أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف ليمود - فرنان ليجيه في معرض استعادي .. أيقونة الحديث والمعاصر















المزيد.....

فرنان ليجيه في معرض استعادي .. أيقونة الحديث والمعاصر


يوسف ليمود

الحوار المتمدن-العدد: 2378 - 2008 / 8 / 19 - 06:53
المحور: الادب والفن
    


الجمال شيء لا يمكن شرحه. العمل الفني لا يحاول أن يثبت شيئا. لا يتناول الفكر بل الحساسية، يريد أن يحَب أكثر من أن يفهم . فرنان ليجيه
لا يلخص أي معرض استعادي لفنان ما حياته الفنية والشخصية فحسب، بل يلخص حقبة من الزمن، وربما عصرا كاملا، عاش فيه الفنان وانفعل، تفاعل واستقى، تشرب وبصق، حارب ووهَب، ولوّح لمن لن يراهم أبدا برؤيته التي قطّر فوق نسيجها، رذاذ ولون ومذاق ورائحة تلك الحقبة وذلك العصر. إن رؤية دورق أو فنجان ما صممه أحد فناني الباوهاوس، يحيلنا في وهلة إلى النصف الأول من القرن المنصرم وتلبدات غيوم الكارثة العالمية الثانية. كذلك الحال مع لوحات المصور الفرنسي الشهير فرنان ليجيه 1881 _ 1955، المقام له حاليا وإلى السابع من سبتمبر معرض استعادي مبهر، في متحف بايلار في مدينة بازل.
ورغم شمولية العرض واتساع باحاته للملمة الجوانب المتعددة من فن وحياة هذا الفنان المتفرد، فقد اتسع كذلك، وبذكاء شديد، لمداخلات فنية، تتعالق بشكل أو بآخر مع إنجازه، لعدد من مشاهير الفن الأمريكي أكثرهم من رواد فن البوب الذين أنجزوا أعمالا تعود بمرجعيتها المفهومية والجمالية مباشرة إلى عمل ليجيه: روي ليشتينشتاين، روبرت راوشنبرج، إلسويرث كيلي، جاسبر جونز، فرانك ستلا، كينيث رولاند، آندي وارهول، أل هيلد... وآخرون.
هذه المداخلات المختارة بعناية، بل برهافة، تفتح نوافذ ضوء على خمسين سنة لاحقة على آخر خط رسمه ليجيه. كما تجعلنا نرى آلية التطور الفني التي تسلّم الأشكالَ من عين إلى عين، والوسائطَ من يد إلي يد. في الوقت نفسه تشير إلى روح البحث العلمية في الفن وتاريخه، الأمر الذي ينعدم في مجتمعاتنا العربية ونتاجاتها الفنية، لكن هذه قصة أخرى.
أكثر من مئة لوحة، بعضها كبير الحجم، ومجموعة مختارة من رسومات بالأحبار الملونة على الورق. في المقابل، هناك أكثر من عشرين عملا للفنانين الذين تأثروا بعمل ليجيه واستلهموه، والكيفيات التي تم توظيف هذا التأثر أو ذلك الاستلهام في أعمالهم المعاصرة. والحق فإن الدهشة هنا ليس مصدرها تأثر هذا العدد من النجوم بفن ليجيه، بقدر ما هي اتساع فن ليجيه ليحتوي اتجاهات متعددة تتعايش معا على مسطح اللوحة بضربة فرشاة واحدة. كيف إذن يجتمع التشخيص مع التجريد. كيف يتداخل الحس التراجيدي مع الساخر، والواقعي مع الخيالي، الذي هو – عند ليجيه - نوع من سريالية ذات خصوصية. وكيف، في الأخير، تنعكس تشابكات حسٍ صناعي لعصر كثيف في مساحةِ لون وغنائية خط؟
تستطيع العين المدققة أن ترى في مسطحات ليجيه طبقتين رئيسيتين بالإمكان فصل إحداها عن الأخرى ورؤية كل منهما كعمل منفصل: 1- طبقة من المساحات كـ شبه منحرف أومعيّن، انبسط فيه اللون الصريح، من أحمر وأزرق وأصفر وأخضر وبرتقالي إلى الأسود والأبيض. 2- طبقة أوشبكة من الخطوط، أي الرسم، وفيها تحددت الأشكال والعناصر بموسيقى اليد وذهنية التراكيب.
من دون شك، كان ليجيه واعيا بهذين البعدين في عمله، والدليل على هذا هو مجموعة اللوحات والرسومات العديدة التي زهد فيها الفنان في المساحات الملونة وجعل اللوحة تعتمد الخط وحده قواما ووسيطا وهدفا. الرسم فيها هادئ رقيق عقلاني، يذكر بالأحرى بقوس كمان في يد عازف انطباعي بارع: يقلل التفاصيل هنا عن مساحة واسعة، يكثفها هناك في مساحة ضيقة، يحوّل منظر الشخوص الواقعي إلى معادلة رهيفة بين الساخر والمأسوي، بين الساكن في الشكل والمتحرك في الوهم.

