة. وما يثير الانتباه هنا هو اختفاء مفهومين هما:

لم يرد في الوثيقة البرنامجية أية إشارة لـ " قوانين الانتقال الى الاشتراكية "؛ التي كانت ترد بانتظام في وثائقنا البرنامجية قبل هذه الفترة.

كما اختفى مفهوم " دكتاتورية البروليتاريا ".

وسؤالنا عن أسباب اختفاء مفهومين كانا يعتبران " اسمنت " كل البرامج التي أقرتها مؤتمرات الحزب التي سبقت المؤتمر الخامس. وقد اعتبر البعض ان هذا " الاختفاء " يمثل قطيعة مع ما كان سائدا قبل المؤتمر. هل من تعليق؟

الرفيق حميد مجيد موسى: يهمني الإشارة، في البداية، الى انه ومهما بلغت تعقيدات المرحلة التي تحدثنا عنها في الملاحظات السابقة، ومهما بلغت تشابكاتها، فإنها لا تنفي، برأينا، الحاجة الى الاشتراكية كقيم وكمفاهيم وكإطار اجتماعي. أما كيف سيحصل هذا بالملموس؟ ومتى؟ فذلك ما لا يصح التكهن به مسبقا أو تحديد أشكال أو فترات زمنية محددة له. وحتى لا تفسر هذه الملاحظة في غير محلها يهمني التأكيد على أننا في الوقت، الذي نستطيع ان نحدد مفهومنا للاشتراكية بشكل عام، وما تهدف الى تحقيقه كبديل لنظام الاستغلال والاضطهاد، فانه في الوقت ذاته لكل بلد ظروفه الملموسة، ومن الصحيح والسليم، كما أثبتت التجربة الملموسة، ضرورة عدم استصغار دور العوامل المحلية الملموسة من جهة، أو تضخيم دور العوامل الخارجية من جهة أخرى. هذا لا يتعارض إطلاقا مع النظرة العالمية/ الأممية للأمور، وترابط القضايا وتفاعلها وتأثيرها المتبادل. إذن نحن لم نتخل عن الاشتراكية، كهدف بعيد المدى، ولكن وللوصول الى هذا الهدف لا بد من مراحل. والحزب الشيوعي العراقي مطلوب منه ان يساهم، في كل مرحلة من المراحل، في تقدم المسيرة. فبرنامجنا (المسودة البرنامجية) الذي تم إقراره في المؤتمر الوطني الخامس، والتدقيقات التي جرت عليه في المؤتمرات اللاحقة حتى المؤتمر الثامن، ينطلق من الرغبة في ان نكون أكثر استيعابا ومعرفة بالواقع العراقي، وأكثر تفاعلا مع حاجات تطوره، وأكثر تمثيلا لمطالب شعبه. ونعتقد ان تحقيق ذلك إنما سيقود الى مراحل أكثر تطورا وتقدما. وبذلك نكون قد خلصنا مفهوم الانتقال الى الاشتراكية من الارادوية، والرغبوية، والنظرة التبسيطية للعمليات الاجتماعية، وبالتالي نكون قد رفضنا ممارسة حرق المراحل، والقفز على القوانين الموضوعية، وان لا نعد بما لا تستطيع الحياة الإتيان به تلبية لتمنيات ورغبات ذاتية. وعملنا على ان نجعل من عملية التوجه للاشتراكية عملية اجتماعية كبيرة تشترك فيها مختلف القوى والطبقات والشرائح الاجتماعية ذات المصلحة الحقيقية، وتمهد وتهيئ لها تطورات وضرورات كبيرة علمية/تكنيكية/إنتاجية/ثقافية، أي ان الاشتراكية لا تأتي من فراغ.

في ضوء هذه الرؤية إذن لم نبقَ أسيري حتمية تحقيق الاشتراكية بشكل أوتوماتيكي (آلي)، أو بفعل عامل خارجي، إنما عدنا الى ان تحقيق القمم الاجتماعية يحتاج الى تضافر جهود وتراكم تجربة وتوفر مستلزمات. وبالمقابل تخلصنا أيضا من الفهم التبسيطي، والساذج لمقولة التطور اللاراسمالي، واستنساخ ما تم في تجارب أخرى. ومنعا للالتباس يهمني الإشارة هنا الى انه عندما أشير الى الفهم المبسط لهذه القضية لا ينفي ذلك حدوثها في مناطق أخرى توفرت لها شروط ومستلزمات ليس بالضرورة وجوب تكرارها.

ووفقا لهذه المفاهيم وهذه النظرة، لم يعد هناك منطقا للتمسك بدكتاتورية البروليتاريا. فهي ان ظهرت كمقولة فلسفية صحيحة وسياسية ملموسة بداية مع ثورة أكتوبر 1917 في ظل التوازنات، التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين، فإنها لم تعد مناسبة وضرورية بعدما حصل من تغيير وتطور في العالم المعاصر. ولم يعد مناسبا الإبقاء عليها والتمسك بها على صعيد هذه المفاهيم وهذه العلاقات، بل ان تكرارها يعد خطأ جسيما. وهذا التشخيص قادنا أيضا الى نظرة جديدة بشأن الانتقال الى الاشتراكية. فمن السابق لأوانه وضع قوانين مفصلة وضوابط إدارية مرتبة لصياغة الطريق للوصول الى الاشتراكية. يمكن الحديث الآن عن جوهر الاشتراكية، وضروراتها الموضوعية لخلاص البشرية مما تعانيه من الآلام والاستغلال. أما طرق ووسائل تحقيقها فستقررها الأوضاع الملموسة في الظروف الملموسة الجديدة.

يبقى أننا وفي توسيعنا لمرجعياتنا الفكرية، اعتمدنا المنهج الماركسي بمعانيه الواسعة. فنحن لا نأخذ من التجارب الفكرية القديمة كل ما هب ودب، وإنما الحياة زكّت أفكارا وأيضا ثبت فشل أخرى. فالمنهج الماركسي نفسه يؤكد انه محصلة كل ما هو صحيح وتقدمي في الفكر العالمي. فهو لم ينبت من لا شيء، فالاطلاع على التراث العالمي أولا، ومعرفة الكنز الفكري الثري الموجود في بلاد الرافدين بتنوعه وتطوره، بتجربته والممارسة العملية له، تزيدنا فهما ومعرفة بالواقع العراقي، وتعمق من مفاهيمنا النظرية. كل ذلك يتم وفقا للمنهج المادي/الجدلي/التاريخي، فهو سلاحنا المعرفي المجرب لفهم الواقع وحركته، ويتيح لنا الاستفادة ليس من كل التراث، بل من كل ما هو تقدمي منه. وعندما نشير الى الماركسية فإننا لا نقصد بذلك تراث ماركس لوحده بل إنها تتضمن كل ما أنتجه ماركس وما أنتجته عقول المفكرين الماركسيين الكبار الذين تلوه: أنجلس، لينين، غرامشي.... الخ.

الثقافة الجديدة: من ضمن الأطروحات الكبرى في الوثيقة البرنامجية تلك التي تتعلق بالتطور الرأسمالي في بلادنا كإمكانية وكضرورة راهنة، والاشتراكية كخيار مستقبلي. ان قراءة الأطروحة المصاغة في الوثيقة البرنامجية تسمح بالاستنتاج بأنه رغم الانهيار، الذي حدث للتجربة فان الإمكانية النظرية للانتقال الى الاشتراكية كانت ما زالت قائمة في ذهن الحزب، كهدف بعيد المدى، وليس آنيا إذ لم تنضج مقدماته بعد. لذلك لا بد من فترة انتقالية تستلزم المرور الحتمي بالرأسمالية، حيث ما زالت تمتلك طاقات كامنة يجب استخدامها. يبدو ان الوثيقة البرنامجية في استنتاجها النظري هذا تريد ان تقدم نقدا ذاتيا للأطروحة النظرية التي توصل إليها المؤتمر الوطني الرابع للحزب (1985). ان تلك الأطروحة كانت محاولة من الحزب للهروب الى الأمام نحو " المرحلة الاشتراكية "، حيث نضجت مقدماتها، حسب استنتاج الحزب، إذ كانت بلادنا " تمر في الطور الأخير من مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية " !

ومن جانب آخر فان الوثيقة وفي الوقت الذي تتحدث عن التطور الرأسمالي، فإنها في الوقت ذاته تطرح مطلب " تنمية متوازنة ومستقلة للاقتصاد الوطني ".

في ضوء الملاحظات أعلاه فان هناك سؤالا مزدوجا يطرح نفسه هنا:

- هل يمكن الحديث عن " تنمية مستقلة " ذات مضمون رأسمالي في ضوء ظروف بلادنا التي تحتل موقعا تابعا ضمن الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتندمج بشكل متعاظم في التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل؟

- ومن جانب آخر ثمة إشكالية تتعلق بـ " الأفق الاشتراكي " المطروح في الوثيقة البرنامجية وهو: كيف يمكن حل التناقض، على الصعيد النظري والسياسي العملي، بين الإمكانية النظرية للانتقال المستقبلي نحو الاشتراكية، بصيغة جديدة طبعا، وبين الضرورة الملحة الراهنة للمرور القسري بالرأسمالية بهدف الاستفادة من الإمكانيات التي تمتلكها لتطوير القوى المنتجة؟

الرفيق حميد مجيد موسى: استنادا الى جملة من الملاحظات السابقة، وركوناً الى التحليل الملموس للوضع العراقي الملموس يمكن الاستخلاص بأننا نواجه، موضوعيا، مهمات تطور رأسمالي ولكن السؤال يدور حول ما هي صيغته؟ فكما معروف توجد عدة صيغ لهذا النمط من التطور لا ادخل في تفاصيلها لان الأدب الاقتصادي زاخر بالحديث التفصيلي عن ذلك، ولكن ما يهمني التأكيد عليه هنا هو ان هناك صيغ تبقي على التخلف، والتبعية الدائمة للبلدان الرأسمالية المتطورة، والاستغلال المطلق للقوى العاملة. وهناك أشكال أهون واخف يستطيع شعب ما وكادحيه ان ينتزعوا حقوقا ويؤمنوا ضمانات اجتماعية ويساعدوا على انتقاء أشكال أفضل من تلك الصيغ المتوحشة المفرطة في الاستغلال والاضطهاد السياسي.

لذلك نرى رأسماليات متنوعة التفاصيل، ومتنوعة الصيغ، ومتنوعة الأنظمة السياسية، علما ان الاختلاف بينها لا يكمن في طبيعة الاستغلال ذاته فهو واحد، بل في الدرجة والمدى الذين يبلغهما. ومن هنا فإننا نناضل من اجل ان يكون التطور الرأسمالي في العراق بعيدا عن التوحش، وبعيدا عن تجاهل مصالح الكادحين ورغبة الشعب العراقي في التطور واللحاق بالركب العالمي. لهذا فنحن نرفض نزعات الليبرالية الجديدة المتطرفة في بناء العراق، وندعو لسياسة اقتصادية متوازنة تؤمن تطور الطاقات الإنتاجية، وتوفير مستلزمات المساهمة الأفضل في قسمة العمل الدولية، وتؤمن للبلد سبل ومحيط وفضاءات أفضل للتطور الراهن.

