أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - تاج السر عثمان - اتفاقية نيفاشا والصراع السياسي في السودان






















المزيد.....

اتفاقية نيفاشا والصراع السياسي في السودان



تاج السر عثمان
الحوار المتمدن-العدد: 2366 - 2008 / 8 / 7 - 10:48
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


هذه سلسلة مقالات كتبت في اوقات متفاوتة حول اتفاقية نيفاشا والصراع السياسي في السودان، تساعد قراءاتها كمجموعة واحدة، في متابعة مسار تنفيذ الاتفاقية، والمآلات التي وصلت اليها.
تتكون المقالات من المواضيع التالية:-


1- اتفاقية نيفاشا ومستقبل الشراكة
2- حول قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2004م
3- وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي لعام 2005م
4- حول تجربة مشاركة التجمع في السلطة التشريعية والتنفيذية
5- الشمال والجنوب واحتمالات تجدد الحرب.
6- حصاد الفترة: يونيو1989- يونيو2005م، وبرنامج اسعافي بعد توقيع نيفاشا.
7- ثم ماذا بعد تجميد الشراكة؟
8- في الذكري الثالثة لتوقيع اتفاقية نيفاشا.
9- ماهي ابعاد وحقيقة اتفاق التراضي الوطني؟
10- ماهي دلالات تمرير قانون الانتخابات بالأغلبية الميكانيكية؟
11- حول قرار المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية؟


1- اتفاقية نيفاشا ومستقبل الشراكة

لاشك في أن توقيع اتفاق نيفاشا للسلام كان انجازا هاما أوقف نزيف الحرب بين الشمال والجنوب الذي استمر لحوالى 22 عاما ، وفتح الطريق لمواصلةالصراع من اجل التحول الديمقراطي وتحسين احوال الناس المعيشية وتوحيد البلاد على اسس طوعية ، ورفع المظالم والضرر الذي لحق بالمواطنين خلال السنوات الماضية ، وأهمهااستعادة حقوق الالاف من ضحايا الفصل التعسفي من العمل من المدنيين والعسكريين .
المتابع لمسار تنفيذ اتفاقية نيفاشا حتى الآن ، يلحظ انه تم تنفيذ الهياكل الحكومية والدستورية التى اشارت لها الاتفاقية مثل اجازة الدستور الانتقالي لعام 2005 م ، تعيين النائب الاول والثاني ، تكوين حكومة الوحدة الوطنية ، المجلس الوطني ، مجالس الولايات ، نائب رئيس حكومة الجنوب ، المجلس التشريعي الانتقالي لجنوب السودان ، الدستور الانتقالي للجنوب ، دساتير الولايات ، حكومات الولايات ، بعثة التقديرات المشتركة JAM ، صندوق المانحين ، المفوضية القومية للبترول ، مفوضية التقويم ، المفوضية السياسية لوقف اطلاق النار ، المفوضية القومية للخدمات القضائية ، المحكمة الدستورية ، مجلس ادارة بنك السودان ، اصدار العملة الجديدة ، ..... الخ .
ولكن مسار التنفيذ حتى الان يتعلق بالشكل لاالجوهر ، لأن الركائز الأساسية التى قامت عليها اتفاقية السلام لم يتم فيها شئ مثل التحول الديمقراطي والغاء القوانين المقيدة للحريات التى تتعارض مع الدستور الانتقالي ، ويعتبر ذلك جزءا هاما من اتفاقية نيفاشا ، كما جاء في الفقرة ( 2 – 15 ) من بروتوكول مشاكوس ( التحول الديمقراطي يعنى الانتقال بالسودان الى حكم يفسح المجال لكل القوى السياسية وينهى كل مظاهر الشمولية خلال فترة انتقالية يحكمها دستور يصون الحقوق الانسانية والسياسية لجميع شعب السودان ، وتم تضمين ذلك في الدستور الانتقالي ).
ومن القضايا الجوهرية الثانية والتى تعتبر ركيزة هامة لنجاح الاتفاق معالجة التدهور الاقتصادي والاجتماعي وتحسين احوال الناس المعيشية ، وهذا المطلب مازال بعيد المنال ، رغم النص عليه في اتفاق نيفاشا الفقرة ( 2 – 5 – 1 ) والذي جاء فيها :
( ايجاد حل شامل يعالج التدهور الاقتصادي والاجتماعي في السودان ، ويستبدل الحرب ليس بمجرد السلام ، بل ايضا بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية التى تحترم الحقوق الانسانية والسياسية الأساسية لجميع الشعب السوداني ) .
ويعتبر هذان مطلبان هامان للجماهير ، فبدون تحقيقهما يظل الاتفاق منقوصا ، وقد أشار د . منصور خالد لذلك في مقالات نشرها في صحيفة الرأى العام ( 24 / 3 / 2007 م ) بقوله :
( المواطن في الجنوب ينتظر عائدات السلام ، على رأسها الأمن والتنمية بشكل ملحوظ ، فلن يرى المواطن الجنوبي معنى للسلام ، ناهيك أن يعنى بأمر الوحدة ، وتلك مسئولية حكومة الجنوب والحكومة القومية ) .
هذا وقد لخص الممثل الخاص للأمين العام السابق – برونك – في بيانه الى مجلس الأمن الاوضاع في جنوب السودان والذي أشار فيه الى :
- خطر المجموعات المسلحة الذي يشكل تهديدا .
- استمرار حدة العنف : النزاعات القبلية ، النزاعات حول الأرض والماء ، نهب الماشية ، انتشار السلاح ، والمعارك الدائرة بين المستوطنين والرحل ، البطالة بين الشباب وانتشار الجريمة ، انعدام الانضباط بين الجنود الذين لم تدفع رواتبهم ، بالاضافة الى وجود مجموعات مسلحة أخرى ، وجيش الرب .
- احتياج لمساعدات دولية لتدريب الجيش الشعبي ليصبح جيشا مهنيا وديمقراطيا .
- يظل جنوب السودان في حاجة ماسة لاعادة البناء والحصول على المساعدات التنموية ، وقد اجبر انعدام الخدمات الأساسية مثل : الماء ، والصرف الصحى ، والرعاية الصحية والتعليم الناس على التشكيك فيما يحمله السلام من اختلاف في حياتهم وحياة اطفالهم .
- ويختم حديثه عن الجنوب بقوله : يظل مواطنو جنوب السودان يعيشون في فقر ينفطر له القلب . ( الايام : 26 / 9 / 2006 ) .
صحيح أن الاتفاقية اوقفت الحرب التى استمرت لاكثر م 22 عاما ، وهذا شئ ايجابي ، ولكن السؤال ماهى ضمانات استمرارية السلام ؟
أول هذه الضمانات تنفيذ الاتفاقية وماجاء في وثيقة حقوق الانسان في الدستور الانتقالي ، وانجاز التحول الديمقراطي بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات والتى تتعارض مع الدستور الانتقالي .
ثانيا : توفير احتياجات الناس الأساسية في الشمال والجنوب ( التعليم ، الصحة ، الخدمات ، تحسين الاوضاع المعيشية ، ... الخ )
ثالثا : شمول الاتفاقية لتشمل كل مناطق السودان الاخرى ، وعقد المؤتمر الجامع للانتقال من الثنائية الى الحل الشامل .
رابعا : التنمية التى تجعل الناس يحسون بأن تغييرا حقيقيا تم في حياتهم .
بدون تحقيق هذه الاضلاع الاربعة ، سوف يستمر تدهور الاوضاع ،والتى قد تؤدى الى تجدد الحرب مرة اخرى ، وتتكرر تجربةانهيار تجربة اتفاقية اديس ابابا والتى كان من اسبابها الثنائية ، عدم التحول الديمقراطي ، تدهور الاوضاع المعيشية في الشمال والجنوب .
صحيح أن اتفاقية نيفاشا محاطة بضمانات دولية كثيفة ، ولكن العامل الحاسم الضمانات الداخلية التى تمثلها الاضلاع الاربعة المشار اليها سابقا .
اذا تأملنا في حصاد العامين الماضيين من مسار تنفيذ الاتفاقية ، نلاحظ استمرار المؤتمر الوطني في نهجه الشمولي رغم تغير الاوضاع مثل انتهاكات حقوق الانسان التى تتمثل في اطلاق النار على المظاهرات السلمية : البجا في بورتسودان ، امرى ، الطلاب ، قمع المظاهرات السلمية ضد الزيادات في الاسعار وموكب المفصولين ، كبت حرية التعبير والرقابة على الصحف ، قمع احتجاجات المواطنين في مناطق السكن العشوائي على الازالة غير الانسانية لمساكنهم ، ..... الخ .
تدهور الاوضاع المعيشية ويتجلى ذلك في ميزانيتى العامين 2006 ، 2007 ، والتى تم فيهما افقار الشعب السوداني ، اضافة للزيادات في الاسعار والجبايات وعدم دفع استحقاقات العاملين ، وكان من نتائج ذلك موجة الاضرابات الواسعة للعاملين والموظفين والمعلمين والتجار واصحاب البصات السفرية ، كما واصلت السلطة حملات تشريد العاملين واساتذة الجامعات بعد القرار التعسفي بالاستغناء عن الاساتذة الذين بلغوا سن ال65 عاما .
كما استحكمت حلقة الازمة مع المجتمع الدولي بسبب ازمة دارفور وتسليم المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية ، وانهيار اتفاق ابوجا ، وتعثر تنفيذ اتفاق الشرق ، وعدم تنفيذ اتفاق القاهرة . اضافة لمقاومة متضررى سد مروى ومطالبهم بالحلول العادلة لقضيتهم ، مقاومة معارضي سد كجبار في اقصي الشمالية ، ونهوض كيان الوسط ، وكيان كردفان للتنمية من اجل تحقيق مطالبهم العادلة في التنمية واقتسام السلطة والثروة ، وانفجار الاوضاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق ، وشكوى الحركة الشعبية من تهميشها في الشراكة مع المؤتمر الوطني .
كما أن المؤتمر الوطني مازال يعرقل تنفيذ الاتفاقية ، حتى الآن لم يحرز اى تقدم في موضوع ابيي والتى تعتبر المحك لنجاح الاتفاقية ، ونتيجة لذلك ظلت ابيي بلا أية شرطة رسمية أو خدمات صحية أو طبية عامة ، كما ظل الطرفان ( المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ) غير متفقين حول وضع المفوضية القومية للنفط ، كما أن حساب عائدات البترول وتوزيعها يفتقر الى الشفافية المطلوبة لضمان عدالتها ودقتها . وماتزال مسألة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب دون حل . كما أن اللجنة السياسية لوقف اطلاق النار لم تحل حتى موضوع من المواضيع التى احالتها اليه اللجنة العسكرية لوقف اطلاق النار . ( الايام : 26 / 9 / 2006 ) .
وبالتالى ، فان الخطر على الاتفاقية اصبح واضحا من المؤتمر الوطني الذي يتحمل المسئولية الاساسية في عرقلة التنفيذ ، وهذا وضع يهزم كل الوعود التى بشرت بها الاتفاقية في التحول الديمقراطي والوحدة الجاذبة ، والتنمية وتحسين احوال الناس المعيشية . واذا استمرت الاوضاع بتلك الحالة والتى تم فيها افراغ الاتفاقية من محتواها ، فان مستقبل الشراكة يصبح قاتما ، مما يتطلب مواصلة النهوض الجماهيري من اجل انتزاع التحول الديمقراطي وتحسين احوال الناس المعيشية والحل الشامل لأزمة دارفوروبقية اقاليم السودان وتحقيق التنمية المتوازنة باعتبار ذلك الشرط لوحدة وازدهار البلاد .

مايو2007م

2- حول قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2004 م


كما هو ، معروف ، فقد كفل دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 م حرية التعبير والاعلام ، جاء في المادة (39 ) من الدستور الانتقالي ما يلي :
39 - 1 : لكل مواطن حق لايقيد في حرية التعبير وتلقي ونشر المعلومات والمطبوعات والوصول الى الصحافة دون مساس بالنظام والسلامة والاخلاق العامة ، وذلك وفقا لما يحدده القانون .
39 - 2 : تكفل الدولة حرية الصحافة ووسائل الاعلام الأخرى وفقا لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي .
39 - 3 : تلتزم كافة وسائل الاعلام باخلاق المهنة وبعدم اثارة الكراهية الدينية أو العنصرية
أو الثقافية أو الدعوة للعنف أو الحرب .
وبالتالي يصبح من الملح تعديل قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2004 م ليتوافق مع الدستور الانتقالي ، واصدار قانون ديمقراطي للصحافة لايتعارض مع الدستور ، لأن الأصل في المجتمع الديمقراطي أن قانون الصحافة هو للضبط الذاتي وليس عقابيا ، وهذا يتطلب ايضا الغاء جميع القوانين المقيدة للحريات والتى مازالت سارية المفعول . وعلي سبيل المثال ، تم انتهاك حرية التعبير والاعلام بتكثيف الرقابة على الصحف واغلاق صحيفة السوداني واعتقال رئيس تحريرها الاستاذ محجوب عروة والاستاذ عثمان ميرغني ، بالاستغلال السئ للمادة (130 ) ، كما تم أخيرا اعتقال اربعة صحفيين وهم : قذافي عبد المطلب ( الايام ) ، ابوعبيدة عوض ( رأى الشعب ) ، ابوالقاسم فرحنا ( الوان ) ، الفاتح عبد الله ( السوداني ) في مهمة هى من صميم عملهم المهنى تتعلق بتغطية احداث سد كجبار المؤسفة ، وهذا تقييد واضح لحرية الصحافة والتعبير ، هذا فضلا عن انتهاك حق الحياة الذي كفله الدستور الانتقالي ، باطلاق الرصاص على احتجاجات سلمية كفلها الدستور الانتقالي ، مما أدى الى استشهاد أربعة مواطنين وهم : محمد فقير دياب ، شيخ الدين حاج احمد ، عبد المعز محمد عبد الرحيم ، الصادق سالم .
كما اشرنا سابقا ، ان قانون الصحافة لسنة 2004 يتعارض مع الدستور الانتقالي ، فهو يستند على احكام المادة 90 - 1 من دستور 1998 م الذي ما عاد موجودا بعد اجازة الدستور الانتقالي ، ومن الامثلة على القيود في قانون 2004 م :
- المادة 23 : 1 - 2 ، حددت حق اصدار الصحف والنشرات والمطبوعات الصحفية في : الشركات المسجلة وفقا لقانون 1925 ، التنظيم السياسي المسجل ، الهيئات الاجتماعية أو المؤسسات العلمية أو الوحدات الحكومية لتطوير النشاط العلمي أو التخصصي ، الجاليات الاجنبية .
- المادة 25 : حددت شروط اصدار الصحيفة بالآتي : ايداع مبلغ من المال في حساب مصرفي مستقل يحدده المجلس في لائحة تطوير العمل الصحفي مع التعهد بعدم الصرف لغير اغراض الاصدار ويجوز للمجلس بقرار منه رفع الحد الأدني للايداع متى اقتضت الظروف أو المصلحة ذلك ، اضافة للتعاقد مع كافي من الصحفيين ، المقر الذي تحدد الوائح مواصفاته ، مركز للمعلومات .. الخ ، وجاءت اللوائح لتضع قيودا مستحيلة لاصدار صحيفة مثل : توفير 150 مليون جنية ، اربعة اجهزة كمبيوتر ، 3 عربات ، عشرة صحفيين بعقد ، مقر بمواصفات محددة ، اسم للشركة المالكة ... الخ ، وهى قيود مستحيلة الا للقادرين.
المادة : 34 : 1 - 2 : تحظر استيراد المطبوعات الصحفية الأجنبية الا بترخيص ، كما شدد القانون على العقوبات في المادة 37 - 1 مثل الغرامة ، ايقاف الصحيفة ، شطب الصحفي من السجل ، الغاء التراخيص ، مصادرة المطبوعات والمطابع في حالة تكرار المخالفة ، اضافة للمحاكم الايجازية في المادة : 38 - 1 .خلاصة القول ، ان قانون الصحافة للعام 2004 م ، ماعاد مواكبا للمتغيرات التى حدثت في البلاد بعد توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام والدستور الانتقالي لسنة 2005 ، وبالتالي ، لابد من الغاءه ، واستبداله بقانون ديمقراطي للصحافة يشترك الصحفيون في اعداده وتكون أهم معالمه الآتي :
- لايضع قيودا على الملكية ، اذ من حق اى كائن ( فرد أو شركة أو حزب مسجل أو غير مسجل ، أو جمعية أو اتحاد ، ...) ، أن يصدر صحيفة ، على أن يكون الحكم في استمرار الصحيفة هو الجمهور أو السوق ..
- يتم الاتفاق على ميثاق اخلاقي ومهني يتواثق عليه الصحفيون للعمل الصحفي .
- هذا القانون الديمقراطي للصحافة يتمشي مع الدستور الانتقالي واالتحول الديمقراطي ومواثيق حقوق الانسان التى كفلت حرية النشر والتعبير والصحافة .
لقد اصبح ذلك ضروريا ، ولاسيما ، أن البلاد مقبلة على معركة انتخابية تتطلب حرية التعبير والاعلام وحق الجميع في الفرص المتساوية في اجهزة الاعلام لعرض برامجهم للجمهور ، والغاء جميع القوانين المقيدة للحريات وقومية الاعلام ، اضافة لضمان نزاهة الانتخابات عن طريق رقابة دولية فعّالة ، واشراك الاحزاب في كل مفاصل العملية الانتخابية ، وبالتالي من المهم تحقيق حرية التعبير والاعلام فعلا لا قولا .
أغسطس 2007م


وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي لعام 2005 م : - 3
التناقض بين المثال والواقع
معلوم أن وثيقة الحقوق تشكل الباب الثاني من دستور جمهورية السودان الانتقالي لعام 2005 م ، وهي تتكون من 22 مادة ( من المادة 27 الى المادة 48 ) ، وهى على التوالي : ماهية وثيقة الحقوق ، الحياة والكرامة الانسانية ، الحرية الشخصية ، الحرمة من الرق ، المساواة امام القانون ، حقوق المرأة والطفل ، الحرمة من التعذيب ، المحاكمة العادلة ، الحق في التقاضي ، تقييد عقوبة الاعدام ، الخصوصية ، حرية العقيدة والعبادة ، حرية التعبير والاعلام ، حرية التجمع والتنظيم ، حق الاقتراع ، حرية التنقل والاقامة ، حق التملك ، الحق في التعليم ، حقوق الاشخاص ذوى الحاجات الخاصة والمسنين ،الرعاية الصحية العامة ، المجموعات العرقية والثقافية ، حرمة الحقوق والحريات .
ورغم حقوق الانسان التى كفلتها الوثيقة كما أشارت في المادة 27 - 3 : تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءا لايتجزأ من هذه الوثيقة . رغم ذلك ، الا انه هناك مفارقة كبيرة بين ما جاء في الوثيقة والواقع ، فالبنية العلوية الشمولية مازالت سائدة رغم صدور الوثيقة والواقع الجديد الذي نشأ بعد توقيع اتفاقية نيقاشا للسلام والتى كان من نتائجها تلك الوثيقة التى تم تضمينها الدستور الانتقالي ، فالوثيقة خضراء والواقع مظلم ، فالقوانين المقيدة للحريات مازالت سائدة وتفرغ الوثيقة من محتواها .
فاذا أخذنا على سبيل المثال المادة 28 بعنوان : الحياة والكرامة الانسانية ، والتى جاء فيها ( لكل انسان حق اصيل في الحياة والكرامة والسلامة الشخصية ، ويحمى القانون هذا الحق ، ولايجوز حرمان اى انسان من الحياة نعسفا ) ، نجد انه منذ توقيع اتفاقية نيفاشا في يناير 2005 م تم انتهاك هذا الحق باطلاق النار على مظاهرات سلمية في بورتسودان وامرى وكجبار مما ادى الى وفاة بعضهم ، وهذا لاشك انتهاك صريح لحقوق الانسان ولوثيقة الحقوق ولحق الحياة التى كفلتها ، والمثال الثاني انتهاك المادة 33 بعنوان الحرمة من التعذيب والتى تنص ( لايجوز اخضاع احد للتعذيب أو معاملته على نحو قاس أو لاانساني أو مهين ) ، وعلى سبيل المثال الحادث الاخير لتعذيب اثنين من المزارعين من مواطني قرية ود جريو بمنطقة اللدين شرق الدويم وهما الامين عبد الباقي البشرى وعلى احمد بخيت بسبب رفضهم مع السكان بدء العمل في مشروع زراعي دون تعويضهم تعويضا مجزيا .
والمثال الثالث المادة 40 - 1 : التى كفلت الحق في التجمع السلمي ، التى تم انتهاكها بالتصدى بالقمع لموكب الزيادات في الاسعار وموكب المفصولين وموكب البعثيين ، ومنع ندوات الاحزاب السياسية وورش العمل، مثل ورشة مركز الدراسات السودانية الأخيرة في قاعة الشارقة حول الديمقراطية . كما تم انتهاك المادة 40 - 2 : 3 والتى اشارت الى الحق في تكوين وتسجيل الاحزاب والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية وفقا لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي ، كما أشارت لشروط الحزب السياسي وهى : أن تكون له عضوية مفتوحة لأى سوداني بغض النظر عن الدين أو الاصل العرقي أو مكان الميلاد وبرنامج لايتعارض مع نصوص الدستور ، وقيادة منتخبة ديمقراطيا ، ومصادر تمويل شفافة . تم انتهاك هذه المادة باجازة قانون الاحزاب في المجلس الوطني ، والذي اجاز حل الاحزاب السياسية ، مما يعتبر انتهاكا لحرية التجمع والتنظيم التي كفلها الدستور .
أما المادة 44 - 2 : التى كفلت مجانية والزامية التعليم في المستوى الاساسي ، فقد ظلت حبرا على ورق بعد أن رفعت الدولة يدها من التعليم العام وضعف ميزانيته ، وانتشر التعليم الخاص انتشار النار في الهشيم ، حتى اصبح التعليم للقادرين بدلا من أن يكون حقا للجميع كالماء والهواء كما اشارالدكتور طه حسين .
اما المادة 45 التى كفلت حقوق الاشخاص ذوى الحاجات الخاصة والمسنين فقد تم انتهاكها في ظل المعاناة التى يجدها المعاشيون في صرف مرتباتهم وحقوقهم
أما المادة 46 التى كفلت الحق في الرعاية العامة وتوفير الرعاية الصحية الاولية وخدمات الطوارئ مجانا لكل المواطنين فقد ظلت ايضا حبرا على ورق بسبب خصخصة العلاج الذي اصبح للقادرين وبسسب ارتفاع تكلفة العلاج واسعار الدواء .
كما تم انتهاك المادة 47 بعنوان المجموعات العرقية والثقافية وحقها في أن تنعم بثقافاتها الخاصة وتطورها بحرية ، باطلاق النار على التجمع السلمي لمواطني كجبار والذين كان من اعتراضاتهم على الحفاظ على تراثهم الثقافي النوبي والذي سوف يتعرض للاغراق للمرة الثالثة بعد قيام سد كجبار .
كما تم انتهاك المادة 39 - 1 - 2 - 3 : التى كفلت حرية التعبير والاعلام ، باغلاق الصحف تحت الاستغلال السئ للمادة 130 ، واعتقال الصحفيين اثناء تأدية مهام هى من صميم واجباتهم المهنية ، والرقابة على الصحف ، واستمرار قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية والذي يتعارض مع وثيقة الحقوق في الدستور الاتتقالي
وخلاصة القول ، انه في ظل القوانين المقيدة للحريات والتى مازالت سارية المفعول ، فان وثيقة الحقوق تصبح حبرا على ورق ، مما يشكل انتهاكا فظا لاتفاقية نيفاشا التى وعدت الناس بالتحول الديمقراطي وتحسين حياة الناس المعيشية وتوفير احتياجاتهم الاساسية في التعليم والعلاج والخدمات ، واذا باوضاع حقوق الانسان تتدهور في البلاد ، ويدفع الناس ضريبة السلام فقرا وضنكا وارتفاع بمتوالية هندسية في ضرويات الحياة مما يهدد بنسف الاتفاقية ونقض العهود والمواثيق .
وتبقي ضرورة مواصلة الصراع من اجل التحول الديمقراطي ، وتحسين احوال الناس المعيشية باعتبار ذلك الشرط لوحدة واستقرار البلاد وتوحيدها على اسس طوعية وديمقراطية .
سبتمبر2007م



4- حول تجربة مشاركة التجمع في السلطة التشريعية والتنفيذية

علي ضوء حصاد عامين من اتفاق السلام الذي وقع في نيفاشا في 9 / يناير / 2005 ، ومشاركة التجمع في المجلس الوطني وترك الخيار لفصائله في المشاركة في السلطة التنفيذية باسمها ، وعلى ضوء حصيلة ماتم في الفترة الماضية من عدم الغاء القوانين المقيدة للحريات ومصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية واجهاض وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي ، والصراع بين طرفي الشراكة حول ابيي ومشكلة الحدود وانسحاب القوات من الجنوب والخلافات حول عائدات النفط وحول حل ازمة دار فور .. الخ ، حتي وصل درجة التراشق بالاتهامات المتبادلة بالفساد ومصادرة الديمقراطية في الشمال والجنوب ودعوة باقان اموم للتدخل الامريكي بعد الفشل في حل قضية ابيي ، تبرز ضرورة جرد الحساب بتقويم تجربة مشاركة التجمع في المجلس الوطني والسلطة التنفيذية ، بموجب اتفاقية القاهرة التي ركزت على التحول الديمقراطي ، واصبحت كغيرها من الاتفاقيات حبرا على ورق ولم يتم تنفيذها ، وعلى ضوء استقالة على محمود حسنين من المجلس الوطني بسبب التهميش ، واستقالة وزير في الولاية الشمالية احتجاجا على اطلاق النار على تجمع سلمي في كجبار ، وعلي ضوء ما اتخذ المجلس من قرارات مثل اجازة قانون الانتخابات الذي اجاز حل الاحزاب السياسية الشئ الذي يتعارض مع الدستور ... الخ .
كان من المفترض لانجاح فترة الانتقال اشراك الجميع واتخاذ القرارات في المجلس الوطني بالتوافق ، والغاء كل القوانين المقيدة للحريات التي تتعارض مع الدستور وتحسين احوال الناس المعيشية والحل الشامل لأزمة دارفور وتوسيع نطاق اتفاقية نيفاشا لتشمل بقية أقاليم السودان ، وكان ذلك سوف ينقذ البلاد من الطوفان ويرسوا بها الى بر الامان ، وتلك لعمرى كانت ولازالت فرصة تاريخية تضمن وحدة واستقرار البلاد ، وذلك هو الطريق الذي سلكته البلدان التي مرت بالازمة نفسها واجرت مصالحة وطنية تم فيها اطلاق الحريات العامة ودفع الضرر وازالة المظالم واجرت انتخابات حرة نزيهة اخرجتها من ظلمات الازمة ، ولكن ذلك لم يتم ، بل استمر المؤتمر الوطني في نهجه القديم والذي كان سببا في الازمة ، واعادة انتاج الازمة .
كل ذلك وغيره يتطلب من فصائل التجمع الوطني الديمقراطي تقويم تجربة المشاركة في السلطة التشريعية والتنفيذية واتخاذ موقف منها ، وفي اتجاه تنشيط الوجود الجماهيري في الشارع باعتباره الحاسم في قلب الموازين وانتزاع التحول الديمقراطي والحقوق ورفع المظالم وتحسين احوال الناس المعيشية وتوحيد البلاد على اسس طوعية حسب ماجاء في اتفاقية السلام وضمان السيادة الوطنية ، وتخفيف اعباء الكوارث التي احاطت بالبلاد احاطة السوار بالمعصم مثل تكرار كوارث السيول والفيضانات ، وارهاق كاهل المواطنين بالضرائب والجبايات ، وتفاقم الغلاء وارتفاع ضروريات الحياة .. الخ .
• رغم ترحيب اهل السودان والمجتمع الدولي باتفاقيات السلام التي وقعت في نيفاشا والحل الجزئي الذي اوقف نزيف الدم في الجنوب وفتح الطريق لمواصلة الصراع من اجل التحول الديمقراطي ورفع المظالم واهمها اصدار قرار سياسي بارجاع كل المفصولين تعسفيا ، واستكمال الاتفاق ليشمل كل اقاليم السودان واشراك كل القوي السياسية بعقد المؤتمر الجامع للانتقال من الثنائية للحل الشامل ، الا أن الاتفاقية جاءت كصفقة ثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ، وبقسمة ضيزى همشت القوى السياسية الاخرى الشمالية والجنوبية ، واحتفاظ المؤتمر الوطني بنسبة 52 % في السلطة التنفيذية والمجلس الوطني ، وهنا يكمن هشاشة الاتفاقية وضعف قاعدتها السياسية والاجتماعية .
• جاء هذا التقسيم غير مقبول للقوى السياسية ، هذا فضلا عن أن المؤتمر لايمثل كل الشمال والحركة الشعبية لاتمثل كل الجنوب وبدأ وكأن الأمر صفقة ثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية نالت بموجبها الحركة الشعبية الجنوب وجزء من السلطة التنفيذية والتشريعية في الشمال و45 % من السلطة التشريعية والتنفيذية في ولايتي النيل الأزرق وجبال النوبة . كما تم هذا التقسيم في غياب واستبعاد القوى السياسية الاخري الشمالية والجنوبية ولم تشرك في المفاوضات ، وفرضت عليها هذه النسب والمشاركة الهامشية ، وكان ذلك خللا أساسيا في هذه القسمة .
• عندما تم هذا التقسيم لم يؤخذ في الاعتبار ما ينجم في المستقبل من المفاوضات مع جبهتي وحركات دارفور وبقية أقاليم السودان التي تعانى التهميش نفسه في الجنوب ، وبالتالي نصيب هذه الاقاليم في قسمة السلطة والثروة على المستوي الاقليمي والمركزي ، فاتفاقية نيفاشا أوقفت الحرب في الجنوب ، ولكن مازالت الحرب في دارفور دائرة اضافة لعدم الحل الشامل لقضايا بقية الاقاليم ، مما اضطر المؤتمر الوطني للتنازل عن ثمانية مقاعد هي نصيب القادمين بموجب اتفاق الشرق ، مما يشير الى أن نسب نيفاشا غير مقدسة ويمكن تعديلها ، وبالتالي ، لابد من تعديلها لتشمل كل القوي السياسية والاقليمية ، باعتبار ذلك هو الركيزة لضمان الاستقرار واستمرارية الحل الشامل وازالة حالة الاحتقان الحالية ، والتي تنذر بشر مستطير ، بالتحول الديمقراطي والغاء كل القوانين المقيدة للحريات .
• ان الخلل الأساسي في الاتفاق كان في طابعه الثنائي والذي همش القوى السياسية الأخرى في الشمال والجنوب ، اضافة لاستمرار المؤتمر الوطني في نهجه القديم والذي يتعارض مع اتفاقية نيفاشا للسلام والدستور الانتقالي ونقض العهود والمواثيق مثل عدم تنفيذ اتفاقية القاهرة التي اشارت لقضايا التحول الديمقراطي وقومية اجهزة الدولة المدنية والعسكرية وضرورة رفع المظالم والضرر . وهذا يعكس نهج المؤتمر الوطني في خرق العهود والمواثيق كما حدث في تجارب سابقة مثل اتفاق السلام 1997 ، اتفاق ابوجا مع حزب الامة ، والبطء في تنفيذ اتفاقات نيفاشا مما يهدد باجهاضه وخطورة العودة لمربع الحرب والذي يجب منعه بكل السبل ، اضافة للموت السريري لاتفاق ابوجا حول دارفور مما يتطلب تفاوضا جديدا يشرك الجميع يستند على الحل الشامل لقضية دارفور ، وتعثر اتفاق الشرق ، وغير ذلك من المؤشرات التي لاتبشر بالحل الشامل الذي يتضمن التحول الديمقراطي والتنمية والوحدة والسيادة الوطنية والحكم الذاتي لأقاليم السودان الأخري اسوة بالجنوب .
• وفي ظل نهج المؤتمر الوطني وحصيلة اكثر من عامين من ممارساته المنافية للتحول الديمقراطي ، اصبحت مشاركة التجمع هامشية ، فضلا عن غيابه من الساحة ،.وهذا وضع يحتاج الى تصحيح حتى لا يترك آثاره السلبية على احزاب التجمع في معاركها القادمة واهمها معركة الانتخابات والتي تحتاج لتكثيف النشاط الجماهيري المستقل في الشارع ، ومن أجل التحول الديمقراطي وتحسين اوضاع الناس المعيشية والتنمية وصياغة برنامج جديد لتحالف واسع من اجل هزيمة المؤتمر الوطني في الانتخابات القادمة ودحر مخططه لتفتيت وحدة البلاد . هذا علما بأن التجمع في البداية عارض في البداية قسمة السلطة التي همشت القوي السياسية الأخري ووصفها بالشمولية ، وطالب بتعديل النسب ولم يتم ذلك فلماذا الارتباط بتلك الشمولية الجديدة ؟ .
هذا اضافة لتنكر المؤتمر الوطني لوثيقة الحقوق في دستور السودان الانتقالي لعام 2005 م والتي كفلت حق الحياة ، الحرية الشخصية ، مناهضة التعذيب ، المحاكمة العادلة ، الخصوصية ، حرية الفكر والضمير والدين ، حرية الاعلام والتعبير ، حرية التجمع والانضمام الى الجمعيات ، المساواة امام القانون ، الحق في الحماية من التمييز . كما اشارت اتفاقية نيفاشا الى أن يكون جهاز الأمن ( جهازا مهنيا ، ويكون التفويض المخول له هو تقديم النصح والتركيز على جمع المعلومات وتحليلها ) ( 2 – 7 – 2 – 4 ) .. الخ ،
كما اكدت حوادث اطلاق النار على تجمعات سلمية في بورتسودان وامرى وكجبار وحوداث الاعتقالات والتعذيب وانتهاكات حقوق الانسان والتصدى بالقمع لمواكب سلمية مثل موكب مناهضة الزيادات في الاسعار وموكب المفصولين ، ومنع ندوات الاحزاب السياسية وورش العمل ، وغير ذلك من الممارسات المنافية للدستور الانتقالي .
خلال ممارساته خلال العامين الماضيين من تنفيذ الاتفاقية ، بحيث يصبح الواجب انتزاع التحول الديمقراطي والغاء ترسانة القوانين المقيدة للحريات التي تتعارض مع اتفاقية نيفاشا والدستور الانتقالي ، والحل الشامل لكل اقاليم السودان وتحقيق السيادة الوطنية بارساء قواعد الديمقراطية والتنمية والوحدة والسلام وحل السودانيين مشاكلهم بانفسهم ، وهذ يتطلب المؤتمر القومي الجامع والتحالف العريض من اجل التحول الديمقراطي .
والواقع انه بعد الاتفاق الثنائي بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وتهمميش القوي السياسية الاخري ، لم يكن التجمع ملزما بالمشاركة ، بعد عدم اشراكه في المفاوضات التي بدأت ثنائية وانتهت ثنائية حسب ما حدد لها الوسطاء ، وخاصة أن الاتفاقية نفسها كانت خارج ميثاق اسمرا ، صحيح أن الكثير من بنودها مثل تقرير المصير والتحول الديمقراطي وخيار الوحدةالجاذبة ، وتحسين احوال الناس المعيشية والتنمية المتوازنة ، مأخوذة من ميثاق اسمرا ، ولكن من الخلل في اتفاقية نيفاشا انها تجاوزت ميثاق اسمرا وقسمت البلاد على اساس ديني ، عكس ما طرح في ميثاق اسمرا الذي عالج قضايا البلاد انطلاقا من النظرة الشاملة لقضايا الوطن وليس الحلول الجزئية ، وضرورة الدولة المدنية الديمقراطية التي تكفل الحقوق والحريات الاساسية ، وعلي اساس أن تقرير المصير كحق ديمقراطي انساني يمارس في ظل التحول الديمقراطي وحرية الارادة .
وعلى ضوء حصيلة خمس دورات من المجلس الوطني حتي الآن نجد أنه فشل في الغاء القوانين المقيدة للحريات ، بل اجاز ميزانيتي 2006 ، 2007 م ، 2008 م ، والتي تم فيهما افقار الشعب السوداني ، اضافة لعدم اتاحة الفرصة لنواب التجمع في التعبير عن ارائهما كما لخص التجربة علي محمود حسنين ، واحتكار المؤتمر الوطني للاعلام ، وعدم اذاعة الجلسات وبثها تلفزيونيا ، وتحول المجلس الوطني الي متغير تابع للسلطة التنفيذية .
كما أن مشاركة التجمع جاءت مقابل وعد بتنفيذ اتفاقية القاهرة ، وكان من الممكن للتجمع أن يصر على الغاء القوانين المقيدة للحريات كشرط للمشاركة ولكن ذلك لم يتم مما اوقعه في مصيدة القبول بنسبة ال 14 % والتي لم يجني منها التجمع غير الفرقة والتمزق بحيث اصبحت فصائله موزعة بين المشاركة في السلطة التنفيذية واخرى مشاركة في المجلس الوطني فقط ، واخري خارج الاثنين ، ونجحت الانقاذ في تفتيت وحدة التجمع وارادته وعمله ، وانطبق عليه قول المتنبئ : من يهن يسهل الهوان عليه ، وهذا يرجع للعوامل التالية :
- ضعف وجود وثقل التجمع السياسي في الشارع .
- الضغوط على الاتحاديين من قبل الحكومة المصرية ، وضغوط الفئات الرأسمالية في الاتحادي الديمقراطي للمشاركة حتي تحسن اوضاعها في السوق التي تدهورت في السنوات الماضية للانقاذ ، وهنا تكمن المصالح المادية للتحالف مع المؤتمر الوطني ، اضافة للتفاوض الذي كان مستمرا بين الاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الوطني ، وضغوط الحركة الشعبية التي كانت تبحث عن قاعدة لتأييد اتفاقها الثنائي مع المؤتمر الوطني .
خلاصة القول ، في ضوء حصيلة تجربة العامين الماضيين من مشاركة التجمع الوطني في السلطة التشريعية والتنفيذية ، نلاحظ حتي الآن استمرار النهج الشمولي للانقاذ والبطء في تنفيذ التحول الديمقراطي وعدم تنفيذ اتفاقية القاهرة ، اضافة لغياب النشاط السياسي المستقل للتجمع في الشارع ، وغياب برنامج للنشاط السياسي الجماهيري في الشارع بعد اتفاقية نيفاشا ، مما جعل من المشاركة غير ذات جدوى ، بل اصبح التجمع مجرد ديكور للشمولية رغم الجهود التي بذلها بعض نواب التجمع في البرلمان ، الا انها كانت مجرد اذان في مالطه في ظل الاغلبية الميكانيكية للمؤتمر الوطني والحركة الشعبية في المجلس ، وبالتالي يصبح من المهم تقويم تجربة التجمع ، وتقويم تجربة المشاركة في السلطة التشريعية والتنفيذية ، لأن من شأن هذا التقويم أن يساعد في اتخاذ القرار السليم حول استمرارية التجمع ، وضرورة قيام تحالف جديد اوسع يواجه مهام المرحلة المقبلة والتي اهمها انجاز التحول الديمقراطي ، وقيام انتخابات حرة نزيهة ونهوض جماهيري يقرر ختام مهزلة الشمولية التى فرضها المؤتمر الوطني والتي تهدد بنسف وحدة البلاد ، والحل الشامل لكل قضايا البلاد الذي يضمن مكاسب الجنوب التي كفلتها اتفاقية نيفاشا ، وحق بقية الاقاليم في الحكم الذاتي والقسمة العادلة للثروة والسلطة والتنمية المتوازنة .