بدأ ليجيه رحلته مع الفن تكعيبيا، وانتهى فوق كل تصنيف. نظرة سريعة على إرهاصاته الأولى قياسا على بدايات نظرائه من رواد تلك المدرسة كـ براك وبيكاسو، تخبرنا أننا أمام ملون كبير، بل أحد أكبر ملوني القرن العشرين. ونرى كيف كان العمل الواحد يخضع لدراسات عديدة، تنقي، تكثّف، تحيل أشكال الخارج اسطواناتٍ ومخروطات ومربعات ودوائر وتنقيطا. نرى، مع خطوات السنين، كيف أن الروح المعدنية لتحويراته الشكلية لم تكن سوى الروح الصناعية لزمنه، وجبروت ميكانيزم المدن والأنظمة، لدرجة أن لوحته تبدو ماكينة، تروسها الألوان والشعر زيتها. نعم، شاعرية ليجيه فطرية ولازمة. غير أنها تحتاج جهدا للدخول إليها. شاعريته تقوم أساسا على نسف ما هو شاعري، تَخرج جماليتُها من دوران تروس ماكينة اللوحة، سيورها وعوارضها ومطارقها وخراطيمها، فيتولّد الدفء والشرر الفني من احتكاك عناصر بطبيعتها باردة. إن سلسلة الأعمال التي أنجزها بعد عودته من منفاه الأمريكي طوال سنوات الحرب الثانية والتي تعامل فيها مع فكرة المدن الكبيرة والروح الصناعية والإنشاءات الضخمة، لم تكن تصور تلك الروح وتلك المظاهر فحسب بل أصبحت هي نفسها، أي اللوحات، هذه الروح. ففي اللوحة التي تصور عمال إنشاء على سقالة، استلهم ليجيه، بعظمة تصويرية، فكرة الإنشاء وحوّلها إلى همّ بناء اللوحة نفسها، جماليا. ناهيك عن جمالية سرّية غير معلنة تستلهم ما يطرحه الموقف السياسي المنحاز إلى العمال والكادحين (انضم ليجيه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي بعد الحرب).

مداخلات معاصرة
في ترتيب مدروس وذكي وبليغ، يواجَه الداخل إلى المعرض، في صالته الاستقبالية الكبيرة، بأربعة مربعات (شبه منحرفة) كبيرة، وهي أعمال شهيرة للأمريكي إلسورث كيلي، أزرق، أسود، أحمر، أخضر ، منفذة في العام 2000 تمتد بطول الحائط (اثنا عشر مترا تقريبا). في المقابل نرى لوحة ليجيه المعنونة بـ ولدان على دراجتين ، حيث الأشكال المنحرفة والمعينات التي التقطها كيلي من معلّمه الأكبر، ملطوعة هناك وراء خطوط الولدين والدراجتين قبل خمسين سنة بالتمام. ألا يبين هذا أن الفن هو فعل ذكاء؟ وأي ذكاء! كذلك سيخرج كيلي من لوحة ليجيه العَلم بعمل رشيق أزرق أبيض أحمر .

