أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاكر الناصري - في مدينتنا حوزة















المزيد.....

في مدينتنا حوزة


شاكر الناصري

الحوار المتمدن-العدد: 2351 - 2008 / 7 / 23 - 11:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



بعد كل ما قيل وكتب عن الناصرية كمدينة جنوبية موبوئة بالاهمال وعواصف الاتربة ، لايبقى لنا الا أن نقول ما قلناه سابقا بحق هذه المدينة التي ما تنفك تنوء بحمل قاسي جراء ممارسات نظام البعث السابق او الذين جائوا من بعده ، لكنهم كانوا كما كان ان لم يكونوا أشد سوءا. هي مدينة لايراد لها الا ان تكون سجنا ومكانا طاردا وكئيبا فارقته الحياة ولاسبيل امامه الا الانتظار عسى ان يعجل الله فرج من يمكنه ان يعيد الى هذه المدينة بارقة حياة كانت طافحة ومتألقة بها في يوم ما . ربما يكون أهالي الناصرية من أكثر أهالي العراق شوقا لسقوط دكتاتورية الدم والارهاب البعثي الذي جعل من المدينة وناسها قاب قوسين او ادنى من الموت او أحالها الى مدينة أشباح لشدة الاهمال ولكثرة ما قتل من ابنائها لاسباب عديدة او حتى دون سبب فمجرد ان تكون من هذه المدينة فأنت متهم بمعاداة السلطة وحزبها وقائدها الضرورة.

ان تسقط الدكتاتورية يعني ان الحياة ستعود مجددا للوجوه التي غادرها الفرح والبسمة سنينا طوال. يعني ان الاهمال المدمر والخراب الذي عم المدينة سيكون في خبر كان، فالتحرير الموعود ...!!! يعني ان نعيد بناء الحياة مجددا ولو بعد طول عناء وأنتظار وخراب فوق خراب. يعني ان يتمتع الانسان بحقوقه التي أستلبت منه وان يعيد أمتلاك الامل بان يحيا بكرامة وحرية.

لم تكن الناصرية مدينة للتعصب الديني والاصولي ، ولم تكن ساحة يساق بها الاطفال لحتوفهم او ان يتم تحويلهم الى مشاريع دائمة للطائفية والتعصب الاهوج . لم تكن الناصرية رغم كل رجال الدين الذين سكنوها مدينة يقال عنها انها مدينة متدينة حد النخاع او قلعة من قلاع الدين الحنيف اي كان أسمه. كان الناس يصلون ويصومون ويمارسون طقوسهم في عاشوراء دون تعصب ولم تكن تلك المناسبات لحظة لاعلان أنتمائهم لطائفة ما . كان الكثير من أهالي الناصرية يستغلون تلك المناسبات لعقد المزيد من الصداقات وتمتين العلاقات الاجتماعية فيما الشباب العشاق كانوا يجدون في أيام هذه المناسبات فرصة لتحقيق الوصال بالحبيبة والحبيب . ليس ثمة بساطة وبراءة أكثر نقاءا من ممارسات أهالي الناصرية تلك . بل كانوا يسخرون من كل من يحاول ان يلوم بساطتهم وطبيتهم تلك. حكاية الحاجة ام حسين تكفي لتبيان بساطة التدين الذي كان عليه أهالينا هناك. فهذه الحاجة الكريمة والطيبة كانت تصلي دائما ، في كل الاوقات المعتادة وكانت تتلوا سورة الفاتحة وما تبعها كما حفضتها . مرة نبهتها حفيدتها الى خطأ في تلاوتها لسورة الفاتحة فما كان من الحاجة ام حسين الا ان قالت لها ( حبوبة ياهو الطلع من كبره مطكك) . أما الان فان الذين قدموا الينا من جحور الحوزات ولا ادري لماذا يسمونها حوزات علمية او الذين قدموا من زواغير قم وعصابات التوابين وفيلق بدر او ممثلي الله في الارض من ابناء المهدي وجيشه ومنافسيهم من اتباع الاعلم والاكفأ والاجدر... الخ ، يقولون لاهلنا ان تدينكم خاطيء وان ماكنتم تمارسون ليس سوى ضحك على الذقون وكنت في جاهلية بامور دينكم ودنياكم . فاصبحت للناصرية حوزة دينية وهي علمية أيضا تعطي لابناء المدينة ولابناء العشائر المحيطة بها دروسا في الدين والشريعة الاسلامية حتى يتفقهوا بامور دينهم ودنياهم . الاطفال يساقون الى حفلات او حملات التكليف الشرعي وهم باعمار العاشرة او ما فوقها ولا أختلف مع من قال أنهم يساقون الى الخدمة المكلفية. بماذا يكلف مثل هؤلاء الصغار ياترى ؟ سوى وضعهم في طريق التعصب والهم الشرعي والديني . مدارس دينية صيفية تفتح والقائمون عليها بكل فخر يقولون انهم وللسنة الخامسة يفتحون ابواب مدارسهم الصيفية حتى يتفقه الاطفال بامور الدين والحقيقة لكي يتم حشوا ادمغتهم بأمور تفوق طاقتهم الذهنية وتجعلهم يواجهون مصاعب كثيرة في حياتهم ، او ان يتم تلقينهم سير الائمة والمعصومين من الذين قتلوا في واقعة كربلاء ولكن بطريقة مخادعة ومثيرة للشبهات فلا هي على طريقة عبد الزهرة الكعبي ولا على طريقة القائمين على موكب ام جفات ايام زمان. الاحزاب الدينية لم تكتفي بما تمارسه من فساد ولصوصية مستفحلة دفعتهم للحضيض وحولتهم الى مسخرة ، بل أنها تحشد البسطاء من الناس لتسوقهم على الاقدام في زيارة الاربعين مئات الكيلومترات ، هكذا ، الالاف مسخت ادمغتهم بواسطة رسل الطائفية الجديدة او الباحثين عن ثأر الحسين وأتباعه وأصبحت تسوقهم لجلد انفسهم وأجسادهم بالسلاسل الحديدية او تطبير رؤوسهم بالسيوف دافعين ثمن جريمة لاعلاقة لهم بها او تكفيرا عن ذنب لايبرء الا بالدم ( المصادر التاريخية والتراثية والاسلامية تؤكد ان افراد الجيش الاموي الذين قاتلوا الحسين واتباعه كلهم من خارج العراق ومن اليمن تحديدا ) . أن هذه الاحزاب تمارس الاستغلال البشع للدين من اجل تحقيق مصالح سياسية وحزبية طائفية مقيتة.