يوليو 2007م



5- الشمال والجنوب واحتمالات تجدد الحرب ومستقبل الاوضاع في دارفور
( حديث لصحيفة الخليج الاماراتية)

بعد اكثر من عامين على توقيع اتفاقية السلام بنيفاشا التى اوقفت حربا ضروسا استمرت حوالى 22عاما ، رحب اهل السودان بذلك الحدث الهام ، ولكن الفرحة لم تدم كثيرا ، وهاهو نائب رئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ، الفريق سلفاكير يدق ناقوس الخطر في خطابه امام الدورة الثانية لبرلمان جنوب السودان بجوبا في : 10 / 9 / 2007 م ، ويشير الى أنه منزعج وقلق ومهموم جدا ، بأن السودان يمكن أن يرجع مرة ثانية الى مربع الحرب ، اذا لم نعمل بجد مع شريكنا المؤتمر الوطني لتلافى ذلك . واشار الى عدم حل مشكلة ابيي ، ومسألة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب ، وعدم انسحاب القوات المسلحة من جنوب السودان ، رغم أن مواعيد انسحابها حسب الاتفاقية : 9 / 7 / 2007 م قد فات ، ولكن القوات مازالت موجودة في مناطق البترول ، وكذلك لم يتم شئ في الاحصاء السكاني المفترض أن يبدأ أول عام 2008 ، وعدم انجاز التحول الديمقراطي بالعاء كل القوانين المقيدة للحريات ، وقيام الانتخابات العامة في مواعيدها .
وهنا يبرز السؤال : ماهى احتمالات تجدد الحرب ؟ احتمال تجدد الحرب وارد ، وقد اكدت تجربة اتفاقية اديس ابابا عودة البلاد للحرب بعد خرق الاتفاقية والتى عادت بشكل اوسع من الحرب السابقة ، وبالتالى من المهم أن تقف كل قوى السلام سدا منيعا امام تجدد الحرب التى لن يجنى منها شعب السودان الخراب والدمار وتعطل التنمية كما اكدت التجربة السابقة . ولكن ما هو الضمان لعدم تجدد الحرب ؟ وكيف الطريق لانتشال البلاد من شفا الجرف الهار الذي تقف عليه ؟ .
أول الضمانات : تنفيذ الاتفاقية وما جاء في وثيقة حقوق الانسان في الدستور الانتقالي ، وانجاز التحول الديمقراطي ، بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات والتى تتعارض مع الدستور الانتقالى .
ثانيا : شمول الاتفاقية لكل مناطق السودان الاخرى ( دارفور ، الشمالية ، كردفان ، الوسط ، الشرق ، الخرطوم ) ، دون المساس بمكاسب الجنوب التى حققتها نيفاشا ، وبهذا تقف اتفاقية نيفاشا على اعمدتها السبعه بدلا من الوضع الهش الحالى الذي تقف فيه على رجل واحدة . وحتى نضمن عدم تجدد الحرب في مناطق البلاد الأخرى والتى تتجمع نذرها في الشمالية بعد احداث امرى وكجبار ومشاكل السدود ، وفي كردفان ، وفي الشرق ولاسيما أن اتفاق الشرق هش ، وعدم توسع نطاق الحرب في دارفور .
ثالثا : توفير احتياجات الناس الأساسية في الشمال والجنوب ( التعليم ، الصحة ، الخدمات ، تحسين الاوضاع المعيشية .. الخ ) .
رابعا : التنمية التى تجعل الناس يحسون أن تغييرا جذريا في حياتهم قد تم .
خامسا : عرض كل الانفاقات التى تمت حتى الآن ( نيفاشا ، الشرق ، القاهرة ، ... الخ ) على مؤتمر جامع لكل القوي السياسية في البلاد ، حتى يتم الانتقال من الثنائية الى الحل الشامل .
تلك هى النقاط الخمسة التى تشكل خارطة طريق لمنع تجدد الحرب ، وان هناك بديل لآخر غير تجدد الحرب ، وهو تنسيق الحركة الشعبية مع كل قوى المعارضة الشمالية لتحقيق النقاط الخمس اعلاه ، وتحقيق اوسع تحالف لهزيمة المؤتمر الوطني في الانتخابات القادمة ، وتحقيق التحول الديمقراطي وضمان استدامة البلاد ووحدة البلاد .




مستقبل الاوضاع في دارفور :
اصبح مستقبل الاوضاع في دارفور مرتبطا بالحل الشامل لقضايا البلاد ، وبتوسيع نطاق اتفاقية نيفاشا لتشمل اقاليم السودان كافة ، وتلبية مطالبها العادلة في السلطة والثروة والحكم الذاتي والتنمية ، وتوفير احتياجات الأساسية للمواطنين في التعليم والصحه الخدمات .
اذن قضية دارفور ومستقبل الاوضاع فيها يجب أن نبحث عنها في اطار قومي شامل ، ولايمكن اختزال القضية في صراعات قبلية ، أو صراع بين العرب والأفارقة ، ولو كان الأمر كذلك ، فاهل دار فور قادرون على حل المشكلة .
الجانب الآخر ، من المهم مواصلة الحوار مع الحركات المعارضة ، والحوار بين ابناء دارفور للوصول لحل شامل يضمن وحدة واستقرار الاقليم والتنمية فيه والتعايش السلمي بين شعوب وقبائل دارفور ، وضرورة التوصل لحد ادنى من موقف تفاوضي واحد ، وضرورة استجابة الحكومة لمطالب اهل دارفور العادله والتى تتلخص في : -
• حقوق عادله في السلطة والثروة .
• التمسك بوحدة اقليم دارفور والذي كان موحدا منذ عهد سلطنة دارفور وحدوده حتى استقلال السودان عام 1956 ( مديرية دارفور ) .
• عودة النازحين الى اراضيهم .
• التعويض العادل للمتضررين .
• نزع اسلحة الجنجويد .
• التنمية وتوفير احتياجات الناس الاساسية ( التعليم ، الصحة ، مياه الشرب ، خدمات المواصلات والكهرباء ، ... الخ ) .
• احترام حق الجميع في الاستفادة من الحواكير .
سبتمبر 2007م



6 -حصاد الفترة : يونيو 1989 – يونيو 2005 م وبرنامج اسعافي بعد توقيع اتفاقية نيفاشا
مضت 16 سنة على انقلاب 30 يونيو 1989 ، دخلت البلاد فيها في تجربة للتنمية في ظل نظام شمولي ، لم تخرج عن الطريق التقليدي الرأسمالي ، بل بأكثر الأساليب وحشية ، فهي تنمية رأسمالية رغم رفع الشعارات شعارات الإسلام ، مستندة على الفكر التنموي الغربي ( تحرير الاقتصاد والأسعار ، اقتصاد السوق ، الخصخصة أو تصفية مؤسسات القطاع العام ، لتخفيضات المتوالية للجنية السوداني ... الخ ) ولا يغير من ذلك كثيرا إدخال نظم مثل السلم في الزراعة والزكاة وتجربة البنوك الإسلامية وشركات الاستثمار الإسلامية ، فالبنوك الإسلامية كما يقول الصادق المهدي : استغلت الشعار الإسلامي للحصول على سيولة كبيرة اُستخدمت في صفقات تجارية قصيرة المدى بأسلوب المرابحة ، ولم تساعد الاستثمار ولم تقدم بديلا وظيفيا لسعر الفائدة .
فما هي حصيلة تجربة الإنقاذ ؟