نعم، ما زالت هناك حاجة للحديث عن تنمية مستقلة، ولكن ليس بمعناها المطلق الذي تعارفت عليه أدبيات المراحل السابقة. فالاستقلال المطلق غير ممكن في ظروف العولمة وتشابك العلاقات الرأسمالية العالمية البعد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل نرتضي بالموقع المتخلف، البائس والهامشي، في قسمة العمل المشار إليها أعلاه؟ أم نسع لاحتلال موقع أفضل فيها، علما أننا نمتلك من الموارد والإمكانيات ما يؤهلنا للعب دور أفضل. ولا يخفي على احد ان تحقيق هذه الوجهة مرهون بتوفر النظام السياسي والإرادة السياسية الوطنية المخلصة لتحقيق هذا التوجه أو هذه الرغبة، التي عليها تجنب خطرين أساسيين: خطر الانغلاق على الذات في عالم يتعولم باستمرار، وخطر الهروب الى أمام في مواجهة المشاكل الفعلية من خلال الاندماج دون قيد أو شرط، وعلى قواعد اللاتكافؤ في فضاء الاقتصاد الرأسمالي العالمي والياته المعروفة. وإذ نشير الى هذه الملاحظات علينا ان نتذكر ان الرأسمالية المعولمة تعيش صراعات فيما بين أقطابها، وهناك حراك دائب في مواقع مكوناتها، وان هذا الصراع لا يخل بقاعدة ان البلدان الأكثر تقدما تسعى لان تبقى أكثر تفوقا وبالتالي يتاح لها ان تحتل موقعا أفضل في العلاقات داخل المنظومة الرأسمالية العالمية. هذا الطموح قائم، والعراق بحاجة الى تعبئة طاقاته المادية والبشرية من جهة، ويستلهم التجارب السابقة من جهة ثانية، وان يتخلص من كل المعوقات التي تواجه تطوره في المستقبل (حروب، نزاعات .... الخ). ولا شك ان تحقيق ذلك مرهون من بين أمور عديدة بإقامة النظام الديمقراطي الممثل لإرادة أغلبية الشعب، إذ ان ذلك سيتيح له موقعا أفضل على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الثقافة الجديدة: كما جرت الإشارة سابقا فان من بين القضايا الجديدة التي طرحها المؤتمر الموقف من الفيدرالية بحيث يمكن القول ان ثمة تطويرا لرؤية الحزب للقضية الكردية على الصعيد الاستراتيجي. يمكن رؤية ذلك على مستويين:

المستوى الأول، إقرار الحزب بضرورة قيام وطن للكرد. ويتجلى ذلك بصيغة " تأكيد حق تقرير المصير للشعب الكردي في كل أجزاء وطنه ".

المستوى الثاني، تأويل حق تقرير المصير ملموسياً، أي في العراق، بطرح مطلب " .... تعبئة القوى وتعزيز النضال المشترك والإخوة العربية الكردية وإقرار صيغة الفيدرالية لإقليم كردستان دستورياً ".

وكما معروف، وقبل المؤتمر الخامس، كان الشعار السائد في الحزب عند معالجة القضية القومية الكردية هو " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان ". ولكن المؤتمر توصل الى استنتاج جديد إذ رأى ان (الفيدرالية) هي الصيغة الأنسب، وهي الضمان الأفضل لممارسة شعب كردستان لحقوقه القومية المشروعة في إطار عراق ديمقراطي فيدرالي موحد. واستنادا الى التحليل الملموس لتطور الأوضاع في كردستان، وما طرأ على القضية الكردية من تطورات وجد الحزب في الفيدرالية تعزيزاً للوحدة الوطنية العراقية. هل يمكنكم ان توضحوا للقراء الخلفيات وراء التحول في موقف الحزب من هذه القضية، وما هي دلالاته النظرية والسياسية العملية؟ وهل بالإمكان توسيع النقاش لتوضيح موقفنا بشأن الصيغة الفيدرالية في الظروف الراهنة والجدل الدائر اليوم، المحكوم بفكرة الخنادق المتقابلة وليس التوصل الى تسويات مقبولة من طرف الجميع؟

الرفيق حميد مجيد موسى: في هذا المفهوم أكدنا مجددا على المفهوم الماركسي الصحيح لحل القضية القومية، بالتأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها وبناء دولها المستقلة. وطبيعي فان الإشارة الى هذا الحق العام لا بد ان يأخذ تجسيده مرتبطا بالظروف الملموسة والأوضاع المحيطة بكل شعب، وأيضا بالارتباط مع التعقيدات وتوازنات القوى القائمة في تلك اللحظة.

وبالنسبة للشعب الكردي، وهو يمثل القومية الثانية في العراق، فقد عانى كثيرا وناضل الحزب الشيوعي العراقي على الصعيد الوطني من اجل ان يؤمن للشعب الكردي حقوقه القومية المشروعة. وقد اخذ هذا التوجه أشكالا متنوعة تبعا للظروف وتطورات القضية حتى طرح مطلب تبني الحكم الذاتي للشعب الكردي في إطار عراق ديمقراطي. وانطلق الحزب في طرحه هذا من إيمانه العميق في الترابط العضوي بين الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي، وبين تحقيق الديمقراطية في عموم العراق. وقد ظهرت قرارات وقوانين تبنت الحكم الذاتي للشعب الكردي، غير أنها لم تأت بمعزل عن النضال القاسي الذي خاضته القوى الوطنية والديمقراطية من اجل حقوق الشعب الكردي. ومن المفيد التذكير هنا ان العديد من الحكومات أفرغت تلك القوانين والقرارات المشار إليها أعلاه من معانيها ومضامينها الحقيقية،ولهذا كان على الأحزاب الوطنية والديمقراطية، ومن ضمنها حزبنا، ان تبحث عن الضمانات الفعلية، القانونية والسياسية، لتحويل هذه القوانين والقرارات الى حقائق معاشة. لهذا تبنت القوى المعارضة للدكتاتورية شعار: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان. وكان هذا إقرارا بان هناك تزييفا للحكم الذاتي من طرف الدكتاتورية والحاجة لتطور قانون حكم ذاتي حقيقي.

هذا الشعار كان أيضا موضع دراسة ورغبة في التطور تبعا لما جرى في العراق من تغيرات في اللوحة السياسية العراقية وبالذات بعد انتفاضة آذار المجيدة عام 1991. وبعد انسحاب الإدارة العراقية من كردستان، نشأ وضع خاص هناك وتشكل ما يشبه الحكومة " المستقلة " أو حكومة الأمر الواقع.

حصل هذا في ظل متغيرات عالمية كبيرة، وفي ظل تصاعد التأكيدات على حقوق الإنسان وحقوق القوميات بضمنها وعلى الديمقراطية في العلاقات الدولية، وفي ظل الرفض الواسع للحروب، والدعوة للتعايش السلمي ولحل المشاكل الدولية بالدبلوماسية والحوارات .... الخ. هنا ظهرت الحاجة الى إعادة النظر في صيغة الحكم الذاتي، وجرى التبني التدريجي لشعار الفيدرالية كصيغة متطورة للحكم الذاتي ولمفهوم اللامركزية والمطمئنة، في الظروف الملموسة، للحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي. ولقيّ هذا التطوير رد فعل ايجابياً لدي غالبية قوى المعارضة الوطنية المعروفة.

وعلى هذا الأساس جرى تبني الشعار في حملتنا الانتخابية في كردستان عام 1992، أي قبل إقرار المجلس الوطني الكردستاني للفيدرالية. وارتباطا بهذا التطور السياسي الذي حصل والواقع الجديد الذي نشأ، وضرورة ان يمارس التنظيم الشيوعي الكردستاني في كردستان صلاحياته ودوره المنشود في الحياة السياسية والاجتماعية هناك، فان المؤتمر الخامس، إضافة الى تبني صيغة الفيدرالية، أقر المصادقة على تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق (حشكع).

خلاصة القول، إننا نعتبر ان كل هذه التطورات هي نتاج عاملين أساسيين:

1- التطورات الموضوعية التي جرت على الساحة السياسية والعلاقات السياسية والتي كان علينا التفاعل معها، هذا من جهة.

2- ومن جهة ثانية، تفعيل وإعمال لروح الديمقراطية والتجديد في صياغة العلاقات الحزبية الداخلية، وإعطاء الحق للشيوعيين الكردستانيين لإقامة تنظيمهم الخاص (حشكع) في إطار العام العراق والحزب – الشيوعي العراقي.

من هذه المنطلقات التي اعتمدناها طيلة حياة الحزب، وطورناها في المؤتمر الخامس ولاحقا، تم تحديد موقفنا من الفيدرالية في الدستور العراقي. فالفيدرالية إذن هي تجسيد للديمقراطية على الصعيد الإداري أيضا، فضلا عن كونها تمثل حلا للمشكلة القومية في الظروف الملموسة. كذلك فإن من حق الشعب في المحافظات ان يمارس السلطة، وان يرفض المركزية المفرطة، وما تنتجه من استبداد ودكتاتورية وتفرد في صياغة القرارات المصيرية للشعب. ولهذا نحن نتبنى اللامركزية والصيغة المتطورة المنسجمة مع ظروفنا في تجسيد الديمقراطية السياسية/الفيدرالية.

تبقى موضوعة ملموسية ترجمة هذه الأفكار. فعندنا الآن إقليم فيدرالي حقيقي هو إقليم كردستان، ولا زال الجدل قائما حول حدوده، ونحن مع الصياغة الدستورية لمعالجة هذه القضية عن طريق الحوار والتوافق وبما يؤمن العدالة، وإزالة آثام وآثار النظام الدكتاتوري السابق وسياساته في التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي. أما في المناطق الأخرى من العراق فتشكيل الأقاليم، هو مسألة يقررها الشعب في المحافظات. فحينما تتوفر الحاجة والضرورة والمستلزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتشكيل إقليم وبطريقة ديمقراطية، ووفقا للقانون والدستور، عند ذلك سيكون هذا التوجه سليما وصحيحا، ويخدم تعزيز الديمقراطية ومشاركة الشعب مباشرة في تقرير مصائر البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وهذا بذاته لا ينسجم مع تلك المحاولات والمساعي، التي تريد ان تفرض صيغة معينة انتقائية فوقية في صياغة الأقاليم على أساس طائفي أو مذهبي. فنحن لسنا مع هذا التوجه الذي ينطوي على احتمالات خطيرة في تفتيت وحدة البلد والتأسيس لفتنة طائفية لا تنطفي نارها بين أبناء الشعب العراقي. ومن ناحية أخرى فان الفيدرالية، أو تشكيل الأقاليم إذا ما بنيت على أسس صحيحة فسوف تكون عنصر تعزيز للوحدة العراقية. فهذه الوحدة السليمة المتينة ليست تلك التي تبنى على القسر والإكراه والعنف بأساليب الدكتاتورية، واليد الحديدية، والمركزية المفرطة، بل ان الوحدة المتينة القابلة للحياة هي تلك الوحدة التي تبنى على قناعة ورضا الناس واستعدادهم للتعاون واحترام خصوصياتهم ومصالحهم. لذلك نرى ان البعض ممن يرفضون إقامة نظام ديمقراطي يستسهلون الهجوم عليه من خلال تشويه مفهوم الفيدرالية، وعرضها باعتبارها تجزئة وتفتيت وتقسيم للبلد وانفصال عنه وإضعاف لوحدته ! وهذا يتنافى مع كل التجربة العالمية في هذا المجال، حيث اضطرت الكثير من الشعوب والبلدان، حلا لمشاكلها وخصوصا القومية منها، لتبني النظام الفيدرالي (هناك تجارب فيدرالية ناجحة في حوالي 24 بلدا مثل سويسرا، ألمانيا، أمريكا، كندا، الهند .... الخ).