لم تكن الناصرية مدينة او مركزا دينيا ، بل كانت مركزا للتمدن والعلمانية ومركزا هاما من مراكز اليسار في العراق. منها أنطلقت احزاب علمانية ومنها برز نشطاء في الفكر والثقافة والادب والسياسة وفي الدفاع عن الحقوق والحريات المدنية ولم يكن بينهم متعصب طائفي او متدين مشهود له، حتى رجال الدين الذين فيها يشاد بوسطيتهم وابتعادهم عن التطرف الاهوج ، بل ان البعض منهم يدعوا لفصل الدين عن الدولة ولايخشى من وجود نظام حكم علماني . بعض رجال الدين في مدينتنا كانوا مصدرا للتندر والفكاهة جراء فتاواهم او ممارساتهم وأستطعام بعضهم وتلذذه بكأس من الزلحة او جلسات سمر في مرابع الغجر . وحينما وفد الى الناصرية رسل الوهابية بعد أنتفاضة آذار عام 1991 فانهم تحولوا الى مسخرة ومثار للفكاهة والتهكم وكثيرة هي النكات التي قيلت بحقهم وحينما سئل احد أهالي الناصرية عن سبب ارتداء هؤلاء للدشاديش القصيرة قال أنهم ينتظرون الفيضان.

من المؤكد ان مدينة مهملة وغارقة في النفايات والخراب لابد وان تكون مرتعا لبروز من يجد في التطرف الديني وسيلة لتعويض نقص ما لايشاركه فيه احد ما من اهل المدينة. الناصرية ليست بحاجة الى حوزة دينية قدر حاجتها الى مدرسة نظيفة وملائمة لشروط التعليم الحديث. لسنا بحاجة لمزيد من الجوامع والحسينيات ، بل حاجتنا الحقيقية لتعبيد شوارع مهملة لاتصلح للاستخدام البشري . أطفالنا يحتاجون المعسكرات الصيفية للترفيه واللعب في اماكن مناسبة وصحية وليس الى مدارس تشوه مخيلتهم وتكبت طاقاتهم الابداعية. علموهم وأزرعوا فيهم ثقافة المحبة والسلام . علموهم أن مدينتهم كانت ولم تزل ولادة للمبدعين . علموهم أن الشجن الاصيل لايتكرر الا مع بحة ابو كاظم وصوته الشجي ، علموهم ان الرياضيات تألقت بوجود مدرس فذ كطالب نجم و ان علم الحيوان كان سلسا بوجود مبجل وقدير كشريف فهد وان اللغة الجامدة كانت محبوبة بفعل حسين رؤوف وأحمد محمد صالح وأن للشعر مذاق الحداثة وبريق الابداع المشحون بطاقة خلاقة مغايرة للجمود والسلفية الثقافية ، أطلعوهم على تجارب من أبدع في الادب والفن والعلم والمعرفة ، فلهم كل التقدير ولابداعهم ننحني وننزع القبعات، علموهم ان المسرح قد أصبح طقسا وممارسة أجتماعية وثقافية لاهل المدينة بجهود فنانيها ومسرحييها الذين حببوا الفن والطقوس المسرحية وساهموا في أشاعة الرقي الثقافي والفني لدى أطياف واسعة من أهالي المدينة ، علموهم ان السياسة ما لبست ثوبها الانساني الا على يد ابناء هذه المدينة الذين ضحوا بحياتهم من أجل مبادئهم وحرية أبناء بلدهم ، حدثوهم عن المناضل والانسان (فهد ) حتى يعرفوا معنى الوفاء للمبادىء والقيم الانسانية النبيلة والبعيدة عن الانتهازية والوصولية واللصوصية، علموا اطفالنا ان يحترموا ذاوتهم وان يعتزوا بكرامتهم وحرياتهم وانهم أملنا في مستقبل زاهر او هكذا نتمى ان يكون . علموهم كيف تألق المبدعون في زمن كان الاوغاد لا يريدون لهذه المدينة الا أن تكون ولادة لقتلى الحروب.