1 – القطاع الزراعي:
تدهور القطاع الزراعي في هذه الفترة نتيجة لمشاكل المياه والرى في المشاريع المروية ونقص مدخلات الإنتاج والنقص في الجازولين والطاقة الكهربائية والقرار الخاطئ بالتوسع في زراعة القمح في مشروع الجزيرة على حساب القطن الشيء الذي أدى إلى فقدان البلاد لعائد كبير من العملات الصعبة باعتبار أن القطن محصول نقدي هام ، هذا إضافة لعدم استعداد الحكومة لمكافحة الآفات ( الجراد ، الفئران ، ... الخ ) كما ارتفعت تكلفة الإنتاج ( ارتفاع أسعار الماء والأرض والحصاد ) ، إضافة لمشاكل التسويق ، ومشاكل التخزين ، وانخفض عائد المزارع بسبب الجبايات التي فاقت جبايات العهد التركي ، كما انخفض الإنتاج وتقلصت المساحات المزروعة وأصبحت البلاد على شفا المجاعة التي ضربت البلاد في الجنوب وشمال دار فور وشمال كردفان ... الخ، حتى أصبحنا نستورد الذرة من الهند مما يذكرنا بمجاعة عام 1914 التي استوردت فيها الحكومة الذرة من الهند.
كما تدهورت الغابات وتم استنزاف الثروة الحيوانية دون الاهتمام بمشاكلها وتنميتها وتوفير الخدمات البيطرية وغيرها ، كما انخفض العائد من الصمغ نتيجة للجفاف والتصحر وانتشار الجراد ( ساري الليل ) الذي أثر على أشجار الهشاب والطلح .
ورغم ذلك ظل القطاع الزراعي يساهم بنسبة 45,6 % في الناتج المحلي الإجمالي ( تقرير بنك السودان 2003 ) ، وتدهور القطاع الزراعي نلمسه في تراجع القطن الذي شكل نسبة 3 % من الصادر ، والسمسم 4 % والحيوانات 6 % ، أما البترول فقد شكل 78 % من الصادر ( تقرير بنك السودان 2003 ) ، وهذا يوضح تقلص المساحات المزروعة ، إضافة لمشاكل القطاع الزراعي الأخرى التي أفاض المتخصصون والزراعيون والمزارعون في مناقشتها في الصحف والندوات والسمنارات .
وسيظل القطاع الزراعي المصدر الأساسي للفائض الاقتصادي اللازم للتنمية رغم تدفق البترول، والذي يجب أن تخصص جزء من عائداته لدعم القطاع الزراعي .
2 – القطاع الصناعي:
نلاحظ ظهور قطاعات جديدة في الصناعة مثل قطاع البترول والتعدين ، ومدينة جياد الصناعية في مضمار الصناعة التحويلية الذي يشمل قطاع صناعة المتحركات ( ورش وستة خطوط لتجميع التراكتورات ووسائل النقل المختلفة ) وقطاع الصناعات المعدنية الذي يشمل مصنع الحديد والصلب ، مصنع الألمنيوم والنحاس والكوابل ومصنع المواسير ومجمع سارية الصناعي ( الذي بدأ بمصانع الأحذية والبطاريات والملبوسات الجاهزة وتحولت ملكية المجمع للقطاع الخاص ، وبدأ في إنتاج سلع مثل مصنع الأجهزة الكهربائية ، مصنع البلاستيك ومصنع التغليف ) .
رغم هذه التطورات الجديدة في القطاع الصناعي، إلا أنه ظل يعاني من مشاكل مثل: مشاكل الطاقة، ضعف القدرات التسويقية، مشاكل متعلقة بالتمويل سواء المكون المحلي أو الأجنبي لتوفير قطع الغيار، مشاكل القوانين المتعلقة بالاستثمار...الخ. .
كما أشار المسح الصناعي الأخير ( 2001 ) إلى توقف 644 منشأة صناعية ، ومن الأمثلة لتدهور بعض الصناعات : * صناعة الزيوت والصابون عملت بنسبة 16 % من طاقتها التصميمية ( تقرير بنك السودان 2003 ) * والمثال الآخر صناعة الغزل والنسيج : بلغ عدد مصانع الغزل 15 مصنعا ، العامل منها 6 مصانع فقط ، كما بلغ عدد مصانع النسيج 56 مصنعا ، العامل منها 4 مصانع فقط ، كما تعمل مصانع الغزل بنسبة 5,4 % بينما تعمل مصانع النسيج بنسبة 5 % من إجمالي الطاقة الإنتاجية ( تقرير بنك السودان 2003 ) .
هكذا نصل إلى حقيقة تدهور القطاع الصناعي بسبب تلك المشاكل وعجز الحكومة تماما عن مواجهتها ، رغم ذلك فقد ساهم القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 24,1 % وهذا يعود إلى ارتفاع نسبة البترول والتعدين التي بلغت 9,6 % في الناتج المحلي الإجمالي ( تقرير بنك السودان 2003 )
وبتدهور قطاعي الزراعة والصناعة تمت هزيمة الشعارات التي رفعتها الإنقاذ في أيامها الأولى ً نأكل مما نزرع ً ، ً نلبس مما نصنع ً .
3 – تصفية مؤسسات القطاع العام:
كما اتجهت الحكومة إلى تصفية مؤسسات القطاع العام أو خصخصتها ، وتم التخلص منها إما بالبيع أو بيع حصص من ملكية الدولة فيها أو تحويلها إلى شركات مساهمة عامة يشارك فيها القطاع الخاص المحلي والأجنبي أو بتأجير أصولها ، ومن السلبيات ، أنه تمت خصخصة معظم مؤسسات القطاع العام قبل أن تقام سوق للأوراق المالية تعرض فيها أسهم المؤسسات التي خصخصت للجمهور مما خفض أسعار البيع إلى نسبة ضئيلة ( د . محمد هاشم عوض : الأيام 11 / 7 / 2005 ) ، وعلى سبيل المثال مؤسسة المواصلات السلكية واللاسلكية التي قدرت أصولها ب 300 مليون دولار ، تم بيعها ب 60 مليون دولار ، كما تمت خصخصة مؤسسات ناجحة مثل مصنع أسمنت عطبرة ، كما صدر قانون لخصخصة مشروع الجزيرة . كما تم تقليص قطاعات النقل الأساسية مثل السكة الحديد التي تدهورت وأصبحت تعمل على أسس تجارية والنقل النهري والنقل الميكانيكي ... الخ.
4 – تدهور قطاع الخدمات :
تدهورت في هذه الفترة خدمات التعليم والصحة بسبب هجرة آلاف المعلمين والأطباء نتيجة لتدهور الأوضاع المعيشية ، وضعف نسبة ميزانية التعليم والصحة ، إضافة لخصخصة التعليم والصحة حتى أصبحت تلك الخدمات للقادرين ، كما تم تشريد آلاف الأطباء والأساتذة في التعليم العام والعالي لأسباب سياسية .
كما تم التوسع في أعداد المقبولين للتعليم العالي بدون التوسع في توفير مقومات التعليم العالي ( أساتذة، مكتبات، قاعات مراجع، معامل... الخ ).
ورغم تدفق البترول وتمزيق الدولة لفاتورة وارد البترول الذي يشكل حوالي 400 مليون دولار ( 80 % من قيمة الصادر ) ، إلا أنه ارتفعت أسعار المواد البترولية وتدهورت خدمات النقل والمواصلات وارتفعت تكاليفها ، كما ارتفعت أسعار خدمات الكهرباء والمياه ... الخ.
5 – القطاع التجاري:
رغم استخراج البترول وتصديره ، استمر العجز في الميزان التجاري ، على سبيل المثال بلغ العجز في الميزان التجاري في العامين 2002 ، 2003 : 497,3 ، 339,7 مليون دولار على التوالي ، كما استمر العجز في ميزان المدفوعات .
كما نلاحظ تراجع النسبة المئوية للقطن في الصادر الذي بلغ 44,6 % عام 1989 ليصل إلى 3 % في عام 2003 م ( تقرير بنك السودان ) ، كما نلاحظ أن البترول احتل 78 % من الصادرات ( تقرير بنك السودان ) ، ورغم ارتفاع عائداته التي بلغت 1,5 مليار دولار على التوالي في العامين 2002 ، 2003 ، إلا أته لم ينعكس على دعم الزراعة والصناعة والخدمات ( التعليم ، الصحة ، المواصلات ، الكهرباء ، المياه ، ... الخ ).
أما عن التوزيع الجغرافي للصادرات فقد حدثت متغيرات في هذا الجانب حيث شكلت مجموعة الدول الآسيوية غير العربية اكثر الأسواق لصادرات السودان ( في معظمها سلعة البترول ) خلال عام 2003 حيث بلغت 2,057 مليون دولار بنسبة 80,9 % من إجمالي الصادرات مقارنة نسبة 73,7 % من العام 2002 ( تقرير بنك السودان 2003 ) .
كما تعتبر الصين الشعبية اكبر مستورد للصادرات السودانية حيث بلغت 1,761,9 مليون دولار بنسبة 69,3 % من إجمالي الصادرات تليها اليابان بقيمة 167,7 مليون دولار بنسبة 6,6 % ( المصدر السابق ) .
كما شكلت مجموعة الدول العربية اكبر مصدر لواردات السودان في عان 2003 حيث بلغت 1,146,4 مليون دولار بنسبة 39,8 % من إجمالي الواردات ( تقرير بنك السودان 2003 ) .

6 – ديون السودان :
بلغت جملة ديون السودان حوالي 25 مليار دولار ، علما بأن أصل الدين 12 مليار دولار ، والزيادة عبارة عن فوائد تعاقدية وفوائد جزائية .
7 – تدهور سعر صرف الجنية السوداني:
في يونيو 1989 كان سعر الصرف 12 جنية، والآن بلغ سعر الصرف 2,650 جنية .
8 – الإيرادات والمنصرفات:
شكلت الإيرادات الضريبية عام 2003 م 37,9 % وغير الضريبية نسبة 62,1 % ( تقرير بنك السودان 2003 ) ، وفي المنصرفات يشكل الدفاع والأمن نصيب الأسد ( 60 % من الإيرادات العامة ) ، والصرف على الحكم الفدرالي والحزب الحاكم وتنظيماته يصل إلى 25 % من الموازنة العامة ( مشروع موازنة 2004 ) .
كما ازداد الفساد واختلاس المال العام ، على سبيل المثال بلغت جملة الأموال المختلسة من الوحدات الحكومية 160 مليار جنية عام 2003 ، بعد أن كانت 80 مليار جنية عام 2002 ( بزيادة 100 % ) .
9 – تزايد الفقر :
تمدد الفقر ليشمل 95 % من السكان ، إضافة للبطالة مع استمرار تشريد العاملين من وظائفهم ليصل العدد الكلي من المشردين اكثر من 122 ألف من 58 مؤسسة وشركة ، ولازال التشريد مستمرا ، هذا إضافة لضعف الأجور وعدم تناسبها مع تكاليف المعيشة التي ارتفعت ارتفاعا كبيرا . وعلى سبيل المثال : كان سعر رغيفة الخبز زنة 140 جرام عام 1989 : 14 قرشا ، الآن سعر الرغيفة زنة 70 جراما 175 جنية ، سعر جالون البنزين كان عام 1989 4,5 جنية ، الآن أصبح 5,500 جنية . كما زاد سعر رطل اسكر من 125 قرشا عام 1989 إلى 1400 جنية حاليا. وقس على ذلك بقية السلع والزيادة بالنسب المئوية الهائلة .
نخلص مما سبق إلى أن حصيلة فترة الإنقاذ في الجانب الاقتصادي :
أ – عجز في الميزان التجاري رغم تصدير البترول و الذهب ، وعجز في ميزان المدفوعات .
ب – تدهور قيمة الجنية السوداني وتفاقم التضخم والغلاء .
ج - تدهور الإنتاج الزراعي والصناعي وتفاقم النشاط الطفيلي والفساد .
ه – تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي والاستهلاكي والاستفزازي وتهريب الأموال للخارج ، وتفاقم المضاربة في العقارات والأراضي والثراء الفاحش من قطاع الدولة والعمولات .



10 – المتغيرات في التركيب الطبقي :
الرأسمالية الطفيلية الإسلامية:
في هذه الفترة هيمنت الفئات الغنية من طفيلية الجبهة الإسلامية على مفاتيح الاقتصاد الوطني ، وتجمعت لدي هذه الفئة ثروات ضخمة ، ومن المهم ونحن نحلل هذه الفئة أن نتناولها في تطورها التاريخي باعتبارها أحد روافد الرأسمالية السودانية التي تطورت خلال سنوات نظام النميري ، ويشير د . حيدر طه في كتابه ً الأخوان والعسكر ً ( القاهرة 1993 ) ، ص 55 إلى أن الأخوان المسلمين ً يملكون حوالي 500 شركة من كبيرة وصغيرة في عام 1980 ، وتصل حجم روؤس أموالهم لأكثر من 500 مليون دولار متداولة بين هذه الشركات في الداخل ً .
وترجع أصول أغلب قادة هذه الفئة أو أصحاب الثروات منها إلى خريجي الجامعات والمعاد العليا والمدارس الثانوية ، والذين أسسو تنظيم الأخوان المسلمين في أوائل الخمسينيات في جامعة الخرطوم والمداس الثانوية وبقية المعاهد التعليمية ، وبعد التخرج عملوا في جهاز الدولة والخدمة المدنية ، وبعد انقلاب 25 مايو 1969 ، تم تشريد بعض أفرادها ، وهاجر بعضهم إلى دول الخليج وولجوا ميدان العمل الاستثماري في التجارة وتجارة العملات ، كما كدسوا الأموال التي كانت تصلهم وهم في المعارضة في الخارج ، كما اشتركوا في محاولات انقلابية مثل : محاولة انقلاب سبتمبر 1975 ، وأحداث 2 يوليو 1976 ، كما هاجر بعضهم إلى أمريكا ودول الغرب الرأسمالي وتأهل بعضهم علميا في تلك البلدان ( ماجستير ، دكتوراه .. ) ، وعمل بعضهم في النشاط التجاري في يوغندا وبعض بلدان شرق افر يقيا ، واكتسبوا خبرات وتجارب في المهجر والعمل المعارض في الخارج .
وبعد المصالحة الوطنية ( 1977 ) ، عادوا للسودان وشاركوا في مؤسسات وحكومات نظام النميري ( مجلس الوزراء ، الاتحاد الاشتراكي ، مجلس الشعب ، ... الخ ) ، وتوسعوا في ميدان العمل التجاري والاستثماري وأسهموا في إدارة البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامية ومؤسسات الاستثمار الإسلامية ، كما تغير اسم التنظيم تبعا لتطور الحياة السياسية ، واتخذ اسم الأخوان المسلمين في الخمسينيات من القرن الماضي ، وجبهة الميثاق الإسلامي بعد ثورة اكتو بر 1964 ، والجبهة القومية الإسلامية منذ أواخر النظام المايوي ، ثم المؤتمر الوطني الذي انشطر عام 1999 إلى وطني وشعبي .
لقد كانت مؤسسات وبنوك وشركات التنظيم هي التي مولت كل نشاطاته وصرفه الكبير خلال فترة الديمقراطية الثالثة ( الانتخابات، شراء الأصوات.... الخ ) ، وكانت تلك المؤسسات وراء خلق الأزمات الاقتصادية والأزمات في المواد التموينية من اجل نسف استقرار النظام الديمقراطي ، وكانت وراء تخزين قوت الناس في مجاعة 83 / 1984 ، كما تغلغلوا وسط الجيش باسم دعم القوات المسلحة خلال فترة الديمقراطية الثالثة حتى نفذوا انقلاب 30 يونيو 1989 بالتحالف مع مليشيات الجبهة الإسلامية بعد تكوين الحكومة الموسعة والاقتراب من الحل السلمي لمشكلة الجنوب بع اتفاق الميرغني - قر نق .
وبعد انقلاب 30 يونيو 1989 تضاعفت ثروات هذه الفئة، ويمكن تلخيص أهم مصادر تراكم هذه الفئة في الآتي:
أ – نهب أصول القطاع العام عن طريق البيع أو الإيجار أو المنح بأسعار بخسة لأغنياء الجبهة أو لمنظماتها أو الأقمار التابعة لها، والتي كونت أكثر من 600 شركة تجارية تابعة لها ولمؤسساتها.
ب – إصدار قانون النظام المصرفي لعام 1991 م والذي مكن لتجار الجبهة ولمؤسساتها من الهيمنة على قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض مما أدى إلى فقدان الثقة في النظام المصرفي ، إضافة لإجراءات تبديل العملة وتحميل المودعين التكلفة بخصم 2 % من أرصدتهم وحجز 20 % من كل رصيد يزيد عن 100 ألف جنية امتدت اكثر من عام وانتهاك قانون وأعراف سرية النظام المصرفي وكشف القدرات المالية لكبار رجال الأعمال أمام تجار الجبهة الإسلامية ( دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ، أغسطس 2001 ) .
ج – التسهيلات والرخص التجارية من وزارة التجارة والبنوك التجارية والإعفاء من الضرائب .
د – الاستيلاء على شركات التوزيع الأساسية وتمليكها لتجار وشركات الجبهة الإسلامية .
ه – المضاربة في العقارات والأراضي والاستثمار في مشاريع الزراعة الآلية والثروة الحيوانية واستيلاء شركات ومؤسسات الجبهة الإسلامية على مؤسسات تسويق الماشية.
و – من مصادر التراكم الرأسمالي لهذه الفئة أيضا عائدات البترول والذهب.
ز – من الأمثلة للنهب : طريق الإنقاذ الغربي الذي وصل قمة النهب ، وإفقار المزارعين عن طريق نظام السلم أو الشيل والضرائب والجبايات التي لم يعرفها الشعب السوداني إلا في العهد التركي .
ح – من مصادر التراكم والدعم لهذه الفئة رأس المال الإسلامي العلمي الذي دخل البلاد في التسعينيات من القرن الماضي والذي قدرته بعض المصادر ب 6 مليار دولار وأسهم في دعم النظام ومؤسساته الاقتصادية والمالية والحربية .
• الشاهد أن هذه المصادر جاءت نتيجة للنهب الاقتصادي والقمع السياسي ، وعاشت هذه الفئة الطفيلية في ترف وبذخ في الأفراح والاتراح وأقامت غابات الأسمنت محل الأراضي الزراعية .
• ومن الجانب الآخر تدهورت أوضاع الفئات الشعبية نتيجة للفقر والبؤس ، وانتشرت الرشوة والفساد في المجتمع وغير ذلك من التحلل الخلقي والاجتماعي الذي فرضه نظام الجبهة الإسلامية .
• كما تدهورت أوضاع الفئات الوسطى التي تشمل ( الموظفين ، المهنيين ، المعلمين ، الأطباء ، ضباط الجيش ، الحرفيين ، .... الخ ) ، وتفاقمت مشكلة البطالة ، وتم تشريد الآلاف من العمل ، وزادت وتائر الهجرة للخارج ، كما زادت الهجرة الداخلية إلى المدن بسب المجاعات وظاهرة الجفاف والتصحر وتدهور الإنتاج الزراعي والحيواني ، والنزاعات القبلية وحرب الجنوب ، والحرب في دار فور والشرق ، كما طرحت جماهير المناطق المهمشة مطالبها في التنمية والتعليم والصحة والخدمات واقتسام السلطة والثروة . هذا إضافة لتمركز الصناعات في المدن وخدمات التعليم والصحة ، فقد أوضح المسح الصناعي الأخير أن 64 % من المنشآت الصناعية الكبيرة في الخرطوم ( المسح الصناعي 2001 ) .
11 – وعن طبيعة نظام الجبهة الذي بدأ بانقلاب 30 يونيو 1989 ، فقد بدأ بحل الجمعية التأسيسية ومجلس رأس الدولة وحل الأحزاب السياسية والنقابات ولجنة الانتخابات وكل المؤسسات الدستورية التي كانت قائمة قبل انقلاب 30 يونيو 1989 ، وتم تكوين مجلس ثورة ( سلطة تشريعية ) ومجلس وزراء ( سلطة تنفيذية ) ، وتم اعتقال قادة المعرضة مع مسرحية اعتقال د . حسن الترابي ، وتم تشريد الآلاف من المعارضين السياسيين . كما تم مصادرة الحقوق والحريات الأساسية : حرية الصحافة والتعبير والنشر ومنع المواكب والمظاهرات والإضرابات ، وفرضت مراسيم جمهورية حددت عقوبات معرضة أو مقاومة النظام ( إضرابات ) بالسجن الطويل أو الإعدام ، كما تم عقد مؤتمرات كانت الدعوة فيها تتم على أسس فردية ومن الإذاعة مثل مؤتمرات الصحافة والإعلام والحوار الوطني .... الخ، كما تم إقامة نظام شمولي ( نظام المؤتمرات الشعبية ) مع روافد له ( الشباب، النساء، السلام، المجلس الوطني الانتقالي.... ) ، وكلها تنظيمات تابعة للدولة ، كما تمت مصادرة جميع مظاهر النشاط الثقافي المستقل عن السلطة ، والتزم بيان البشير في يونيو 1989 بالآتي :
أ – رفع المعاناة عن الجماهير ب – فك عزلة السودان الخارجية ج – تحقيق السلام د – دعم القوات المسلحة .
وبعد 16 عاما زادت المعاناة على الجماهير ، وازداد لهيب نيران الحرب في الجنوب والتي اتسعت لتشمل دار فور وشرق السودان ، حتى تم توقيع اتفاق السلام في نيفاشا يوم 9 / 1 / 2005 م ، وحدث التدخل الدولي بقرار الأمم المتحدة بتواجد اكثر من 10 ألف جندي لحماية اتفاق السلام ، واصبح السودان تحت وصاية الأمم المتحدة .
ومن جانب آخر اتسعت المعارضة الجماهيرية والعسكرية للنظام ، وتم توقيع ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي في اكتو بر 1989 ، وكانت إضرابات عمال السكة الحديد 90 / 1991 ، وإضراب الأطباء في نوفمبر 1989 ، ومقاومة الطلاب التي بلغت ذروتها في انتفاضة سبتمبر 1995 ، وسبتمبر 1996 ، وانتفاضات المدن ومقاومة إرسال الطلاب إلى محرقة الحرب .. الخ.
وكان من نتائج المقاومة الداخلية وضغط المجتمع الدولي، إرغام الحكومة على توقيع اتفاقات السلام، لتبدأ معركة جديدة من أجل التحول الديمقراطي الشامل والتنمية والوحدة والسلام وتحسين أحوال الناس المعيشية.