لذلك نحن ندعو الى إعمال الفكر والدراسة وعدم التعجل في اختيار الصيغة المناسبة لإقامة الأقاليم في العراق (إذا دعت الضرورة لذلك)، ووفقا للقانون والدستور، كي لا يتم تبني صيغة أو شكل غير ملائم لهذا التوجه.

النظام الداخلي

معركة المفاهيم والصياغات الجديدة

الثقافة الجديدة: لنتوقف أيضا أمام الصياغات الجديدة التي تضمنها النظام الداخلي، والتي ارتبطت بمجموعة من المقولات والمفاهيم، التي تعرضت الى تغيرات أو تعديلات. فإذا كانت المفاهيم تصاغ لتعبر عن حالات من الوجود التاريخي الملموس، فان صياغة أي مفهوم أو إعادة النظر فيه أو في حقل دلالته على وجه الدقة، تقتضي الإحاطة بموضوع المفهوم وتقتضي الإحاطة بالمرحلة التاريخية، التي يتجه المفهوم الى التعبير عنها والإمساك النظري بها. هذه الملاحظة ضرورية لتدشين النقاش مجددا حول المشروعية النظرية والمنهجية للتخلي عن بعض الصيغ المفاهيمية، التي كانت سائدة في النظام الداخلي ومن بينها الصيغة المعروفة " الماركسية – اللينينية " واستبدالها بصيغة جديدة تتمثل باسترشاد الحزب " بالماركسية " بدلا من " النظرية الماركسية – اللينينية ". هذه الصيغة أثارت في حينه جدلا كان بعضه صاخبا، بل حتى ان هناك من بالغ في تأويلها بالقول ان الصيغة الجديدة تجري قطيعة مع النظرية والفلسفة الماركسية اللينينية، وتستبدلها بالمنهج الماركسي فقط. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يبرر الحزب اعتماده لهذه الصيغة، وهل يعني ذلك الاسترشاد بالمنهج الماركسي فقط ؟ هل بالإمكان اطلاع القراء على مضمون النقاشات الفعلية والتقاطعات التي حدثت بشان هذه الصيغ.

الرفيق حميد مجيد موسى: هذا السؤال مرتبط بإشكالية اعم هي تحديد الهوية الفكرية للحزب. بداية، ومنعاً لأي التباس يتعين التأكيد على أن عدة خيارات على الصعيد الفكري قد طرحت بهذا الشأن في المؤتمر، وجرى سجال واسع بصددها: احدها يرى اعتماد " الماركسية – اللينينية "، أما الثاني فيقترح " المنهج الماركسي- اللينيني "، في حين يرى الثالث اعتماد " النظرية الماركسية اللينينية "، أما الرابع فيطالب تثبيت " النظرية الماركسية "، والخامس اقترح " الماركسية " عموماً، وكان السادس الى جانب " المنهج المادي الجدلي والتاريخي "، في حين ارتأى آخرون " الاشتراكية العلمية " عموماً.

والخلاصة، وبعد مناقشات مستفيضة وجدل ثري، اعتمد المؤتمر الخامس، في النظام الداخلي، صيغة الماركسية كمرشد يهتدي به الحزب في نضاله، ومسعاه وجهوده، للتعرف على واقع المجتمع العراقي وخصوصياته. ونقصد بالماركسية هنا، أفكار ماركس وانجاز ولينين والتطورات التي جرت بعدهم، على يد المفكرين الماركسيين والحركة الشيوعية عموماً. نحن، إذن، نعني بالماركسية كل هذا الماضي والحاضر، والمستقبل من جهود عباقرة الفكر ومؤسسي الماركسية. إن اعتماد هذه الصيغة في وثائقنا يتيح لنا فرصة اكبر لتجديد فكرنا على أساس المنهج المادي/الجدلي/التاريخي. كما انه من جهة ثانية ساعد في تدقيق تحديد الهوية الطبقية للحزب. فاعتمادا على تحديد الهوية الفكرية التي جرت الإشارة إليها سابقاً، جرى تحديد الهوية الطبقية للحزب في نظامه الداخلي الذي صادق عليه المؤتمر الخامس باعتباره:

حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وجميع شغيلة اليد والفكر.

الثقافة الجديدة: ان قراءة التعديلات التي جرت على النظام الداخلي، تبين أيضا ان الحزب اجتهد في إعادة تأويل مفهوم (المركزية الديمقراطية) عبر مقاربة تحقق جدل العلاقة بين شقيه: المركزية والديمقراطية، انطلاقا من ضرورة إجراء دمقرطة حقيقية تتفق مع وجهته في إجراء تجديد حقيقي. ولا بد من الاعتراف بداية ان الديمقراطية الحزبية الداخلية، والتجديد عموما، عبارة عن سيرورة معقدة وليس لحظة يقرر الحزب فيها صيغة وتصبح قابلة للتطبيق فورا. سؤالنا هنا هو: هل بالإمكان عرض ابرز التعديلات التي جرت على النظام الداخلي في مجال دمقرطة الحياة الحزبية الداخلية؟ وما هي النجاحات من جهة وأيضا الصعوبات التي واجهها الحزب على الصعيد التنظيمي الفعلي من جهة أخرى؟ نطرح هذا السؤال للتفكير ونطمح الى توسيع المناقشة بصدده لان المركزية الديمقراطية، لجملة من الأسباب بعضها موضوعي والآخر ذاتي، ارتبطت في بعض تطبيقاتها بالامرية والبيروقراطية فاضمحلت الديمقراطية لصالح المركزية بهذه الدرجة أو تلك من الإفراط، الى حد ما سماه البعض بـ " الستالينية ". لقد سعى المؤتمر الى تضمين النظام الداخلي في هذا المجال صياغات تهدف توفير الضمانات النظامية والضوابط التي من شأنها تعزيز، وترسيخ وتأصيل الممارسة الديمقراطية، بمعنى مركزية مؤطرة ومبنية على أسس ديمقراطية عبر مبادئ القيادة الجماعية والنقد والنقد الذاتي، وإطلاق الحوار والإبداع الفكري وحماية رأي الأقلية. ما هي الضمانات التي قدمتها الطبعة الجديدة للنظام الداخلي، التي اقرها المؤتمر الخامس لضمان عدم عودة أي شكل من أشكال الستالينية في صيغة المركزية الديمقراطية؟

الرفيق حميد مجيد موسى: كنت قد أشرت في مقابلة سابقة مع الثقافة الجديدة (عدد 228) الى أن هذا الموضوع كان مدار نقاش طويل في الحزب قبل المؤتمر الخامس وأثناءه. ما نضج في نقاشات المؤتمر وحظي بتأييد الأغلبية هو الفهم القائل ان المركزية – الديمقراطية ليست ستالينية بالضرورة، فلا هي تاريخيا ارتبطت بستالين، ولا المفهوم الستاليني هو الوحيد للمركزية – الديمقراطية. خلال النقاش، وفي وثائقنا، سعينا ان نفهمها كنقيض للستالينية في التعامل. انطلقنا من ضرورتها لحزبنا الذي يعمل في مجتمع متخلف. نحن سعينا الى تثبيت ضمانات دستورية تمنع تحول المركزية – الديمقراطية الى مركزية بيروقراطية. فاعتمدنا مبدأ الانتخاب على مختلف الصُعد، وهذه كانت ممارسة جديدة عندنا من حيث المدى والشمولية. تخلينا عن ممارسة طرح قوائم للمرشحين وذلك في كل الانتخابات، بضمنها انتخابات اللجنة المركزية. اعتمدنا التصويت السري، والفرز العلني للأصوات. وكذلك حاولنا تثبيت قاعدة المشاورات الواسعة، والاستفتاء الداخلي في المنعطفات التي تتطلب قرارا من القيادة. ثم ان المؤتمر قلص صلاحيات الهيئة القيادية، فتحول السكرتير العام الى سكرتير اللجنة المركزية لا يعلو عليها أو يتحكم بها. وقلصنا صلاحيات المكتب السياسي لصالح اللجنة المركزية لتكون القائد الفعلي ولهذا الغرض زيد عدد اجتماعاتها. وأعطيت مختلف المنظمات الحزبية صلاحيات أوسع من قبل، بحيث يمكن ان تنجز كل ما يتعلق بمواقع عملها من مهام لتنفيذ سياسة الحزب مع المساهمة في رسم هذه السياسة. وألغى النظام الداخلي الذي صادق عليه المؤتمر الحلقات الوسطية في البنية التنظيمية من اجل تعزيز دور القاعدة الحزبية بتقريب صلتها بالقيادة. الكونفرنسات والاجتماعات الموسعة أخذت دورا اكبر في حياة الحزب، مما يساعد في نفس الوقت على إشاعة العلنية، ويقلص حصر القرار بالهيئات القيادية، وقلص النظام الداخلي الفترة بين المؤتمرات، وجعل عقد الكونفرنسات إلزاميا وأصبح من حق الأقلية الدعوة الى آرائها في صحافة الحزب.

وهناك أيضا الشفافية والعلنية، خصوصا ونحن نتمتع بإمكانية ممارسة العلنية. والهيئات الحزبية المختلفة تقدم تقاريرها وبشكل متبادل الى اللجنة المركزية، والتي هي بدورها تعرض كل نشاطاتها وأعمال دوراتها الى أعضاء، وعضوات الحزب كافة عبر رسائل تفصيلية، كما تعقد الاجتماعات الموسعة، واللقاءات المنتظمة لتعريف رفيقات ورفاق الحزب بكل ما يجري في حياة الحزب العامة والداخلية. فالمعلومات الأساسية والكثير من التفصيلية بحوزة الجميع، ويكفي ان تكون هناك رغبة في التعرف الأعمق والأكثر عندها سيجد كل رفيق ما يساعده على تكوين رؤيا واضحة عن ما يجري في حياة الحزب الداخلية وحول مواقفه السياسية العامة.

ومن المعلوم ان هذه المسيرة مستمرة لتعزيز أركان الديمقراطية، وتطوير ممارساتها المسؤولة والنظامية. ونحن دائمو التطلع الى ان تتطور أساليب واليات عملنا وخصوصا مع تشكيل هيئات الاختصاص وفرق البحث والدراسة، وإيصال المعلومات الى الرأي العام العراقي والى أعضاء الحزب كافة. وبالمناسبة يهمني التأكيد هنا على أننا نطمح ليس فقط الى تعريف أعضاء الحزب وأصدقائه المقربين بما هي عليه سياسة الحزب، وإنما نسعى لإشراك الجمهرة الواسعة من بنات وأبناء شعبنا في مناقشة الوثائق الصادرة عن الحزب، واطلاعهم على ما يجري في مناسباته، وإبداء الملاحظات حول نشاطه ومواقفه وسياسته.

الثقافة الجديدة: من بين القضايا التي دار النقاش بشأنها في المؤتمر الوطني الخامس، وقبل ذلك أثناء التحضير له، اسم الحزب حيث طرحت أفكار وآراء تدعو الى استبداله بتسمية جديدة، وقدمت عدة صيغ. وكانت بعض الآراء تربط بشكل خطي بين تجديد الحزب وتبديل اسمه، وتعتقد بأنه لن يتحقق تجديد حقيقي بدون تغيير الاسم ! هل بالإمكان ان تحدثونا عن هذه القضية وعن تفاصيل النقاش، الذي دار في المؤتمر بعد ان صار ذلك في ذمة التاريخ، وكيف كان الوزن النوعي لهذه الأفكار ضمن قوام المؤتمر؟ وكيف تعامل المؤتمر معها ؟

الرفيق حميد مجيد موسى: بداية، لا بد من الإشارة الى أن هناك آراء طرحت في المؤتمر من قبل عدد من الرفاق، ووردت ملاحظات من كثير من الأصدقاء جميعها كانت تدور حول مدى ضرورة ان يبقى اسم الحزب عما هو عليه، الحزب الشيوعي العراقي. وفي واقع الأمر لم ننزعج من المناقشة ولم نتحسس من النوايا، فكل مخلص حريص على مسيرة الحزب من حقه ان يفكر ويقترح ويساهم في النقاش.