كما أن دائرة ليجيه المسماة تحية لرقصة 1925، سوف تهب كينيث نولاند شمسَ الشتاء تلك الدائرته الشهيرة التي رسمها عام 1962. وهي نفسها سوف تكون قرص الهدف لجاسبر جونز الذي رسمه في 1974 وصوّب عليه سهامه الفنية في سلسلة من الأعمال ولسنوات لاحقة. كذلك لوحة جونز في التسعينات ملاك أخضر ، حين توضع جنب لوحة ليجيه الغواصون ، نحسبهما، بألوانهما التي تكاد تتطابق، كضلفتي نافذة، أو أيقونة تجمع الحديث بالمعاصر. علامات مشابهة نلمسها واضحة، وإن بشكل غير مباشر، مع عدد من أعمال روبرت راوشنبرج. أما روي لشتنشتاين، فقد تعامل بشكل مباشر مع نتاج ليجيه في أعمال كثيرة له إلى درجة تكاد تكون نقلا لتفاصيل بعض العناصر والأشكال وتنفيذِها بأسلوبيته الحداثية التي بصم فن البوب بروحها.
أنظرُ في بعض صور فوتوغرافية، أبيض وأسود، للفنان وسط أعماله، لا فرق بين وجهه، بخطوطه الحادة أو يده الغليظة كيد عامل أو فلاح، وبين وجوه وأيدي شخوصه التي قضى حياته في خلقها، وكأن الرسام لا يرسم سوى ذاته مهما كانت توجهاته الفلسفية أو الأسلوبية أو التقنية. صورة أخرى له بين كتل ضخمة من الحجارة والخشب، في مرسم ما، تبدو هيئته صورةً لأعماله: حدة وليونة، صرامة وشاعرية، وضوح يخبئ نفسه وكأنه يقول: لا أريد أن أثبت لكم شيئا، الفنان يريد أن يُحب أكثر من أن يُفهم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,279,546,992
- من يوسف ليوسف .. تلويحة غياب متأخرة
- سوق الفن السنوي في بازل وسؤال الوعي
- فن معاصر لثمانية مصريين في العاصمة السويسرية بيرن
- لوحة الأكشن في معرض بمتحف بايلار .. بازل - سويسرا
- نهر .. أتعبره أم يعبرك
- الوصول إلى الأبيض في معرض إستعادي ضخم لآدم حنين بالقاهرة
- نتاج ورشة عمل نيو ميديا على هامش بينالي الإسكندرية
- القيامة في فوتوغرافيا أندرياس جورسكي ومعرضه من جناح طائرة
- حوار مع منظّم معرض الفنانين المسلمين بمتحف الفن بنيو أوليانز ...
- ثنائية
- فن مصري معاصر في متحف الفن بالعاصمة بون
- جاسبر جونز .. رؤيته وإنجازه الفني في عشر سنين
- Face
- بقعة شمس
- غنائية حب وجودية
- فراغ ما بين الشكل والحرف .. إلى احساين بنزبير
- آرت | 38 | بازل
- السويسري يورج فيدرشبيل في قافلة الأدباء المنتحرين
- جغرافيا افتراضية تتلمس تاريخ الواقع .. رؤية فنية معاصرة في خ ...
- ليس إلا ..


المزيد.....




- كولر يعتزم عقد مائدة مستديرة ثالثة بنفس الصيغة
- فوز روسيين بجائزة -برافو- الموسيقية الدولية
- الشرعي يكتب: الشباب .. والنخب السياسية
- كيف استلهم سفاح نيوزيلندا نظرية -الاستبدال الكبير-؟
- مترو دبي يتحوّل إلى قاعة للعروض الموسيقية
- النوروز.. أساطير مختلفة حول عيد يجمع ملايين المحتفلين
- شاهد: فنانون عرب وعالميون في ختام الأولمبياد الخاصة في أبوظب ...
- كيف أصبحت هذه الفنانة مهووسة بالنقط؟
- الجزائر والحياد المزعوم في ملف الصحراء المغربية
- شاهد: فنانون عرب وعالميون في ختام الأولمبياد الخاصة في أبوظب ...


المزيد.....

- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف ليمود - فرنان ليجيه في معرض استعادي .. أيقونة الحديث والمعاصر