برنامج إسعافي عاجل :
من العرض السابق للتركيبة الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت وتمخضت عن نظام الإنقاذ ، نلاحظ التركة المثقلة بالخراب والدمار والتشوهات التي حدثت في المجتمع السوداني في كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية . فالحزب الشيوعي عندما طرح برنامجه عام 1967 ، كان ينطلق من أرضية ثابتة في الاقتصاد السوداني ، وكان يطالب بالإصلاح والتطوير انطلاقا من تلك الأرضية : كان يوجد مشروع الجزيرة والمشاريع الزراعية الأخرى التي تسهم في توفير الغذاء ، وكان محصول القطن يشكل 60 % من الصادر إضافة للمحاصيل والصادرات الأخرى ، وكانت هناك بنيات تحتية ، صحيح كان لها مشاكلها ، مثل السكة الحديد ، النقل النهري ، الخطوط الجوية السودانية ، وكان هناك نظام تعليم مجاني وخدمات صحة صحية متوفرة للناس ... الخ. أما الآن، فإن الصورة قد تغيرت تماما، فقد انهارت المشاريع الزراعية بدلا من تطويرها باعتبارها الركيزة الهامة لتوفير الغذاء، والانطلاق نحو التصنيع، كما انهارت السكة الحديد والنقل النهري والجوى، وتدهورت خدمات التعليم والصحة. ولذلك ، فإننا نبدأ من نقطة متخلفة ، تتطلب برنامجا إسعافيا عاجل يتطلب إنجازه وحدة كل القوى السياسية والوطنية بمختلف أطيافها ومشاربها من أجل : -
1 – إعادة تأهيل القطاع الزراعي بحل مشاكل المياه والرى ومدخلات الإنتاج وتوفير الجازولين والطاقة الكهربائية ، واستعداد الحكومة لمكافحة الآفات ( الجراد ، الفئران ، الآفات الزراعية الأخرى ) ، وتقليل تكلفة الإنتاج ( تخفيض أسعار الماء والأرض والحصاد ) ، وحل مشاكل التسويق وتقليل تكلفة الترحيل ومشاكل التخزين ، ورفع تدخل الدولة وإلغاء الضرائب والجبايات التي تمحق عائد المزارع وتنفره من العمل بالزراعة ، وضمان توفير الغذاء . هذا إضافة إلى ضرورة إعادة الغطاء النباتي ونثر البذور حتى نحمى البيئة ونكافح الجفاف والتصحر ، التوسع في المساحات المزروعة ، رفع نسبة القطاع الزراعي في الصادر ، الاهتمام بالثروة الحيوانية وتنميتها وتوفير الخدمات البيطرية والمراعى والمياه وخدمات التعليم والصحة للرعاه ، هذا إضافة لضرورة إلغاء نظام الشيل وقيام بنك زراعي يخصص سقفا معلوما لتمويل صغار المزارعين بفوائد زهيدة حتى نتخلص من لعنة رمى المزارعين في السجون بسبب عدم تسديد السلفيات ، هذا إضافة لإنشاء بنك تعاوني تودع فيه الجمعيات التعاونية أرصدتها ويمدها بسلفيات زهيدة الفائدة .
2 – إعادة تأهيل القطاع الصناعي بتوفير الطاقة بأسعار زهيدة وحماية الصناعة الوطنية حتى نرفع القدرات التسويقية ، حل مشاكل التمويل والسلفيات بفوائد زهيدة لتوفير قطع الغيار وحتى تعمل المصانع بطاقتها الكاملة ، وتدب الحياة في المصانع التي توقفت ، هذا إضافة للتوسع في الرقعة الزراعية للحبوب الزيتية ( السمسم ، الفول ، القطن ، عباد الشمس ، .... الخ ) حتى تنتعش مصانع الزيوت والصابون ، والتوسع في زراعة القطن لمواجهة احيتاجات صناعة النسيج ، ...الخ. .
3 – إعادة النظر في كل المؤسسات التي تمت خصخصتها بهدف مراجعة كل التجاوزات القانونية التي تمت فيها، ورد ممتلكات الشعب إليه، ويتم ذلك أيضا بالنسبة لكل الشركات والمؤسسات والبنوك التي تم تأسيسها بعد انقلاب الجبهة.
4 – المطالبة بالشفافية في عائدات البترول والذهب، وتخصيص جزء منها لتنمية المناطق الأكثر تخلفا، ودعم القطاعين الزراعي والصناعي وخدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه وحماية البيئة، والتعويض العادل للذين تم تهجيرهم من مناطق البترول... الخ.
5 – إعادة تأهيل السكة الحديد، النقل النهري، الخطوط الجوية السودانية، ودعم وتطوير وتوسيع شبكة الطرق الداخلية..
6 – إعادة تأهيل نظام التعليم باعتباره استثمار مستقبلي وركيزة هامة لنهضة البلاد وهذا يتطلب ديمقراطية ومجانية التعليم العام فعلا لاقولا وتوفيره لكل مناطق السودان وبغض النظر عن النوع والعرق ، وتوفير مقومات التعليم الأساسية : مناهج قومية ، المعلم المؤهل والمستقر ماديا ، المدرسة الشاملة التي تلبي احتياجات التلاميذ الأكاديمية والثقافية والرياضية والفنية ، وتوفير المكتبات المدرسية التي تشجع التلاميذ على الدراسة من المهد إلى اللحد . وهذا يتطلب رفع ميزانية التعليم وإعادة النظر في خصخصة التعليم العام ومحاربة طريقة الحشو والتلقين الحالية التي تقتل روح الخلق والإبداع المستقل عند التلاميذ ، ورفع نسبة التعليم الفني في التعليم العام ، وضرورة المدرسة الشاملة التي تجمع بين التعليم الأكاديمي والفني ... الخ.
في التعليم العالي : فتحت حكومة الإنقاذ اكثر من 26 جامعة وكلية دون توفير مقومات التعليم العالي : أساتذة مؤهلين ، مكتبات ، قاعات معامل ، مراجع ، ميادين رياضية وقاعات للمنا شط الثقافية والاجتماعية ... الخ . وهذا يتطلب معالجة هذه المشاكل حتى يرتبط التعليم باحتياجات البلاد التنموية .
7 - في مجال الصحة : رفع ميزانية الصحة ، إعادة تأهيل المستشفيات ، تحسين شروط خدمة الأطباء والفنيين والممرضين والعاملين في القطاع الصحي باعتباره استثمار هام ، ولا يمكن الحديث عن تنمية بدون خدمات صحية وأجساد وعقول معافاة ، وهذا يتطلب توفير الدواء ووقف خصخصة الخدمات الصحية حتى لا يصبح العلاج للقادرين فقط ، وتوفير الخدمات الصحية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة .
8 – إعادة تأهيل القطاعين الزراعي والصناعي يسهم في حل مشكلة العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات ، ويسهم في التنويع الاقتصادي وحتى لا نعود إلي المربع الأول بالاعتماد على سلعة واحدة ( البترول الذي اصبح يشكل 80 % من الصادر ) ، علما بأن البترول ثروة ناضبة .
9 – إعادة التوازن في علاقاتنا التجارية الخارجية حيث تشكل الدول الآسيوية غير العربية نسبة 80,9 % من إجمالي الصادرات عام 2003 م ، كانت 73,7 % عام 2002 ، وتقليل الواردات الاستهلاكية البذخية من الدول العربية وأغلبها مواد استهلاكية غذائية .
10 – معالجة الديون الخارجية وإعادة التفاوض حولها مع الدائنين والشفافية ، والاشتراك بنشاط في الحملة العالمية المطالبة بإلغاء الديون الثقيلة على الدول الفقيرة ، فكل دولار تمنحه المؤسسات المالية العالمية والمؤسسات متعددة الجنسيات يعود عليها ب 2دولار على الأقل ، مما يجهض التنمية ويكرس التخلف في البلدان الفقيرة .
11 – تقليل الصرف البذخي على جهاز الدولة وتقليل الفساد إلى أقصي حد وكشفه ومحاربته ، وكذلك تقليل حجم جهاز الدولة وتحديد الوظائف والمناصب على ضوء احتياجات البلاد الفعلية ، وإعادة النظر في تقسيم الولايات والرجوع لنظام المديريات السابق :المديرية الشمالية ، مديرية كردفان ، دار فور ، الخرطوم ، الأوسط ( النيل الأزرق سابقا ) ، البحر الأحمر ، الاستوائية ، بحر الغزال ، أعالي النيل . وضمان الحكم الذاتي والمحلي في كل مديرية .
12 – حل مشكلة الفقر الذي أصبح نسبته تشكل 95 % من الشعب السوداني ، بتوفير فرص العمل للعاطلين وتسوية أوضاع المفصولين تعسفيا وكل من تم تشريده باسم الصالح العام ، ورد المظالم ومحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم في حق الوطن والمواطن .
13 – تحسين الأحوال المعيشية، وإعادة النظر في الأجور حتى تتناسب مع تكليف المعيشة، ودعم السلع الأساسية ( الكهرباء، الماء، الدقيق... الخ ) ، وتسديد ديون واستحقاقات العاملين .
14 – الاهتمام بالتنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة ، ورصد مبالغ معقولة للتنمية .
15 – إلغاء القوانين الاستثنائية مثل : قانون الأمن الوطني ، قانون الأحزاب والتوالي ، قانون الصحافة والمطبوعات ، قانون النقابات ، قانون الإثبات ، قانون العقوبات ، قانون الجمعيات الأهلية ، وإصدار قوانين ديمقراطية بديلة لها ، وبينها إصدار قانون ديمقراطي ولائحة لتنظيم عمل النقابات ، وتشكيل لجان قومية لمراجعة كل القوانين الأخرى في البلاد بهدف إزالة كل المواد المقيدة للحريات وتتعارض مع المواثيق الدولية .
16 – قيام الانتخابات العامة في موعدها الذي حددته الاتفاقية في نهاية السنة الثالثة، بقيام لجنة قومية تضع كل الخطوات اللازمة لنزاهتها ونجاحها، وان تجرى الانتخابات بحضور وإشراف دولي.
17 – بذل كل الجهود والتضحيات كيلا تعود البلاد مرة أخرى للحرب الأهلية في أى جزء منها ، تلك الحرب التي قضت على الأخضر واليابس ، وكانت على حساب التنمية وتحسين أحوال الشعب .
18 – ضرورة خلق أوسع جبهة من أجل توحيد البلاد وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تضمن تلك الوحدة ، ومخاطبة قضايا الجماهير ، والصراع السياسي والفكري ضد جماعات الهوس والتطرف الديني والإرهاب التي تهدد وحدة البلاد ، ومعالجة الثغرات في اتفاقية السلام ( سياسيا وفكريا ) مثل تطبيق الشريعة في الشمال ( والتي يجب ألا يحتكر تفسيرها تنظيم واحد ) ، ووجود نظامين مصرفيين واقتسام الثروة ووجود جيشين واقتسام السلطة في المركز والمناطق المهمشة .
19 – الاهتمام بالتنمية فعلا لا قولا في المناطق المهمشة .
20 – بعد حوالي خمسين عاما من الاستقلال تدهورت الأوضاع في السودان وتعمقت الحرب حتى أصبحت البلاد تحت حماية الأمم المتحدة ، وتم تحديد مهام ووظائف هذه القوات التي تقدر ب 10 ألف ، وتكلف هذه القوات سنويا مليار دولار قابلة للزيادة ، أي أن التكلفة في السبع سنوات القادمة ستكون على الأقل 7 مليارات ، ورغم تقدير جهد ودور المجتمع الدولي في مساعدة السودان في استتباب السلام واستعادة الديمقراطية وحماية الوحدة ، إلا أن هناك تخوفات لها ما يبررها من الآثار المالية والاجتماعية والصحية والأخلاقية ( تجربة الكونغو ) ، لهذا الثقل الكثيف للوجود الأجنبي في السودان ، وتجارب يوغسلافيا والصومال الفاشلة ما زالت ماثلة في الأذهان . ما العمل مع هذه القوات ؟
خلق أوسع جبهة من أجل جلاء الوجود الأجنبي من السودان في أسرع وقت ممكن ، وهذا يتطلب :
• ترسيخ وتعميق التحول الديمقراطي في البلاد.
• تصفية المليشيات في الشمال والجنوب وإطفاء نيران الحرب في الشرق والغرب .. الخ .
• منع تجدد الحرب حتى لا يكون هناك مبرر للبقاء لفترة أطول.
• الضغط لتقليص العدد كلما تحسنت الأحوال حتى الجلاء الكامل واستعادة الديمقراطية والسيادة الوطنية .
• أن يصمم أهل السودان ويعقدوا العزم على حل مشاكلهم بأنفسهم ، ومهما تصاعد الوجود الأجنبي ، فأنه لايغني عن الوحدة لحل مشاكلنا .
21 – تصعيد النشاط السياسي الجماهيري المستقل للأحزاب ، فالعمل الجماهيري المثابر هو العامل الحاسم في قلب موازين الصراع السياسي لمصلحة الشعب .
22 – ضرورة تحويل اتفاقيات السلام من ثنائية ( أو ثلاثية ) ، إلى اتفاق شامل ، باستكمال التفاوض مع جبهتي دار فور ومؤتمر البجا والأسود الحرة في الشرق ، والتفاوض مع حزبي الأمة والمؤتمر الشعبي ، حتى يتم تحويل الاتفاق من ثلاثي إلى شامل .
23 – المساواة الفعلية بين المرأة والرجل، وضرورة تمثيل المرأة العادل حسب ثقلها ووزنها وكفاءتها في أجهزة الدولة ( ( السلطة التشريعية، التنفيذية، .... الخ ) ، وفي الأحزاب السياسية والمنظمات الأخرى .
24 – خلق أوسع تحالف انتخابي لمواجهة مخاطر الفترة القادمة والتي تتطلب الإجماع الوطني الذي يشكل الضمانة الأساسية لاجتياز هده المرحلة بنجاح والضمان الوحيد لتحقيق السلام الدائم والشامل والتحول الديمقراطي والاستقرار والتنمية والوحدة.