فقبل المؤتمر الخامس، وبعد الزلزال السياسي – الفكري، الذي حصل عقب انهيار النظام الاشتراكي في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي طرحت فكرة استبدال الاسم وعرضت للنقاش الواسع في صحافة الحزب ومجلته النظرية " الثقافة الجديدة " وفي منظماته أيضا، ولخصت هذه المناقشات وقدمت حصيلتها الى المؤتمر الخامس. وكان أمام بعض الرفاق، ممن اقترحوا تبديل اسم الحزب، ما قامت به بعض الأحزاب في بلدان أوربا الشرقية عندما تم تبديل أسمائها. وعند دراسة الأمر في المؤتمر الخامس استقرت الآراء عند أكثر من 95% من الحاضرين على ان بقاء الاسم هو الأفضل في ظروف العراق الملموسة حينها. فهذا الاسم ارتبطت به تضحيات وبطولات وأمجاد كبيرة، وان الحزب وأصدقاءه والمقربين منه لن يقتنعوا بضرورة هذا التغيير ولا بمبرراته. وإذا كنا قد اعتمدنا مواقف واقعية وصحيحة وجديدة فلماذا التغيير والتبديل؟ علما ان الاسم لا يتعارض مع الجديد الذي يحصل داخل الحزب.

كما ان هناك اعتبارات نفسية وأخرى ذات علاقة بالمعرفة السياسية، كلها تبرر وتؤكد على ان اسم الحزب الحالي لا زال هو الاسم الأكثر قبولا والأكثر قربا من مزاج الشعب، مع الاحترام لنوايا الرفاق الذين طالبوا بتبديل اسم الحزب.

ومن ناحية ثانية أود الإشارة هنا الى ان الملاحظات أعلاه لا تعني ان كل حزب أبدل اسمه وأصبح لا يحمل اسم الحزب الشيوعي يكون قد تخلى عن المثل والقيم والمبادئ الاشتراكية، وتحول الى المعسكر الآخر واختار مواقع فكرية جديدة. فالكثير من الأحزاب لا تسمي نفسها أحزاب شيوعية لكنها برغم ذلك تعتبر ضمن إطار الحركة الشيوعية. لكن هكذا شاءت الملموسيات التاريخية لكل شعب ان يختار ذلك الاسم ويواصل نضاله تحت تلك الراية. كما ان هناك أمثلة ملموسة تشير الى ان بعض الأحزاب ممن قامت بتبديل أسمائها لا زالت الصحافة البرجوازية تردف مع الأسماء الجديدة لهذه الأحزاب الصيغة المعروفة " الشيوعي سابقا ". هذا مع العلم انه إذا كانت هناك رغبة في التغيير من طرف هذا الحزب أو ذاك، فان الإعلام المقابل لن يسمح بتحقيق أي مكتسبات من خلال هذا التبديل.

ويهمني التأكيد هنا على أننا وحتى في لاحق السنوات، لن نغلق الباب حول هذه المسالة لكن الأمر يحتاج الى مبررات وقناعات وظروف. ولحد الآن ما زال اسم الحزب مقبولا، رغم الكثير من التشويهات التي يتعرض لها من الخصوم المتنوعي المشارب والغايات، والذين لا يجمعهم جامع سوى العداء للحزب وقيادته ورفاقه. وما كان يقال لا يعني انه غير موجود، ولكن يمكن القول انه خف الى حد كبير.

بعد 15 عاما من العاصفة....

هل كان المؤتمر الخامس محطة نوعية حقا؟

الثقافة الجديدة: في غمرة الاستعدادات لعقد المؤتمر الوطني الخامس للحزب كانت آمال وتطلعات رفاق الحزب ورفيقاته ان تتوج النشاطات المختلفة بعقده، ليكون نقلة نوعية تساهم في تعزيز مواقع الحزب في المشهد السياسي الوطني، وترقية دوره في مسلسل النضال الصعب الذي كانت تخوضه القوى المعارِضة للدكتاتورية. وإذ تمر الآن 15 عاما على انعقاد المؤتمر بحيث يمكن تقييمه برأس بارد، يهمنا طرح السؤال التالي: هل كان المؤتمر حقا محطة نوعية أم مجرد رقم في عداد أرقام المؤتمرات الحزبية الدورية؟

الرفيق حميد مجيد موسى: ما أشرت إليه في إجاباتي السابقة، وفي مختلف الأماكن، يتيح لي القول دون تردد ان المؤتمر الخامس لم يكن مجرد رقم في عداد أرقام المؤتمرات الحزبية الدورية. وهذا لا يعني انه كان مقطوع الصلة عن ما سبقه من صراع فكري ومن حوارات، بل ومماحكات داخل الحزب وحوله. فهو – أي المؤتمر – كان بحق محطة نوعية. نعم هو حصيلة تراكم، وليس منقطع الجذور عن أفكار جنينية وعن طروحات متقدمة، ورائدة كانت تطمح الى ان يحتل الحزب مواقع أفضل وان ينتهج طريقا أفضل. ولكن كل هذه التراكمات تفاعلت مع ما حصل في العالم (اشرنا الى ذلك في مقدمة أجوبتنا) أثمرت هذه المحطة النوعية في حياة الحزب الداخلية، وفي علاقاته السياسية العامة، وأيضا في طريقة تعامله مع القضايا الفكرية وفي منهجية البحث. واعتقد ان كل المؤشرات التي سبق وان تحدثنا عنها تؤكد هذه الحقيقة، بل ان كل متابع يستطيع ان يسأل السؤال الطبيعي وهو" كيف سيكون موقع الحزب الشيوعي العراقي لو كنا على نفس الخط الذي سبق المؤتمر الخامس، سياسيا وتنظيميا وفكريا؟ وهل كان ممكنا إعادة بناء الحزب وصياغة سياسته وتجديد مواقفه، ويحضى بهذا الاحترام وبهذه الآفاق الواعدة لو كان قد استمر على الأساليب السابقة ومن دون التجديد الذي أنجزه المؤتمر الخامس؟

استطيع القول وبكل تواضع ان الحزب قد اختار الطريق الصحيح، طريق التجديد الحقيقي لا الشكلي، وسيشهد له المستقبل بكثير من الانجازات وتحقيق الأهداف. وهذا لا ينفي ان بعض الذين يشعرون ان حساباتهم الضيقة قد خابت، ولم تجد لها الأصداء المطلوبة، أو أنهم يناصبون الحزب، العداء والحساسية وعدم الارتياح من نشاطه، أقول ان هؤلاء لن يكفوا عن ممارسة تشكيكهم وعن الطعن بالحزب وبمسيرته، لكن رغم ذلك قافلة الحزب تسير وستتواصل، رغم كل الصعوبات ومحاولات التشكيك والطعن، حتى بلوغ غايتها في الوطن الحر والشعب السعيد.

الثقافة الجديدة. لقد قامت هيئات الحزب العليا في المؤتمرات الوطنية، والمجالس الحزبية المركزية التي تلت انعقاد المؤتمر الوطني الخامس بإجراء تقييم لمسيرة الحزب، ومدى تطبيقه لعملية الديمقراطية والتجديد، وتشخيص المشاكل والعقبات التي تواجهها، والسبل المفضية إلى معالجتها وتجاوزها. وأشارت العديد من الوثائق الحزبية الصادرة عن الفعاليات المركزية ان حصيلة التجربة خلال الفترة، التي تلت انعقاد المؤتمر الخامس ولحد الآن بينت ان عملية التجديد وترسيخ الديمقراطية هي عملية عسيرة ومعقدة، بسبب بعض المفاهيم النظرية المشوهة، وقوة العادة وما تركته التقاليد والممارسات السابقة من آثار يصعب تجاوزها بسهولة وبفترة زمنية قصيرة. هذا الى جانب التأثير السلبي للظروف الموضوعية في بلادنا، وعموم الأجواء المحيطة بعمل الحزب، ومستوى التطور الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ان هذه الصعوبات، يجب أن لا تدفع الحزب للتخلي عن الاتجاه الصحي السليم الذي اتبعه، وعن مواصلة البحث عن أفضل الصيغ لتفاعل الآراء والاجتهادات، وتثمير نتائجها لصالح تطور العمل الحزبي فكريا وسياسيا.

إن ما تحقق، على أهميته، ليس إلا خطوات أولى على طريق طويل، ومسيرة متجددة ذات متطلبات متنوعة. إن الحزب إذ يضطلع بمسؤولية كبيرة للمساهمة في خلق الشروط اللازمة لتمكين شعبنا العراقي من إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية والاستقلال بأسرع ما يمكن، بترابط وثيق مع وضع البلاد على سكة التطور الديمقراطي وإعادة البناء، ينبغي أن يتمسك بعملية الديمقراطية والتجديد، ويرسخها ويطورها دون تراجع أو انتكاس.

وفي ضوء ذلك، فان الحاجة ملحة إلى مواصلة عملية الديمقراطية والتجديد وتنشيطها وتعميقها، بالشكل الذي يرسخها ويجعلها ظاهرة ثابتة في حياة الحزب ومسيرته. وبالمقابل فان مواصلة عملية الديمقراطية والتجديد لا تنسجم مع الفوضى والعفوية، وكل ما يشيع الإرباك والجدل العقيم الذي لا يستند إلى الواقع الموضوعي وملموسياته وحاجاته الفعلية. فهذه العملية ليست تهويمات وقفزاً في المجهول، ولا سعيا الى صراعات لا أساس لها في الواقع.

يهمنا، رفيقنا العزيز أبو داود، ان نسمع تعليقكم على هذه الخلاصات بمزيد من التفصيل.

الرفيق حميد مجيد موسى: حقا ان عملية التجديد والمقرطة عملية معقدة وصعبة. فهي تتعامل مع تقاليد رسخت، للأسف، في سياق الممارسة الثورية وتتعامل مع أحكام جرى اعتبارها قطعية، ومع صياغات أعطيت لها صيغة الإطلاق.

كل ذلك كان يجري في إطار الجمود العقائدي والركود الفكري، الذي أسسته مصالح البيروقراطية المتحكمة في إدارة الأحزاب الحاكمة، وحتى في تلك التي خارج الحكم، ويتلاءم مع النزعة الاوامرية الإدارية. كل ذلك هو خروج عن الروح الجدلية الثورية التقدمية للماركسية، وعن نزعتها التجديدية الأصيلة، فهي تؤمن ان الفكر انعكاس للواقع، وعليه ان يتطور ويغتني بتغيرات وحركة الواقع، وأي تخلف عن هذه العلاقة الجدلية الموضوعية هو إضرار في المفاهيم النظرية. وكان علينا ان نكافح من اجل تخليص الماركسية مما شابها من مكبلات ومعوقات تحد من طاقتها الحيوية لتجديد نفسها، ولإنتاج ما ينسجم مع الجديد في العصر والمتوافق مع حقائق الواقع وتطور العلم والتكنولوجيا والعلاقات الاجتماعية. لهذا تعتبر العملية التجديدية عملية معقدة وصعبة، فهي من ناحية صراع مع الذات على المستوى الشخصي، ومن ناحية أخرى صراع مع التقاليد البالية الموروثة على الصعيد الحزبي والاجتماعي، وصراع من اجل مواكبة الجديد في التطور، وتحليل هذا الجديد وفهمه واستخلاص قوانينه لاغتناء الماركسية وتطويرها.