الرفض الواسع الذي تواجهه التيارات الاسلامية في الناصرية هو تحصيل حاصل ان هذه المدينة لايمكنها ان تكون مرتعا لاصحاب العقول المتحجرة او الذين يريدون ان يغلفوا الحياة بسوداوية قاتمة وكئيبة . أبناء الناصرية من العلمانيين والمثقفين المتنورين ، من نسائها المثقفات والمتعلمات، من مدرسيها الافاضل الذين كانوا منارة لنشر الفكر التنويري والانساني ، من أدبائها وشعرائها ومسرحييها وفنانيها يمكنهم وبكل سهولة ان يمسكوا بزمام مبادرة فرض التراجع على المد الديني الذي يشوه تاريخ هذه المدينة ويزيد من عزلتها ويزيد من الاهمال والخراب الذي تعانيه. الايام قادمة وعلى ابناء هذه المدينة ان يقولوا كلمتهم الفصل بين ان يتواصل الصمت و التراجع او الانطلاق نحو حياة حرة وأنسانية وكريمة.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,683,254,218
- هل العراق دولة إسلامية أم علمانية..؟
- طالباني وباراك و الاشتراكية الدولية
- عن الأسود والحملان في عراق جلال الدين الصغير
- إلى متى الصمت عن مآسي النساء في البصرة؟
- حرائق الطائفية في العراق...الجزء الثاني
- حرائق الطائفية في العراق...الجزء الاول
- المصالحة والتعايش ...أستغاثة الافكار من سطوة الاسلحة
- من يحكم من... النزعات الانسانية أم التعصب القومي؟؟؟؟
- التمدد الانساني في مواجهة الجموح الشوفيني
- المرأة العراقية...موافقة فجواز فمحرم...!!!
- في الذكرى الاولى للاءات كمال سبتي الاربع
- آفاق الانهيار...على شرف الذكرى الرابعة لأحتلال العراق
- شذى حسون... الق وأمنيات
- الى عبد الرزاق سكر ,,,,حين تجاهلوك فقد تجاهلوا كيف يكون الاب ...
- كركوك ....بحثا في الحلول العصية
- حوار التقريب ...حوار الكراهية
- عادل عبد المهدي وقرار الاحتلال الاحمق
- هزائم التيار القومي العروبي ما بين عواء الذيب وردح البكري
- عن الأعدام وصدام حسين وذاكرتي
- معنا رغم الغياب


المزيد.....




- أردوغان: لم نرسل قوات عسكرية إلى ليبيا.. ووجودنا فيها عزز آم ...
- سقوط 3 صواريخ في المنطقة الخضراء ببغداد.. ودوي صفارات الإنذا ...
- شاهد: مهاجرون من أمريكا الوسطى يعبرون نهراً بين غواتيمالا وا ...
- شاهد: مهاجرون من أمريكا الوسطى يعبرون نهراً بين غواتيمالا وا ...
- سوريا.. الاغتيالات تطال طبيبا والشاهد على قتل أيقونة الثورة ...
- مدينة ألمانية مهددة بإلغاء 700 ألف غرامة ركن سيارة وتعويض ال ...
- الجيش اليمني: قتلى وجرحى من الحوثيين بقصف في الجوف
- عاصي الحلاني يعلق على استبعاد المصرية هايدي محمد من -ذا فويس ...
- اليمن.. طيران التحالف يستهدف 3 محافظات بـ10 غارات
- اليمن.. طارق صالح يؤكد جاهزية قواته لمواجهة -أنصار الله- شرق ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاكر الناصري - في مدينتنا حوزة