مايو 2005م


ثم ماذا بعد تجميد الشراكة ؟ -7
القرار الذي اتخذته الحركة الشعبية يوم الخميس الماضي 11/10/2007 عشية عيد الفطر المبارك بتجميد الشراكة على مستوى وزراء الحركة الشعبية في حكومة الوحدة الوطنية والمستشارين برئاسة الجمهورية ، لم يكن مفاجئا ، بل كان تراكما لصراع دار بين طرفي الشراكة منذ توقيع اتفاقية نيفاشا في التاسع من يناير 2005 م حول مسار تنفيذ الاتفاقية .
اشار بيان المكتب السياسي الانتقالي للحركة الشعبية الى انتهاكات المؤتمر الوطني لاتفاقية السلام والتى تتمثل في الاتى :
عدم انجاز التحول الديمقراطي ، وعدم البدء في اجراءات المصالحة الوطنية ، عدم تنفيذ بروتكول ابيي ، عدم اكمال انسحاب القوات المسلحة ، غياب الشفافية في ادارة قطاع البترول ،عدم تمويل عملية الاحصاء السكاني ، تأخير ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب ، عدم اعتماد التعديلات الوزارية التي تقدمت بها الحركة الشعبية .
كما أشار البيان الى انتهاك المؤتمر الوطني للحريات بممارسة الاعتقالات وضرب مثلا باعتقال عضو المجلس الوطني الانتقالي للحركة : ين ماثيو ومصادرة الحريات الصحفية والتحرش بالصحفيين ، وابعاد الدبلوماسيين الاجانب من السودان دون التشاور مع الحركة الشعبية باعتبارها شريكا في حكومة الوحدة الوطنية ، وعدم التقيد بتنفيذ اتفاقيات القاهرة وابوجا واتفاقية سلام الشرق .
واصبحت البلاد الآن على شفا جرف هار والذي قد يؤدى في اى لحظة الى العودة لمربع الحرب والتى سوف تكون أوسع من الحروب السابقة ، واصبحت القضية اليوم ، هى ضرورة الوصول لحل شامل لمشاكل البلاد واشراك كل القوى السياسية والاقليمية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية من أجل الوصول لذلك الحل وتكوين حكومة قومية تقود سفينة البلاد الى بر الآمان حتى قيام انتخابات حرة نزيهة وتحت رقابة دولية تؤكد فعلا لاقولا التداول الديمقراطي للسلطة .
لقد اكدت التجارب أن الحلول الجزئية والثنائية تشكل مسكنات مؤقتة ما تلبث أن تعيد انتاج الازمة بشكل اوسع من السابق ، كما دلت اتفاقية اديس ابابا ، كما أن الحل يجب أن ينبع من داخل البلاد ومن خلال تراضي كل الاطراف ، مع تقديرنا للمساعدات التى يقدمها المجتمع الدولي في تقديم المساعدات والاغاثات لوقف الحروب والاقتتال ، ولكن العامل الحاسم يكمن في الحل الداخلي ، كما اكدت تجارب الاستقلال عام 1956 ، وتجربة ثورة اكتوبر 1964 ، وانتفاضة مارس - ابريل 1985 ، حيث انتزع شعب السودان حقوقه وحرياته كاملة ولم تجئ منحة من احد .
لقد اكدت اتفاقية نيفاشا على قضايا التحول الديمقراطي وتحسين احوال الناس المعيشية والتنمية ،وتوفير كل عوامل الوحدة الجاذبة وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية ، كما تم وضع دستور انتقالي تضمن وثيقة الحقوق التى كفلت الحقوق الديمقراطية .ولكن ظلت الوثيقة حبرا على ورق ، فقد استمرت الممارسات القديمة للمؤتمر الوطني في بيع الممتلكات العامة والاعتقالات والتعذيب ومنع المواكب والتصدى لها بالهروات والرصاص كما حدث في بوتسودان وامرى وكجبار ، وبدلا من ان تتحسن احوال الناس المعيشية بعد وقف الحرب ، تدهورت اوضاعهم المعيشية وارتفعت اسعار ضروريات الحياة ، وظلت قضايا المفصولين تراوح مكانها ، وتفجرت عشرات الاضرابات مطالبة بمتأخرات الاجور وتحسين الاحوال المعيشية ، هكذا كانت تتراكم المعارك والنضالات والتى حتما سوف تؤدى الى تحول نوعي يقود لحل شامل لمشاكل البلاد .
اذن نحن الآن امام أزمة وطنية شاملة لايفيد فيها الحلول الجزئية ، واصبح مستقبل البلاد في مهب الريح ، فاما أن تكون أو لاتكون .ولكيما نكون في مستوى التحدى ، كما اشرنا سابقا ، لابد من وحدة كل القوى السياسية والاقليمية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية في جبهة عريضة من أجل :
- انتزاع التحول الديمقراطي ، بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات واطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين أو تقديمهم لمحاكمات عادلة .
- اصدار قرار سياسي بارجاع كل المفصولين وازالة الضرر ورفع المظالم.
- تنفيذ اتفاقية نيفاشا وما جاء في وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي .
- شمول الاتفاقية لكل اقاليم السودان الاخرى ( دارفور ، كردفان ، الشمالية ، الشرق ، الخرطوم ، الوسط ) .وتكوين مجلس رئاسة دورى من هذه الاقاليم .
- توفير احتياجات الناس الأساسية في الشمال والجنوب ( التعليم ، الصحة ، الخدمات ، تحسين الاوضاع المعيشية بالغاء الزيادات في أسعار ضروريات الحياة وتوفير فرص العمل للشباب ، وتحويل جزء من عائدات النفط لدعم الزراعة والصناعة والتعليم والخدمات الصحية .. الخ ) .وتحقيق التنمية التى تجعل الناس يحسون بأن تغييرا حقيقيا تم في حياتهم وتضمن استدامة السلام بعد ان يجنى الناس فوائده رخاءا ونماءا .
- الحل القومي الشامل لقضية دارفور .
- عرض كل الاتفاقات التى تمت حتى الآن ( نيفاشا ، الشرق ، القاهرة ، .. ) ، على مؤتمر جامع للانتقال من الثنائية الى الحل الشامل .
ان تحقيق تلك القضايا هى الضمان لعدم انزلاق البلاد مرة اخرى في اتون الحرب وتقى البلاد شرور الفرقة والتمزق والشتات . اكتوبر 2007




في الذكري الثالثة لتوقيع اتفاقية نيفاشا : - 8
المآلات وحصاد الهشيم
تهل علينا الذكرى الثالثة لتوقيع اتفاقية نيفاشا للسلام في 9 يناير2005 م ، والبلاد مازالت تراوح مكانها اذ لم يتم تنفيذ الجانب الاساسي من الاتفاقية والتى تشكل لبها وجوهرها المتمثل في التحول الديمقراطي والحل الشامل الذي يعالج التدهور الاقتصادي والاجتماعي في البلاد ويستبدل ليس الحرب بمجرد السلام ، بل ايضا بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى تحترم الحقوق الانسانية والسياسية الاساسية للشعب السوداني ، كما جاء في بروتوكول مشاكوس الموقع في 20 /يوليو/2007 م ، هذا اضافة لعدم حل قضية ابيي وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وعدم الشفافية حول عائدات النفط وعدم اكتمال انسحاب القوات من الجنوب ، وانتهاك الحقوق والحريات الاساسية وافراغ وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي من محتواها، حتى اصبحت حبرا على ورق، مما ادى الى انفجار الوضع بتجميد الحركة للشراكة في الحكومة المركزية والمناصب الدستورية عشية عيد الفطر المبارك ، مما ادى لاعادة الجدولة ، رغم تلك الجدولة أو المصفوفة الجديدة ، الا أن الحكومة قدمت ميزانية العام 2008 م التى لن يجنى منها شعب السودان غير المزيد من التدهور في اوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والتى اجازها المجلس في دورته الاخيرة لتكون هديته بمناسبة عيد الاضحى وعيد الاستقلال ، حتى اصبح الناس يتساءلون لماذا عدت ياعيد بدون جديد ؟!! وبمزيد من التدهور والشقاء والغلاء ؟!، وبالتالى يشكل ذلك بداية سيئة لجدولة تنفيذ الاتفاقية مما يشكل مؤشرا لانفجار الوضع من جديد ، فالمسكنات ماعادت تجدى ، وقضية الوطن لاتحتمل المراوغة ، بل اصبح من الضروروي لتجنيب البلاد مخاطر العودة لمربع الحرب تنفيذ الاتفاقية وعدم نقض العهود والمواثيق.
اذن استمر النظام في سياسته التقليدية كما في اجازة ميزانيتي العام 2006 ، 2007 م والتى زادت الشعب السوداني رهقا على رهق ، اما ميزانية هذا العام ، فلا تبشر بأى انفراج في اوضاع الناس المعيشية ، وبالتالى تظل مفارقة لاهداف اتفاقية نيفاشا التى اوقفت الحرب وبشرت بتحسين احوال الناس المعيشية والاقتصادية والتحول الديمقراطي والعمل من اجل تحقيق الوحدة الجاذبة ، فاى أمل يرجوه الناس من ميزانية بلغ فيها مخصصات الامن والدفاع والقطاع السيادي 7,8مليار جنية ، في حين أن نصيب الدولة من عائدات البترول بلغ 7,3مليار ؟!! ، في حين كان يتوقع الناس أن تذهب عائدات البترول لدعم القطاع الزراعي والحيواني والصناعة وتوفير فرص عمل لالاف الشباب الخريجين العاطلين عن العمل ، ودعم التعليم والصحة والخدمات .. الخ ، هذا علما بضآلة المبالغ المخصصة للصحة(31مليون جنية ) ، والتعليم (6,6مليون جنية) ، وتقليل الصرف البذخي ، أما ما تم تخصيصه للتنمية في الميزانية فبلغ 2,% .وبالتالى فهى ميزانية لتكريس افقار الشعب و لخدمة مصالح الفئة الرأسمالية الطفيلية . هذا اضافة لعجز الحكومة عن ادارة الكوارث التى احاطت بالبلاد احاطة السوار بالمعصم مثل : تدهور الاوضاع الصحية والفشل في ادارة ازمة الحمى النزفية ، والتى ادت الى خسارة كبيرة بالنسبة لمصدري الماشية والتى قدرها البعض ب300 مليون دولار ، و كوارث السيول والفيضانات ، والصراعات القبلية في دار فور وجنوب كردفان وجنوب البلاد ، اضافة الى مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية وقمع المظاهرات ومصادرة حرية التعبير والنشر والاستمرار في افراغ وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي من محتواها والمقاومة الواسعة لذلك ،
كما تستمر الضغوط الدولية على الحكومة حتى تقبل بالانتشار الكامل وغير المقيد للقوة الافريقية الاممية في دارفور ، وتتجه الادارة الامريكية بالتنسيق مع مجلس الامن والاتحاد الاوربي أو منفردة لفرض عقوبات مثل : الاستمرار في تطبيق العقوبات ودعم الجهود لتوحيد فصائل دارفور والتفاوض لوقف اطلاق النار ، وتطبيق وفرض منطقة حظر طيران بالتنسيق مع الناتو ، وبما في ذلك استصدار قرار من الكونغرس : ان يخول باستخدام القوة لانهاء ما تسميه واشنطن بالابادة الجماعية.
وبعد أن شعر المؤتمر الوطني ان الازمات احاطت به داخليا وخارجيا وبعد انفجار الازمة مع الحركة الشعبية ، سعى لفك الاختناق بالاتصال بالقوى السياسية الاخرى لامتصاص الازمة وليس حلها، اذ مامعنى الاتصال بالقوى السياسية وتكوين لجان للحوار معها مع استمرار النظام في استخدام اغلبيتيه الميكانيكية في المجلس الوطني لتمرير الميزانية؟؟! ومع استمرار المعتقلين في السجون وقمع مظاهرات طلاب جامعة الخرطوم واعتقال البعض وتقديمهم لمحاكمات لا لشئ الا انهم مارسوا حق كفله لهم الدستور؟؟!!، مما يعكس عدم جدية المؤتمر الوطني ، الذي اصبحت المراوغة ديدنه، وانطبق عليه قول الشاعر : يعطيك من ظرف اللسان حلاوة / ويروغ منك كما يروغ الثعلب ، فما عاد ذلك ينطلى على شعبنا ، فبدلا من تكوين اللجان السداسية مع كل حزب وزرع الفتن والخلافات داخله ، الاجدى المؤتمر القومي أو التفاوض الجماعي مع القوى السياسية، للانتقال من الثنائية للحل الشامل، وتنفيذ الاتفاقات التى وقعها المؤتمر الوطني مثل : اتفاقية نيفاشا المشهودة دوليا ، وتنفيذ اتفاقية القاهرة مع التجمع الوطني وبقية الاتفاقات ،وتحسين المناخ السياسي للحوار والمصالحة الوطنية بالغاء القوانين المقيدة للحريات واطلاق سراح المعتقلين السياسيين ، واصدار قرار سياسي بارجاع المفصولين من العسكريين والمدنيين، وارجاع ممتلكات الاحزاب وتحسين احوال الناس المعيشية والحل الشامل لقضية دارفور. ان تنفيذ هذه المطالب هو المحك لجدية المؤتمر الوطني في تحقيق المصالحة الوطنية .وهي ليست مطالب مستحيلة ، فقد انجزتها بعض البلدان ( مثل البرتغال ، اسبانيا ، شيلي ، جنوب افريقيا.. الخ) التي مرت بالازمة نفسها واخرجت بلادها من ظلمات الازمة الى بر الامان، واطلقت الحريات العامة والغت القوانين المقيدة للحريات وانجزت انتخابات حرة نزيهة ازالت الاحتقان السياسي بانجاز مصالحة وطنية حقيقية رفعت المظالم والضرر، وكفلت وحدة البلاد والصراع السلمي الديمقراطي لتبادل السلطة وتحسين احوال الناس المعيشية.
لقد كان توقيع اتفاقية السلام في نيفاشا انجازا كبيرا اوقف نزيف الحرب بين الشمال والجنوب الذي استمر لحوالى 22 عاما ، وفتح الطريق لمواصلة الصراع من اجل انتزاع التحول الديمقراطي وتحسين احوال الناس المعيشية وتوحيد البلاد على اسس طوعية ورفع المظالم والضرر الذي لحق بالمواطنين خلال السنوات الماضية. ولكن مسار التنفيذ ظل خلال السنوات الماضية كما اشرنا سابقا يتعلق بالشكل لا الجوهر، اذ لم يتم شئ حول التحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية وتحسين اوضاع الناس المعيشية والذي يضمن استدامة السلام وعدم العودة لمربع الحرب. واستمرار المؤتمر الوطني بالعقلية الشمولية القديمة التى بدأت تهتز الارض تحت اقدامها مثل انتهاكات حقوق الانسان باطلاق النار على المظاهرات السلمية التى كفلها الدستور كما حدث في بورتسودان وامرى وكجبار وقمع المظاهرات السلمية ضد الزيادات في الاسعار وقمع موكب المفصولين والرقابة على الصحف واعتقال الصحفيين وتقديمهم لمحاكمات ، هذا اضافة لتدهور اوضاع المعيشية جراء الزيادة في الاسعار والجبايات ، وكان من نتائج ذلك الموجة الواسعة من الاضرابات. وتكوين الهيئة القومية للحريات .. الخ .
لاشك أن تراكم المقاومة لسياسات المؤتمر الوطني وافشال مخططاته في تفتيت قوى المعارضة سوف يؤدى الى تحول نوعي ، ويفتح الطريق لانتزاع التحول الديمقراطي والذي لانتوقع أن يأتى منحة من احد كما اكدت تجارب شعبنا ، وان استمرار المؤتمر الوطني في القمع وتركيز السلطة والثروة في ايدي القلة وافقار جماهير شعبنا لن يفضي لمصالحة وطنية حقيقية تفتح الطريق لحل الازمة والحل الشامل لقضايا البلاد .ولابديل امام شعبنا سوى مواصلة النضال من اجل انتزاع التحول الديمقراطي والغاء القوانين المقيدة للحريات وتحسين الاحوال المعيشية والحل الشامل لقضية دارفور، وتنفيذ اتفاقية نيفاشا واتفاق القاهرة وبقية الاتفاقات.