ان هذه العملية الصعبة والمعقدة لا بد ان تتحول، في حياة الحزب، الى نهج أصيل لا انقطاع فيه ولا حدود زمنية له. فعملية التجديد ليست وقفة تاريخية وحسب، وإنما هي عملية متكاملة متداخلة مستمرة يعيشها الحزب في كل خطوة، وفي كل ظرف، ومرحلة من مراحل تطوره. وإذا استطعنا ترسيخ هذا المفهوم، وهذه العادة، وهذه التقاليد، وهذه المنهجية فإننا نكون قد نجحنا في وضع الضمانات لعدم وقوع الحزب في حالة من التكلس والجمود والركود. وبذلك نكون أيضا قد أطلقنا العنان للتغيير الجاد والمسؤول، الذي يضمن ان تكون سياسات الحزب ومواقفه الفكرية/النظرية/ العملية بمستوى الأحداث وبمستوى الواقع المعيش.

نعم هناك معوقات في عملية التجديد والمقرطة، كأي عملية فكرية/اجتماعية تصطدم بقناعات و" مصالح "، وبالمقابل تواجهها أيضا مفاهيم وأنماط متنوعة من السلوك، وطرائق مختلفة من التعامل.

فهناك من يرى فيها عملية هرطقة وخروج عن المألوف، وانتهازية وتحريفية وتخلي عن المبادئ. ولكن هؤلاء في نظرتهم للتجديد وللأسف إنما يقتلون ماركس والماركسية في الصميم، لأنهم يعملون دائما بروح العرقلة والإساءة والتشكيك، وشد الحزب والفكر الى الخلف. غير ان التجارب التاريخية الملموسة بيّنت ان من يتخلف عن مواكبة العصر، وحركة الواقع لن يكون مصيره غير الهلاك والانقراض.

وبمقابل هؤلاء، هناك من يسعى ويتظاهر بالانفتاح وبضرورة التخلص من كل التراث، حتى من أركانه المجيدة المضيئة، ومن كل المفاهيم والمقولات، حتى تلك التي أثبتت الحياة صحتها وسلامتها. وتحت شعار " الانفتاح " يتحلل هؤلاء من كل منهجية علمية، وضرورات وضوابط في البحث العلمي ليطلقوا العنان لتصوراتهم، وبروح عدمية تنسف كل ما هو أصيل وعلمي وسليم في الماركسية. وهؤلاء شاءوا أم أبو، ومن خلال مقاربتهم هذه، إنما يجعلون الماركسية بلا لون ولا طعم لها فكريا ولا تعكس أي بعد طبقي واجتماعي، بل على العكس من ذلك يضرّون بكل ما تعنيه الماركسية من معانٍ.

كما ان هناك أيضا فئات صغيرة اعتبرت ان ما حصل في العالم من انهيار للاشتراكية في بعض بلدان أوربا الشرقية، والاتحاد السوفيتي، بمثابة فشل كامل للماركسية ولفكر الاشتراكية العلمية، فارتدوا ليلتحقوا بموجات المزيفين والمعادين لفكر الاشتراكية العلمية.

تتيح الملاحظات السابقة القول بان على عملية التجديد ان تمر وببراعة وسلاسة عبر كل هذه الألغام والمعوقات، لتثبت نهجا وممارسة تعيد للماركسية روحها الأصيلة والقها الثوري الفعال لتنتج فكرا ومفاهيم وبرامج وسياسات من شانها ان تساعد البشرية على الخلاص من شرور الاستغلال والاضطهاد والحرمان، ولتبني عالما جديدا، عالم العدالة والحرية والمساواة.

وهذا ما يجعلنا – نحن الشيوعيين العراقيين الراغبين في ان تبقى الماركسية راية خفاقة – نسعى باستمرار لجعل التجديد والديمقراطية صنوان للحزب الشيوعي، ومرادف لكل مواقفه وسياساته وتسلكاته. وبالتأكيد فإننا حينما نتحدث عن الديمقراطية والتجديد ننطلق من اعتبارات علمية، ومن ضوابط ومستلزمات عملية تجعل من التجديد عملية مخططة هادفة مقصودة، وليست مجرد أعمال صاخبة ومواقف غير محسوبة ونشاطات فوضوية. وكل ذلك يعتمد وينطلق من الاستخدام العلمي البارع لمنهجنا العلمي، المادي – الجدلي – التاريخي، وأيضا بالاستفادة من كل ما أثبتت الحياة صحته من أفكار ومقولات.

بعد رحيل الدكتاتورية

الدروس التجديدية للمؤتمر الخامس

ومحك الممارسة؟

الثقافة الجديدة: كيف تنظرون، رفيقنا العزيز أبو داود، الى هذا الحدث الانعطافي في عمل الحزب الآن، من أفق مرور 15 عاما على انعقاد مؤتمر التجديد والديمقراطية، بعد انهيار الدكتاتورية، وانفتاح الأفق لمرحلة جديدة بمهام جديدة وصعوبات جديدة وآمال جديدة أيضا؟ وما هي الدروس والخلاصات التي توصل إليها المؤتمر الخامس والتي استفاد منها الحزب في التعامل مع الظروف الجديدة، التي نشأت بعد انهيار النظام الدكتاتوري، واحتلال العراق في 2003؟

نطرح هذه التساؤلات وفي الذهن واقع أن الربط الجدلي بين نضالنا من أجل إنهاء الاحتلال، واستعادة السيادة والاستقلال وبناء وتوسيع وترسيخ الديمقراطية ببلادنا، لا يمكن أن يستقيم ويأخذ مصداقيته، إلا إذا اقترن بنضال لا يقل تصميما وإصرارا من أجل تكريس وتعميق الممارسة الديمقراطية في تنظيمات وفضاءات حزبنا، على مختلف الصُعد والمستويات التنظيمية. ومن المهم في هذا المجال الاستفادة، بل ووضع ما أنجزناه من تعديلات في النظام الداخلي موضع التطبيق العملي، من خلال إعادة التوزيع المنتج للصلاحيات، والمسؤوليات ما بين المستويات الحزبية المركزية والمحلية، وفي إطار منظور حداثي لدور المؤسسة الحزبية في التنظيم والتمثيل والاقتراح والتعبئة، عن طريق التداول والمشاركة، على كل المستويات التنظيمية، في صناعة القرارات وبناء السياسات الحزبية وتطبيقها بإبداع. وسيشكل ذلك كله قفزة نوعية في مجال التحديث والتأهيل والتجديد للمؤسسة الحزبية.

الرفيق حميد مجيد موسى: لقد أطلق المؤتمر الخامس، عملية التجديد والديمقراطية بكل أبعادها ومعانيها، وبشتى الاتجاهات، ضمن مسعى لفحص المقولات والمفاهيم النظرية، في صياغة السياسة والمواقف وما يتطلبه ذلك من شعارات وتكتيكات ملموسة وخطاب سياسي، وما يترتب على ذلك من علاقات سياسية مع القوى والأحزاب سواء في الداخل أو الخارج. ولم يقتصر الأمر على هذه المجالات، بل تعداها ليمتد الى ميدان الحياة الحزبية الداخلية وضرورة ان تكون هذه الحياة نشطة وفعالة ومتفاعلة مع الواقع في حركته وحيويته، وقريبة من الجماهير ومصالحها ومستوعبة لتطلعات الناس، وفاعلة من اجل تحقيق هذه المطالب في إطار الفهم العلمي للسياسة ودور الحزب الشيوعي. ولا شك ان هذا كله دفعنا وسهل علينا إعادة صياغة ستراتيج الحزب وتكتيكاته الملموسة. وانعكس ذلك كله في الخطاب السياسي للحزب، وفي تحديد المواقف السياسية، وفي صياغة النظام الداخلي للحزب.

وخلال السنوات اللاحقة، وانطلاقا من هذه القناعة، عملنا على استخلاص ودراسة تجربة الحزب الثرية على مدى تاريخه المديد من اجل التمسك بكل ما هو ايجابي وسليم والتخلي عن كل ما لم تثبت الحياة صحته وسلامته أو أكدت خطئه. وقد صغنا موقفنا من ذلك بعقل جماعي وبتشاور واسع مع قواعد الحزب، ومع أصدقائه وجمهوره لتحديد معالم نهجنا ضد الدكتاتورية والاستبداد، ولتأمين حرية الشعب وخلاصه من منتجات الدكتاتورية (التي تجلت في الحروب والإرهاب والحصار والمقابر الجماعية والانفالات .... الخ)، وحددنا الأسلوب الأمثل لتحقيق الحرية والديمقراطية وبناء العراق الجديد.

وبالمقابل، كنا قد حذرنا من الحرب ومخاطرها ومنتجاتها ورفعنا الشعار المعروف: لا للحرب .... لا للدكتاتورية !. ولكننا كنا ندرك أيضا بان ما يجري في العراق ليس بمعزل عن ما يعتمل في العالم من نزعات واتجاهات سياسية، خصوصا مع تنامي ظاهرة العولمة وتوظيف الإدارة الأمريكية لهذه العملية الموضوعية لمصالحها الخاصة، ومع تفرد الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القطب الأوحد والمحور الأساسي في صنع السياسة العالمية وتوجيه الأحداث. وكنا ندرك أيضا ما الذي تعنيه هذه النزعات على مستوى العلاقات الدولية وأساليب التعامل مع الأحداث الدولية وبؤر التوتر، خصوصا بعد أحداث سبتمبر 2001 . ولذلك ورغم قناعتنا بضرورة رحيل الدكتاتورية وبمسؤوليتها الأساسية عما كان يجري في بلادنا من مآسٍ وآلام للشعب العراقي، إلا أننا كنا نفضل خيارا وطنيا عراقيا. كما كنا نحذر من ان إسقاط النظام، عن طريق الحرب، سيجلب الكثير من التعقيدات والصعوبات لشعبنا، وهذا ما تحقق فعلا. كنا ولا زلنا نؤمن بأن الطريق السليم المفضي الى بناء العراق الديمقراطي الفدرالي الموحد بسلاسة وبآفاق متصاعدة وخطوات واثقة، هو طريق إسقاط الدكتاتورية عبر وحدة القوى الوطنية المناهضة للدكتاتورية في تحالف واسع، ووفق برنامج واضح يعبئ الشعب، ويحظى بدعم وإسناد دولي مشروع ضمن اطر الشرعية الدولية ومؤسساتها.

كان يمكن ان يكون البديل أفضل، ولكن وللأسف كان الواقع أقوى، والظروف فرضت ان يحسم الجدل عبر الحرب لإسقاط الدكتاتورية. وبعد سقوط هذه الأخيرة كان علينا، ونحن المتحفظين على قرار الحرب، وغير المشاركين في مؤتمرات المعارضة، التي لم تبدِ موقفا صريحا ضد الحرب ان نحدد موقفنا من الواقع الجديد ونحن نستلهم كل الخلاصة التاريخية لمسيرة الحزب وما تطرحه علينا من دروس، بالابتعاد عن الأحكام المسبقة وعن ترديد شعارات فارغة وعدم رؤية الواقع العياني الملموس وتناسب القوى وتعقيدات اللوحة، والتبسيط. كان علينا ان نحذر من ذلك كله، وان نعتمد منظورا واقعيا سياسيا مرنا يعكس تشابك وتعقيد وصعوبة الواقع، منظورا عميق النظر في رؤية تفاعل الخارجي بالداخلي، والمحلي بالإقليمي/الدولي، والديمقراطي بالوطني، لاستخلاص موقف متوازن عقلاني يتجنب الشعارات الطنانة و " الجمل الثورية " الفارغة، ويأخذ بالاعتبار مزاج الشعب السائد، وقدرته على الفعل بتبني أشكال نضالية ملموسة، في تلك اللحظة، واستعداداته السياسية لتقبل الموقف الملموس السليم، من اجل تصفية تركة الدكتاتورية وإزالة آثار الحرب، والاحتلال، واستعادة السيادة والاستقلال التامين وبناء المؤسسات الديمقراطية، التي تضمن مسيرة العراق باتجاه جديد لخصناه بـ: العراق الديمقراطي الفيدرالي المستقل الموحد.

نعم، رفضنا الدعوات التي كانت تخلط الأوراق، والتي لا تميز بين الواقع وضروراته وأحكامه وبين التمنيات والرغبات. كنا نعمل على ان لا نبقى حالمين فقط وبحدود الأمل وحسب وإنما كان علينا ان نسعى وبخطوات ثابتة، متدرجة تصاعدية، ومن منطلق إعادة بناء الواقع لتحقيق الحلم. ولم نكتف فقط بان نكون حزبا للأمل والتأمل، وإنما عنصرا فاعلا في الحركة الفعلية السياسية الملموسة الدؤوبة للفعل وتغيير الواقع، بالأعمال الناضجة المجدية والقادرة على المساهمة الفاعلة في نقل العراق من مرحلة الى أخرى أكثر تقدما وتحررا واستقرارا.

ولهذا، وانطلاقا من روح الديمقراطية والتجديد وبمعانيها المتنوعة، باشرنا ورشة عمل فكري/سياسي عميقة، في عموم الحزب وفي إطار قيادته، لصياغة الخط السياسي الجديد، اخذين بالاعتبار كل الأجواء والظروف والتوازنات، باعتبار ان " السياسة فن الممكن " وليس إطلاق شعارات وبالونات هنا وهناك خارج التاريخ، وخارج حركة الواقع الملموس.

نعم كان هناك تفكير عميق، وكانت لنا بدائل للخلاص من الاحتلال ورفضه ورفض الدكتاتورية وآثارها، ولمنع تكرار مثيل لها لبناء المؤسسات الديمقراطية في العراق وترسيخ نهج الديمقراطية، ولم يكن ذلك كله بعملية سهلة وميسرة وبسيطة. واتفقنا بعد ان عايشنا كل التعقيدات بان لا مناص ولا منطق بالابتعاد عن عملنا معهم طوال سنوات لتوحيد الجهود والمواقف، في عملية سياسية تهدف الى بناء العراق الديمقراطي الفيدرالي التعددي البرلماني المستقل ذي السيادة. وهذه أيضا لم تمر بسلاسة وبيسر. فالعمليات الاجتماعية والعلاقات السياسية تمر عبر صراع وتناقضات وحلول تفرضها التوازنات. ولذا عملنا على المساهمة في العملية السياسية باعتبارها الطريق الأوفر حظا والأكثر واقعية لخلاص شعبنا. لذلك رفضنا خلط الأوراق التي كانت تريد ان تفسر المقاومة فقط بالمقاومة المسلحة، وبرفع السلاح، وبعدم التمييز بينها وبين الإرهاب الذي استشرى وطغى في الأرض العراقية في السنوات الماضية. وأيضا أكدنا بان المقاومة الحقيقية وهي مقاومة سياسية سلمية، في ظل تناسب القوى الذي ساد بعد الاحتلال، يجب ان تميز نفسها عن أولئك الذين ساموا الشعب العذاب، وخلقوا الظروف الذهبية للاحتلال ولتبرير وجوده، هؤلاء أنصار الدكتاتورية السابقة ومؤيدوها الموغلة أيديهم بدماء الشعب العراقي، وبضرورة ان تتبرأ أية مقاومة من مشاريع الظلام والاستبداد وذبح الأبرياء.

وكان علينا ان نضع المعادلة الدقيقة الصحيحة بين نضالنا من اجل حرية الشعب، واستعادة سيادته واستكمال استقلاله، وبين ضرورة ان نؤسس لعدم تكرار دكتاتورية جديدة واستبداد جديد، ولإطلاق حرية الشعب في اختيار نظامه الاجتماعي والسياسي عبر مؤسساته الحرة والديمقراطية. ولهذا يمكن القول أننا لم نكف عن العمل بروح نقدية، وان ندعم كل ما هو ايجابي وسليم وصحيح في سياسات الحكومات المتعاقبة بعد 2003، وان ندين وننتقد كل ما هو معرقل وسلبي في تسلكاتها وممارساتها وسياساتها. وخضنا هذه التجربة بنفس متفاءل وبروح عملية ايجابية، رغم ظروفها الصعبة. ولم نفقد إطلاقا الوضوح ولا التمسك بالمبادئ والقيم الأصيلة للماركسية في نقد الواقع ومواصلة النضال من اجل تطويره وتغييره نحو الأفضل.

وبهذه الطريقة، وعلى هذا الأساس، ومن هذا المنطلق، جعلنا من المؤتمر الوطني الثامن (ايار 2007) وقبله الكونفرنس السادس (أواخر 2004) محطات إضافية لترسيخ نهج الديمقراطية والتجديد في حياة الحزب العامة.

الثقافة الجديدة: يمكن القول انه ومنذ مؤتمره الوطني الخامس، انفتحت الآفاق أمام الحزب لطرح الأسئلة الجوهرية، التي كانت تواجهه على الصُعد النظرية والسياسية والاقتصادية، ومواقفه واستراتيجيات عمله، والصعوبات والعثرات على صعيد التكتيك والاستراتيجية كذلك. وانطلاقا من ذلك فقد تم إخضاع العديد من الأفكار والمفاهيم، التي كانت تتمتع بقدر كبير من سطوة البداهة، الى مراجعة وتدقيق. وبهذا الصدد أشار التقرير السياسي والتنظيمي الصادر عن المؤتمر الوطني الخامس للحزب الى ما يلي " على الصعيد الفكري : توجه حزبنا لفحص المقولات والمفاهيم النظرية انطلاقا من نبذ الاستنساخ والنقل الآلي للتجارب، واستلهام المنهج الماركسي بمعاينة الواقع الموضوعي وتطوراته والواقع الملموس لنضال شعبنا ومشاكله وتقاليده وتراثه الثوري والاستفادة من التجربة العالمية " ( وثائق المؤتمر الوطني الخامس " مؤتمر الديمقراطية والتجديد "، 12-25 تشرين الأول 1993، ص58). والسؤال هنا يدور حول الدروس الكبرى، التي استخلصها الحزب الشيوعي العراقي من تحليله النقدي لهذه التجارب، ومدى انعكاس ذلك على الأطروحات الكبرى على وثائق الحزب الأساسية (البرنامج والنظام الداخلي) وأيضا على الوثيقة الفكرية التي اقرها المؤتمر الوطني الثامن (2007) بعد نقاشات استمرت لفترة طويلة؟.

الرفيق حميد مجيد موسى: يمكن القول ان بعض عناصر الإجابة على هذا السؤال متضمنة في إجاباتي على بعض الأسئلة السابقة، ومع ذلك لا بد من الإضافات الضرورية هنا.

كما هو معروف، جرى وبالملموس صياغة برنامج منسجم مع كل ما عاشه العراق في السنوات الأخيرة من تطورات وتحولات، وحلل خلفياتها، وأشار بوضوح تام الى سبل الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية، التي تلف البلاد وتؤمن للشعب سبل النهوض والتقدم والارتقاء الى مصاف البلدان المتطورة، بالانطلاق مما يملكه من قدرات ذاتية، مادية وبشرية وروحية. ودققنا نظامنا الداخلي، ليكون أكثر انفتاحا ورحابة لإطلاق طاقات المنظمات وأعضاء الحزب الإبداعية للمساهمة في صياغة سياسات ومواقف الحزب، وتنفيذها المبدع والخلاق، وللبرهنة على ان حزب الشيوعيين العراقيين هو نموذج لممارسة الديمقراطية الداخلية. وأعطى النظام الداخلي دورا كبيرا لمؤسسات وهيئات الحزب على مختلف الصعد التنظيمية. فالحزب ليس قرارات فردية، ولا تصرفات مزاجية، إنما هو حزب مؤسسات تؤخذ قراراته الأساسية بتفاعل العقل الجماعي، وعبر المشاورات والاستفتاءات الحزبية، وحتى بمشاركة الرأي العام المحيط بالحزب. وهكذا كان النظام الداخلي والبرنامج موضع نقاش شعبي واسع النطاق على مدى عدة شهور قبل انعقاد المؤتمر الوطني الثامن. وقد أنجز الحزب، في هذا المؤتمر، عملا كبيرا يؤكد قناعته باستمرار، مؤكدا على ضرورة تواصل البحث العلمي المعمق في القضايا الفكرية الأساسية. وطرحت للنقاش الحزبي الداخلي وثيقة شاملة تعبر عن رؤى الحزب للمسيرة التاريخية لتطبيق الاشتراكية في بعض نماذجها، وعن الخلاصات الأساسية التي أفضت إليها تلك التجارب، وعن خلفيات تلكؤ مسيرتها وإخفاق تجاربها في بعض بلدان أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي، وحددت هذه الوثيقة، وبمسعى علمي أصيل، مفهوم ورؤية الشيوعيين العراقيين للاشتراكية وآفاق تحقيقها في العراق، استنادا الى تصور واقعي للمراحل التي ينبغي انجازها للوصول الى تلك الذرى وتحقيقها. ولا زالت هذه الوثيقة مدار بحث، علما انه جرى عرضها على الرأي العام الواسع والشعبي لتعميق دراستها والإبقاء على جذوة التفكير الجاد والمسؤول مشتعلة ومتواصلة دون توقف، ما دامت الحياة مستمرة وما دام الحزب يعمل من اجل الشعب عموما والكادحين وشغيلة اليد والفكر على وجه الخصوص.

لقد سعت هذه الورقة الى إثارة النقاش حول القضايا المتعلقة بالاشتراكية، مفهوما وتطبيقا. وقدمت تصورات حول بعض الأسئلة الرئيسية، معتبرة كثرة الأسئلة المثارة وتنوع مستويات تناولها، تجسيدا ملموساً لقلق حياتي ومعرفي حقيقي يتجاوز قدرة هذه الورقة على تغطيته. كما توصلت الورقة الى جملة من الخلاصات من بينها ما يلي:

أ. ليس هناك من نموذج للاشتراكية في العالم اليوم يمكن اعتباره وصفة جاهزة وإتباعه " نصاً وروحاً ". ودون أن تعني هذه الملاحظة إهمال التجارب التاريخية، يتعين على كل حزب دراسة خصائص بلده بعمق، لكي يحدد أشكال وأساليب العمل لتحقيق أهدافه الآنية وبعيدة المدى.

ب. العودة الى الماركسية عند البحث الملموس في مشاكل الواقع الملموس واعتماد الجرأة والمبادرة في اختيار الأساليب والوسائل الملائمة لتحقيق الأهداف الإستراتيجية والتخلي عن أشكال العمل التي تجاوزها الزمن.

ج. تأكيد الوحدة الجدلية بين الاشتراكية والديمقراطية. فقد بين لينين " أن من يريد السير الى الاشتراكية بطريق أخر، خارج الديمقراطية السياسية، يصل حتماً الى استنتاجات خرقاء ورجعية، سواء بمعناها الاقتصادي أم بمعناها السياسي ". وبينت التجربة أن الاشتراكية مستحيلة من دون أوسع قدر من الديمقراطية، ومن حيوية الفكر والتمسك بالروح النقدية، ونبذ العفوية في العمل.