9 - ماهي طبيعة وحقيقة اتفاق التراضي الوطني؟
شهد يوم الثلاثاء الماضي:20/مايو/2008م، توقيع الاتفاق بين حزب الامة والمؤتمر الوطني( اتفاق التراضي الوطني)، ونشرت صحف الاربعاء السودانية نص الاتفاق، وبذلك اصبح الاتفاق متاحا للقراء لدراسته والتعليق عليه، ورغم ترحيب شعب السودان باهمية الحوار وحل مشاكل السودان بواسطة اهله، بعيدا عن التدخل الاجنبي، وبانجاز التحول الديمقراطي والسلام العادل والشامل والتنمية وتحسين احوال الناس المعيشية، والوحدة الطوعية والديمقراطية للبلاد وغير ذلك من الشعارات العزيزة علي شعبنا، والتي اكدتها الاتفاقات (نيفاشا، القاهرة،..الخ)، ولم تجد استحقاقاتها طريقها لتنفيذ، والتي لم يضف لها اتفاق الامة والوطني جديدا.
ولكن يتساءل الناس عن مدى جدية المؤتمر الوطني في تنفيذ اى اتفاق بعد التجارب و الاتفاقات الكثيرة التي وقعها واصبحت حبرا علي ورق مثل: اتفاق السلام 1997م مع جناح من الحركة الشعبية لتحرير السودان ، واتفاق جيبوتي مع حزب الامة عام 1999م والذي ادي الي شق التجمع الوطني الديمقراطي وانهك حزب الامة نفسه، بشقه الي جناحين ، وكانت الحصيلة عدم تنفيذ الاتفاق، وكذلك اتفاقية نيفاشا المشهودة دوليا والتي مازالت متعثرة في التنفيذ، واصبح الامر يهدد بنسفه بعد احداث ابيي الأخيرة. وكذلك اتفاق القاهرة مع التجمع الوطني الديمقراطي والذي لم ينفذ واصبح حبرا علي ورق. اما اتفاق ابوجا مع مجموعة مناوي فقد مات موتا سريريا، مما يتطلب تفاوضا جديدا يشمل جميع مكونات اهل دارفور والفصائل ، اى حلا شاملا ، باعتباره الشرط لنجاح مهمة القوات الدولية. اما اتفاق الشرق فمازال متعثرا.. الخ.
فالمؤتمر الوطني ليست لديه مشكلة في توقيع الاتفاقات ، ولكن مشكلته في التنفيذ، وديدنه المراوغة وكسب الزمن ، وماعاد ذلك يجدي في ظروف ينزف فيها الوطن دما ، وخاصة بعد احداث امدرمان الاخيرة والتي هددت بنقل الحرب الي العاصمة ، ولابديل للتحول الديمقراطي والحل الشامل لمشاكل البلاد حتي لاتتعرض البلاد للتشرذم والتمزق.
كما اكدت التجربة من مفاوضات نيفاشا، أن حصر التفاوض في طرفين واستبعاد بقية القوي السياسية ، كان خطأ كبيرا علي حساب السلام والاستقرار في السودان. كما اكدت التجربة ايضا أن المؤتمر الوطني يمارس سياسة فرق تسد بابرام الاتفاقات الثنائية مع القوى المعارضة وعدم تنفيذها مما يؤدي الي اضعاف هذه الاحزاب حتي لاتواجهه موحدة في معركة الانتخابات القادمة، فهو يعتمد سياسة فرق تسد ، وسياسات اقتصادية ركزت المال في يد المؤتمر الوطني ، والذي يلعب دورا كبيرا في معركة الانتخابات القادمة.
ولابديل لقوى المعارضة غير توحيد صفوفها ووحدة احزابها لمواجهة المعركة القادمة والتي تهدف الي انتزاع التحول الديمقراطي ، وانتزاع قانون ديمقراطي للانتخابات يفتح الطريق امام انتخابات حرة نزيهة تخرج البلاد من شبح التمزق والفرقة والدمار المحدق بالوطن.
والواقع ، انه ليس هناك مايلوح في الافق اى اتجاه للمؤتمر الوطني لتحسين المناخ السياسي وتهيئة الاجواء لتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية والحوار مع القوى السياسية بااتخاذ قرارات مثل : الغاء القوانين المقيدة للحريات واصدار قرار سياسي بارجاع المفصولين تعسفيا من المدنيين والعسكريين وتحسين احوال الناس المعيشية بعد الارتفاع الجنوني في الاسعار وضعف الاجور، والحل الشامل لقضية دارفور واطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتنفيذ اتفاقية نيفاشا والقاهرة، وبقية الاتفاقات. ان تنفيذ تلك المطالب تهئ الاجواء للمصالحة الوطنية والحوار وتفتح الطريق لخروج البلاد من عنق الزجاجة الحالي.
والواقع أن ذلك لم يحدث حتي الآن وبعد ثلاث سنوات من اتفاقية نيفاشا، مما يشير الي أن تفاؤل السيد الصادق المهدي لاأساس موضوعي له. فالصادق المهدي له سوابق في توقيع اتفاقات مع نظام نميري(مصالحة 1977)، لم ينفذ ، وكذلك له سابقة مع نظام الانقاذ (اتفاق جيبوتي 1999) لم ينفذ، فلماذا يتعرض حزب الامة للدغ من الجحر اكثر من مرة ؟.
بعد هذه المقدمة، ندلف للاتفاق نفسه، ونلاحظ كما جاء انه يتكون من سبعة موضوعات هي: 1- الثوابت الوطنية، 2- تهيئة المناخ، 3- دارفور، 4- الانتخابات، 5- المطلوب عمله، 6- السلام، 7- الحريات.
أولا: الثوابت:
الاتفاق لم يضف جديدا للاتفاقات السابقة، بل اكد علي وجهتها العامة، ولكن الاتفاق في الثوابت وفي البند (1-3) يشير (الي التزام قطعيات الشريعة)، مما يثير المخاوف من جديد لتكرار تجربة الدولة الدينية، والتي كانت وبالا علي البلاد بعد تجربة قوانين سبتمبر 1983، وتجربة نظام الانقاذ في 1989 م ، وفيه تراجع عن ميثاق اسمرا في يونيو 1995 الذي اشار الي (فصل الدين عن السياسة)، وفيه تراجع ايضا عن اتفاقية نيفاشا التي حصرت تطبيق الشريعة في الشمال، وفي الشمال نفسه تتباين وجهات النظر ولايستطيع أن يدعي فريق معين بأنه يحتكر تفسير الشريعة والدين.
ثانيا: تهيئة المناخ:
وجاء البند(5) في موضوع تهيئة المناخ ليكرس شبه تحالف بين الحزبين ينص البند علي ما يلي(التعاون بين الحزبين في بناء القطاعات الفئوية والطلابية والنقابية والمفوضيات بمشاركة الجميع)، اضافة الي البند( 2) الذي ينص علي(ابتدار الجهود لتهيئة قواعد الحزبين للتفاعل الايجابي مع ما اتفق عليه الحزبان والعمل علي تنشيط العلاقات الاجتماعية بين منسوبي الحزبين).
ثم ما المقصود (بتنفيذ توصيات هيئة الحسبة والمظالم) في البند (3)، بدلا من الحديث عن ضرورة اصدار قرار سياسي بارجاع المفصولين من المدنيين والعسكريين، ورفع المظالم والضرر كما أشار اتفاق القاهرة؟.
ثالثا: دارفور:
تم تناول قضية دارفور بطريقة معممة في اتفاق التراضي بين الامة والوطني، اذ لم يشر الاتفاق الي دور نظام الانقاذ في تعميق المشكلة باعتماد الحل العسكري، وتسليح قوات الجنجويد، وجرائم الحرب والابادة التي تمت، وضرورة محاسبة المسئولين عن جرائم الحرب ونزع سلاح الجنجويد، وضرورة الحل الشامل، وتنفيذ الاتفاقات ، ولقد اكدت احداث امدرمان الاخيرة ضرورة تنفيذ الاتفاقات والتحول الديمقراطي والاستجابة لمطالب اهل دارفور بتحقيق مطلب الاقليم الواحد، والتنمية التي توفر احتياجات الناس الاساسية.
رابعا:الانتخابات:
في الانتخابات ، اكد الطرفان في البند(3-2): ( 60 % من اعضاء كل مجلس يتم انتخابهم بالنظام الفردي و40% علي اساس التمثيل النسبي ) ، وهو عكس ما اتفقت عليه أغلبية القوي السياسية(50% جغرافي، 50% نسبي)، وحتي اذا تجاوزنا ذلك، ولكن المشكلة التي ليست محل اجماع كما جاء في البند(3- 6): (دائرة التمثيل النسبي تكون اتحادية _ السودان كدائرة واحدة- )، وهذا سوف يعيد انتاج الازمة ويخلق نظاما انتخابيا هشا، سرعان ما ينهار بسبب اقصاء قوى كبيرة تعبر عن قضايا ومشاكل مناطقها وتصبح خارج دائرة اتخاذ القرار.
اما البند الاخر الذي يزيد الامور تعقيدا هو الاتفاق بين الحزبين علي نظام العتبة(5%) ، كما في البند( 3- 10): ( النسبة المؤهلة للتنافس هي حصول الحزب علي نسبة 5%)، وهذا الشرط سوف يكون ضارا، في بلد خارج لتوه من حروب اهلية ، يحتاج النظام الانتخابي فيه الي المرونه واستيعاب الجميع، وليس الاقصاء الذي دون شك سوف ينسف الديمقراطية الوليدة. اذ أنه سوف يكرس هيمنة الاحزاب الكبيرة، وبالتالي يتم اعادة انتاج الحرب والهيمنة من جديد.
خامسا: السلام:
اكد الاتفاق علي الاتفاقات السابقة، ولكن المشكلة فيها هي عدم الالتزام بتنفيذ العهود والمواثيق، الأمر الذي يعيد انتاج الحرب من جديد، وأن ما توصل اليه حزب الامة والوطني حول الانتخابات والدولة الدينية سوف يعيد البلاد الي مربع الحرب مرة اخري والتي قطعا سوف تكون علي نطاق اوسع من السابق.
سادسا: الحريات:
ماجاء في الاتفاق حول ضرورة التحول الديمقراطي والغاء القوانين المقيدة للحريات لاخلاف عليه، ولكن المشكلة في التنفيذ، المهم هو تحويل وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي 2005م الي واقع حي يحسه ويمارسه الناس، وذلك بوقف الرقابة علي الصحف وحرية وقومية الاعلام، وحق الاحزاب السياسية في ممارسة نشاطها السياسي(اقامة الندوات والليالي السياسية، ...الخ)، وعدم اطلاق النار علي المواكب السلمية ومحاسبة المسئولين عن ذلك(كما حدث في بورتسودان وكجبار..الخ)، اضافة للممارسات المنافية لحقوق الانسان مثل ممارسة التعذيب..الخ، وان يكون جهاز الامن جهازا لجمع المعلومات كما جاء في الدستور الانتقالي 2005م، وغير ذلك مما جاء في الدستور الانتقالي للعام 2005م.
اذن المطلوب هو تحويل وثيقة الحقوق الي واقع حي يمارسه السودانيون، دون أن يكون هناك انفصام بين الواقع والدستور.
وأخيرا، يبدو أن اتفاق حزب الامة والوطني، حسب ما أشار الكثيرون أنه لم يضف شيئا جديدا للاتفاقات السابقة، وانه اتفاق ثنائي مثله مثل الاتفاقات السابقة، بل ان خطورة اتفاق الامة والوطني يعيدنا مرة اخري الي مربع الدولة الدينية والحرب، والذي بذل الشعب السوداني مع المجتمع الدولي جهدا كبيرا في وقف بعضها( الجنوب، الشرق، جبال النوبا، جنوب النيل الازرق،..الخ)، ومتبقي دارفور والذي مازال البحث جاريا نحو الحل الشامل الذي تسهم فيه كل مكونات دارفور والفصائل المسلحة. وكان ينبغي الانطلاق من النقطة المتقدمة التي وصلنا اليها، ونعالج تنفيذ استحقاقات الاتفاقيات ، لا اضافة قنابل موقوتة جديدة تتمثل في ما توصل اليه الامة والوطني حول الدولة الدينية والانتخابات التي تهمش الاحزاب الصغيرة والحركات الاقليمية مما يعيد انتاج الحرب من جديد ويتم نسف كل الجهود السابقة التي توصلنا اليها حتي الان.
كنا نتوقع أن يهجم حزب الامة علي الاحزاب باتفاق متقدم ينطلق من المنجزات السابقة ويشمل الجميع، لكن أن يهجم بادوات واتفاق متخلف علي ما توصلت اليه الحركة السياسية في اسمرا 1995 واتفاقات نيفاشا والشرق وابوجا، فان تلك الهجمة سوف ترتد الي صدور الامة والوطني، وسوف تؤدي الي رفع حالة الاحتقان القائمة اصلا، وتؤدي الي تدمير البلاد ويتم اعادة البلاد مرة اخري الي مربع الحرب
وبالتالي، ان ما تم ليس اتفاقا، فضلا عن هلاميته وعدم تحديد مواقيت محددة للتنفيذ، ولكنه تحالف بين المؤتمر الوطني وحزب الامة، وسوف يعمق الازمة ويعيد انتاجها بشكل اوسع، كما ستوضح الايام القادمة، اضافة الي ارث المؤتمر الوطني في نقض العهود والمواثيق، وهدفه في اضعاف القوى السياسية حتي لاتواحهه موحدة في المعركة الانتخابية القادمة، وبالتالي لابديل غير وحدة كل القوي السياسية من اجل وحدة البلاد وانتزاع التحول الديمقراطي، والحل الشامل لقضية دارفور والذي يخاطب جذور الازمة.



10- ماهي دلالات تمرير قانون الانتخابات بالاغلبية الميكانيكية؟
في جلسة الاثنين الموافق 7/7/2008م، اجاز المجلس الوطني قانون الانتخابات لعام 2008م، بالاغلبية الميكانيكية، رغم الاعتراضات التي ابدتها قوي المعارضة السودانية والتي نبهت الي خطورة اقصاء الاحزاب الصغيرة وقوي الهامش عن طريق نظام العتبة(5%)، كشرط للتأهيل لدخول البرلمان، وهذا شرط يعيد البلاد لمربع الحرب مرة اخري، وخاصة أن البلاد خارجة لتوها من حروب اهلية، وكان من المهم استيعاب كل القوي في البرلمان بدون شروط تعسفية، فالبلاد كانت وما زالت في امسّ الحاجة لاصدار قانون انتخابات ديمقراطي يتوافق عليه الجميع، ولايقصي احدا، بفرض الرأي الواحد، هذا اضافة لاعطاء 60% للدوائر الجغرافية، و40% للتمثيل النسبي، وتمرير القائمة المنفصلة للنساء رغم المعارضة الواسعة لذلك من نساء الاحزاب وموكبهن الباسل الذي حاصر البرلمان بما فيهن نساء الحركة الشعبية التي صوتت لصالح تمرير القانون!!. وهذا يؤكد نهج المؤتمر الوطني الاقصائي الذي سار عليه منذ توقيع اتفاقية نيفاشا في يناير 2005م.
ان تمرير هذا القانون غير الديمقراطي يعيدنا الي مربع السودان القديم القائم علي مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية والتنمية غير المتوازنة وتهميش الاقليات الاكثر تخلفا، ويعيدنا الي مربع الحرب الاهلية مجددا، مما ينسف اتفاقية نيفاشا التي كان من حسناتها ايقاف الحرب التي دارت رحاها في البلاد لمدة 22 عاما.
ان اجازة قانون الانتخابات بهذه الطريقة يعتبر بمثابة نهاية سيئة لفترة الانتقال.
وكان من المفترض لانجاح فترة الانتقال اشراك الجميع واتخاذ القرارات في المجلس الوطني بالتوافق، والغاء كل القوانين المقيدة للحريات التي تتعارض مع الدستور وتحسين احوال الناس المعيشية، والحل الشامل لقضية دارفور، وتوسيع نطاق اتفاقية نيفاشا لتشمل بقية اقاليم السودان ، وكان ذلك سوف ينقذ البلاد من الطوفان ويرسوا بها الي بر الامان، وتلك كانت ولازالت فرصة تاريخية تضمن وحدة واستقرار البلاد ، وقيام مصالحة وطنية يتم فيها اطلاق الحريات العامة ودفع الضرر وازالة المظالم واصدار قانون انتخابات ديمقراطي يفتح الطريق لقيام انتخابات حرة نزيهة تخرج البلاد من ظلمات الازمة.
علي أن المتابعين لتطورات الاحداث منذ بداية توقيع اتفاقية نيفاشا، كانوا يلاحظون أن الاتفاقية جاءت كصفقة ثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وكرست لحكم ثنائي يهمين فيه المؤتمر الوطني بنسبة 52% علي مستوى الحكم المركزي، ومن البداية بدأ التفاوض ثنائيا وانتهي ثنائيا، وتم تهميش القوي السياسية الاخري الشمالية والجنوبية واعطائها نسبة 20%(14% للشمالية، و6% للجنوبية) في تلك القسمة الضيزي، وكان ذلك خللا اساسيا في تلك القسمة، فالمؤتمر الوطني لايمثل كل الشمال، والحركة الشعبية لاتمثل كل الجنوب.
أى كان الخلل الاساسي كما اشرنا استبعاد القوي السياسية الاخري
وبعد توقيع الاتفاقية لم يتوجه مسار التنفيذ لتحقيق جوهر اتفاقية نيفاشا المتمثل في التحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية وتحسين احوال الناس المعيشية والذي يضمن بذلك استدامة السلام وعدم العودة لمربع الحرب. واستمر المؤتمر الوطني يحكم بالعقلية الشمولية القديمة، وعلق وثيقة الحقوق في دستور السودان الانتقالي لعام 2005م، وتم اطلاق النار علي المظاهرات السلمية التي كفلها الدستور كما حدث في موكب ابناء البجا في بورتسودان وكجبار وقمع المظاهرات السلمية ضد الزيادات في الاسعار وقمع موكب المفصولين والرقابة علي الصحف واعتقال الصحفيين وتقديمهم لمحاكمات، هذا اضافة لتدهور الاوضاع جراء الزيادة في الاسعار والجبايات، وكان من نتائج ذلك الموجة الواسعة من الاضرابات، هذا اضافة لتمرير ميزانيات الاعوام:2006، 2007، 2008م في المجلس الوطني والتي زادت الشعب السوداني رهقا علي رهق، وهي سياسات تقليدية صوتت لصالحها الحركة الشعبية رغم جوهرها المتمثل في السياسات المالية والاقتصادية للسودان القديم، والتي تقوم علي افقار الطبقات الكادحة وزيادة ثروات القلة. أى ان المؤتمر الوطني افرغ الاتفاقية من محتواها الحقيقي وضرب بها عرض الحائط.
ورغم تململ الحركة الشعبية وشكواها المستمرة بعرقلة التنفيذ للاتفاقية مثل :عدم تنفيذ بروتكول ابيي، وعدم تحقيق التحول الديمقراطي ، وعدم ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب،..الخ، مما ادي لتجميد الحركة الشعبية في اكتوبر 2007م نشاطها في الحكومة المركزية، وتم الاتفاق علي جدولة جديدة للاتفاق(مصفوفة)، الا ان تلك المصفوفة ايضا لم يتم تنفيذها، كما تم توقيع الاتفاق الاخير حول ابيي بعد الاحداث الاخيرة فيها، ويتساءل الناس عن جدية المؤتمر الوطني في التنفيذ بعد التجارب الكثيرة معه؟؟.
من الجانب الآخر كان هناك الخلل في ضعف وجود المعارضة، طيلة الفترة الانتقالية، في الشارع باعتبار ذلك هو الحاسم في قلب الموازين لصالح انجاز التحول الديمقراطي وتحسين احوال الناس المعيشية وفي تنفيذ الاتفاقية وعقد المؤتمر الجامع للحل الشامل لمشاكل السودان، اى ان المعارضة لم تستغل الي اقصي حد الامكانيات الواسعة لتوسيع وتعميق النشاط السياسي الجماهيري المستقل في الشارع، اذ أنه بتوسيع ذلك النشاط وتراكمه سوف يؤدي في نهاية المطاف الي تحول نوعي يفتح الطريق لانتزاع التحول الديمقراطي والذي لانتوقع ان ياتي منحة من احد، كما اكدت تجارب شعبنا.
في ضوء الاعتبارات السابقة ننظر لدلالات تمرير قانون الانتخابات السئ بالاغلبية الميكانيكية داخل المجلس، باعتبار أن ذلك جاء تتويجا للسياسات السيئة التي مارسها المؤتمر الوطني طيلة السنوات الثلاث الماضية من عمر الاتفاقية.اضافة الي أنه نتاج للتركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي افرزتها اتفاقية نيفاشا، والتي ترغب في مواصلة الحكم بقانون انتخابي زائف يعبر عن رغبة الشريكين، ومواصلة استبعاد القوى السياسية الاخري، مما يكرس الحكم الثنائي الذي افرزته اتفاقية نيفاشا، ويهدف من ورائها المؤتمر الوطني الي تكريس هيمنته في ذلك الحكم واعادة انتاج الشمولية بوسائل تقوم بالابقاء علي القوانين المقيدة للحريات وعلي تزييف الانتخابات، ولتكريس الامتيازات الطبقية للفئات الرأسمالية الطفيلية الاسلامية في الشمال، والفئات الراسمالية الجديدة في الجنوب المتطلعة للثراء والسير في طريق التنمية الرأسمالية، عن طريق الاستحواذ علي عائدات النفط، وعدم توجيهها لتوفير احتياجات الناس الاساسية في الجنوب(تعليم، صحة، خدمات، بنيات تحتية..الخ)، وفتح الجنوب للشركات المتعددة الجنسيات للتنقيب عن البترول والمعادن، ونهب الفائض الاقتصادي وتصديره للخارج وتدمير البيئة والطبيعة الخلابة في الجنوب، وتعميق الفوارق الطبقية ، والمزيد من الافقار والتشريد للكادحين من ابناء الجنوب.
اي أنه من المهم اخذ المصالح الطبقية للشريكين في الحكم الذي نشأ بعد اتفاقية نيفاشا، في دلالات تمرير قانون الانتخابات السئ.
ولابديل غير مواصلة النضال الجماهيري من اجل القضايا التي ظلت مطروحة منذ الاستقلال في 1956م وهي تحقيق الحقوق والحريات الديمقراطية، بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات، وقيام انتخابات حرة نزيهة تقرر ختام مهزلة الشمولية، التنمية وتحسين احوال الناس المعيشية والتي ازدادت سوءا بعد اتفاقية نيفاشا رغم زيادة عائدات البترول بعد ارتفاع أسعاره عالميا، الحل الشامل لقضية دارفور وبقية اقاليم السودان، توحيد البلاد علي اسس طوعية وديمقراطية، وتصفية الديكتاتورية والشمولية من الحياة السياسية السودانية.


11- حول قرار المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية
في يوم الاثنين: 14/7/2008م، وجه المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية: اوكامبو في مؤتمر صحفي بمقر المحكمة الجنائية الدولية بلاهاى، ثلاث تهم للرئيس البشير ادعي انها ارتكبت بحق قبائل الفور والمساليت والزعاوة تتعلق بتطهير عرقي واغتصاب وتعذيب، واعلن أن عدد الضحايا الذين تم تشريدهم من ديارهم يقدر ب 2,5 مليون، وأشار الي أن 35 ألف قتلوا بشكل مباشر ، وان ما بين: 80- 265 الف ماتوا ببطء بعد أن شردهم القتال، وأوضح ان قرار الابادة من الرئيس البشير بدأ في العام 2003م، عندما أمر الجيش بعدم الابقاء علي أى اسير أو جريح بنية الابادة الجماعية. ووصف اوكامبو ان ماقام به البشير، بأنه جريمة ابادة جماعية متعمدة، وطالب بتوقيف البشير وحظر ارصدته وممتلكاته وتقديمه للعدالة.
ماهي تداعيات هذا القرار؟.
لايمكن النظر في هذا القرار بمعزل عن تطورات الاحداث في السودان منذ الانقلاب المشئوم الذي قامت به الجبهة الاسلامية بقيادة عمر البشير في 30/يونيو/1989م، والذي اوقف الحل السلمي الداخلي الذي كان جاريا بعد اتفاق الميرغني – قرنق، واشعل حربا دينية تعدت حرب الجنوب لتشمل الشرق ودارفور، ومع تبع تلك الحروب من مآسي وابادة وقضاء علي الحرث والنسل. اضافة لمصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية وتشريد الالاف من اعمالهم واعتقال وتعذيب الالاف من المواطنين، وتعذيب بعضهم حتي الموت مثل: الشهيد د.علي فضل وعبد المنعم رحمة وابوبكر راسخ... الخ، اضافة لاعدامات مثل: اعدام قادة انقلاب رمضان في ليلة عيد الفطر!!!، حل النقابات والاحزاب السياسية وتدمير كل مؤسسات المجتمع المدني. ونهب القطاع العام واموال الدولة، وتحويلها لفئة قليلة من اثرياء الجبهة الاسلامية التي اتخذت اسم المؤتمر الوطني، والذي انشق الي: وطني وشعبي. كما رفعت الدولة يدها عن التعليم والصحة وبقية الخدمات ودمرت القطاعين الصناعي والزراعي، وحتي بعد استخراج البترول لم تذهب عائداته للتنمية الزراعية والصناعية ولخدمات التعليم والصحة وبقية الخدمات(مياه، كهرباء.الخ)، كما ارهقت الدولة كاهل المواطنين بالضرائب الجبايات، حتي تزايدت حدة الفقر والاستقطاب الطبقي، حيث وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 95% من الشعب السوداني، ونشأت رأسمالية طفيلية نهبت اصول القطاع العام وعائدات البترول وركزت السلطة والثروة في يدها، وانتشر الفساد بشكل لامثيل له، حتي تم تصنيف السودان في قائمة الدول الاكثر فسادا في العالم.
ونتيجة لضغط الشعب السوداني وضغط المجتمع الدولي، تم توقيع اتفاقات: نيفاشا، القاهرة، ابوجا، والشرق..الخ، ولكن المؤتمر الوطني ماطل في تنفيذ استحقاقات تلك الاتفاقات، واستمر يحكم بالعقلية الشمولية السابقة، وضرب بالاتفاقات وقرارات المجتمع الدولي عرض الحائط، وطغي في البلاد واكثر فيها الفساد، واتجه للحل العسكري لقضية دارفور بدلا من الحل السلمي حسب توصيات مؤتمر الفاشر 2003م، وكانت النتيجة تلك المأسأة والجرائم، والتي تطلبت المساءلة، علما بان قرار اوكامبو الاخير لم يكن مفاجئا، منذ أن اصدرت الامم المتحدة ممثلة في مجلس الأمن القرار 1593، باحالة ملف انتهاكات دارفور الي المحكمة الجنائية.
والواقع أن نظام الانقاذ هو المسئول عن كل انتهاكات حقوق الانسان في السودان، والمسئول تبعا لذلك عن فقدان البلاد لسيادتها الوطنية.وبالتالي، فان قرار مدعي محكمة الجنايات الدولية هو نتيجة منطقية لممارسات نظام الانقاذ السابقة، فالانسان يحصد في النهاية ثمار عمله، ومن يزرع الريح يحصد العاصفة.
وبدلا من اعلاء صوت العقل والتعاون مع المحكمة الدولية، يهدد نظام الانقاذ بنسف الاستقرار وتحويل البلاد الي صومال ورواندا اخري، اي مواصلة المزيد من ارتكاب الجرائم!!، والتي ايضا سوف تلاحقه المساءلة حولها ، طال الزمن أو قصر، المؤتمر الوطني يحاول ان يصور لنا، انه اما ان يستمر بالبقاء في السلطة او تدمير البلاد، مثلما كان يبشرنا نميري في السبعينيات من القرن الماضي البديل: اما نظامه أو الطائفية التي تدمر البلاد، كانما الشعب السوداني عاجز عن تقديم البديل، وذهب نظام نميري وبقي الشعب السوداني ، وسيذهب نظام الانقاذ ويبقي الشعب السوداني مواصلا نضاله من اجل الحرية والديمقراطية والوحدة والتنمية وتحسين احواله المعيشية.
اى أن التهديد بان قرار المحكمة الجنائية الدولية سوف ينسف استقرار البلاد ويحدث انهيار دستوري لاأساس له.
ولكن الخطر الحقيقي علي وحدة واستقرار البلاد اصبح من وجود المؤتمر الوطني في الحكم.
و يبقي السؤال ماهو الحل؟ الحل يكمن في:
أولا: في الحل الشامل لقضية دارفور باعتبارها مشكلة سياسية قومية تحل في اطار قضايا السودان ككل، وباعتبار أن جوهر القضية ليست قبلية أو عرقية أو صراع حول حواكير..الخ، ولكن المشكلة يتم حلها في اعتبار دارفور اقليم واحد حسب حدود 1956م، وباعتبار أن لدارفور تاريخ منذ ان كانت سلطنة قائمة بذاتها، واعطاء الاقليم الحق في الحكم الذاتي مع اقاليم السودان الاخري(الشرق، كردفان، الشمالية، الجنوب، الاوسط، الخرطوم)، والتمثيل المتساوى في مجلس الرئاسة، اضافة للحل العادل لقضية الثروة والسلطة والتنمية المتوازنة بين اقاليم السودان المختلفة، ووقف اطلاق النار ونزع سلاح الجنجويد، وتقديم المجرمين عن التطهير العرقي للعدالة، ورجوع النازحين الي قراهم والتعويض العادل لهم.
ان اتخاذ هذه التدابير تسهم في نزع فتيل الازمة، ورجوع شعب دارفور الي وضعه الطبيعي كشعب منتج، عرف الاكتفاء الذاتي من الغذاء ومنتجات الصناعات الحرفية من عهود سلطنة دارفور، وبالتالي يتحرر اهلنا في دارفور من مذلة الاعتماد علي الاغاثات، رغم تقديرنا للمجتمع الدولي والمنظمات الانسانية التي وقفت مع شعب دارفور في محنته آناء الليل واطراف النهار، ووفرت له احتياجاته من الغذاء والكساء والدواء والماوى. ولكن المهم هو الاستقرار في الاقليم حتي ينعم شعب دارفور بثمرات السلام ويعود الي وضعه الطبيعي كشعب كمنتج.
وهذا يتطلب وحدة كل الحركات حول موقف تفاوضي واحد، والمؤتمر الدارفوري – الدارفوري الجامع حتي يتم الوصول لحل يتراضي عليه الجميع.
ثانيا: التحول الديمقراطي والغاء كل القوانين المقيدة للحريات، وقانون انتخابات ديمقراطي يفتح الطريق امام انتخابات حرة نزيهة، تسدل الستار علي الشمولية من الحياة السياسية السودانية.
ثالثا: تنفيذ الاتفاقات التي تم توقيعها، والتخلي عن سياسة نقض العهود والمواثيق التي كانت سببا في اعادة انتاج الازمة بشكل اعمق.
رابعا: ضرورة النهوض الجماهيري الواسع في الشارع، باعتباره الحاسم في قلب الموازين، وفي التحول الديمقراطي، وقطع الطريق امام مؤامرات المؤتمر الوطني لتمزيق وحدة السودان.
خامسا: تحسين احوال الناس المعيشية التي تدهورت بشكل لامثيل له في الآونة الاخيرة حيث ارتفعت الاسعار بشكل جنوني، مع ثبات وتدني الاجور، اضافة الي التنمية وتوفير احتياجات المواطنين الاساسية في التعليم والصحة والخدمات..الخ.
سادسا: رفع المظالم والضرر باصدار قرار سياسي بارجاع كل المفصولين من مدنيين وعسكريين.
ان اتخاذ هذه التدابير يمكن ان تفتح الطريق امام مصالحة وطنية حقيقية، يتم فيها رفع الضرر والمظالم، وتفتح الطريق امام وحدة البلاد وقطع الطريق امام المؤامرات لتقطيع اوصال البلاد وتحويلها لصومال أو رواندا اخري.










رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,996,537
- الرحلة من موسكو الي منسك
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(6)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(7)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(5)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(4)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(3)
- تعقيب علي رسالة بروفيسور ساندرا هيل
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(2)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(1)
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956م( الح ...
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956(3)
- الماركسية وطبيعة الحزب في تصريحات الشفيع خضر
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956م (2)
- حول ظاهرة الاسلام السياسي: اشارة للتجربة السودانية
- ماهو ديالكتيك العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي؟
- ماعلاقة دراسة المفهوم المادي للتاريخ بالواقع السوداني؟
- الماركسية والديمقراطية وحكم القانون وحرية الضمير والمعتقد
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الصراع ضد الاتجاهات اليمينية ...
- نشأة الدولة في السودان القديم(2)
- الأزمة في دارفور: مفتاح الحل بيد السودانيين


المزيد.....




- صحف العالم: اعتذار كيري لنتنياهو و"انتفاضة صامتة" ...
- مصر: قذيفة "آر. بي .جي" استهدفت المدرعة بالعريش وا ...
- تغريم إنتل 15 دولارا لكل من استخدم -بنتيوم 4-
- لقاء أميركي فلسطيني لخفض التوتر بالقدس
- قتلى بحمص.. و-داعش- يسيطر على شركة غاز
- المفوضية الأوروبية بتشكيلة جديدة واتفاقية الشراكة مع أوكراني ...
- تأسيس لجنة مستقلة لتقييم عمليات حفظ السلام الأممية
- ابتكار دواء للوقاية من مرض نقص المناعة
- النجار ليو فولونغ وسيارته الكهربائية
- المرجع الصرخي : ابليس يقدم النصائح وائمة الضلالة يثبتون المف ...


المزيد.....

- الرأسمالية الوطنية : المفهوم والمصطلح. / تاج السر عثمان
- كيف نواجه الفقر والبطالة ؟!بين المواجهة التقليدية للنظام الح ... / إلهامي الميرغني
- من المقاطعة إلى المشاركة / خليل كلفت
- عندما ينجح السيسي / أحمد سعده
- الموازنة العامة للدولة / إلهامي الميرغني
- النقابات المهنية في مصر / إلهامي الميرغني
- وحدة القوي الاشتراكية المصرية الأمل والتحديات / إلهامي الميرغني
- أسطورة الجيش والشعب أيد واحدة / أحمد سعده
- الانقلاب العسكرى المكمِّل / خليل كلفت
- ثيوقراطية أم إستراتوقراطية أم ديمقراطية أم بزرميطية؟ / خليل كلفت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - تاج السر عثمان - اتفاقية نيفاشا والصراع السياسي في السودان