د. دلّت الإخفاقات والتراجعات التي منيت بها الأحزاب الشيوعية، لاسيما اثر انهيار تجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية، على الحاجة الموضوعية لتفحص المقولات والمفاهيم النظرية ذات الصلة، وتحديد الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الانهيار، اعتماداً على المنهج العلمي، المادي- الجدلي- التاريخي. فمن خلال هذا المنهج فقط تؤدي عملية تفحص المقولات النظرية الماركسية، الغاية المطلوبة منها والتي هي تحديد ملامح الخيار الاشتراكي.

وبالمقابل، فانه وبقدر ما كان الانهيار قاسيا على قوى التقدم، فانه أفضى، في مجرى الفترة اللاحقة، الى استخلاص مجموعة هامة من الحقائق والعبر، أهمها ان الرأسمالية ليست الأفق النهائي للبشرية. كذلك فان سقوط مشروع بناء الاشتراكية في بعض البلدان لا يعني موت الفكرة ذاتها. فقد دللت ثورة أكتوبر على قدرة البشر، الطامحين الى التحرر والعيش في مجتمع مغاير للمجتمع القائم على علاقات الاستغلال، على اجتراح الخطوة الصعبة الأولى في هذا الاتجاه. وإن الاشتراكية كمشروع للتحرر الإنساني، لن تتبلور إلا كتتويج واستكمال لما سبقها من نضالات وخبرات، على طريق التحرر الإنساني، هذا الطريق الذي افتتحته الثورة الفرنسية في عصرنا الحديث وأغنته، نوعيا، ثورة أكتوبر.

ومن أجل صياغة المشروع البديل للرأسمالية، وتوضيح ملامحه على المستويات الاقتصادية والسياسية والفكرية والتنظيمية، ينبغي تكريس قدر كبير من التفكير لإعادة رسم الطرق المفضية الى تحقيق القيم الاشتراكية المقبولة على نطاق واسع، ومعالجة المعضلات التي كشفت عنها تجارب البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي وبعض البلدان الأوربية.

وإذا كان يراد للماركسية ألا تكون مجرد ممارسة فلسفية تأملية تسعى الى فهم العالم لا الى تغييره، فلا بد من منح الأولوية للمضمار الأساسي المتمثل بالعلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة. فما من طريق لإعادة كسب ثقة الناس في الخيار الاشتراكي، غير مواصلة نهج التجديد على صعيد الفكر والممارسة. وهذا ما فعله حزبنا منذ المؤتمر الوطني الخامس ولا يزال يواصل السير عليه، رغم كل الصعوبات.

الثقافة الجديدة: أخيرا، يمكن القول أنه وبعد مرور خمسة عشرة عاما على انعقاد المؤتمر، تواجه بلادنا في هذه المرحلة الصاخبة مشاريع طموحة ومتنوعة ومتضاربة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وتكييفه مع ما يعنيه ذلك من حراك اجتماعي، ومن تحوّلات طبقية ومن صعود فئات على حساب أخرى. هذا إضافة الى ان الديناميكيات الجديدة التي نشأت بعد سقوط النظام الدكتاتوري في 9/4/2003 قد أحدثت هزة قوية في التناسبات المجتمعية، وبرزت تناقضات جديدة بشأن الدولة والصراع حول شكلها ومضمونها، بين بنائها على أساس فيدرالي، وبين النزعة المركزية المفرطة، والدعوات للتفكيك وإعادة صياغتها على أسس طائفية. وبالمقابل يمكن القول إن مستقبل التغيير في بلادنا سيتوقف على النجاح في بلورة وعي جديد مختلف في تصوره للغايات الاجتماعية والقيم الأساسية والأولويات التاريخية. كما أن مستقبل التحويل الديمقراطي لمجتمعنا يقترن بنشاط القوى الديمقراطية القادرة على إنتاج وترسيخ وعي جديد، وثقافة سياسية ديمقراطية بما يمكن من تجاوز الثقافة الشمولية والممارسات الشمولية. هل لكم رفيقنا العزيز من تعليق على هذه الأطروحات؟.

الرفيق حميد مجيد موسى: برنامجنا مستلهم لكل الواقع العراقي، ولمسيرة التطور الاقتصادي في السنوات الماضية، وخصوصا في ظل سلطة الدكتاتورية البائدة وهيمنة ائتلاف البرجوازية الطفيلية البيروقراطية. واستنادا الى منهجنا العلمي الجدلي- التاريخي، وانطلاقا من مصالح الشعب الأساسية وتقدمه وصيانة حقوق كادحيه وضمان خياراتهم وتطورهم، وبعد معاينة الاتجاهات والطروحات المختلفة التي تعتمل في الرؤوس، وتتخلل مناهج القوى السياسية الفاعلة في السلطة وحولها، سعى الحزب ان يضع تصورا متكاملا بما يؤمن تقدم ونهوض البلد اقتصاديا واجتماعيا، ولكي يتجاوز التخلف بمختلف أشكاله. وقد تبلورت معالم هذا التصور بشكل أوضح في " توجهاتنا في السياسة الاقتصادية " وهي الورقة الاقتصادية التي ناقشها الكونفرنس السادس للحزب (23-24/12/2004) ، كما تم تطوير أطروحات هذه الورقة في وثائق المؤتمر الوطني الثامن (2007) التي تمت المصادقة عليها من طرف المؤتمرين، ولن ادخل في التفاصيل لأنه يمكن العودة الى تلك الوثائق، وقرائتها مباشرة ومن دون وساطة.

واستنادا الى دراسة التغيرات الحاصلة في علاقات الإنتاج وخصوصا أشكال الملكية وتحديد نمط الإنتاج المسيطر في الاقتصاد العراقي، باعتباره العنصر المقرر لطابع أية تشكيلة اقتصادية – اجتماعية، ويشكل كذلك الأساس في معرفة القوانين التي تتحكم في عملية إنتاج وتوزيع وتبادل الخيرات المادية في المجتمع، توصلنا الى ان الشروط التي تحكم نهج التطور في العراق قد تبدلت جوهريا نظرا لجملة من الأسباب من بينها: انهيار مشروع التنمية الاقتصادية – الاجتماعية الذي يتسع فيه دور قطاع الدولة، وذلك جراء سياسات النظام المقبور، الوضع الدولي الجديد الذي افرزه انهيار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي، بما في ذلك الآثار المتزايدة العولمة، وسياسات سلطة الاحتلال. ورغم ان المرحلة الانتقالية التي تلت انهيار النظام الدكتاتوري تتميز بـ " تعايش " أنماط إنتاجية مختلفة، وبوجود صراعات مكشوفة ومضمرة بين تلك الأنماط من اجل الهيمنة والتحكم بالفوائض الاقتصادية، فإن " ....... التوازنات السياسية الداخلية والدولية الدافعة بقوة لصالح التطور الرأسمالي بصورته الليبرالية الجديدة الأكثر غلواً " هي التي تجعل التطور الرأسمالي لبلادنا هو النهج الأرجح على مدى طويل.

انطلاقا من هذه الحقائق يستنتج الحزب انه وفي ضوء جملة من " التوازنات السياسية الداخلية والدولية الدافعة بقوة لصالح التطور الرأسمالي بصورته الليبرالية الجديدة الأكثر غلوا، ينصب نضالنا في المرحلة الراهنة على تجنيب شعبنا مصائب رأسمالية وحشية ". ولا يعنى هذا التحديد الملموس ان نضالنا في هذه المرحلة يبدو كما لو انه بدون أفق أو مقطوع الجذور عن الأفق المستقبلي. على العكس من ذلك وكما أشرت في أكثر من مكان من هذه المقابلة ان الخيار الاشتراكي يظل ماثلا ولكن إنضاج شروط تحقيقه تظل " عملية نضالية طويلة الأمد " وبالتالي هدفا استراتيجيا بعيد المدى لا يمكن إخراجه من دائرة التحليل والنظر، ولكن من دون القفز على الواقع أو اعتماد سياسة حرق المراحل ونتائجها المعروفة. وقد استنتجت الوثيقة الفكرية التي اقرها المؤتمر الوطني الثامن، وهي على حق، ان هذا الهدف سيكون في الوقت نفسه " محصلة عمل فكري وسياسي تراكمي ومتدرج، وأيضا محصلة نضال قوى سياسية متعددة وتحالفات واسعة، وسيتم الوصول إليها عبر عدد من المراحل الانتقالية التي يمكن ان تستمر طويلا ".

العراق، إذن، يمر الآن بمرحلة رأسمالية، جرت الإشارة الى تفاصيلها في الإجابات السابقة، ولكن في كل هذه الرأسمالية هناك مدارس متصارعة لصياغة النهج الملموس، الذي يراد للعراق ان يقتفيه أو ان يكون في إطاره. وفي ضوء ذلك نرى ان هناك ضرورة لتعزيز القدرة الإنتاجية للبلاد كي تحتل موقعا مناسبا وفعالا في قسمة العمل الدولية الراهنة، بالرغم ما لنا من ملاحظات حول طبيعتها. ومن جانب آخر نحن لم نرفض الاستثمار الأجنبي من حيث المبدأ، فهو ضروري في ظروفنا الملموسة ولكن بشروط وضوابط تحمي اقتصاد البلد وأبناءه وبناته وفرص تطوره اللاحق. وإذ نشير الى تبنينا لفكرة التعددية الاقتصادية، فقد أكدنا على ضرورة رعاية ودعم القطاع الخاص والمختلط، والذي جرى إهمالها وحشرهما في ميادين استهلاكية ضيقة، وتسهيل عملية نموهما وتطورهما دون بخس وتجاهل لحقوق عموم شغيلة هذين القطاعين. ولم نجعل من ذلك الدعم والإسناد لهذين القطاعين في تعارض أو تناقض مع الإبقاء على دور الدولة في إدارة الاقتصاد، ولا مع ضرورة استثمار وتنمية وإعادة بناء قطاع الدولة، ذلك ان ظروف العراق الملموسة تقتضي وضع سياسة متكاملة سليمة، تعرف خصوصيات الاقتصاد العراقي ومتطلبات نهوضه الملموسة والاستفادة من مختلف قطاعاته.

ويهمني التأكيد هنا على أن وجود قطاعات اقتصادية مختلفة، والإقرار بها والتعامل معها، هو انعكاس لواقع طبقي واجتماعي موضوعي في بلادنا والذي سيستمر لفترة طويلة، ولتطلع هذه القوى الى شغل مكانها في الاقتصاد الوطني وفي عملية التنمية، ثم انعكاس هذا الدور في المشاركة السياسية وتحمل لأعباء المرحلة الراهنة وتحدياتها. ولتبني مفهوم التعددية الاقتصادية آثار تتجاوز طبعا الحقل الاقتصادي لتمتد الى الحقل السياسي ممثلا بالتحالفات السياسية المطلوبة وأهمية ترصينها على أساس مصالح ملموسة، في إطار التحالفات الطبقية والسياسية الواسعة التي تشكل الكتلة التاريخية في الظروف الراهنة حيث اندماج غير مسبوق بين المهام الوطنية والاجتماعية.

ولهذا فإن النضال في سبيل إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني الاقتصادي، والسياسي، والثقافي، بالمعنى التاريخي، يمثل مهمة راهنة تستقطب أوسع الطبقات والفئات الاجتماعية. وان إنجاز هذه المهمة سوف يستغرق زمنا طويلا، لذلك فان التحالفات الطبقية، والسياسية الواسعة هي قضية إستراتيجية من الدرجة الأولى تتطلب خلق المناخ الملائم لإنجازها. وطرح الحزب الشيوعي العراقي لموضوع التعددية الاقتصادية ينبغي فهمه ليس باعتباره ينطلق من مناورات تكتيكية قصيرة النظر بل من اعتبارات إستراتيجية ذات طابع موضوعي.

وبالمقابل فقد تحدث البرنامج عن سبل وطرائق الاستفادة من ثروات العراق الطبيعية وضرورة عدم التفريط بهذه الثروات، والبحث عن أفضل سبل استثمارها وتوظيف مردوداتها لزيادة إمكانيات العراق الإنتاجية وتنويع مصادر الثروة. ثم أننا حذرنا من نزعة الاستنساخ وتكرار مقولات وتجارب لا تصلح بالضرورة لبلادنا، بل إن تطبيقها الأعمى في بلدان أخرى أثمر تخلفا وعجزا كبيرا في التنمية. ويمكن القول ان استعارة منهج الليبرالية الجديدة المتطرفة من شأنه ان يغرق العراق في لجّة التناقضات التي تعيشها الرأسمالية في مختلف مناطق عالمنا المعاصر، ويديم تخلف الاقتصاد العراقي بدلا من تنميته وتطويره.

ولهذا دعونا الى الشروع بإصلاحات اقتصادية تهدف إلى توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني الإنتاجية، وتغيير بنيته الأحادية وتحديثه، وتأمين توزيع أكثر عدلاً للدخل والثروة، وتنمية الموارد البشرية، والعناية بالفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً.

والمهم أن ينطلق هذا الإصلاح من الاحتياجات الفعلية الموضوعية لمجتمعنا في لحظة تطوره الراهنة والتي تكمن في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية بالاستناد إلى الإمكانات الذاتية من جهة، مع السعي لبناء علاقات متفاعلة ومتوازنة ومتكافئة مع الاقتصاد العالمي، والاستفادة من الجوانب الايجابية لعملية العولمة، وتجنب الخلط بين مضمونها وطابعها الموضوعي من جهة وتجلياتها الراهنة من جهة أخرى، وخصوصاً وصفات الليبرالية الاقتصادية الجديدة. ومن المؤكد ان تحقيق الإصلاح الاقتصادي الذي يتناسب والحاجات الملموسة لبلادنا، في لحظة تطورها الملموسة، يستلزم توفير إجماع مجتمعي حوله، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الشفافية والعلنية والمشاركة الفاعلة من مختلف أوساط المجتمع ومفكريه وخبرائه عبر تدشين نقاش عام من اجل بلورة الموقف بشأن القضايا الكبرى أو المفاصل الأساسية للإصلاح المطلوب.

خلاصة القول، إننا أمام مشاريع طموحة ومتنوعة ومتضاربة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وتكييفه مع ما يعنيه ذلك من حراك اجتماعي ومن تحوّلات طبقية ومن صعود فئات على حساب أخرى.

ويمكن الاتفاق مع ما جاء في السؤال المطروح من ان " مستقبل التغيير في بلادنا سيتوقف على النجاح في بلورة وعي جديد مختلف في تصوره للغايات الاجتماعية والقيم الأساسية والأولويات التاريخية. كما أن مستقبل التحويل الديمقراطي لمجتمعنا يقترن بنشاط القوى الديمقراطية القادرة على إنتاج وترسيخ وعي جديد وثقافة سياسية ديمقراطية بما يمكن من تجاوز الثقافة الشمولية والممارسات الشمولية ". وبالمقابل يهمني التأكيد على انه وبرغم اللوحة السياسية المعقدة والصعبة اليوم، سيظل الوضع مفتوحا على احتمالات عدة بحيث لا شيء يبرر التخلي عن فكرة المشروع البديل الذي طرحناه، وهو المشروع الوطني الديمقراطي، وعن النضال من اجل تحقيقه، باعتباره الحل الأمثل القادر على إخراج بلادنا من الأزمة الراهنة من جهة، وتجنيبها المشاريع الاستبدادية من جهة أخرى. ومن هنا أهمية مواصلة النقاش وتفعيلة حول السبل الكفيلة بتطوير الاقتصاد العراقي وتخليصه من تخلفه وبنيته الأحادية الجانب واعتماده المتعاظم على مورد واحد هو العوائد المالية المتأتية من تصدير النفط، ببناء اقتصاد متنوع يلعب فيه القطاع النفطي دورا محوريا تراكميا بإنشاء صناعات أمامية وخلفية تلتف حوله، وليس قطاعا للتكاثر المالي فقط. وانطلاقا من جوهر فكرة التجديد والديمقراطية التي أطلقها المؤتمر الخامس، فانه يقع على رفاق الحزب وأصدقائه، وخصوصاً العاملين على الجبهة الفكرية والمهتمين بالقضايا الاقتصادية/الاجتماعية، تدشين النقاش حول كبريات القضايا التي تواجه الاقتصاد والمجتمع بهدف إنضاج رؤى وتصورات الحزب بشأنها لتكون معبرة حقا عن العقل الجماعي للرفاق والرفيقات، وتلبي مطامح وآمال أوسع طبقات وفئات مجتمعنا، وبما يجعل حزبنا حزبا للأمل والعمل في الوقت نفسه.
من جانب آخر، وكما أشارت وثيقة (خيارنا الاشتراكي: دروس من بعض التجارب الاشتراكية)، التي اقرها المؤتمر الوطني الثامن، فان حزبنا ينظر الى عملية التغيير الاجتماعي باعتبارها " عملية تنمية اجتماعية وسياسية متناسقة ومعبرة عن حاجات ومتطلبات موضوعية، وهي فعل إنساني منظم يهدف الى تجاوز الواقع المأزوم والمتخلف. وترتكز هذه العملية، أساساً، على النشاط الديمقراطي في أوساط الجماهير ومع القوى السياسية في العديد من الميادين، من أجل تحريك مختلف العمليات، انطلاقاً مما هو مشترك، واعتماداً على الوعي الجماعي والنضج والتنظيم الاجتماعي والممارسة اليومية، بشكل عام. ويحتاج التغيير إلى قوى معبرة عن تطلعات المجتمع، قوية ومنظمة، قادرة على المبادرة وترجمة القيم والأفكار الى الواقع العملي، بغية تعديل الظروف القائمة. كذلك يتطلب التغيير بلورة إستراتيجية ناجحة وفعالة تحدد الأهداف، وتعبئ القوى وتبني الوعي وتشحذ الإرادة، عبر سياسات تغيير تعبر عن حجم وطبيعة القوى والفئات ذات المصلحة فيه، وبلورة الصيغ التنظيمية المساعدة على التعبئة، ورسم الأهداف المرحلية للحركة، لإحداث تغير تدريجي في ميزان القوى يسمح بالانتقال إلى مرحلة جديدة، تمهد لتحقيق مشروع التحويل الديمقراطي للمجتمع. ويرتبط تحقيق هذا المشروع، الذي يعني دمقرطة المجتمع والدولة، ببناء الوعي الديمقراطي وتطوير مؤسسات المجتمع المدني معا. كما ان مشروع التحويل الديمقراطي ينطلق من كون مسألة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي تستند إلى الديمقراطية والمشاركة السياسية، والى توسيع دائرة الحريات، بالشكل الذي تصبح فيه قيم الديمقراطية أسلوباً للحياة، باعتبارها قيم الحياة المشتركة. فالنضال من أجل الديمقراطية نشاط موجه نحو الدولة والمجتمع، وهو ممارسة يومية لإقرار الديمقراطية في هياكل الأحزاب وأجهزتها، وهياكل منظمات المجتمع المدني وفي التحالفات، وعند اتخاذ المواقف والقرارات وممارسة المهام الحياتية. إن اقتران مستقبل الديمقراطية في مجتمعنا بوجود أحزاب وقوى سياسية ملتزمة بالتحول الديمقراطي، وقادرة على تجسيده في ممارسات ملموسة، وعلى إنتاجه كثقافة سياسية تسهم في تجاوز الراهن والموروث معاً، يسمح ببلورة مشروع تغيير مناقض للمشروع الليبرالي الجديد المراد فرضه من الخارج والذي لا يتوخى سوى تسخير اقتصاد بلدنا وسياسته وثقافته لتلبية حاجات ومصالح القوى الاقتصادية السائدة في العالم ".






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,820,833,446
- نص مداخلة الرفيق حميد مجيد موسى في جلسة البرلمان حول الاتفاق ...
- قراءة معاصرة أخرى
- معاناة العراق تتمثل في اسلوب التغيير والتدخلات الاقليمية وال ...
- حميد مجيد موسى: إدارة بريمر كانت احد اسباب بلوانا
- جماهير شعبنا هي القوة الاساسية التي نعتمدها لإحراز التقدم
- بمناسبة الذكرى 74 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي تحية إلى رفاق ...
- نص كلمة حميد مجيد موسى في افتتاح المؤتمر الوطني الثامن للحزب ...
- للاحتفال بالعيد مغزى تأكيد إصرار الشيوعيين على خدمة شعبهم بت ...
- لابد من فتح صفحة جديدة عبر تفعيل المصالحة الوطنية
- حميد مجيد موسى: القوى العلمانية تتحرك بموجب مشروع وطني ديمقر ...
- مداخلة حميد مجيد موسى في البرلمان حول ميزانية 2007
- الرفيق حميد مجيد موسى في لقاءه مع قناة الحرة -عراق -الحلقة ا ...
- الحزب حقيقة سياسية شاخصة في المجتمع العراقي
- قانون الاقاليم مرهون بارادة اغلبية السكان وضمن شروط تمنع است ...
- في حوار مع طريق الشعب : حميد مجيد موسى : علينا حماية حقوق وم ...
- الانتخابات معلم اساس لانتصار الشعب على الارهاب والدكتاتورية
- حزبنا في الصميم من نضال شعبنا، فاعلاً متفاعلاً من اجل الديمق ...
- الرفيق حميد مجيد موسى لصحيفة “البينة
- نحن لا نقوم بدور " حلف الشمال " من أجل بوش


المزيد.....




- شاهد.. جدل كبير بسبب عبارة على معطف ميلانيا ترامب
- المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في لبنان المحطة الثانية في ...
- ناسا: عاصفة ترابية تجتاح كوكب المريخ بأكمله
- لندن وطرابلس تتنازعان أموال القذافي
- لماذا يستعد البنتاغون لحرب نووية موضعية
- مدرعات -ترميناتور- تتزود بقذائف ذكية
- بوتين: موسكو ملتزمة بالمساهمة في العملية السلمية بشبه الجزي ...
- "جيمس بوند" يثور مجددا
- مشروع قانون أمريكي يمنع تركيا من استلام مقاتلات إف-35
- "جيمس بوند" يثور مجددا


المزيد.....

- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة
- حوار مع الناشط الصحافي السوداني فيصل الباقر / ماجد القوني
- التحولات المجتمعية الداخلية الاسرائيلية نحو المزيد من السطوة ... / نايف حواتمة
- ماركسية العرب و انهيار السوفييت / جمال ربيع
- تفاصيل تنشر لأول مرة عن تطورات القضية الفلسطينية / نايف حواتمة
- حوار حول انتخابات البرلمانية في مملكة البحرين / مجيد البلوشي
- بروباجندات الحكام الدينية والسياسية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - حميد مجيد موسى - حوار مع الرفيق حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بمناسبة مرور خمسة عشر عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب