أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - جواد البشيتي - الحركة والسكون في الكون















المزيد.....



الحركة والسكون في الكون


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 2181 - 2008 / 2 / 4 - 11:50
المحور: الطب , والعلوم
    


"الحركة" و"السكون" مفهومان عرفهما البشر منذ القِدَم؛ ولكنَّ آينشتاين أحْدَثَ في هذين المفهومين من التغيير الفيزيائي (والفلسفي) ما يسمح بوصفه بأنَّه صاحِب براءة اكتشاف "الحركة" و"السكون" في الكون.

"الحركة" إنَّما هي انتقال جسم (أو جسيم) من مَوْضِع إلى مَوْضِع، أو من نقطة إلى نقطة، في "الفراغ"، أو على سطح جسم ما، كانتقال كرة على سطح طاولة، أو عَبْر مادة ما، كانتقال جسم في داخل الماء.

إنَّها (أي الحركة) انتقالٌ في المكان لجسم (أو جسيم) فالكرة الواقِفَة على سطح طاولة تصبح في حالة حركة إذا ما دَفَعْتَها بيدكَ، أي إذا ما حرَّكْتَها.

لقد أصبحت في حالة حركة إذ انتقلت (= حركة أُفُقِيَّة أو في خطٍّ أُفُقي) على سطح الطاولة من النقطة A إلى النقطة B التي عندها توقَّفت عن الحركة، أي عادت، ثانيةً، إلى حالة السكون. وهذا الانتقال على سطح الطاولة من النقطة A إلى النقطة B هو انتقال (للكرة) في المكان.

البشر، والعلماء منهم على وجه الخصوص، أمْعنوا النظر في هذا المثال، وفي أمثلة أخرى مشابهة، فاسْتَنْتَجوا أنَّ الجسم الساكن (كالكرة الواقفة على سطح طاولة) يظلُّ ساكنا ما لَمْ تُحَرِّكه "قوَّة خارجية"، كيَدِكَ التي حرَّكت الكرة، أي نَقَلَتْها من حالة السكون إلى حالة الحركة، إذ دَفَعَتْها؛ وأنَّ هذا الجسم الذي حرَّكته "القوَّة الخارجية" لا بدَّ له، في آخر المطاف، من أن يَسْكُن، أي يتوقَّف تماماً عن الحركة، بعد أنْ تقل سرعته (يتباطأ) شيئاً فشيئاً.

وفي "مثال الكرة"، نرى أنَّ "احتكاك" سطح الكرة بسطح الطاولة (مع ما يبديه الهواء المحيط بالكرة من مقاوَمة لحركتها) هو "القوَّة" التي أوْقَفَت، أخيراً، حركة الكرة، التي شرعت تتحرَّك ما أنْ "نَقَلْتَ إليها" من يدكَ الدافعة "ما أدَّى إلى حركتها"، والتي في صراعها من أجل التغلُّب على ما يبديه سطح الطاولة من مقاومة لحركتها عليه "اسْتَنْفَدَت سبب حركتها"، فتوقَّفت، أخيراً، عن الحركة؛ وتوقُّفها جاء بعد تباطؤ.

تَوَقُّف الكرة المتحرِّكة عن الحركة أثار السؤال الآتي: ماذا يَحْدُث للكرة إذا ما دَفَعْتَها بيدكَ في حيِّزٍ، أو مكانٍ، لا وجود فيه لـ "مقاوِم لحركتها (كالاحتكاك)"، كأنْ تَدْفَعَهَا في "الفضاء"، أي على "سَطْحٍ فضائي"؟ وقد انتهى البحث والاختبار، توصُّلاً إلى إجابة علمية عن هذا السؤال، إلى اكتشاف أنَّ تلك الكرة ستظلُّ في "حركة أبدية".. ستظلُّ تسير في الفضاء بالسرعة ذاتها، وفي خطٍّ مستقيم، إلى أنْ..

إنَّها، في هذه الحال، لن تَسْتَنْفِد "أبداً" سبب الحركة الذي أدْخَلْته فيها إذ دَفَعْتَها بيدكَ؛ ولكن لماذا؟ لماذا تظلُّ تلك الكرة تسير في الفضاء بالسرعة ذاتها (أو بسرعة ثابتة منتظَمة) وفي خطٍّ مستقيم؟ لماذا لا تتغيَّر سرعتها، زيادةً أو نقصانا؟ ولماذا لا تَخْرُجُ في سيرها الفضائي عن "الخطِّ المستقيم"؟ الفضاء هو المكان الذي لا وجود فيه، من حيث الأساس، وعلى وجه العموم، لـ "قوى" تُقاوِم حركة الكرة، كالهواء، أو "الاحتكاك". ومع انتفاء وجود هذه "القوى" تظلُّ الكرة محتفظةً "إلى الأبد" بسبب الحركة الذي أدْخَلْته فيها إذ دَفَعْتَها بيدكَ.

وهذا "الاكتشاف" سُمِّي عِلْمياً قانون "القصور الذاتي" للأجسام، فالكرة مادة لها "كتلة"؛ وبسبب ذلك لا يُمْكِنها أبداً أنْ تزيد، من تلقاء نفسها، أو أنْ تقلِّل، سرعتها؛ كما لا يُمْكنها أنْ تَخْرُجَ عن "الاستقامة" في خطِّ سيرها الفضائي.

ويكفي أن نرى تغييراً في سرعة تلك الكرة، على شكل زيادة أو نقصان، أو خروجاً عن "الاستقامة" في خطِّ سيرها، حتى نقول، على وجه اليقين، إنَّ "قوَّة خارجية ما" قد أثَّرَت في الكرة، فرأيْنا هذا التغيير أو ذاك في حركتها.

القوَّة المؤثِّرة يجب أن تكون "خارجية (بالنسبة إلى الكرة)"، أي ليست جزاءاً من داخل الكرة، لأنَّ الكرة (وبسبب أنَّ لها "كتلة") عاجزة (قاصِرة) ذاتياً عن تغيير حركتها، مقداراً (= سرعةً) أو عن الخروج عن "الاستقامة" في خطِّ سيرها.

حاوِل الآن أنْ تَزيد، أو أنْ تقلِّل، سرعة تلك الكرة، فَتَجِد أنَّ محاولتكَ تلقى "مقاوَمة"؛ وكلَّما كانت "كتلة" الجسم أكبر اصطدمَت محاولتكَ هذه بمقاوَمة أعظم، فـ "القصور الذاتي" للجسم، والذي تَعْكِسه لنا تلك "المقاوَمة" التي يبديها، يزداد مع ازدياد "كتلته"، ويَنْقُص مع نقصها. ولسوف ترى "المقاوَمة"، أيضاً، إذا ما حاوَلْتَ إخراج تلك الكرة عن خطِّ سيرها الفضائي المستقيم.

وكلَّما زادت حركة (أو سرعة) الكرة زادت كتلتها؛ وكلَّما زادت كتلتها زادت مقاومتها للتغيير في حركتها، فالجسم (= المادة التي لها كتلة) تشتدُّ صعوبة تسريعه، وتَعْظُم، مع كل زيادة في حركته، أو سرعته.

وعليه، ما عادت "الكتلة" بالشيء الذي يشبه "الثِقَل". لقد غدت، في تعريفها الفيزيائي الجديد، والأقرب إلى حقيقتها الموضوعية، "المقاوَمة" التي تبديها مادة ما (جسم أو جسيم) لـ "كل تغيير في حركتها".

إنَّ القوَّة (الخارجية) اللازمة لدفع حجر زِنَتُه 1000 كيلو غرام (من نقطة إلى نقطة في خطٍّ أُفُقي) يجب أن تكون أكبر من القوَّة اللازمة لدفع حجر زِنَتُه 10 كيلو غرام. والقوَّة اللازمة لدفع حجر زِنَتُه 10 كيلو غرام، وهو في حالة حركة، يجب أن تكون أكبر من القوَّة اللازمة لدفعه وهو ساكن، فكتلة الجسم تزداد بازدياد حركته، أو طاقته على وجه العموم.

والعلاقة بين "الكتلة" و"الطاقة" إنَّما تشبه العلاقة بين "الكلمة" و"حروفها"، فـ "الكلمة" هي "المادة التي لها كتلة، والتي لا يمكنها، بالتالي، أن تسير بسرعة الضوء". و"حروف" تلك الكلمة إنَّما هي "الطاقة"، أي "المادة التي ليس لها كتلة، والتي تسير، بالتالي، بسرعة الضوء". و"الكتلة"، أي كتلة جسم أو جسيم، يُمْكِن تشبيهها، أيضاً، بقطرة ماء متأتية من تكاثف (أو "تَخَثُّر") بخار الماء (= الطاقة). و"الماء" يمكن أن يتحوَّل إلى "بخار"، و"البخار" يمكن أن يتحوَّل إلى "ماء".

الكرة في الفضاء ليست كالكرة على سطح الطاولة لجهة احتياجها دائماً إلى "قوَّة خارجية" تعوِّضها ما تَخْسَر من سبب الحركة المُخزَّن فيها، أو المنقول إليها. لقد حُلَّت مشكلة "فَقْد (أو نفاد) سبب الحركة المخزَّن في الكرة؛ ولكن بقيت بلا حلٍّ مشكلة "الدَفْعَة الأولى"، التي، في الدين، نُسِبَت إلى الله.

على أنَّ بقاء هذه المشكلة بلا حلٍّ لَمْ يَدُمْ طويلاً، فـ "انفجار" نجم ضخم (ظاهرة "سوبر نوفا") يَحِلُّ (جزئياً) مشكلة "الدَفْعَة الأولى". إنَّ شظايا هذا النجم تتطاير في الفضاء؛ وتظلُّ كل شظية تسير في الفضاء بالسرعة ذاتها، وفي خطٍّ مستقيم، ما سَمَحَت لها بذلك خواص الفضاء الذي فيه تسير.

وهناك "مادة الضوء (= جسيم يسمَّى "فوتون")"، التي لا يُمْكِن تصوُّر وجودها إلاَّ وهي تتحرَّك بسرعة مقدارها، في الفضاء، 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. وسرعة الضوء الفضائية هذه لا يُمْكنها أبداً أنْ تزيد، أو أنْ تَنْقُص؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ هذه المادة، التي ليس لها "كتلة"، لا تحتاج إلى "دَفْعَةٍ أولى" حتى تتحرَّك. إنَّها تشبه طفلاً خرج من رحم أُمِّه متحرِّكاً بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة (في الفضاء).

"السكون"، الذي يشبه سكون سيَّارة، أي وقوفها في مكانها، نراه في الكون؛ ولكن بما يؤكِّد أنَّ هذا الشيء الساكن لا يُمْكِنه أبداً أن يكون على هذه الحال إلاَّ بوصفه جزءاً من "كُلٍّ متحرِّك"، فهذه السيَّارة الواقفة في الشارع، أي على سطح الأرض، إنًَّما هي جزء من "كُلٍّ متحرِّك"، هو كوكب الأرض، فهي، على سكونها، تتحرَّك "مع" الكوكب الأرضي، حَوْل محوره، وحَوْل الشمس.

في الكون كله، ليس من شيء يُمْكِنه أن يَسْكُن سكون تلك السيَّارة من غير أن يكون، في الوقت نفسه، جزءاً من شيء أكبر متحرِّك، ويتحرَّك، بالتالي، معه، فالجسم الساكن سكون سيَّارة، أو منزل، أو شجرة، إنَّما هو "ساكنٌ ضِمْن متحرِّك".

لو حَرَّكْتَ جسماً ما وأنتَ في داخِل سيَّارتكَ وهي تسير بسرعة ثابتة منتظَمة (100 كيلومتر في الساعة مثلاً) وفي خطٍّ مستقيم، كأنْ تَقْذِف كرة في اتِّجاه أُفُقي، أو في اتِّجاه عمودي، فإنَّكَ لن ترى، في مشهد الحركة هذا، ما يختلف عمَّا تراه لو كنتَ في سيَّارتكَ وهي واقِفَة في الشارع.

وحركة الجسم في المكان نراها على غير شكل وصورة، فالجسم يمكن أن يتحرَّك في خطٍّ مستقيم، أو في خطٍّ منحنٍ. يُمْكِنه أن يدور حَوْل نفسه، أو حَوْل جسم آخر، كدوران الأرض حَوْل الشمس. ويُمْكِنه أن يتحرَّك في موضعه (أن يهتزَّ) من غير أن يغادِره.

والآن، ما معنى أنَّ الجسم في حالة حركة؟ قُلْنا إنَّ الجسم المتحرِّك هو الذي يَنْتَقِل (في المكان أو الفضاء) من نقطة إلى نقطة. وهذا "الانتقال" إنَّما يعني أنَّ الجسم المتحرِّك قد "ابتعد عن"، نقطة ما، أو "اقْتَرَب منها".

لقد تحرَّكَ الجسم C بين نقطتين (ثابتتين أو متحرِّكتين؛ ولكن بينهما مسافة فضائية ثابتة، مقدارها 1000 كيلومتر مثلاً) هما النقطة A والنقطة B. وليس من معنى لحركته هذه إذا لَمْ "يبتعد عن" A لـ "يقترب من" B في اللحظة عينها، وبالقدر عينه. وبحركته هذه، يجتاز الجسم C ويَقْطَع مسافة فضائية معيَّنة (ضِمْن تلك المسافة الفضائية الثابتة).

و"الحركة" إنَّما هي "مقدارٌ"، أو "كمِّيَّة"، فليس من جسم يتحرَّك إلاَّ بـ "سرعة معيَّنة"، فنحن نشير إلى "سرعة" الجسم C عندما نقول إنَّه يَقْطَع 10 أمتار في الثانية الواحدة. إنَّه (أي الجسم C) يبتعد، في كل ثانية، مسافة 10 أمتار عن النقطة A مُقْتَرِباً (في المثال ذاته) 10 أمتار من النقطة B. بَعْدَ الثانية الأولى من انطلاقه تصبح المسافة الفضائية بينه وبين تلك النقطة (أي النقطة A) 10 أمتار، وبَعْد ثانيتين، 20 متراً، وبَعْدَ ثلاث ثوانٍ 30 متراً، ..إلخ.

لِنَتَخيَّل أنَّ الكون كله يتألَّف من 3 أجسام هي الكرة الأرضية التي أقِفُ على سطحها، والجسمين (أو الكوكبين) A و B اللذين يقعان مع الكرة الأرضية على خطٍّ مستقيم واحد. أنا الآن أقِفُ على سطح الكرة الأرضية، وأنْظُر إلى الجسمين A و B فأرى، مثلاً، أنَّ الجسم A يَقَع على "مقربة من" الكرة الأرضية، "بينها" وبين الجسم B.

لقد وُجِّه إليَّ السؤال الآتي: "أين يقع" الجسم A في الفضاء؟ نَظَرْتُ، فأجَبْتُ قائلاً: إنَّه يقع "بين" الكرة الأرضية والجسم B. إنَّه "قريبٌ من" الكرة الأرضية، "بعيدٌ عن" الجسم B.

هل أستطيع أن أجيب عن السؤال "أين يقع..؟" من غير أن أُشير، في إجابتي، إلى الكرة الأرضية والجسم B؟ كلا، لا أستطيع أبداً.

ولو أنَّ الجسم A أصبح (بَعْدَ 5 ثوانٍ مثلاً) على مقربة من الجسم B لاختلفت إجابتي عن السؤال ذاته، ولَقُلْتُ مجيباً: إنَّ الجسم A يقع (في الفضاء) على مقربة من الجسم B.

بَعْد هذا التعيين لـ "موقع"، أو "مَوْضِع"، أو "مكان"، الجسم A في الفضاء، والذي لا يَكْتَمِل إلاَّ بـ "الزمن"، وُجِّه إليَّ السؤال الآتي: هل الجسم A في حالة حركة أم في حالة سكون؟ أَنْظُر، فأجيب قائلاً: إنَّه في حالة حركة.

ولكن، ما الذي جَعَلَني أقول إنَّه في حالة حركة؟ لقد رَأيْتُه "ينتقل في الفضاء". ولكن، ما معنى "ينتقل في الفضاء"؟ معناه هو أنَّ الجسم A قد "غيَّر موضعه بالنسبة إلى" الكرة الأرضية مثلاً. ولكن، ما معنى "غيَّر موضعه"؟ معناه، مثلاً، هو أنَّه (أي الجسم A) قد "ابتعد عن" الكرة الأرضية، أو "اقترب منها" أكثر.

حركة الجسم A إنَّما هي "حركة نسبية"، فهو يتحرَّك "بالنسبة إليَّ"؛ لأنَّه يسير في الفضاء "مبتعداً عن" الكرة الأرضية، أو "مُقْتَرِباً منها".

الجسم A لا يمكنه أن يتحرَّك في الفضاء إلاَّ بسرعة معيَّنة، فما مقدار سرعته؟ أنْظُر، وأحسِب بما لديَّ من أدوات وأجهزة ووسائل وطرائق لحساب (قياس) السرعة، فأجيب قائلاً: إنَّه يتحرَّك بسرعة 10 أمتار في الثانية الواحدة، أي أنَّه يسير في الفضاء "مبتعداً"، في كل ثانية، 10 أمتار عن الكرة الأرضية، أو "مقتَرِباً" منها، في كل ثانية، 10 أمتار. إنَّه (أي الجسم A) يتحرَّك في الفضاء بسرعة 10 أمتار في الثانية الواحدة بحسب "قياسي أنا" لسرعته.

الفَرْق بين "أين يقع هذا الجسم في الفضاء؟" وبين "هل هو يتحرَّك؟" إنَّما يشبه الفَرْق بين أنْ تقول "إنَّه يقع بعيداً عن الكرة الأرضية، أو قريباً منها" وبين أنْ تقول "إنَّه يَبْتَعِد عن الكرة الأرضية، أو يَقْتَرِب منها".

الآن، لنتخيَّل أنَّ الكون كله يتألَّف من الجسمين "الساكنين" A و B فحسب، وأنَّ المسافة الفضائية بينهما 10 أمتار.

فجأةً، اكتشف كلانا (أنا الموجود في الجسم B وأنتَ الموجود في الجسم A) أنَّ المسافة الفضائية بين الجسمين تزداد 20 متراً كل ثانية، فكيف نَفْهَم ونُفسِّر هذا الاتِّساع المستمر والمنتظَم للمسافة الفضائية بين الجسمين؟ قد أعتقد (أنا الموجود في الجسم B) أنَّ الفضاء بين الجسمين هو الذي يَتَّسِع ويتمدَّد، فيَبْتَعِد كلا الجسمين عن الآخر 20 متراً كل ثانية، أو أنَّ الجسم A هو الذي يتحرَّك في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، مبتعداً عنِّي (أنا الذي في الجسم B الثابت في مكانه) 20 متراً كل ثانية، أو أنَّ الجسم A ثابتٌ في مكانه وأنا الذي أتحرَّك في الفضاء مبتعِداً عنه 20 متراً كل ثانية، أو أنَّ كلا الجسمين يتحرَّك في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، مبتعداً عن الآخر بما يكفي لجعل المسافة الفضائية بينهما تزداد 20 متراً كل ثانية. وأنتَ قد تَعْتَقِد بما اعْتَقَدته أنا.

إذا ضَرَبْتُ صفحاً عن التفسير الأوَّل، وهو اتِّساع وتمدُّد الفضاء بين الجسمين، فلن يبقى لديَّ إلاَّ الأخذ بأحَدِ التفسيرات الباقية.

إنَّ المستحيل بعينه أن أعرف على وجه اليقين التفسير الحقيقي من التفسير غير الحقيقي؛ ذلك لأنْ ليس من فَرْق بين أن يكون الجسم B الذي أُوْجَد فيه ساكناً لا يتحرَّك في الفضاء وبين أن يكون متحرِّكاً بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم، فـ "السكون"، في تعريف آخر له، إنَّما هو حركة الجسم في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم.

في هذه الحال، هل من طريقة تسمح لي أنا الموجود في الجسم B بأن أُدْرِكَ أنَّ هذا الجسم قد تحرَّك؟ إذا ظلَّ يسير بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم فلن أتمكَّن أبداً من إثبات أنَّني في جسم متحرِّك في الفضاء. إثبات ذلك يصبح ممكناً إذا ما زادت، فجأةً، أو نقصت، سرعة الجسم B أو إذا ما خَرَجَ، فجأة، عن الاستقامة في خطِّ سيره.

إذا زادت سرعته فجأة، أي إذا ما "تسارَع"، فإنَّ ما يشبه "قوَّة"، تتولَّد على الفور، وتشدني إلى الوراء. وإذا نقصت سرعته فجأة، أي إذا "تباطأ"، فإنَّ تلك "القوَّة" تدفعني إلى الأمام. وإذا ما خَرَجَ عن "الاستقامة" في خطِّ سيره كأن ينعطف فجأة إلى اليمين فإنَّ تلك "القوَّة" تشدني إلى اليسار. أمَّا إذا انعطف فجأة إلى اليسار فإنَّ تلك "القوَّة" تشدني إلى اليمين.

ويكفي أنْ "يتسارَع" هذا الجسم، أو أنْ "يتباطأ"، أنْ ينعطف إلى اليمين أو إلى الشمال، خارجاً عن "الاستقامة" في خطِّ سيره الفضائي، حتى نتأكَّد أنَّ "قوَّة خارجية ما" قد أثَّرت فيه، متغلِّبةً على ما يبديه من "مقاوَمة" بسبب "قصوره الذاتي"، فهذا الجسم ما أنْ شرعت تلك القوَّة تؤثِّر فيه حتى "انتفض" قصوره الذاتي، وهَبَّ يقاوِم، وكأنَّه يُدافِع عن "مصلحة له" تقضي بأنْ يظلَّ إلى الأبد على حاله، أي أن يسير بالسرعة ذاتها، وفي خطٍّ مستقيم.

و"القصور الذاتي" لجسم (والذي هو "مقياس كتلته") يسير في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، أي لجسم في هذه الحالة من "السكون"، إنَّما يشبه "المَيْل".. مَيْل هذا الجسم إلى أن يبقى على ما هو عليه لجهة حركته، مقداراً، واتِّجاهاً، و"استقامة" في خطِّ سيره. وكل "اعتداء"، تقوم به "قوَّة خارجية"، على هذا "المَيْل" يلقى "مقاوَمة".

"القوَّة" التي أثَّرت في هذا الجسم، متغلِّبةً على ما يبديه من "مقاوَمة" بسبب "قصوره الذاتي"، يجب أن تَقْتَرِن بما يشبه "قوَّة مضادة ومعاكِسة" لها، رَأيْنا تأثيرها في دَفْعي (إلى الوراء، أو إلى الأمام، إلى اليسار، أو إلى اليمين).

لقد تَخَيَّلْنا الكون على أنَّه مؤلَّف من جسمين فحسب هما A حيث تُوْجَد أنتَ و B حيث أُوْجَد أنا. لِنَفْتَرِض الآن أنَّ كلا الجسمين يتحرَّك في الفضاء في الاتِّجاه ذاته، وأنَّ الجسم A يتحرَّك بسرعة 100 متر في الثانية الواحدة وراء الجسم B الذي يتحرَّك بسرعة 150 متر في الثانية الواحدة. كلاهما يتحرَّك في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم.

أنتَ الموجود في الجسم A ليس لديكَ من سبب يدعوكَ إلى أن تسأل عن "سرعتكَ"، فكل ما لديكَ إنَّما يؤكِّد لكَ أنَّك في جسم ساكن لا يتحرَّك من مكانه، فـ "السكون" إنَّما هو، أيضاً، "حركة الجسم في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم".

يُمْكِنُكَ أن تسأل: هل الجسم B الذي أمامكَ يتحرَّك أم ساكِن مثل الجسم A الذي أنتَ فيه؟ لِنَفْتَرِض أنَّ المسافة الفضائية بينكما 1000 متر. إذا رأيْتَ أنَّ هذه المسافة تتَّسِع أو تتقلَّص فإنَّ لديكَ، عندئذٍ، كل الحق في أن تجيب قائلاً: إنَّ الجسم B يتحرَّك في الفضاء، فحركته (بالنسبة إلى الجسم A الساكن، أي الذي يتحرَّك في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة مقدارها 100م/ث وفي خطٍّ مستقيم) إنَّما تعني أن "يبتعد عنكَ"، فتتَّسِع المسافة الفضائية (1000 متر) بينكما، أو "يَقْتَرِب منكَ"، فتتقلَّص تلك المسافة.

أنتَ الذي في الجسم A سترى أنَّ الجسم B يتحرَّك مُبْتَعِداً عنكَ (إلى الأمام) في استمرار، وأنَّ المسافة الفضائية بينكما (1000 متر) تزداد (بسبب هذا الابتعاد) 50 متراً في كل ثانية (150م/ث ـ 100م/ث = 50م/ث). بَعْدَ دقيقة واحدة تصبح تلك المسافة 4 آلاف متر، أي 4 كيلومتر، وبَعْد ساعة تصبح 181000 متر، أي 181 كيلومتر.

لقد رأيْتَ أنَّ المسافة الفضائية بينكما قد اتَّسعت، أي أنَّ الجسم B قد تحرَّكَ في الفضاء "مبتعداً عنكَ". وعليه، يحقُّ لكَ أن تسألَ عن "سرعته". إنَّ كل ما تَمْلِكَ من وسائل وأدوات وطرائق لقياس السرعة سيؤكِّد لكَ أنَّ سرعته 50م/ث (150م/ث ـ 100م/ث = 50م/ث).

لقد حدَّدَتَ سرعته "بالنسبة إلى" الجسم A الذي تُوْجَد فيه. أمَّا أنا الموجود في الجسم B فسوف أرى أنَّ الجسم A هو الذي يتحرَّك مُبْتَعِداً عنِّي (إلى الوراء) بسرعة 50م/ث.

وكلانا يحقُّ له، أيضاً، أن يسأل عن سرعته (النسبية) هو ما دامت المسافة الفضائية بيننا تتغيَّر، زيادةً أو نقصاناً، فـ "سرعتكَ النسبية" أنتَ، أي "بالنسبة إلى" الجسم B، هي 50م/ث؛ و"سرعتي النسبية" أنا، أي "بالنسبة إلى" الجسم A، هي، أيضاً، 50م/ث.

كلانا يحقُّ له ذلك مع أنَّه متأكِّد تماماً أنَّه في جسم "ساكن". أنتَ تبتعد عنَّي 50م/ث، وأنا أبتعد عنكَ 50م/ث. وهذا إنَّما يعني، في هذه الحال، أي في حال اتِّساع (أو تقلُّص) المسافة الفضائية بيني وبينكَ، أنْ لا الجسم A ولا الجسم B يُمْكِن النَظَر إليه على أنَّه في حالٍ من "السكون المُطْلَق".

أمَّا إذا تحرَّكَ الجسم B على الخطِّ المستقيم ذاته؛ ولكن في اتِّجاه معاكِس للاتِّجاه الذي يتحرَّك فيه الجسم A فهذا إنَّما يعني أنَّ المسافة الفضائية بينهما (1000 متر) ستشرع تتقلَّص، فكلاهما يتحرَّك مُقْتَرِباً من الآخر بـ "سرعة نسبية" مقدارها 250م/ث (150م/ث + 100م/ث = 250م/ث). بَعْدَ 4 ثوانٍ يصبح كلاهما بجانب الآخر؛ ثمَّ تغدو تلك "السرعة النسبية (250م/ث)" سرعة ابتعاد لكليهما عن الآخر.

أنا متأكِّد تماماً أنَّني في جسم ساكن لا يتحرَّك في الفضاء؛ ذلكَ لأنَّه يسير بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم. وأنتَ، أيضاً، متأكِّد تماماً أنَّكَ في جسم ساكن لا يتحرَّك في الفضاء.

أنا متأكِّد تماماً أنَّكَ في جسم يتحرَّك في الفضاء، مُقْتَرِباً منِّي، ثمَّ مبتعداً عنِّي، بعدما مرَّ بجانبي، بسرعة 250م/ث. وأنتَ متأكِّد تماماً أنَّني في جسم يتحرَّك في الفضاء، مُقْتَرِباً منكَ، ثمَّ مبتعداً عنكَ، بعدما مرَّ بجانبكَ، بسرعة 250م/ث.

لِنُغَيِّر الآن "المقادير".. الجسم A سرعته 1000 كيلومتر في الثانية؛ والجسم B سرعته 279000 كيلومتر في الثانية. الجسمان يتحرَّكان على الخط المستقيم ذاته؛ ولكن في اتِّجاهين متعاكسين.

أنا الذي في الجسم الساكن B أقيس سرعة ابتعاد الجسم A عنِّي فأجدها 280000كم/ث (279000كم/ث + 1000كم/ث = 280000كم/ث).

وتأكيداً لصحَّة قياسي هذا، ها هو الجسم A يُريني (بحسب ما ذَكَرَ آينشتاين في هذا الصدد) من الظواهر ما يجب أن يَحْدُث عندما يسير جسم في الفضاء بسرعة 280000كم/ث، أي بسرعة تقارِب سرعة الضوء. إنَّني أرى في ذلك الجسم "تأخُّر ساعته"، وتقلُّص وانكماش طوله في اتِّجاه حركته، وتزايد كتلته.

عندما كان الجسم A بجانبي، قُمْتُ أنا وأنتَ بـ "تصفير" ساعتيْنا؛ ولكن ها هي ساعتكَ الآن تتأخَّر كثيراً عن ساعتي على ما أرى أنا. بَعْدَ دقيقة واحدة، بحسب ساعتي، تحرَّكت ساعتكَ، على ما أرى أنا، نصف دقيقة فقط، وبَعْدَ ساعة واحدة، بحسب ساعتي، تحرَّكت ساعتكَ، على ما أرى أنا، نصف ساعة فقط، وبَعْدَ 24 ساعة، بحسب ساعتي، تحرَّكت ساعتكَ، على ما أرى أنا، 12 ساعة فقط، ..إلخ. إنَّ "نِسْبة" التأخُّر في ساعتكَ 50 في المئة. وكلَّما زادت "سرعتكَ النسبية" زادت "نِسْبة" التأخُّر في ساعتكَ.

ما أراه أنا في الجسم A تراه أنتَ في الجسم B فأنتَ ترى أنَّ ساعة الجسم B (الذي يسير مبتعداً عنكَ بسرعة 280000كم/ث بحسب قياسكَ لسرعته من مكانكَ) هي التي تتأخَّر كثيراً عن ساعتكَ، وأنَّ طوله قد تقلَّص وانكمش في اتِّجاه حركته.

لِنُغَيِّر "المقادير" ثانيةً.. الجسم A سرعته 100000كم/ث؛ والجسم B سرعته 279000كم/ث؛ وكلاهما يتحرَّك على الخطِّ المستقيم ذاته؛ ولكن في اتِّجاهين متعاكسين، فكم سرعة كلا الجسمين بالنسبة إلى الآخر؟ عملاً بقاعدة "جَمْع السرعات"، التي عَمِلْنا بها من قبل، نتوصَّل إلى الإجابة الآتية: "السرعة النسبية" لكليهما هي 379000كم/ث.

إنَّها إجابة ليست بالصحيحة فيزيائياً؛ فهذه السرعة تفوق سرعة الضوء (300000كم/ث) بمقدار 79000كم/ث؛ وليس من جسمٍ، أي ليس من مادة لها "كتلة"، يُمْكِنه أن يسير بسرعة تَعْدِل، أو تفوق، سرعة الضوء.

الإجابة الصحيحة فيزيائياً، والتي سأتوصَّل إليها أنا، كما ستتوصَّل إليها أنتَ، عند استعمالنا لكل ما لدينا من وسائل وأدوات وطرائق لقياس السرعة، إنَّما هي رَقَم يقلُّ، دائماً، عن الرقم 300000.

مع كل "تسارُعٍ" للجسم (أي للمادة التي لها كتلة) تزداد كتلته؛ ويُمْكِنه، نظرياً على الأقل، وبعد حين، أن يستوفي شروط تحوُّله إلى "ثقب أسود".

لِنَفْتَرِض أنَّ جسماً كتلته تفوق كتلة الشمس 3 مرَّات مثلاً، وأنَّه يسير في خطٍّ مستقيم بسرعة ثابتة منتظَمة مقدارها 1000كم/ث، وأنَّ جسماً آخر يسير على الخط ذاته؛ ولكن في اتِّجاه معاكِس، وأنَّ سرعته الثابتة المنتظَمة تبلغ 298 ألف كم/ث. في هذه الحال، كم "السرعة النسبية" للجسم الأوَّل؟ إنَّ سرعته بالنسبة إلى الجسم الثاني تبلغ 299 ألف كم/ث (298 ألف كم/ث + 1000كم/ث = 299 ألف كم/ث).

لو كانت تلك "السرعة النسبية" للجسم الأوَّل تؤثِّر فيه فيزيائياً لَمَا تمكَّن المراقِب الموجود في الجسم الثاني من رؤية الجسم الأوَّل لكونه قد تحوَّل إلى "ثقب أسود"، فهذا الجسم، أي الجسم الأوَّل، لا يُمْكِنه أن يسير بسرعة مقدارها 299 ألف كم/ث من غير أن يتحوَّل إلى "ثقب أسود".

إنَّ لكل جسم، أو لكل "مادة لها كتلة"، "سرعة قصوى"، هي السرعة التي بوصوله إليها يستوفي شروط تحوُّله إلى "ثقب أسود". ولكنَّ الجسم الأوَّل، الذي بلغت سرعته بالنسبة إلى الجسم الثاني 299 ألف كم/ث، يظلُّ مُرْسِلاً للضوء على ما يرى المراقب في الجسم الثاني.

الآن، تخيَّل أنْ ليس في الكون من جسمٍ سوى الجسم A الذي تُوْجَدُ أنتَ فيه. إذا كان هذا الجسم ساكناً لا يتحرَّك في الفضاء، أو إذا كان يتحرَّك في الفضاء في خطٍّ مستقيم وفي سرعة ثابتة منتظَمة مهما كان مقدارها، فإنَّ كل ما لديكَ من نتائج بحث واختبار سيؤكِّد لكَ أنَّكَ في جسم ساكن لا يتحرَّك في الفضاء؛ فليس في الفضاء من جسم آخر (مَرْجِع أو مرجعية) ترى أنَّكَ "تبتعد عنه"، أو "تقترِب منه"، وتقيس، بالتالي، سرعتكَ "بالنسبة إليه".

إنَّ سرعة الجسم الذي أنتَ فيه لا يُمْكِنُكَ أبداً قياسها إلاَّ "نِسْبَةً إلى جسم آخر، تَبْتَعِد عنه، أو تَقْتَرِب منه"، فَنِسْبَةً إلى شجرة (أي جسم ساكِن) على الطريق تقيسُ سرعة سيَّارتكَ، في ابتعادها عن تلك الشجرة، أو في اقترابها منها. ونِسْبَة إلى سيَّارة تسير وراء سيَّارتكَ تقيسُ سرعة سيَّارتكَ. ونِسْبَةً إلى سيَّارة تسير في اتِّجاه معاكِس للاتِّجاه الذي تسير فيه سيَّارتكَ تقيسُ سرعة سيَّارتكَ. إنَّ "الشجرة"، أو إحدى السيَّارتين، هي "المَرْجِع (أو المَرْجعية)" الذي نِسْبَةً إليه تقيس سرعة سيَّارتكَ. وسرعة سيَّارتكَ تكون صفراً إذا ما ظلَّت المسافة بينها وبين "المَرْجِع" على حالها، أي بلا زيادة ولا نقصان.

وتسمَّى "المَرْجعية" بـ "مَرْجعية غاليلية" إذا كان السَيْر في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم. و"السرعة الثابتة المنتظَمة" إنَّما تعني أن ينطلق جسم بسرعة معيَّنة، وأن يظلَّ متحرِّكاً بالسرعة نفسها.

وفي الكون، ليس من "مَرْجعية واحِدة (مشتَرَكة)"، نقيس بالنسبة إليها سرعات الأجسام جميعاً. ولغياب "المَرْجعية المشترَكة" تصبح سرعة كل جسم "سرعة نسبية"، أي تُقاس نِسْبَةً إلى هذه "المَرْجعية" أو تلك، أي نِسْبَةً إلى هذا الجسم (أو الشيء) أو ذاك.

المركبة الفضائية التي انطلقت من الأرض نحو نجم يَبْعُد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية مثلاً قد تتَّخِذ كوكب الأرض "مَرْجعية"، تقيس نِسْبَةً إليها سرعتها؛ ولكنَّ هذا الكوكب سيغيب، بعد حين، عن أنظار المسافِرين على متن تلك المركبة، ويغدو مستحيلاً، بالتالي، الاستمرار في اتِّخاذه "مَرْجعية".

ويُمْكِن تشبيه "السرعة النسبية" بـ "خيط مطَّاطي وهمي" يَصِل بين كل جسم في الفضاء وبين "مَرْجِع ما (أي جسم آخر)". وهذا "الخيط" قد يظلُّ ثابت الطول، وقد يتغيَّر طوله، زيادةً أو نقصاناً.

ومع ذلك، تبقى لديكَ طريقة تسمح لكَ بمعرفة أنَّكَ في جسم يتحرَّك (فِعْلاً) في الفضاء، فإذا أنتَ شَعَرْتَ أنَّ "قوَّة" قد دَفَعَتْكَ إلى الوراء، أو إلى الأمام، إلى اليسار، أو إلى اليمين، فإنَّكَ، عندئذٍ، تَعْرِف أنَّكَ في جسم متحرِّك في الفضاء، أو تحرَّك؛ لأنَّه خضع لتأثير "قوَّة خارجية ما"، زادت سرعته، أو أنقصتها، جَعَلَتْهُ ينعطف إلى اليمين، أو إلى اليسار.

إذا شَعَرْتَ أنَّ تلك "القوَّة" تشدكَ إلى الوراء على نحوٍ مستمر ومتزايد فإنَّ لكَ كل الحق في أن تقول إنَّ الجسم A الذي تُوْجَد أنتَ فيه يتحرَّك في الفضاء، و"يتسارَع" في حركته.

عدا ذلك، لن ترى شيئاً يُظْهِر لكَ ويؤكِّد أنَّ الجسم A "يتسارَع" في حركته، فأنتَ لن تُدْرِكَ أبداً أنَّ ساعة هذا الجسم تتأخَّر، أي أنَّ الزمن فيه يتباطأ، ويزداد تباطؤاً، كما أنَّ كل ما لديكَ من أدوات لقياس "الطول" سيؤكِّد لكَ أنّ الجسم A لم يتقلَّص طوله في اتِّجاه حركته؛ فالمتر الذي تقيس به الطول قد تقلَّص هو أيضاً تقلُّصاً يَعْدِل، في نسبته، نقلُّص طول الجسم A في اتِّجاه حركته.

"الحقيقة المُطْلَقة"، ولو لم تتمكَّن أنتَ من إثباتها، هي أنَّ الجسم A ينبغي له أنْ يتأثَّر فعلاً بكل تزايد في سرعته. ينبغي لـ "الزمن" فيه أنْ يتباطأ، ولـ "طوله" أنْ يُخْتَصَر ويتقلَّص في اتِّجاه حركته، ولـ "كتلته" أنْ تزداد، ولـ "الفضاء" من حَوْلِه أنْ ينحني ويتقوَّس ويتحدَّب. ويكفي أنْ يتقلَّص طولاً (في اتِّجاه حركته) حتى يتقلَّص "حجماً". ويكفي أنْ يتقلَّص "حجماً"، وأنْ يزداد "كتلةً"، حتى يَعْظُم "كثافةً"، ويتقلَّص "نصف قطره"، بالتالي، بما يكفي لتحوُّله إلى "ثقب أسود"، الذي هو جسم أصبح "الزمكان" الخاص به في أشَدِّ انحناء.

بـ "السرعة (أو التسارُع)" يتقلَّص الجسم. وهو يتقلَّص في الاتِّجاه الذي يتحرَّك فيه. وطوله هو الذي يتقلَّص فيه. وهذا التقلُّص هو من مظاهر "انحناء المكان"، وينتهي هذا المسار بـ "تدوير الجسم"، أي بجعله "كروياً"، أو قريباً إلى الشكل الكروي.

إنَّ "البطء" و"التقلُّص" هما عاقبة "التسارُع"؛ و"البطء" إنَّما هو "بطء الزمان" المحلِّي، أي الزمان الخاص بالجسم المتسارِع؛ و"بطء زمنه" إنَّما يعني "بطء الحوادث فيه". مع كل زيادة في سرعة الجسم "يتمدَّد" زمانه، أي يتباطأ سيره؛ ومع كل تضاؤل في سرعته "يتقلَّص" زمانه، أي يتسارَع سيره. أمَّا عاقبة "التسارُع" الثانية، وهي "التقلَّص"، فتشمل "المكان (= الجسم بأبعاده الثلاثة، الفضاء، المسافة، الطول)". وبـ "المقارنة" بين "عالَمَيْن" نَقِفُ على خصائص الزمان والمكان في كليهما، فالإنسان الذي سافر في مركبة فضائية سارت، ذهاباً وإياباً، بسرعة تقارِب سرعة الضوء، لن يُدْرِك "تأخُّر الساعة" في مركبته إلاَّ إذا عاد إلى الأرض، وقارَن، من ثمَّ، بين ساعة مركبته والساعة الأرضية.

الكون يتألَّف من "عوالِم" لا عدَّ لها، ولا حصر. وكل "عالَم" إنَّما هو جزء (صغير أو كبير) من الكون، مُتَّحِد فيزيائياً بفضل "كتلته"، و"سرعته". إنَّ تقلُّص الأجسام في عالَمٍ ما لا يُدْرِكه سكان هذا العالَم. سكان عالَمٍ آخر، لا يشاركون سكان العالم الأوَّل حركتهم، هم الذي يدركونه.

لِنَتَخَيَّل قطاراً يسير، في خطٍّ مستقيم، بسرعة ثابتة منتظَمة، مقدارها 240000كم/ث، ويَمُرُّ برصيف محطَّة طوله 2400000كم.

المسافِر في هذا القطار لن يرى في داخل القطار من الظواهر ما يريه فَرْقاً بين هذا القطار وبين قطار واقِفٍ، فالجسم ينتقل من سكون إلى سكون إذا ما سار بسرعة ثابتة منتظَمة (مهما يكن مقدارها).

هذا المسافِر يرى أنَّ قطاره قد اجتاز الرصيف في زمن مقداره بحسب ساعته 6 ثوانٍ. يَسْتَنْتِج من ذلك أنَّ طول الرصيف لم يَبْقَ 2400000كم؛ لقد تقلَّص، فأصبح 1440000كم (السرعة 240000كم × الزمن 6 ثوانٍ = المسافة، أي طول الرصيف، 1440000كم).
لا يمكنه، ولا يجوز له، أن يَسْتَنْتِج أنَّ سرعة قطاره هي التي زادت، فأصبحت 400000كم/ث؛ ذلكَ لأنْ لا شيء يمكنه أن يسير بسرعة تفوق سرعة الضوء (300000كم/ث).

نَظَرَ هذا المسافِر من نافذة القطار (المتحرِّك) إلى شيئين، هما "الرصيف" و"ساعة المحطَّة"، فَوَجَدَ أنَّ طرف الرصيف الذي منه انطلق القطار "يتحرَّك" مبتعداً عنه بسرعة تقارِب سرعة الضوء، وأنَّ طول الرصيف يتقلَّص، وينكمش، ويُخْتَصَر، في الاتِّجاه الذي "يتحرَّك" فيه الرصيف؛ وَوَجَدَ، أيضاً، أنَّ "ساعة المحطَّة" قد تأخَّرت عن ساعته. ولقد توصَّل المسافِر إلى أنَّ "نِسْبة" التأخُّر في "ساعة المحطة" تَعْدِل وتُماثِل "نِسْبة" التقلُّص في طول الرصيف (في اتِّجاه حركته).

لو سُئِلَ المسافِر في القطار عن "سرعة الرصيف" لأجاب قائلاً إنَّها 240000كم/ثانية، فالرصيف هو الذي يتحرَّك بالنسبة إلى القطار. إنَّ مُقدَّم الرصيف يتحرَّك، على ما يرى المسافِر، مبتعِداً عن مُؤخَّر القطار. ولكن، ما معنى قوله إنَّ سرعة الرصيف 240000كم/ث؟ معناه هو أنَّ الرصيف يجتاز في كل ثانية مقداراً معيَّناً من الأمتار.

أمَّا الواقِف على الرصيف عند طرفه الذي منه انطلق القطار فرأى أنَّ "ساعة القطار" هي التي تأخَّرت عن "ساعة المحطَّة"، وأنَّ طول القطار قد تقلَّص في اتِّجاه حركته، وأنَّ القطار قد اجتاز الرصيف في زمن مقداره، بحسب "ساعة المحطَّة"، 10 ثوانٍ. وهذا إنَّما يعني، بالنسبة إلى الواقف على الرصيف، أنَّ سرعة القطار قد ظلَّت 240000كم/ث، وأنَّ طول الرصيف قد ظلَّ 2400000كم. ولقد توصَّل الواقف على الرصيف إلى أنَّ "نِسْبة" التأخُّر في "ساعة القطار" تَعْدِل وتُماثِل "نِسْبة" التقلُّص في طول القطار (في اتِّجاه حركته).

"الحقيقة المُطْلَقة"، في هذا المثال، هي أنَّ "ساعة القطار" هي التي تأخَّرت فعلاً، فالقطار هو الذي كان في حالٍ من الحركة الحقيقية، وهو الذي، في أثناء رحلته، تقلَّص طوله فعلاً في اتِّجاه حركته. عندما توقَّف القطار في نهاية رحلته، عاد إلى طوله الأصلي؛ ولكن فَرْق الزمن لَمْ يتغيَّر.

"اختصار" طول الرصيف، بالنسبة إلى المسافِر في القطار، إنَّما يعني أنَّ الرصيف كان في "حركة نسبية"، ولَمْ يكن في "حركة مُطْلَقَة". على أنَّ هذا "الاختصار" ليس بخداع بصري، فكل ما لدى المسافِر في القطار من أجهزة يمكن استخدامها لقياس طول الرصيف يؤكِّد له أنَّ طول الرصيف قد اخْتُصِر.

الآن، زِدْ سرعة القطار، أي اجْعَلْهُ "يتسارَع"، فتتأخَّر ساعته أكثر، وتزداد "نِسْبَة" هذا التأخُّر. زِدْها أكثر فأكثر حتى تبلغ 299000كم/ث. في هذه الحال، يجتاز القطار الرصيف في زمن مقداره، بحسب "ساعة القطار" 3 ثوانٍ.

ما رآهُ المسافِر في القطار مِنْ تأخُّرٍ في "ساعة المحطَّة" لا يَعْكِس "الحقيقة الموضوعية"؛ وهذا الذي يراه إنَّما يشبه "صورة" ما يَحْدُث في قطاره وقد رآها في "مرآة" "الرصيف" و"المحطَّة"، فـ "أصلُ" الظاهرة في القطار، و"صورتها" هناك، أي في "الرصيف" و"المحطَّة".

لدينا ثلاثة توائم، الأوَّل يقف على رصيف محطَّة القطارات، والثاني مسافِرٌ في قطار سرعته 100 ألف كم/ث، والثالث مسافِرٌ في قطار سرعته 280 ألف كم/ث؛ وقد انطلق القطاران في اللحظة عينها.

القطار الثالث اجتاز "الرصيف" من طرفه إلى طرفه الآخر قبل القطار الثاني؛ لأنَّ سرعته أكبر. لقد اجتازه بَعْدَ 10 دقائق (من انطلاقه) بحسب ساعة التوأم الأوَّل الواقف على الرصيف، وبَعْدَ 6 دقائق بحسب ساعة المسافِر فيه، أي التوأم الثالث.

التوأم الأوَّل زاد عُمْره 10 دقائق؛ أمَّا التوأم الثالث فزاد عُمْره 6 دقائق فحسب. لقد أصبح التوأم الأوَّل أكبر من التوأم الثالث بـ 4 دقائق. وهذا الفَرْق بين عُمْريهما سيظلُّ ثابتاً لا يتغيَّر.

التوأم الثاني اجتاز بقطاره الرصيف بَعْدَ 15 دقيقة (من انطلاقه) بحسب ساعة التوأم الأوَّل الواقف على الرصيف، وبَعْدَ 13 دقيقة بحسب ساعته هو. لقد أصبح التوأم الأوَّل أكبر من التوأم الثاني بدقيقتين. التوأم الأوَّل هو الآن الأكبر، والتوأم الثالث هو الأصغر، ويتوسَّطهما عُمْراً التوأم الثاني.

الآن، دعونا نتخيَّل المسافة (الفضائية) بين كوكب الأرض والشمس على أنَّها "رصيف" لمحطَّة قطارات، طرفه الأوَّل في الأرض، وطرفه الآخر في الشمس. لقد انطلقت مركبة فضائية بسرعة تقارِب سرعة الضوء من الأرض نحو الشمس. المسافة بين الأرض والشمس، على ما يحسبها ويقيسها سكَّان الأرض، تبلغ 150 مليون كيلومتر. المسافِر على متن تلك المركبة سيقول بَعْد وصوله إلى الشمس إنَّ المسافة الفضائية التي اجتازتها مركبته وصولاً إلى الشمس تبلغ 75 مليون كيلومتر، فهذه المسافة هي بالنسبة إليه كـ "رصيف المحطَّة" الذي يراه المسافِر في القطار يتقلَّص طولاً في اتِّجاه حركته (النسبية).

تقدير المسافة بين الشمس والأرض على أنَّها 150 مليون كيلومتر إنَّما هو تقدير نسبي، فهو صحيح بالنسبة إلى مراقِب أرضي يشارِك في حركة الأرض. أمَّا المراقب في كوكب آخر في مجرَّتنا وسرعته اكبر من سرعة الأرض (أي غير مشارِك في حركة الأرض) فيختلف تقديره لهذه المسافة. إنَّ تقديره يختلف تبعاً لسرعة العالَم الذي ينتمي إليه.

حساب "السرعة" إنَّما هو أن تَحْسِب سرعتكَ أنتَ نِسْبَةً إلى جسم آخر، أو أن تَحْسِب سرعة جسم نِسْبَةً إليكَ أنتَ. وأنتَ تَحْسِب السرعة (سرعتكَ نِسْبَةً إلى جسم آخر، أو سرعة جسم نِسْبَةً إليكَ) مُسْتَعْمِلاً أداتين متغيِّرتين في "الكمِّيَّة"، هما "الساعة" و"المتر".

"الساعة" تقلُّ سرعة سَيْر عقاربها مع كل زيادة في سرعة الجسم الذي يَحْمِلها؛ و"المتر" يزداد طوله انكماشاً في اتِّجاه حركة الجسم الحامِل له مع كل زيادة في سرعة هذا الجسم. وعلى هذا النحو يُمْكننا، وينبغي لنا، أنْ نَفْهَم، أيضاً، معنى "نسبية السرعة".

اختصار (تقلُّص، انكماش) طول رصيف محطَّة القطارات بالنسبة إلى راكِب القطار المتحرِّك على سِكَّة حديد موازية للرصيف إنَّما يعني أنَّ الرصيف في "حركة نسبية"، وليس في "حركة مُطْلَقة".

وغنيٌ عن البيان أنَّ وصف حركة الرصيف بأنَّها "حركة نسبية" يعني أنَّ القطار هو الذي في "حركة مُطْلَقة". والجسم الذي في "حركة مُطْلَقة" هو وحده الذي يؤدِّي تسارعه إلى تأخُّر الساعة فيه..

وهذا الاختصار (لطول الرصيف) ليس من قبيل "الخداع البصري"؛ لأنَّ كل ما لدى راكِب القطار من أجهزة وأدوات ووسائل لقياس طول الرصيف يؤكِّد له استخدامها أنَّ طول الرصيف قد اخْتُصِر.

"الخداع البصري" يُمْكِن نفي ودَحْض نتائجه من خلال استخدام أجهزة القياس (الموضوعية). ومع إثبات أنَّ تلك الظاهرة (اختصار طول الرصيف) ليست من قبيل الخداع البصري لا يبقى من تفسير سوى أنَّ "المقاييس الموضوعية" هي التي تتغيَّر بفضل تسارُع الجسم.

و"المسافة الفضائية (=رصيف محطَّة القطارات)" ليست بـ "المقدار الثابت"، فطولها، من وجهة نظر "المراقِب الساكن بالنسبة إليها" أكبر من طولها من وجهة نظر "المراقِب المتحرِّك بالنسبة إليها". تلك المسافة إنَّما هي في "حركة نسبية"، فهي متحرِّكة بالنسبة إلى المراقِب الذي في "حركة مُطْلَقة".

"المراقِب الأرضي"، والذي هو مراقِب ساكن بالنسبة إلى المسافة الفضائية بين الأرض والشمس، يَحْسِب تلك المسافة فيَجِدْها 150 مليون كم؛ أمَّا المسافِر من الأرض إلى الشمس في مركبة فضائية تقارِب سرعتها سرعة الضوء فإنَّه يَجِد المسافة الفضائية بينهما، إذا ما حسبها، 75 مليون كم مثلاً.

بالنسبة إلى هذا المسافِر، كل المقاييس (الموضوعية) تتغيَّر بما يجعل "نتائج القياس (الموضوعية)" تؤكِّد له أنَّ سرعة مركبته قد ظلَّت، على الدوام، دون سرعة الضوء، وأنَّ سرعة الضوء (في الفضاء) لَمْ تَزِدْ، ولَمْ تَنْقُص، أي أنَّها ظلَّت 300 ألف كم/ث.

تأخُّر ساعة المركبة (=العاقبة الحتمية لتسارعها) يَقْتَرِن، دائماً، بجعل "نتائج القياس"، كقياس الطول، متَّفِقَة كل الاتِّفاق مع مبدأين: مبدأ أنَّ سرعة المركبة، ومهما تزايدت، لن تصل أبداً إلى سرعة الضوء، أو تتجاوزها؛ ومبدأ أنَّ سرعة الضوء في الفضاء تظل ثابتة لا تتغيَّر.

اختصار المسافة (الفضائية) إنَّما هو العاقبة الحتمية لتزاوُج حقيقتين: حقيقة أنَّ المركبة لا يُمْكنها أبداً، ومهما تسارعت، أن تسير بسرعة تَعْدِل، أو تفوق، سرعة الضوء؛ وحقيقة تأخُّر ساعة المركبة.

بفضل تأخُّر ساعة (=تباطؤ الزمن أو تمدُّده) مركبتي أصِل إلى كوكب يبعد عن الأرض 100 مليون سنة، مثلاً، في زمن مقداره، بحسب ساعة المركبة، 30 ثانية مثلاً. أصِل إليه في زمن يقل كثيراً عن "الزمن الافتراضي"، الذي يزيد عن 100 مليون سنة. أصِل إليه مع بقاء سرعة مركبتي دون سرعة الضوء. إنَّ المسافة الفضائية تُخْتَصَر حتماً إذا ما اخْتُصِر زمن الرحلة الفضائية لمركبة تسير بسرعة تقارِب سرعة الضوء (المسافة = الزمن × السرعة).

تخيَّل أنَّ مركبتكَ الفضائية (المنطلقة من كوكب الأرض) قد غادرت مجرَّتنا (مجرَّة درب التبانة) متَّجِهةً إلى مجرَّة تبعد عن مجرَّتنا 5000 مليون سنة ضوئية، وأنَّها تسارعت حتى بلغت سرعتها 290 ألف ك/ث.

قبل أن تغادِر مجرَّتنا جابت بين نجومها وأجرامها حيث المسافات الفضائية بينها ثابتة (لا تزيد ولا تنقص) على وجه العموم.

الآن، غادَرَت مجرَّتنا، سابحةً في الفضاء بينها وبين مجرَّات كثيرة، تؤلِّف مع مجرَّتنا عائلة واحدة كبيرة. وكانت المسافات الفضائية بين تلك المجرَّات ثابتة هي أيضاً على وجه العموم.

نحن نَعْلَم أنَّ الفضاء في تمدُّد مستمر، ومتزايد أيضاً؛ ولكنَّ تمدُّده يلقى مقاوَمة شديدة في داخل مجرَّتنا، وفي داخل عائلة المجرَّات الكبيرة التي تنتمي إليها مجرَّتنا، فثمَّة ما يَكبح تمدُّد الفضاء بين نجوم مجرَّتنا، وبين المجرات التي تؤلِّف مع مجرَّتنا عائلة واحدة كبيرة.

هذا "الكابِح" يَضْعُف كثيراً بين عائلات المجرَّات (وليس في داخل كل "عائلة" على ما يرى كثيرٌ من علماء الكون) فالذي يراقِب "عائلات المجرَّات"، انطلاقاً من عائلة المجرَّات التي تنتمي إليها مجرَّتنا، يرى أنَّ كل عائلة تتحرَّك في الفضاء وكأنَّها ترتدُّ بعيداً، وبسرعة كبيرة، عن العائلة التي تنتمي إليها مجرَّتنا؛ فالفضاء بين "عائلات المجرَّات"، أو لِنَقُلْ بين "الجُزُر الكونية"، يَظْهَر في حالٍ من التمدُّد المستمر والمتزايد (المتسارِع) لأنَّ الكابح لتمدُّده ضعيفٌ جدَّاً هنا.

لِنَرْمُز إلى عائلات المجرَّات (أي "الجزيرة الكونية") التي تنتمي إليها مجرَّتنا بالحرف A وإلى عائلات المجرَّات التي تنتمي إليها المجرَّة التي تتَّجِه إليها مركبتكَ بالحرف B. ولِنَرْمُز إلى هذه المجرَّة (التي تتَّجِه إليها مركبتكَ، والتي تبعد عن مجرَّتنا 5000 مليون سنة ضوئية) بالحرف C.

مركبتكَ، التي تسير الآن بسرعة 290 ألف كم/ث، ما أن تغادِر A في طريقها إلى B حيث تقع C حتى يغدو سَيْرها في هذا الفضاء المتمدِّد، والمتسارِع في تمدُّده، كسَيْرِها في طريق تزداد طولاً (أي تتمدَّد) كل ثانية.

ولكنَّ سرعة تمدُّد الفضاء هنا تظلُّ أقل من السرعة التي تسير فيها مركبتكَ؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ مركبتكَ ستصل، في آخر المطاف، إلى C وإنْ تأخَّر وصولها إليها بعض الوقت؛ بسبب تمدُّد واستطالة الطريق الفضائية هنا.

قُلْنا إنَّ المجرَّة C تبعد عن مجرَّتنا 5000 سنة ضوئية؛ والمراقِب الأرضي يراها تزداد بُعْداً كل ثانية بسبب تمدُّد الفضاء. والمراقِب في تلك المجرَّة يرى الشيء ذاته. إنَّه يرى أنَّ مجرَّتنا هي التي ترتدُّ عن مجرَّته بعيداً في الفضاء، وأنَّها هي التي تزداد بُعْداً كل ثانية، فـ "الجُزُر الكونية" في تباعُدٍ مستمرٍ ومتزايدٍ، وكأنَّها في حالٍ من التنافُر.

وعليه، لو سُئِل كلا المراقبين "هل الكون في حالٍ من التمدُّد أم في حالٍ من التقلُّص؟" لأجاب على البديهة قائلاً: "إنَّه في حالٍ من التمدُّد المستمر والمتسارِع". أمَّا لو سُئِلْتَ أنتَ السؤال ذاته لأجبتَ قائلاً: "إنَّ كل ما لديَّ الآن من نتائج قياس واختبار يُريني أنَّ الكون في حالٍ من التقلُّص المستمر والمتسارِع، فمركبتي وصلت إلى المجرَّة C في زمن مقداره، بحسب ساعة المركبة، 100 ثانية مثلاً، مع أنَّ مركبتي، التي شرعت تتسارَع بعد انطلاقها من كوكب الأرض، ظلَّت تسير بسرعة 290 ألف كم/ث؛ وفي أثناء تسارُعها كنتُ أرى المسافة الفضائية بين مركبتي والمجرَّة C تُخْتَصَر أكثر فأكثر في اتِّجاه حركة مركبتي"، فتقلُّص "المسافة الفضائية" هو جزء من ظاهرة "تقلُّص المكان"، التي هي إحدى الظواهر التي يُنْتِجها "التسارُع".

قبل انطلاق مركبتك في رحلتها كنتَ متأكِّداً أنَّ المجرَّة C تبعد عن مجرَّتنا مسافة يقطعها الضوء (الذي يسير بسرعة 300 ألف كم/ث) في زمن مقداره 5000 سنة؛ أمَّا بَعْد وصولكَ إلى C فأنتَ تملك كل ما يؤكِّد أنَّ المسافة الفضائية التي قطعتها مركبتكَ لا تزيد عن 29 مليون كيلومتر. وهذه المسافة يقطعها الضوء في زمن مقداره 96.6 ثانية.

لقد رأيتَ المسافة الفضائية بين مركبتكَ والمجرَّة C تُخْتَصَر؛ ولكنَّكَ لن ترى أبداً الأشياء في داخِل مركبتكَ في حجوم مخْتَصَرة، فكل الأشياء في داخِل مركبتكَ تظلُّ، بحسب رؤيتكَ وقياسكَ لها، على حجومها، لا تَصْغُر ولا تَكْبُر. حتى مركبتكَ ذاتها لم يُخْتَصَر طولها بالنسبة إليكَ، فأنتَ قِسْتَ طولها بـ "المتر" الذي معكَ، فوَجَدتَّ أنَّه (أي طولها) لم ينقص، ولم يزدد.

أمَّا المراقِب الذي يراقب مركبتكَ من موضع آخر في الكون فيرى أنَّ طول مركبتكَ يُخْتَصَر في اتِّجاه حركتها، وأنَّ هذا الاختصار يزداد مع كل تزايد في سرعتها.

تخيَّل الآن أنَّ مركبتكَ (التي تسارعت حتى بلغت سرعتها 290 ألف كم/ث) قد استوفت شروط تحوِّلها إلى "ثقب أسود"، فتحوَّلت إليه. أنتَ الآن تعيش في داخل جسم يدعى "الثقب الأسود". إنَّكَ لن ترى فَرْقاً، فها هو قلبكَ ينبض نحو 70 نبضة في الدقيقة الواحدة بحسب ساعتكَ، وها أنتَ تنام 8 ساعات في اليوم، وها أنتَ تُدخِّن السيجارة الواحدة في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ، خمس دقائق، وها أنتَ ترى النجوم والأجرام والمجرَّات من حَوْلِكَ، فكل ضوء في الفضاء الخارجي يصل إليكَ في داخل مركبتكَ التي تحوَّلت إلى "ثقب أسود".

ولكن ثمَّة "فَرْقٌ"، فإنَّ أحداً من المراقبين في الفضاء الخارجي (أي الذي يقع في خارِج مركبتكَ) أو في الكون لن يتمكَّن أبداً من رؤيتكَ، أو من رؤية مركبتكَ؛ لأنَّها تحوَّلت إلى "ثقب أسود"، يمنع (منعاً مُطْلقاً) كل ضوء من مغادرته إلى الفضاء الخارجي.

أمَّا لو تحوَّل كل جسم في "الكون الخارجي"، أي في خارِج مركبتكَ، إلى "ثقب أسود"، فإنَّكَ لن ترى شيئاً من "الكون الخارجي"، كما أنَّ أي مراقِب في "الكون الخارجي" لن يرى مركبتكَ. إنَّنا لن نرى بعضنا بعضاً. لن يتَّصِل بعضنا ببعض، ولن نتبادل التأثير. والظاهرة ذاتها تَحْدُث أيضاً عندما يتمدَّد الفضاء بين جسمين كونيين (أو بين كونين) بسرعة تفوق سرعة الضوء.

تخيَّل الآن أنَّ مركبتكَ هي الجسم الوحيد في الفضاء الكوني كله. لقد تسارعت حتى بلغت سرعتها 290 ألف كم/ث، وأنَّها ما أن بلغت هذه السرعة حتى حافَظَت عليها، أي أنَّها قد ظلَّت تسير في الفضاء إلى الأبد بسرعة 290 ألف كم/ث.

في هذه الحال، لا يُمْكننا الحديث عن "حركة نسبية"، أو عن "سرعة نسبية"، فليس من جسم كوني آخر (مَرْجِع أو مرجعية) تبتعد عنه مركبتكَ، أو تقترِب منه، وتقيس سرعتها (سرعة ابتعادها أو سرعة اقترابها) نِسْبَةً إليه.

وفي هذه الحال أيضا، ليس من مراقب إلاَّ أنتَ. وأنت لا ترى شيئاً في خارج مركبتكَ؛ وكل ما تراه من أشياء وظواهر وأحداث في داخل مَرْكبتكَ إنَّما يؤكِّد لكَ أنَّكَ في داخِل جسم ساكِن لا يتحرَّك، وأنْ لا شيء قد اختلف أو تغيَّر.

قبل أن تسير مركبتكَ بهذه السرعة الثابتة المنتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، اجتازت مراحل عدَّة من "التسارُع"؛ ولا شكَّ في أنَّكَ قد شعرتَ، عند كل تسارُع، بأنَّكَ في جسم متحرِّك.

أنتَ الآن لا تشعر بذلك، فمركبتكَ ستسير إلى الأبد بسرعة ثابتة منتظَمة (290 ألف كم/ث) وفي خطٍّ مستقيم. ومع ذلك، ليس من شكٍّ في أنَّ مركبتكَ تتحرَّك في الفضاء، أي تنتقل فيه. ولا شكَّ أيضاً في أنَّ تسارعها (من قبل) قد أنْتَج كل ما يُنْتِج من ظواهر فيزيائية؛ لقد تأخَّرت الساعة فيها، وتقلَّص طولها في اتِّجاه حركتها، وزادت كتلتها، وازداد الفضاء انحناءً وتقوُّساً من حَوْلِها. إنَّ مركبتكَ في حركة فعلية مُطْلَقَة.

الآن، وفجأة، ظَهَر في الفضاء الكوني جسم آخر، كان مركبة فضائية ثانية، تسير وراء مركبتكَ في الاتِّجاه ذاته (على الخطِّ المستقيم ذاته). وهذه المركبة الثانية كانت تسير بالسرعة ذاتها، أي 290 ألف كم/ث. وهذا إنَّما يعني أنَّ المسافة الفضائية بين المركبتين، الأمامية (أي مركبتكَ) والخلفية، تظلُّ ثابتة، لا تزيد ولا تنقص.

في هذه الحال، ليس من "حركة نسبية"، فأنتَ تَنْظُر إلى المركبة التي تسير خلفكَ على أنَّها ساكنة لا تتحرَّك، والمسافِر على متنها يَنْظُر إلى مركبتكَ على أنَّها ساكنة لا تتحرَّك. إنَّ سرعة كلتيهما صِفْر. أمَّا لو تسارعت، أو تباطأت، المركبة التي تسير خلفكَ، فعندئذٍ، تصبح كلتا المركبتين في "حركة نسبية".

تخيَّل الآن أنَّ المركبة التي تسير وراء مركبتكَ قد ثَبَتَت (سَكَنَت) في مكانها، فهل يُمْكِن النَظَر إلى سكونها على انَّه "سكون مُطْلَق"؟ كلا، لا يُمْكِن ذلك، فليس من جسم في الكون يَسْكُنُ سكوناً مُطْلَقاً، فأنتَ سترى أنَّ تلك المركبة (الساكنة) تتحرَّك مبتعدةً عن مركبتكَ بسرعة 290 ألف كم/ث. إنَّها، على سكونها، في "حركة نسبية"، أي نِسْبَةً إليكَ.

ثمَّ أنَّ أي جسم لا يُمْكْنه أن يكون في حالٍ من السكون إلاَّ إذا كان، في الوقت نفسه، جزءاً من جسم (أكبر) متحرِّك، ويتحرَّك، بالتالي، معه، فهذا المنزل إنَّما هو جزء من سطح الكرة الأرضية المتحرِّكة حَوْل نفسها، وحَوْل الشمس في الوقت عينه.

المشهد الكوني العام هو ذاته من وجهة نظر المراقبين الكونيين جميعاً، فكل مراقِب يرى ما يراه سائر المراقبين. إنَّه يرى أنَّه في جسم كوني (كوكب مثلاً) يشبه مَرْكَز الدائرة الكونية، ذلك لأنَّ سائر الأجسام الكونية من كواكب ونجوم ومجرَّات.. تحيط به من كل الجهات. وكل جسم يختلف عن سائر الأجسام لجهة بُعْدِه عن هذا "المَرْكَز"، فهذا الجسم يَبْعُد عن كوكبنا 10 دقائق ضوئية، وذاك يبعد 10 سنوات ضوئية، وذلك 100 سنة ضوئية.

ولو تخيَّلْنا الجسم الكوني A على أنَّه ساكِن، ثابت في مكانه، لا يتحرَّك، فإنَّه يجب أن يكون في "حركة نسبية"، سَبَبُهَا وجود جسم في جواره، ينتقل في الفضاء، مُبْتَعِداً عن الجسم الساكن، أو مُقْتَرِباً منه.

كم هي "السرعة النسبية" للجسم الساكِن A إذا كان الجسم الثاني يتحرَّك مبتعداً عنه بسرعة 100 متر في الثانية الواحدة؟ إنَّها 100م/ث (100م/ث – 0م/ث = 100م/ث). وكم هي إذا كان يتحرَّك مقترِباً منه بسرعة 100 متر في الثانية الواحدة؟ إنَّها 100م/ث (100م/ث + 0م/ث = 100م/ث).

إنَّ الجسم الساكِن A يكفي أن تتَّسِع، أو تتقلَّص، المسافة الفضائية بينه وبين أي جسم في الكون حتى يكون في "حركة نسبية"، فالجسم الذي في حالٍ من السكون المُطْلَق إنَّما هو جسم لا وجود له.

الضوء وحده هو المادة التي سرعتها (في الفضاء) مُطْلَقة، لا تزيد ولا تنقص. إنَّه يشبه "طَلْقة" لا تتأثَّر سرعتها أبداً بـ "البندقية (كناية عن النجم مثلاً)" التي انطلقت منها، كما لا تتأثَّر سرعتها، زيادةً أو نقصاناً، بسرعة الجسم الذي يسير في الاتِّجاه ذاته، أو في الاتِّجاه المعاكِس.

و"طلقات" الضوء تنطلق في كل اتِّجاه. سرعة الضوء في الفضاء هي دائماً 300 ألف كم/ث، مهما كان مَوْضِع المراقِب الذي يقوم بقياسها، ومهما كانت سرعة هذا المَوْضِع، أو سرعة الشيء الذي منه انطلق الضوء.

على أنَّ سرعة الضوء يُمْكِن أن تَقِل (لا يُمْكنها أبداً أن تزيد) في داخِل بعض المواد. إنَّها، وعلى سبيل المثال، تقلُّ في داخِل جسم زجاجي، وفي داخِل الماء، كما تَقِلُّ في باطِن النجم، فإذا خَرَجَ الضوء إلى الفضاء استأنف سَيْره بسرعة 300 ألف كم/ث. وإذا انطلق ضوء مع مادة ما فلن نرى إلاَّ نتيجة من نتيجتين: أن يَسْبِق الضوء تلك المادة، أو أن يصل معها.

لِنَتَخيَّل نجمان انطلق كلاهما بسرعة 250 ألف كم/ث؛ ولكن في اتِّجاه معاكِس للاتِّجاه الذي انطلق فيه الآخر. مهما اتَّسَعَت المسافة الفضائية بينهما، ومهما طال زمن سَيْرهما في الفضاء في اتِّجاهين متعاكسين، يظلُّ الضوء المنطلق من كليهما يصلُ دائماً إلى الآخر؛ لأنَّ "السرعة النسبية" لكليهما تظلُّ دائماً دون سرعة الضوء.

إنَّ أحدهما لا يُمْكنه أن يبتعد عن الآخر بسرعة 500 ألف كم/ث (250 ألف كم/ث + 250 ألف كم/ث = 500 ألف كم/ث) فليس من جسم (أو مادة لها كتلة) يُمْكِنه أن يسير بسرعة فعلية، أو بسرعة نسبية، تَعْدِل، أو تتجاوز، سرعة الضوء.

كلا النجمين يجب أن يسير بسرعة (فعلية أو نسبية) أقل، ولو قليلاً، من سرعة الضوء. ويكفي أن نقيس سرعته بكل ما لدينا من وسائل وطرائق لقياس السرعة حتى يتأكَّد لنا ذلك. ولو انطلق ضوء الآن من الكرة الأرضية فإنَّه (من الوجهة النظرية) يجب أن يصل، في آخر المطاف، إلى الموضع الكوني (نجم أو مجرَّة..) الأبعد عن الأرض.

بفضل تباطؤ الزمن (=تأخُّر الساعة) الذي هو العاقبة الحتمية لـ "تسارُع" الجسم، أستطيع، على سبيل المثال، أن أُسافِر في مركبة فضائية (تسير بسرعة تقارِب سرعة الضوء) إلى كوكب يبعد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية، مثلاً، وأن أعود منه إلى الكوكب الأرضي في زمن مقداره دقيقة واحدة، مثلاً، بحسب ساعتي.

وتعليلاً لذلك قد يقول قائل إنَّ السبب هو سَيْر مركبتي بسرعة تفوق كثيراً، وكثيراً جداً، سرعة الضوء؛ ولكنَّ سَيْر أي جسم (أو أي مادة لها كتلة) بسرعة تَعْدِل، أو تفوق، قليلاً أو كثيراً، سرعة الضوء إنَّما هو المستحيل بعينه.

كيف لي أن أُقيم الدليل على أنَّ مركبتي لم تتجاوز سرعة الضوء في سفرها إلى ذلك الكوكب؟ أُطْلِق من مُقدَّم مركبتي ضوءاً، فأرى أنَّ هذا الضوء قد تخطَّى مركبتي في الاتِّجاه الذي تسير (أو تتقدَّم) فيه. لقد سَبَقَ هذا الضوء مركبتي.

أقيس سرعة هذا الضوء فأجِد أنَّها قد ظلَّت 300 ألف كم/ث، فهو، بعد ثانية واحدة من مغادرته مُقدَّم مركبتي، أصبح مُبْتَعِداً عنيِّ (في اتِّجاه أمامي) 300 ألف كم.

لو صَحَّ، في هذه الحال، حساب سرعة (ابتعاد) الضوء عن مركبتي من خلال طَرْح سرعة مركبتي من سرعة الضوء لكانت النتيجة هي الآتية: بعد ثانية واحدة من مغادرة الضوء مُقدَّم مركبتي أصبح يَبْعُد عنها (في اتِّجاه أمامي) مسافة تقلُّ (وتقلُّ كثيراً) عن 300 ألف كم.

لو كانت مركبتي تسير بسرعة تفوق سرعة الضوء لَمَا رأيْتُ الضوء المنطلق من مُقدَّم مركبتي قد تخطَّى مركبتي في الاتِّجاه الذي تسير (أو تتقدَّم) فيه. هذا الضوء سأراه يسير وراء مركبتي مُبْتَعِداً عنها. لقد سَبَقَت مركبتي الضوء الذي انطلق من مُقدَّمها.

في السباق بين "الضوء" و"المادة التي لها كتلة"، يُمْكن القول إذا كان الضوء يسير في الاتِّجاه الذي تسير فيه تلك المادة، مبتعداً عنها، فإنَّها لن تتمكَّن أبداً من اللحاق به؛ أمَّا إذا كان يسير وراءها فسوف يَلْحَق بها، ويتجاوزها، إنْ عاجلاً أو آجلاً.

مسافة واحدة لا غير هي التي لا يستطيع الضوء اجتيازها أبداً. إنَّها المسافة بين جسمين يتمدَّد الفضاء بينهما بسرعة تفوق سرعة الضوء.

تَخَيَّل أنَّ الفضاء بين الشمس والأرض قد تمدَّد بسرعة تفوق سرعة الضوء. في هذه الحال، تَبْتَعِد الشمس عن الأرض بسرعة 350 ألف كم/ث مثلاً، وتَبْتَعِد الأرض عن الشمس بالسرعة ذاتها، فلا يتمكَّن ضوء الشمس من أن يصل إلى الأرض، ولا يتمكَّن ضوء الأرض من أن يصل إلى الشمس. وهذا إنَّما يعني انقطاع أبدي لكل اتِّصال فيزيائي بين الشمس والأرض، فـ "التأثير (الفيزيائي) المتبادل" بينهما، ومهما كان نوعه، أو شكله، له سرعة لا يُمْكنها أبداً أن تزيد عن سرعة الضوء.

إنَّ تمدُّد الفضاء بين الشمس والأرض بسرعة تفوق سرعة الضوء لا يعني أبداً أنَّ الشمس، أو الأرض، قد "تحرَّكت" مبتعدة عن الأخرى بسرعة تفوق سرعة الضوء، فثمَّة فَرْق كبير بين جسمين يتباعدان بسبب "حركتهما في الفضاء" وبين جسمين يتباعدان بسبب "تمدُّد الفضاء الذي بينهما".

حركة الجسم "في" الفضاء، وليس "مع" الفضاء، هي التي تُنْتِجُ فيه ظاهرة "تأخُّر ساعته"، على أن تكون حركة فعلية مُطْلَقَة. وكلَّما زاد مقدار هذه الحركة (أي كلَّما تسارَع الجسم) اشتد انحناء وتقوُّس الفضاء من حَوْل هذا الجسم، وزاد "تمدُّد الزمان" الخاص به.

و"تمدُّد الزمان" في جسم يسير بسرعة تقارِب سرعة الضوء إنَّما يعني "تباطؤ الزمان" فيه، أو "تأخُّر ساعته"، فـ "المسافة" التي يقطعها "عقرب الثواني" بين ثانية وثانية تطول (تتِّسع، تتمدَّد) فَتَعْدِل الثانية الواحدة في ساعته مقداراً أكبر من الزمن الأرضي (دقائق أو ساعات أو سنوات أرضية).

إنَّ لكل جسم من الخواص الزمنية والمكانية ما يُضيف إليه سبباً آخر لجعله مختلفاً عن غيره، فـ "الجسم" إنَّما هو "المادة التي لها كتلة" في بعض من وجودها، أو من أشكال وصور وجودها، فثمَّة "جسيمات لها كتلة"؛ و"المادة التي لها كتلة" إنَّما هي "المادة" في بعض من وجودها، أو من أشكال وصور وجودها، فثمَّة مادة على شكل طاقة، أو على شكل "جسيمات لا كتلة لها".

وكل "مادة"، من النوع الذي "له كتلة" أم من النوع الذي "لا كتلة له"، إنَّما هي الوحدة التي لا انفصام فيها بين "الزمان" و"المكان"، فلا وجود لمادة لا وجود فيها للزمان والمكان في وحدتهما تلك، ولا وجود للزمان والمكان "المجرَّدين" من "المادة". و"المكان"، في جزء من مفهومه، إنَّما هو "الفضاء حَوْل الجسم الكوني الذي له كتلة (كبيرة)" كالنجم.

ويعود إلى آينشتاين الفضل في اكتشاف أوجه الوحدة الفيزيائية (التي لا انفصام فيها) بين الزمان والمكان؛ وقد جاءت كلمة "الزمكان" تعبيراً لغوياً عن هذه الوحدة.

"فَرْق الزمن" بين حادثين إنَّما يُنْتِج حتماً "فَرْقاً (بينهما) في المكان"، فالحادثان اللذان نراهما يَحْدُثان في المكان ذاته إنَّما يَحْدُثان في مكانين مختلفين إذا ما حَدَث أحدهما "قَبْل"، أو "بَعْد"، حدوث الآخر.

لقد وَقَع انفجار في الموضع A من سطح الأرض؛ و"بَعْدَ" ساعة وقع انفجار آخر في الموضع ذاته. وإذا سُئِلْتَ "أين وَقَعَا؟"، أو "عن مكان وقوعهما"، لأجَبْتَ قائلاً: "لقد وَقَعَا في المكان ذاته".

إجابتكَ ليست ببعيدة عن الصواب إذا ما كانت "نسبية"، أي "غير مُطْلَقَة"، فالانفجاران، في معنى ما، وَقَعَا في المكان ذاته، أي في الموضع A من سطح الكرة الأرضية؛ ولكن الأرض تدور حَوْل الشمس، ولقد وَقَع الانفجار الثاني حيث كانت الكرة الأرضية في "موضع فضائي" يختلف عن موضعها الفضائي قبل ساعة حيث وَقَع الانفجار الأوَّل.

والحادثان اللذان يَحْدُثان في مكانين مختلفين لا بدَّ لهما من أن يَحْدُثا في زمنين مختلفين، وإنْ رأيتهما يَحْدُثان في الزمن ذاته.

لقد وَقَعَ حادث على سطح الشمس؛ ووَقَعَ حادث آخر على سطح نجم يبعد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية؛ وأنتَ "المراقِب الأرضي" رأيْتَ الحادثين يقعان في اللحظة ذاتها، فـ "صورتاهما الضوئيتان" وصلتا معاً إلى عَيْنَيْكَ، مع أنَّ الحادث الأوَّل قد وقع قَبْل نحو 8 دقائق؛ والحادث الثاني قَبْلَ نحو 100 مليون سنة. أمَّا لو وَقَع الحادثان "الآن" فَبَعْدَ 8 دقائق ترى الحادث الأوَّل، وبَعْد 100 مليون سنة يصبح ممكناً أن يرى مراقب أرضي آخر (إذا ما ظلَّ بشر على سطح ألأرض) الحادث الثاني.

الحادثان يقعان في المكان ذاته إذا ما وَقَعَا في الزمان ذاته؛ ويقعان في الزمان ذاته إذا ما وَقَعَا في المكان ذاته.

كل اختلاف في مكان وقوعهما يُنْتِجُ حتماً اختلافاً في زمان وقوعهما؛ وكل اختلاف في زمان وقوعهما يُنْتِجُ حتماً اختلافاً في مكان وقوعهما.

كل تغيير في المكان يَقْتَرِن بتغيير في الزمان؛ وكل تغيير في الزمان يَقْتَرِن بتغيير في المكان. حتى وأنا جالس على الكرسي يتغيَّر "مكاني الكوني" كل ثانية، ولو قال قائلٍ إنَّه (إذا ما كان جالساً على كرسي مثلاً) ينتقل في الزمان من غير أن ينتقل (في الوقت ذاته) في المكان.

وإنَّها لبديهية، أو مُسلَّمة، أن تقول إنَّ المرء لا يُمْكنه أبداً أن ينتقل في المكان من غير أن ينتقل (في الوقت نفسه) في الزمان، فأنتَ لا تستطيع أن تذهب من منزلكَ إلى مكان عملكَ (=انتقال في المكان) من غير أن يَسْتَغْرِق ذهابكَ هذا مقداراً من الزمن (يختلف باختلاف سرعتك).

ولكن، ما معنى "الآن"؟ على بُعْد عشرة أمتار من المكان الذي تَقِفُ فيه كانت شجرة تفاح، ولقد رأيْتَ تفاحة تسقط من غصنها إلى الأرض. هذا "الحادث (سقوط التفاحة)" رأيْته أنتَ يَحْدُث "الآن"، وها أنتَ تقول: "التفاحة سقطت الآن".

أنتَ في اللحظة عينها رأيْتَ حادثاً ما قد حَدَثَ على سطح الشمس. وعليه، ستقول: "الحادثان (حادث سقوط التفاحة والحادث الشمس) حَدَثا الآن (في تمام الساعة السابعة صباحاً مثلاً)".

على أنَّ الحادث الشمسي قد وَقَع قبل نحو 8 دقائق من سقوط التفاحة، فالشمس تَبْعُد عن الأرض نحو 150 مليون كيلومتر؛ والضوء يقطع هذه المسافة في زمن مقداره نحو 8 دقائق. وهذا إنَّما يعني أنَّ تلك "الصورة الضوئية"، أي صورة الحادث الشمسي، قد وصلت إلى عينيكَ بعد رحلة فضائية استغرقت نحو 8 دقائق.

"الآن"، في معناها الذي يَعْكِس الحقيقة الموضوعية، إنَّما هي الزمن الذي يَخُصُّ حادثاً حَدَث على بُعْدِ أمتار منكَ، على الأكثر.

أنتَ "الآن" رأيْتَ هذا الحادث الشمسي. إنَّه، أي هذا الحادث، "الحاضِر" بالنسبة إليكَ، و"الماضي" بالنسبة إلى الشمس، و"المستقبل" بالنسبة إلى كوكب في خارج مجرَّتنا. هذا الحادث الشمسي الذي رأيْته أنتَ "الآن"، سيراه سكَّان ذلك الكوكب في المستقبل.. بَعْدَ مليون سنة مثلاً.

أمَّا سبب هذه "الظاهرة الزمنية" فهو الضوء بسرعته التي نَعْرِف (300 ألف كم/ث) فلو كان الضوء المنطلق من موضع في الكون يصل إلى سائر المواضِع الكونية "فوراً"، أو في "اللحظة عينها"، لأصبحت "الآن" مُطْلَقَة، أي واحدةً على المستوى الكوني.

"الآن" إنَّما هي لحظة زمنية تشمل "مكاناً صغيراً"، ولا يُمْكنها أبداً أن تشمل الكون كله.

انتقال الجسم في المكان (أو في الفضاء) إنَّما يعني انتقاله من موضع إلى موضع؛ و"انتقاله" هذا إنَّما يعني "حركته"؛ و"حركته" إنَّما تعني "سيره بسرعة معيَّنة".

وفي انتقال الجسم من موضع إلى موضع، بـ "سرعة عادية" كسرعة سيَّارة مثلاً، تظلُّ المسافة بين الموضعين ثابتة، لا تزيد ولا تنقص. "الزمن" الذي يستغرقه هذا الانتقال هو ما يُمْكِن أن يتغيَّر، زيادةً أو نقصاناً، فزيادة سرعة الجسم المنتقل تُنْقِص زمن الانتقال، ونقصانها يزيد زمن الانتقال.

أمَّا لو تسارًع الجسم حتى أصبح يسير بسرعة تقارِب سرعة الضوء فعندئذٍ يُخْتَصَر "الزمن" و"المسافة" معاً.

على أنَّ "اختصار الزمن" في هذه الحال ليس كاختصاره لدى زيادة سرعة السيَّارة مثلاً. إنَّه اختصار تسبَّب فيه "تمدُّد (أو تباطؤ) الزمن" في هذا الجسم؛ وهذا "التمدُّد" تسبَّب فيه "تسارُع" الجسم حتى بلوغه سرعة تقارِب سرعة الضوء.

و"المسافة" تُخْتَصَر، بالنسبة إلى هذا الجسم؛ لاجتماع عاملين: "تأخُّر الساعة (=تمدُّد أو تباطؤ الزمن)" في هذا الجسم (المتسارِع) وبقاء سرعته (لِعَجْزٍ فيزيائي مُطْلَق) دون سرعة الضوء مهما تسارَع.

الجسم الساكِن إنَّما هو، في تعريف آخر له، الجسم الذي يسير بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم. ولو انطلق جسمان من مكان واحد، فسارا في الفضاء بسرعة متزايدة حتى بلغت سرعة أحدهما 200 ألف كم/ث، وبلغت سرعة الآخر 280 ألف ك/ث، ثمَّ استمرَّ كلاهما في السير بالسرعة التي بلغها (من غير زيادة ولا نقصان) وفي خطٍّ مستقيم، فإنَّ ساعة الأسرع تتأخَّر أكثر من تأخُّر ساعة الأبطأ؛ وهذا الفَرْق في تأخُّر الساعتين يظلُّ، لجهة نِسْبَتِهِ" ثابتاً ما ظلَّ كلاهما يسير بسرعته الثابتة المنتظَمة تلك، وفي خطٍّ مستقيم.

ولكن، ما معنى أن يسير الجسم في الفضاء في خطٍّ مستقيم؟ الجسم يسير في الفضاء كسير كرة على "سطح" طاولة. إنَّه يسير على "سطح" فضائي ما. وهذا "السطح الفضائي" إمَّا أن يكون "مستوياً" وإمَّا أن يكون "منحنياً". أُنْظُر إلى سطح طاولة، تراه "مستوياً"؛ وإنَّكَ تستطيع أن تتصوَّره "منحنياً (مقوَّساً)".

"السطح الفضائي"، أي كل "سطح فضائي"، إنَّما هو في اتِّحادٍ لا انفصام فيه مع "الجسم"، أي "مع مادة لها كتلة"؛ وكلَّما عَظُمَت كتلة الجسم ازداد "سطحه الفضائي"، أي الفضاء الذي حَوْله، انحناءً وتقوُّساً وتحدُّباً.

وفي الفضاء الذي يخلو، أو يكاد أن يخلو، من "الكُتَل الضخمة"، يسير الجسم على "سطح فضائي" مستوٍ، أي قليل الانحناء، فـ "الاستقامة المُطْلَقَة" لا وجود لها في الكون، وكذلك "الانحناء المُطْلَق"؛ وكل "مستقيم" ينطوي على "انحناء"، وكل "مُنْحَنٍ" ينطوي على "استقامة". إنَّ الجسم الأكثر استقامة (في طوله) هو الجسم الأقل انحناءً؛ والجسم الأكثر انحناءً (في طوله) هو الجسم الأقل استقامة.

اقْتَطِعْ جزءاً صغيراً (أو قطعة صغيرة) من محيط دائرة، أو من محيط جسم كروي، أو من خطٍّ دائري، فعلامَ تَحْصَل؟ إنَّكَ تَحْصَل على "المستقيم"، أي على الخطِّ المستقيم. سِرْ على سطح الأرض في موازاة "خطِّ الاستواء (الدائري)" حتى تعود إلى النقطة التي منها انْطَلَقْتَ، أو بَدَأْتَ السير، فتتوصَّل إلى أنْ "التعارُض المُطْلَق (غير النسبي)" بين "الخطِّ المستقيم" و"الخطِّ الدائري (أو المنحني)" لا وجود له، وتَنْفيه "الحقيقة الموضوعية" التي ينطوي عليها سيرك.

"الخطُّ الدائري" إنَّما يتكوَّن من عَدَدٍ كبير من "الخطوط المستقيمة"؛ وليس من "خطٍّ مستقيم" يُمْكِن وَصْفه بأنَّه "مستقيم استقامة مُطْلَقَة خالصة"؛ ذلكَ لأنَّ الخط الأكثر استقامة، أو السطح الأكثر استواءً، يظلُّ، في واقعه الموضوعي، منطوياً، أو مشتملاً، على شيء من الانحناء.

إذا سِرْتَ على سطح الأرض في موازاة "خطِّ الاستواء" فإنَّكَ لا تستطيع أن تسير في "خطٍّ مستقيم" من غير أن تسير، في الوقت نفسه، في "خطٍّ دائري". ومع ذلك، تستطيع، في أثناء سيركَ هذا والمتناقِض هندسياً، أن تنعطف إلى اليمين، أو إلى اليسار، وأن تتفرَّع، في سيركَ، من نقطة ما من نقاط الخطِّ المستقيم الذي تسير فيه لتسير في خطٍّ دائري، حتى تعود إلى النقطة التي منها تفرَّع سيركَ.

وكلَّما اتَّسَعَت الدائرة (أو اتَّسَع محيطها) قلَّ "انحناء" الخطِّ وزادت "استقامته"؛ وكلَّما صَغُرَت زاد "انحناء" الخطِّ وقلَّت "استقامته".

في الفضاء، أين يستطيع الجسم الذي يسير بسرعة ثابتة منتظَمة أنْ يسير في "خطٍّ مستقيم"، مستوفياً، بالتالي، شروط النَظَر إليه على أنَّه في حالٍ من "السكون"؟ إجابةً نقول: يستطيع ذلك، على وجه الخصوص، حيث يُمْكِن النَظَر إلى "الحيِّز الفضائي" الذي يسير فيه هذا الجسم على أنَّه خالٍ، أو يكاد يخلو، من "الكُتَل الضخمة"، ككُتَل النجوم والمجرَّات..

هنا، أي في مثل هذا "الحيِّز الفضائي"، يَظْهَر "السطح الفضائي" الذي يسير عليه الجسم على أنَّه "مستوٍ"، أو في "منتهى الاستواء"، فالفضاء ينحني ويتقوَّس ويتحدَّب حَوْل "الكُتَل الضخمة".

على أنَّ هذا "الحيِّز الفضائي"، أو "السطح الفضائي"، لا وجود له، ولا يُمْكنه أن يُوْجَد، إلاَّ إذا كان متَّحِداً اتِّحاداً لا انفصام فيه مع "كتلة كونية ما". وهنا ينبغي لنا ألاَّ ننسى أنَّ الفضاء كله ينحني ويتقوَّس ويتحدَّب حَوْل "كتلة الكون".

وعليه، يُمْكِن ويجب أن ننظر إلى الفضاء الكوني برمَّته على أنَّه "المنحني الذي يتفاوت مَوْضِعياً في شدَّة انحنائه"، ففي هذا "المنحني الفضائي الكوني" نرى هذا الجزء أكثر انحناءً من ذاك، وأقل انحناء من ذلك. إنَّ الفضاء حَوْل الكرة الأرضية، على سبيل المثال، أكثر انحناءً من الفضاء حَوْل القمر، وأقل انحناءً من الفضاء حَوْل الشمس.

وليس من كتلة، ولو كانت في منتهى الضآلة، لا ينحني الفضاء من حَوْلها ويتقوَّس ويتحدَّب.. حتى "الإلكترون"، مثلاً، ينحني حَوْله الفضاء انحناءً يتناسب مع كتلته.

والفضاء ينحني، أيضاً، حيث تتجمَّع وتتركَّز "الطاقة"، فليس من فَرْق، في هذه الناحية، بين "الكتلة" و"الطاقة".

والفضاء ينحني، ويشتد انحناءً، حَوْل "الجسم المتسارِع"، ولو كان "مركبة فضائية"، فكلَّما زادت سرعة الجسم زادت كتلته، وزاد انحناء الفضاء حَوْله.

الجسم الذي يسير في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم (أي الجسم الذي في حالٍ من السكون) إنَّما هو الجسم الذي فيه يتوازن تأثير قوى متناقضة. وهذا "التوازن"، الذي بفضله يَبْطُل تأثير تلك القوى، يُظْهِر لنا هذا الجسم على أنَّه غير متأثِّر بـ "قوَّة ما"، أو بـ "قوى ما".

وعليه، نقول إنَّ "القصور الذاتي" لهذا الجسم "غير مُسْتَفَز"؛ لأنْ ليس من "قوَّة" تؤثِّر في هذا الجسم بما يجعل سرعته تزيد، أو تنقص، أو بما يُخْرِجُهُ عن الاستقامة في خطِّ سيره.

إنَّ "قصوره الذاتي" يُسْتَفَز"، و"يثور"، و"ينتفض"، إذا ما أثَّرت فيه، أي في هذا الجسم، "قوَّة ما".

في الفضاء، ليس من قوى وعوامل تكبح حركة الجسم، وتقلَّل سرعته، كتلك التي تكبح حركة كرة على سطح طاولة (الاحتكاك، والهواء). ولكن الفضاء لا يخلو مِمَّا يسبِّب كبح حركة الأجسام فيه، كحركة الكرة الأرضية حَوْل نفسها، وحَوْل الشمس. ومن هذه "الكوابح الفضائية" الرواسب الكونية كالنيازك والشهب.

تخيَّل جسماً يسير في "حيِّز فضائي"، أو على "سطح فضائي"، لا يتأثَّر فيه بـ "الجاذبية". الآن، سَرِّع هذا الجسم، أي اجْعَله "يتسارَع"، أي زِدْ سرعته، وهو يسير في خطٍّ مستقيم (أُفُقي).

ما أن يشرع "يتسارَع" حتى يََظْهَر فيه تأثير "قوَّة مضادة تعمل في اتِّجاه معاكِس". لو كان هذا الجسم مركبة فضائية، وكنتَ مسافِراً على متنها، لَشَعَرْتَ أنَّ "قوَّة" قد شدَّتكَ إلى الوراء ما أن شرعت مركبتكَ "تتسارَع" في سيرها إلى الأمام. ويكفي أن تشدكَ تلك "القوَّة" حتى يَكْتَسِب جسمكَ "وزناً"، وكأنَّكَ أصبحت خاضعاً لتأثير "جاذبية"، مع أنَّكَ تسير ومركبتكَ في "حيِّز فضائي" لا وجود فيه لـ "الجاذبية".

"القوَّة" التي شدَّتكَ (أو سَحَبَتْكَ) إلى الوراء تَظْهَر لنا، في تأثيرها، على أنَّها "قوَّة كابحة للتسارُع"؛ وهذا "الشد" نراه مُقْتَرِناً بظاهرة "تقلُّص وانكماش طول المركبة في الاتِّجاه الذي تتحرَّك فيه".

و"الدفع إلى الأمام" نراه إذا ما شرعت سرعة المركبة تتضاءل؛ ونرى "الدفع إلى اليسار" إذا ما انعطفت المركبة إلى اليمين، ونراه "إلى اليمين" إذا ما انعطفت إلى اليسار.

في هذا المثال، نرى "القصور الذاتي" للجسم، أو المركبة، وقد "انتفض" أربع مرَّات: عند التسارُع، وعند التباطؤ؛ عند الانعطاف إلى اليمين، وعند الانعطاف إلى اليسار. "انتفاضة القصور الذاتي" تَشُدُّ الجسم في عكس اتِّجاه حركته، فينشأ عن ذلك الشعور بالجاذبية.

ومع كل "انتفاضة" تتحوَّل "الساعة (في الجسم أو المركبة)" من "حال السكون" إلى "حال الحركة"، فـ "يتمدَّد (أو يتقلَّص) الزمان".

و"الساعة المتحرِّكة" نراها في جسم تسارَع ويتسارَع، أو في جسم يدور في الفضاء حَوْل جسم آخر أعظم منه كتلةً، كدوران الأرض حَوْل الشمس. ونحن نَعْلَم أنَّ هذا الجسم (أي الجسم الذي يدور حَوْل جسم آخر أعظم منه كتلةً) يَخْضَع لتأثير "قوَّة" تسمَّى "القوَّة الطاردة المركزية".

والجسم يكفي أن "يتسارَع" حتى "تتأخَّر الساعة" فيه، أي "يتمدَّد (أو يبطؤ) الزمان" الخاص به، وتزداد كتلته، ويتقلَّص طوله في اتِّجاه حركته، ويزداد انحناء وتقوُّس وتحدُّب الفضاء حَوْله، وتَعْظُم جاذبيته، وتُخْتَصر المسافة الفضائية بينه وبين "الموضع" الذي يتحرَّك نحوه.

"تسارُعه" إنَّما يعني ازدياد "طاقته"، فـ "كتلته"؛ وبسبب "التسارُع" مع ما يتمخَّض عنه من نتائج فيزيائية قد يتحوَّل هذا الجسم، في آخر المطاف، إلى "ثقب أسود".

أُنْظُر الآن إلى حركة كرة على سطح الأرض. إنَّها تتحرَّك وتنتقل وتسير ليس على النحو الذي "تُريد"، أو "ترغب فيه"، فهي في "الشكل الهندسي" لسيرها "مُكْرهة"، "مجبرة".

إنَّها تسير في خطٍّ مستقيم إذا كان السطح الذي تسير عليه مستوياً، فإذا بلغت منحدَراً انحدرت في سيرها، أي هبطت من علو إلى أسفل، وإذا بلغت مرتفعاً ارتفعت في سيرها، أي صعدت من أسفل إلى علو، وإذا وقعت في أُخْدود دائري سارت فيه في خطٍّ دائري. إنَّها لا تغيِّر، وليس في مقدورها أن تغيِّر، الشكل الهندسي للطريق التي تسير فيها؛ فهذه الطريق هي التي تُقرِّر لها، وتُحدِّد، كيف تسير.

الكرة تسير على سطح طاولة في خطٍّ مستقيم؛ لأنَّ هذا السطح مستوٍ، فلو انحنى وتقوَّس لاضطَّرت إلى أن تسير في خطٍّ منحنٍ.

وسير جسم في الفضاء إنَّما يشبه سير الكرة على سطح طاولة مستوٍ، أو منحنٍ، فوجود كتلة ضخمة (في الفضاء) ككتلة الشمس يجعل الفضاء الذي حَوْلها على هيئة "سطح كروي"، يُكْرِه "الكُرات" الصغيرة (الكتلة والحجم) على أن تنحني في خطِّ سيرها بما يوافِق انحناؤه هو.

وعلى هذا النحو، ولهذا السبب، تدور الكواكب حَوْل الشمس. إنَّ كل كوكب يسير على أحد السطوح الفضائية الكروية للشمس، ففي الكون نرى الكُتَل الصغيرة تدور حَوْل الكُتَل الكبيرة.

و"تحدُّب" الفضاء حَوْل كتلة الشمس الضخمة هو ما يُفسِّر دوران الأرض وسائر الكواكب الشمسية حَوْل تلك الكتلة، فكوكب الأرض لا يدور حَوْل الشمس لأنَّ الشمس تشده إليها وترغمه على الدوران حَوْلها.

إنَّ تحدُّب الفضاء حَوْل الكتلة الشمسية هو الذي يرغمه على الدوران حَوْلها. وكل "مدار" يدور فيه أحد الكواكب إنَّما يشبه أُخدوداً دائرياً محفوراً في الفضاء المحيط بالشمس.

وبسبب انحناء الفضاء حَوْل الشمس يضطَّر ضوء نجم مرَّ بالقرب منها إلى الانحناء، ولو قليلاً، في خطِّ سيره.

الضوء يسير في خطٍّ مستقيم، فإذا مرَّ بمجال الجاذبية الشمسية، "انحرف"، فما الذي تسبَّب في انحرافه؟ ليس لهذا السؤال سوى إجابة من إجابتين: أنَّ الشمس شدَّت إليها وجَذَبَت شعاع الضوء، فانحرف قليلاً؛ ثمَّ تغلَّب، بسرعته الهائلة، على هذه "القوَّة"، فعاوَد السير في خطٍّ مستقيم، أو أنَّ "السطح الفضائي" الذي يسير عليه شعاع الضوء هو الذي تغيَّر في جوار الكتلة الشمسية، فانحرف الضوء قليلاً، وكأنَّ "الطريق الفضائية" هي التي مالت بشعاع الضوء، فمال معها.

"السطح الفضائي الكروي" الأقرب إلى الشمس هو الأكثر انحناءً، والأبعد عنها هو الأقل انحناءً، فكلَّما ابتعدنا عن "الكتلة" قلَّ انحناء الفضاء حَوْلها، فالفضاء إنَّما يشبه بخار ماء (أو غيم) يتكاثف حَوْل كتلة كروية؛ ويشتدُّ كثافةً على مقربة منها.

و"السطح الفضائي الكروي" الأقرب إلى الشمس هو الذي فيه تتأخَّر الساعة أكثر (من تأخُّرها في "السطح الفضائي الكروي" الأبعد) وكأنَّها الساعة في جسم تسارَع في سيره في الفضاء حتى بلغ سرعة عالية.

وهذا هو معنى أنَّ الجاذبية الشمسية هي مَظْهَر "انحناء الزمان ـ المكان (=الفضاء)"، أو "الزمكان"، حَوْل الكتلة الشمسية.

بسبب "كتلة" الشمس "يتغوَّر" الفضاء حَوْلها، أي يصبح كـ "الغور". وكلَّما زادت كتلة الجسم الكوني زاد "الغور الفضائي (= "الحُفْرَة الفضائية")"، الذي حَفَرَتْهُ، عُمْقاً، أي انحناء. وانحناء الفضاء حَوْل النجم يزداد مع اقترابنا من هذا النجم، ويقل مع ابتعادنا عنه.

نيوتن جَعَلَنَا نَنْظُر إلى "الجاذبية" على أنَّها "قوَّة تمارِس تأثيرها عن بُعْد"، أي عَبْرَ مسافة فضائية كبيرة بين جسمين كونيين، أو أكثر، فالشمس، مثلاً، "تَشُدُّ إليها (=تَجْذِب)"، بـ "كتلتها الضخمة"، كل جسم في جوارها، كتلته أصغر من كتلتها.

إنَّها "تَسْحَبُ إليها" جسماً ما (على مقربة منها) صغير الكتلة، فتُسْقِطه في "فمها"، أي تلتهمه، أو تُجْبره على الدوران حَوْلها، فدوران الأرض حَوْل الشمس إنَّما هو، بحسب تصوُّر نيوتن، مَظْهَر من مظاهر "شدِّ" الشمس لهذا الكوكب إليها.

ونيوتن فَهِمَ "الفضاء" على أنَّه "الفراغ المَطْلَق"، الذي "فيه"، أو "ضِمْنه"، تتحرَّك الأجسام السماوية، التي "تتجاذَب" بفضل "قوَّة تَعْمَل (أو تُؤثِّر) عن بُعْد"؛ وقد شُبِّه عمل هذه "القوَّة" بـ "خيوط وهمية"، بفضلها يَشُدُّ كلا الجسمين الآخر إليه.

ولو سُئِلَ نيوتن "ما الذي يبقى في الكون لو زال كل ما فيه من "مادة"، أي من مجرَّات ونجوم وكواكب..؟"، لأجاب على البديهة قائلاً: "يبقى الفضاء (=الفراغ المُطْلَق)"، الذي، في تصوُّره، كـ "وعاء كبير" تُوْضَعُ فيه الأجسام السماوية، ويُمْكِن، بالتالي، إخراجها منه، فهذا "الوعاء" يُمْكِن تصوُّرِه مملوءاً، أو فارغاً.

آينشتاين نَبَذَ هذا التصوُّر، متصوِّراً "الفضاء"، ومُصوِّراً له لنا، على أنَّه و"الجسم" في اتِّحاد لا انفصام فيه، فلا أجسام (أو جسيمات) بلا فضاء، ولا فضاء بلا أجسام (أو جسيمات). لقد جَعَل الفضاء "شيئاً (أو مادة)"، له خواصُّه المختلفة المتغيِّرة. ولكَ أن تتصوَّر "الفضاء" على أنَّه شيء يشبه "الغيم"، أو "بخار الماء"، أو "العجين"، الذي "يُشَكِّله (أي يعطيه شكلاً)" الجسم. و"الفضاء"، في تصوُّر مشابه، كـ "السائل"، شَكْلُه من شكل الإناء الذي يُوْضَع، أو يُسْكَب، فيه.

أُنْظُر إلى كرة ساكنة (واقفة) على سطح طاولة مستوٍ، وتخيَّل أنَّ هذا السطح قد "تَقَعَّر"، فجأة، حيث تَقِف الكرة. عندئذٍ، لن تظلَّ الكرة واقفة في مكانها؛ وسوف نراها "تَنْحَدِر"، أي تَهْبِط من علوٍّ إلى أسفل.

لقد "تحرَّكت (= انتقلت)" بما يُوافِق "تَغَيُّر السطح"، فهذا السطح كان مستوياً، فأصبح "مُقَعَّراً"، أي أنَّ "تضاريس" هذا المكان (= سطح الطاولة) تغيَّرت. وتَغَيُّر سطح الطاولة (= المكان) على هذا النحو إنَّما هو "تَغَيُّرٌ هندسي". ولو "تَحَدَّب" سطح الطاولة حيث تَقِف الكرة لرأيْناها "تتحرَّك" بما يُوافِق هذا "التغيُّر الهندسي".

وفي مثال "الشرشف المشدود (أُفُقياً) من أطرافه"، نَقِفُ على "الجاذبية" في معناها الجديد، أي في المعنى الذي شرحه وأوضحه آينشتاين.

هذا "الشرشف المشدود"، أي الذي يشبه سطح طاولة مستوٍ، إنَّما هو "شبيه الفضاء المستوي"، أي الفضاء الذي لا وجود فيه للأجسام الكونية كالمجرَّات والنجوم. في هذا الفضاء، نرى الجسم في قصوره الذاتي الذي لم تُعَكِّر صفوه قوَّة ما.

ضَعْ كرة صغيرة من الخشب على "الشرشف"، وادْفَعْها بيدكَ، فترى أنَّها تسير فَوْق هذا الشرشف في خطٍّ مستقيم. ولولا "الاحتكاك" بين السطحين (سطح الكرة وسطح الشرشف) و"مقاوَمة الهواء" لَرَأيْنا هذه الكرة تسير، أيضاً، بسرعة ثابتة منتظَمة. وعلى هذا النحو يمكن ويجب أن نفهم سير جسم في الفضاء في خطٍّ مستقيم، وبسرعة ثابتة منتظَمة.

الآن، "قَعِّرْ" سطح هذا الشرشف، أي اجْعله "مُقَعَّراً"، بأنْ تَضَعْ في وسطه كرة معدنية ضخمة. أُنْظُر إلى هذه الكرة على أنَّها كتلة الشمس، وإلى جُزْء الشرشف الأقرب إليها على أنَّه الفضاء المحيط بكتلة الشمس. وكلَّما زادت "كتلة" الكرة التي تضعها في وسطه زاد "تَقَعُّر" الشرشف.

لقد غيَّرت تلك الكرة هندسة المكان (= الفضاء) فهي أحْدَثَت "حُفْرةً"، أو "غَوْراً دائرياً"، في الفضاء (= جزء الشرشف الأقرب إليها) المحيط بها.

ادْفَعْ كرة الخشب الصغيرة على سطح الشرشف، فتراها تسير (تتحرَّك) في خطِّ مُنْحَنٍ، أي "تنحدر"، أي تسقط من علوٍّ إلى أسفل، حتى تَصِل إلى "أوطأ جزء من الشرشف"، أي إلى تلك الكرة المعدنية الضخمة.

عندما تصِل إليها لا تصطدم بها، وتتوقَّف عن الحركة. إنَّها ما أن تصِل إليها حتى تشرع تدور حَوْلَها. ولولا "الاحتكاك" بين سطحها وسطح الشرشف لظلَّت في دوران مستمر لا يتوقَّف حَوْل الكرة المعدنية الضخمة. إنَّ الكرة المعدنية الضخمة هي كتلة الشمس، مثلاً، والشرشف هو الفضاء المحيط بالشمس، وكرة الخشب الصغيرة هي كوكب الأرض (مثلاً) الذي يدور حَوْل الشمس.

في هذا المثال، تنتفي الحاجة إلى تفسير حركة كرة الخشب، ودورانها حَوْل الكرة المعدنية الضخمة، على أنَّهما ثمرة "شدِّ الكرة المعدنية للكرة الخشبية"، فكُرة الخشب لم تتحرَّك نحو كرة المعدن الضخمة، وتدور حَوْلها؛ لأنَّ كرة المعدن شدَّت إليها (= جَذَبَت إليها) كرة الخشب بـ "قوَّة تَعْمَل عن بُعْد"، هي ما سمَّاها نيوتن "قوَّ الجاذبية (الشمسية)".

ليس من "شدٍّ"، وليس من "قوَّة تَعْمَل عن بُعْد"، فكل ما في الأمر أنَّ كتلة الشمس حَفَرَت عميقاً في الفضاء المحيط بها، مُغَيِّرةً، بالتالي، هندسته، بما يَجْعَل الأجسام التي على مقربة منها تتحرَّك على نحو ما، أو في طريقة (أو شكل) ما.

وثمَّة ظاهرة مشابهة نراها في "الجذب المغناطيسي"، فقطعة المغناطيس تُحْدِثُ تغييراً في الفضاء المحيط بها، أي تُغَيِّر هندسته، فيؤدِّي هذا التغيير (الفضائي) إلى تحرُّك بُرادة الحديد على نحو معيَّن. ضَعْ بُرادة الحديد فوق ورقة، وضَعْ تحت الورقة قطعة من المغناطيس، فترى تلك البُرادة تتحرَّك على نحو معيَّن. هذا التغيير الذي أحْدَثَتْهُ قطعة المغناطيس في الفضاء المحيط بها (في "تضاريسه"، أو "هندسته") هو الذي جَعَلَ بُرادة الحديد تتحرَّك (وتَنْتَظِم) في شكل ما.

تَخَيَّل وجود جسم (ضئيل الكتلة) ساكِن في الفضاء، الذي ظَهَرَ فيه، بغتةً، جسمٌ عظيم الكتلة، كالشمس. إنَّ ما يشبه حُفْرة كبيرة في الفضاء تنشأ حَوْل الجسم عظيم الكتلة، فيَنْحَدِر فيها، أي يسقط (= يتحرَّك) من علوٍّ إلى أسفل، الجسم الساكن ضئيل الكتلة، ثمَّ يشرع يدور حَوْل "المَرْكَز"، أي حَوْل الجسم عظيم الكتلة.

وبسبب القصور الذاتي للجسم الدائر يظلُّ هذا الجسم يدور في مداره بسرعة ثابتة منتظَمة (إذا ما افْتَرَضْنا أنَّه يدور في مدار دائري).

ولكنَّ دورانه (= خروجه عن "الاستقامة" في حركته) يجعل "قصوره الذاتي" في حالٍ دائمة من "الانتفاض".

إنَّ هذا الجسم الدائر، ولو كان يسير بسرعة ثابتة منتظَمة، لا يُمْكِن النظر إليه على أنَّه في حالٍ من "السكون". إنَّه جسم "متحرِّك"، بسرعة ثابتة منتظَمة. وخضوعه لتأثير "القوَّة الطاردة المركزية"، أي القوَّة التي تحاوِل طرده عن "المَرْكَز"، أي عن الجسم عظيم الكتلة، إنَّما هو دليل على أنَّ "قصوره الذاتي" في حالٍ دائمة من "الانتفاض".

أُنْظُر إلى حركة كوكب الأرض حَوْل الشمس. إنَّها ليست بحركة "دائرية"، فكوكب الأرض يدور حَوْل الشمس في مدار بيضاوي. وعليه، نراه تارةً قريباً من الشمس (صيفاً) ونراه طوراً بعيداً عنها (شتاءً).

في قُرْبِه منها، إنَّما يسير في خطٍّ (فضائي) أكثر انحناءً، فتزداد سرعته، فتَعْظُم كتلته. وفي بُعْدِه عنها، إنَّما يسير في خطٍّ (فضائي) أقل انحناءً، فتقل سرعته، وتتضاءل كتلته. أمَّا كوكب عطارد (الكوكب الأسرع) فهو الأقرب إلى الشمس، وهو، بالتالي، يدور حَوْلها في فضائها الأكثر انحناءً وتقوُّساً وتحدُّباً.

إنَّ سرعة دوران الأرض حَوْل الشمس ليست بثابتة، بسبب مدارها البيضاوي، فسرعته تقل عندما تكون الأرض في النقطة (المدارية) الأبعد عن الشمس، وتزيد عندما تكون في النقطة الأقرب إليها. لماذا زادت سرعة دورانها عندما أصبحت في النقطة (المدارية) الأقرب إلى الشمس؟ إنَّ قصورها الذاتي لا يسمح لها بان تزيد سرعتها بنفسها، فلا بدَّ من وجود "قوَّة خارجية" أثَّرت فيها بما أدَّى إلى زيادة سرعتها. وهذه "القوَّة" ليست سوى اشتداد انحناء الفضاء الذي تسير فيه، فالفضاء الأقرب إلى الشمس هو الأكثر انحناءً؛ وهو يشبه لجهة تأثيره أنْ تُصادِف الأرض في طريقها "حُفْرة"، فـ "يتسارع" سيرها عندما "تَنْحَدِر" فيها من علوٍّ إلى أسفل.

الفضاء الأقرب إلى كتلة ضخمة هو الفضاء الأشد انحناءً. وحيث يشتد انحناء الفضاء تَعْظُم سرعة الجسم الذي يسير فيه دائِراً حَوْل تلك الكتلة، وتزداد كتلته.

دوران جسم حَوْل جسم هو ما حَمَل نيوتن على القول بوجود "قوَّة خارجية"، تؤثِّر في الجسم الدائر؛ وقد سمَّاها "قوَّة الجاذبية"، فـ "الحركة الدورانية" هي خروجٌ للجسم عن "الاستقامة" في خطِّ سيره. والجسم، لـ "قصوره الذاتي"، لا يُمْكنه أبداً أن يَخْرُج عن "الاستقامة" في خطِّ سيره إلا إذا أثَّرت فيه، على هذا النحو، "قوَّة خارجية".

نيوتن قال بالظاهرتين، ظاهرة "القصور الذاتي" للأجسام، وظاهرة "الجاذبية"، بوصفها "قوَّة تمارِس التأثير عن بُعْد"؛ أمَّا آينشتاين فَفَهِم "الجاذبية" على أنَّها "انتفاضة القصور الذاتي"، فـ "مظاهر الجاذبية" تنشأ مع كل تغيير في سرعة الجسم، زيادةً أو نقصاناً، ومع كل خروجٍ له عن "الاستقامة" في خطِّ سيره.

في مثال الكرة الخشبية المتدحرجة نحو الكرة المعدنية الضخمة، ودورانها، من ثمَّ، حَوْلَها، رأيْنا الكرة الخشبية لا تملُك من السرعة ما يُمكِّنها من أن تَصْعَد "المرتَفَع الفضائي"، فـ "الحُفْرة الفضائية (= الحُفْرة في سطح الشرشف)" التي تُحْدِثها الكرة المعدنية الضخمة إنَّما هي "اجتماع المنحدَر والمرتفَع".

الكرة الخشبية تهبط من علوِّ إلى أسفل، فتَصِل إلى "أوطأ جزء من الشرشف"، أي إلى موضع الكرة المعدنية الضخمة، ولكنَّها تَعْجَز (لسرعتها غير الكافية) عن صعود "المرتفًع"، أي عن الصعود من ذلك الجزء الأوطأ من الشرشف إلى جزئه الأعلى. وهذا العجز لا نراه في الضوء، الذي يشبه قذيفة تسير بسرعة 300 ألف كم/ث في الفضاء، فالضوء الذي يمرُّ بالقرب من الشمس، مثلاً، ينحدر في تلك الحفرة؛ ولكنَّه لا يدور حَوْل الشمس؛ لأنَّه يملك من السرعة ما يُمكِّنه من صعود "المرتفَع الفضائي"، أي الإفلات من "غور الشمس"، ومعاودته، من ثمَّ، السير في الفضاء في خطٍّ مستقيم. كان يسير في خطٍّ مستقيم، فانحنى خط سيره قليلاً إذ اقترب من الشمس، فعاوَد السير في خطٍّ مستقيم.

إنَّ حركة الجسم (أو الجسيم) في الفضاء تَعْكِس الخصائص الهندسية لـ "السطح الفضائي" الذي يتحرَّك، أو يسير، عليه.

في الفضاء الذي ليس فيه من الأجسام الكونية ما يتسبَّب في انحنائه، كالمجرَّات والنجوم، يستطيع الجسم أن يحافِظَ على سيره بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، أي يستطيع أن يستمر "إلى الأبد" على هذه الحال من "السكون"، فهذا الجسم، وبفضل "قصوره الذاتي"، لا يُمْكِنُه أبداً أن يُغيِّر سرعته، زيادةً أو نقصاناً، أو أن يَخْرُج عن "الاستقامة" في خطِّ سيره.

تخيَّل أنَّ هذا الجسم هو "غرفة زجاجية"، فيها إنسان وبعض الأشياء. وتخيَّل أنَّ هذه الغرفة كانت ساكنة، ثابتة في مكانها، في هذا الفضاء، ثمَّ دَفَعَتْها "قوَّة ما"، فشرعت تتحرَّك بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم. لقد انتقلت من سكون إلى سكون.

هذه الغرفة، في سكونها الأوَّل، وفي سكونها الثاني، إنَّما هي جسم لا تؤثِّر فيه "الجاذبية"؛ لأنْ لا وجود لها في فضاء كهذا. أنتَ المسافِر فيها تشعر أن لا "قوَّة" تشدُّ قدميكَ إلى "أرض الغرفة"، أو لِمَا تَنْظُر إليه على أنَّه "أرض الغرفة".

زِنْ نفسكَ بالميزان الذي اصطحبته معكَ فترى أن لا وزن لكَ. ضَعْ في إحدى كفَّتي ميزان جسماً كبير الكتلة، وضَعْ في كفَّتِه الأخرى جسماً صغير الكتلة، فترى أنَّ الكفَّتين قد ظلَّتا متوازنتين، لم تَرْجَح إحداهما على الأخرى. أسْقِطْ من يدكَ قطعة نقود معدنية فترى أنَّها لم تَسْقُط إلى "أرض الغرفة"، وظلَّت مُعلَّقة في الهواء. اقْفِزْ قَفْزَةً صغيرة إلى أعلى فترى جسمكَ قد طفا قريباً من "سقف الغرفة". ادْفَع بيدكَ قطعة النقود تلك، أُفُقياً، فترى أنَّها قد سارت بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، حتى اصطدمت بجدار الغرفة. كل هذه المظاهر إنَّما تسمَّى مظاهر "انعدام الجاذبية".

الآن، تخيَّل أنَّ "قوَّة ما" دَفَعَت هذه الغرفة، التي تسير في هذا الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، وأنّها قد استمرَّت في دَفْعِها بما يَجْعلها تتسارَع تسارُعاً منتظَماً، كأن تَقْطَع الغرفة في الثانية الأولى مسافة 1000 متر، وفي الثانية الثانية مسافة 1100 متر، وفي الثانية الثالثة مسافة 1200 متر، وفي الثانية الرابعة مسافة 1300 متر.

هذه الغرفة هي الآن في "تسارُع منتظَم"؛ وقد ظلَّت تسير في خطٍّ مستقيم. أنتَ المسافِر في هذه الغرفة سترى الآن كل مظاهر "الجاذبية"، فجسمكَ أصبح له وزناً، وثمَّة "قوَّة" تشدُّ قدميكَ إلى "أرض الغرفة"، وقطعة النقود المعدنية التي أسْقَطَّتها من يدكَ سقطت إلى "أرض الغرفة"، ولم تظلَّ معلَّقة في الهواء. أمَّا إذا دَفَعْتَ بيدكَ قطعة النقود هذه، أفُقياً، فلن تسير في خطٍّ مستقيم. ستسير في خطٍّ مُنْحَنٍ، فالفضاء في داخِل الغرفة انحنى الآن، وما عاد مُمْكِناً أن تسير الأجسام في الفضاء الداخلي للغرفة إلاَّ في خطٍّ مُنْحًنٍ.

بفضل هذا "التسارُع (المنتظَم)" رأيْنا في داخل الغرفة كل مظاهر "الجاذبية" مع أنَّ الغرفة تسير في حيِّز فضائي تنعدم فيه "الجاذبية". هذه الغرفة إنَّما هي جسم له كتلة، وإنْ كانت صغيرة جداً. وكل جسم له كتلة، مهما كان حجمها، إنَّما هو جسم في حالٍ من "القصور الذاتي".

و"القصور الذاتي" إنَّما يعني، في مثالنا هذا، أنْ تبدي الغرفة، أو كتلة الغرفة، مقاوَمة لكل ما يُمْكِن أن يؤدِّي إلى زيادة سرعتها (=تسارعها) أو إلى إخراجها عن الخطِّ المستقيم في سيرها الفضائي.

وهذه "المقاوَمة (=الانتفاضة)" هي التي تولِّد في داخل الغرفة مظاهر "الجاذبية" تلك. إنَّها (أي تلك المقاوَمة أو الانتفاضة) هي ما يشدُّ كل شيء في داخل الغرفة في اتِّجاه معاكِس لاتِّجاه التغيير الذي طرأ على حركة الغرفة.

وفي مثالنا هذا كان التغيير الذي طرأ على حركة الغرفة هو "التسارُع (المنتظَم)"، فَشُدَّ كل شيء في داخل الغرفة في اتِّجاه معاكِس، أي إلى الوراء. وهذا الشد هو ما يُوَلِّد في المسافِر في هذه الغرفة الشعور بـ "الجاذبية". و"أرض" الغرفة (المتسارعة تسارُعاً منتظَماً) إنَّما هي أي موضع (في داخل الغرفة) تُشَدُّ إليها الأشياء التي في داخل الغرفة.

الآن، دَعْ الغرفة تسير في هذا الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة؛ ولكن ليس في خطٍّ مستقيم، وإنَّما في خطٍّ دائري، فترى كل ما رأيْتَ من مظاهر "الجاذبية" عندما تسارَعت الغرفة (تسارُعاً منتظَماً) فـ "قصورها الذاتي" يقاوِم (إخراجها عن الخط المستقيم في سيرها الفضائي) وينتفض، فَيُشَدُّ كل شيء في داخل الغرفة في اتِّجاه معاكِس للاتِّجاه الذي حَدَثَ فيه هذا التغيير في حركتها (=الانتقال من الحركة المستقيمة إلى الحركة الدائرية).

وهذا التأثير المضاد والمعاكِس هو ما يسمَّى "تأثير القوَّة الطاردة المركزية"، أي القوَّة التي تَطْرُد الغرفة بعيداً عن "المركز" الذي تدور حَوْله. وهذا "المركز" يُمْكِن أن يكون "وَهْمِيَّاً". ولو أنَّ الشمس اختفت من الوجود، وظلَّ كوكب الأرض يدور حَوْل الموضع الذي كانت فيه الشمس، لَبَقِيَت فيه مظاهر "الجاذبية"، فهذه المظاهر رأيْناها في الغرفة إذ انتفض "قصورها الذاتي" بسبب تسارعها، أو بسبب إخراجها عن الاستقامة في خطِّ سيرها الفضائي، وجَعْلِها في حركة دائرية.

ولكن، ثمَّة تسارُع لا يُنْتِجُ في داخل الغرفة مظاهر "الجاذبية". تخيَّل أنَّ هذه الغرفة معلَّقة في الغلاف الجوِّي للأرض، أي ثابتة في مكانها في الهواء، لا تتحرَّك. في هذه الحال، سيرى المقيم في داخل هذه الغرفة كل مظاهر "الجاذبية"، فالغرفة ما زالت خاضعة لتأثير الجاذبية الأرضية؛ لأنَّها ضِمْن مجال الجاذبية الأرضية.

تخيَّل الآن أنَّ هذه الغرفة شرعت تَسْقُط إلى سطح الأرض، وكأنَّها تتَّجِه نحو مركز الجاذبية الأرضية، أي نحو مركز الكرة الأرضية.

إنَّ سرعة سقوط هذه الغرفة تزداد، فهي، أي الغرفة، تتسارع (في سقوطها) تسارُعاً منتظَماً. المقيم في هذه الغرفة الساقطة سيرى، في داخلها، من مظاهر "انعدام الجاذبية" ما يراه عند سَيْر الغرفة في ذلك الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم. على أنَّ المراقِب (من على سطح الأرض) للغرفة الزجاجية وهي تسقط يرى أنَّ قطعة النقود المعدنية المعلَّقة في الهواء في داخل الغرفة تسقط هي والغرفة إلى سطح الأرض بالسرعة ذاتها.

نَفْهَم، أو اعتدنا أن نَفْهَم، "الجاذبية" على أنَّها علاقة "شد متبادَل" بين جسمين، أو مادتين لهما كتلة، وأنَّ هذا الشد المتبادَل يكون أقوى إذا ما كان طرفاه جسمين عظيميِّ الكتلة، والمسافة الفضائية بينهما صغيرة، وأنَّ الجسم الأكبر كتلة يشدُّ إليه الجسم الأصغر كتلة (ضِمْن علاقة الشدِّ المتبادَل) بقوَّة أكبر.

و"الضوء"، على ما نَعْرِف، هو مادة ليس لها "كتلة"، فكيف له أن يُشَد إلى جسم عظيم الكتلة كالنجم؟ آينشتاين تنبَّأ؛ ثمَّ أثبتت التجربة، انحراف الضوء عند مروره في مجال الجاذبية لجسم عظيم الكتلة كالنجم.

إنَّ الضوء يسير في خطٍّ مستقيم، فإذا ما مرَّ بالقرب من نجم انحرف قليلاً. وهذا الانحراف كان ظاهرة لا بدَّ من تفسيرها، فهل التفسير هو أنَّ هذا الجسم عظيم الكتلة (النجم) قد شدَّ إليه (بـ "قوَّة" جاذبيته) تلك المادة التي ليس لها كتلة (الضوء)؟ وهل يمكن أن يًحْدُثَ هذا الشد إذا ما كان "المشدود"، وهو الضوء، مادة "ليس لها كتلة"؟ آينشتاين نَبَذَ هذا التفسير، مُفَسِّراً ظاهرة انحراف الضوء على أنَّها "نتيجة لانحناء الفضاء حَوْل النجم بسبب كتلته الضخمة"، فالضوء كان يسير في خطٍّ مستقيم، فلَمَّا اقترب من النجم انحنى قليلاً في خطِّ سيره الفضائي بما يوافِق انحناء "السطح الفضائي" للنجم؛ ولولا السرعة العظيمة لـ "القذيفة الضوئية (أي الضوء)" لَمَا تمكَّن الضوء من معاودة السير في خطٍّ مستقيم، ولَتَحَوَّل انحراف مساره إلى دوران حَوْل هذا النجم.

وثمَّة جسم كوني ("الثقب الأسود") لا يستطيع الضوء مغادرته إلى الفضاء الخارجي، فلو انطلق ضوء من عُمْق هذا الجسم فإنَّ الانحناء الشديد للفضاء حَوْله، أي حَوْل الجسم، يَمْنَع الضوء من المغادرة، فهذا الضوء، وعلى عَظَمَة سرعته، لا يستطيع الإفلات من مسارٍ، يكفي أن يسير فيه حتى يُعيده الانحناء الشديد لهذا المسار إلى داخل هذا الجسم، وكأنَّه يسير في مسارٍ على هيئة محيط دائرة في منتهى الصِغَر، أي في منتهى الانحناء.

أُنْظُر إلى فِعْل وتأثير الجاذبية الأرضية، فترى أوَّلاً الآتي: إذا قَذَفْتَ حجراً في الهواء إلى أعلى فإنَّه يرتفع (يصعد) قليلاً، أو كثيراً، بحسب سرعته، ثمَّ يسقط (يهبط) إلى سطح الأرض. إنَّه لا يظل معلَّقاً في الهواء إلى الأبد، فحركته، ارتفاع، فتوقُّف لحظي، فسقوط. والناظِر إلى ارتفاعه، فسقوطه، من على سطح القمر، مثلاً، يرى شيئاً من الانحناء في خطِّ سيره، صعوداً وهبوطاً.

ثمَّ ترى الحجر لا يسقط إلى الأرض، وإنَّما يدور حَوْل الكوكب الأرضي إذا ما قَذَفْته بسرعة تكفي للحيلولة بينه وبين السقوط، ولِجَعْلِه، من ثمَّ، يدور في مدارٍ ما حَوْل الأرض.

في كلتا الحالتين، نرى الأرض تحتفظ بالحجر، أي تبقيه في أسْرِها. أمَّا لو كانت سرعة انطلاق الحجر إلى أعلى أكبر فإنَّه يذهب بعيداً في الفضاء الخارجي، أي يتحرَّر تماماً من أسْرِ الأرض له؛ وقد يقع في أسر جسم كوني آخر (كوكب آخر، أو نجم) فيدور حَوْله، أو ينتهي به السير في خطٍّ منحنٍ إلى السقوط في "فَم" هذا الجسم.

هذا الحجر، وفي أثناء سيره في الفضاء، "يَظُنُّ" أنَّه يسير في خطٍّ مستقيم؛ ولكن المراقِب لخطِّ سيره من مكان آخر بعيد في الكون يراه يسير في خطٍّ منحنٍ، فالسير في الفضاء في خطٍّ مستقيم إنَّما يشبه سَيْركَ في خطٍّ مستقيم في موازاة خطِّ الاستواء الأرضي.

إنَّ "سرعة الإفلات من الجاذبية" تختلف باختلاف كتلة الجسم (النجم أو الكوكب مثلاً) الذي يُراد الإفلات من جاذبيته، فالجسم الذي يُراد له الإفلات من جاذبية الأرض ينبغي له أن يُقْذَف (أو يُطْلَق، أو ينطلق) إلى أعلى، على أن يسير صاعِداً بسرعة معيَّنة، أي بسرعة تكفي لإفلاته من قبضة الجاذبية الأرضية. و"سرعة الإفلات" من الجاذبية الأرضية (المتناسبة مع كتلة كوكب الأرض) يجب أن تكون أكبر من سرعة الإفلات من جاذبية القمر، وأصغر كثيراً من سرعة الإفلات من جاذبية الشمس.

إذا انطلق الجسم بسرعة تقل ولو قليلاً عن سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية فإنَّه سيَسْقُط حتماً إلى الأرض؛ أمَّا ساوَت سرعته، أو تجاوزت قليلاً، سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية فيصبح ممكناً، عندئذٍ، أن يدور في مدار ما (قريب أو بعيد) حَوْل الكرة الأرضية. وإذا انطلق بسرعة تزيد كثيراً، وكثيراً جداً، عن سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية فإنَّه، عندئذٍ، يذهب بعيداً في الفضاء الخارجي، متحرِّراً تماماً من الجاذبية الأرضية.

ولكن، إلى ماذا تشير "سرعة الإفلات"؟ إنَّ مقدار هذه السرعة يدلُّ على مقدار انحناء الفضاء حَوَل كتلة الجسم الكوني الذي يُراد الإفلات من قبضة جاذبيته، فكلَّما اشتدَّ انحناء هذا الفضاء (بسبب ضخامة كتلة هذا الجسم) زاد مقدار سرعة الإفلات من جاذبيته.

نظرياً، لو تحوَّلت كتلة كوكب الأرض إلى كتلة لـ "ثقب أسود" لأصبحت سرعة الإفلات من قبضة جاذبيتها أكبر من سرعة الضوء؛ وليس من جسم، أو جسيم، يمكنه السير بسرعة تزيد عن سرعة الضوء (300 ألف كم/ث).

إنَّ الحجر الذي تقذفه إلى أعلى بسرعة تقلُّ عن سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية يسير، صعوداً فهبوطاً، في خطٍّ منحنٍ، يراه كذلك، أي في انحنائه، مراقِب يراقِب حركة هذا الحجر من على سطح المريخ مثلاً، وإنْ قَذَفْتَهُ أنتَ في خطٍّ عمودي، بَدَت لكَ "استقامته" استقامة تامَّة. هذا الحجر، الذي قَذَفْتَهُ عمودياً، يراه ذلك المراقِب يرتفع ويسقط وكأنَّه يسير (ارتفاعاً وسقوطاً) على سطح فضائي منحنٍ.

وانحناء الفضاء حَوْل كوكب الأرض (أو كتلته) يقلُّ ويتضاءل مع ازدياد الابتعاد عن "مَرْكَز" الكرة الأرضية؛ و"سرعة الإفلات" هي التي تُوْصِل الحجر المنطلق إلى أعلى إلى الخطِّ الفضائي الفاصِل بين "السقوط" والـ "لا سقوط".

وبحسب سرعة انطلاق الحجر (أو الجسم) إلى أعلى يتحدَّد السطح الفضائي الذي يسير عليه صعوداً لجهة مقدار انحنائه، فكلَّما زادت سرعة انطلاق الحجر إلى أعلى قلَّ انحناء السطح الفضائي الذي يسير عليه صعوداً، أي اتَّسع محيط الدائرة الفضائية الذي يسير عليه، فمحيط الدائرة الأصغر هو الأكثر انحناءً، ومحيطها الأكبر هو الأقل انحناءً.

ما معنى أنْ ترى هذا الحجر "يدور" في الفضاء؟ معناه أنَّ هذا الحجر يسير في فضاء هو الذي "أرْغَمَهُ" على الدوران حَوْل "مَرْكَز" ما؛ ومعناه، أيضاً، أو بالتالي، أنَّ هذا "المَرْكَز" يشتمل على كتلة ضخمة لجسم كوني، هي التي تسبَّبت في انحناء الفضاء حَوْلها، فتسبَّب هذا الانحناء في دوران الحجر حَوْلها.

الأجسام تتحرَّك "في" الفضاء، و"بـ" الفضاء، ففي الفضاء ذاته (في خصائصه) يكمن سبب حركة الأجسام؛ وخصائص هذه الحركة إنَّما تَعْكِس خصائص الفضاء.

أُنْظُرْ إلى جسم يسير في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم. هذا الجسم إنَّما هو، في عُرْف آينشتاين، في حالٍ من "السكون". إنَّه جسمٌ في حالٍ من "الهدوء" و"الأمن" و"الاستقرار"، فليس من "قوَّة خارجية" تؤثِّر فيه، أي تُعَكِّر صفوه. وسيره في "خطٍّ مستقيم" إنَّما يجب أن يُفْهَم فَهْماً "نسبياً"، فليس من "استقامة مُطْلَقَة خالصة". إنَّ الخطِّ الأكثر استقامة، والمرسوم على "ورقة الكون"، يمكن ويجب أن ينطوي على شيء من الانحناء. وليس من جزء من الفضاء الكوني، على رحبه واتِّساعه، يمكن أن يسير فيه أي جسم، أو جسيم، في خطِّ مستقيم استقامة مُطْلَقَة، فكل الفضاء الكوني مُنْحَنٍ حَوْل "الكتلة الكونية".

هذا الجسم، ومن الوجهة النظرية الصرف، يمكن أن يستمر إلى الأبد على حاله تلك، أي أنَّه يمكن أن يظل إلى الأبد يسير بالسرعة ذاتها، من غير زيادة ولا نقصان، وفي خطٍّ مستقيم.

إذا كان هذا الجسم مركبة فضائية، وإذا كنتَ على متنها، فإنَّكَ لن تشعر أبداً بما يسمَّى "الجاذبية"، فهذه الظاهرة، مع شعوركَ بها، إنَّما هي "صنو القصور الذاتي في انتفاضته".

إنَّها تنشأ، وينشأ شعوركَ بها، ما أنْ يطرأ تغيير على سرعتها، كأنْ تزيد، أو على خطِّ سيرها، أي ما أن تَخْرُج عن "الاستقامة" في خطِّ سيره.

إذا تسارعت (أي زادت سرعتها) فإنَّ أي جسم في داخلها يكتسب "وزناً"، أو "ثقلاً"، يُمْكنكَ قياسه بميزان. وكلَّما تسارَعَت أكثر زاد وزن هذا الجسم. ولو خَرَجَت مركبتكَ عن "الاستقامة" في خطِّ سيرها، ودارت حَوْل كتلة ضخمة لجسم كوني ما، مُحْتَفِظَةً بسرعتها ذاتها، فإنَّ كل جسم في داخلها يكتسب "وزناً"، فالدوران حَوْل كتلة ضخمة لجسم كوني يؤثِّر في "الأوزان" كما يؤثِّر "التسارع". وكلَّما اشتد انحناء المدار الذي تدور فيه مركبتكَ زاد وزن كل جسم في داخلها.

حيث "تتسارًع" مركبتكَ، أو يشتد انحناء الفضاء الذي تسير فيه، أو "تتأخَّر ساعتها"، أو "ينكمش طولها في اتِّجاه حركتها"، يكتسب كل جسم في داخلها "وزناً"، ويزيد "وزنه".

لِنَفْتَرِض أنَّ سرعة جسم ما قد زادت، وانتفض قصوره الذاتي بالتالي. في سعينا إلى تفسير ذلك، لَمْ نرَ شيئاً (أو "قوَّةً") قد دفعه، فزاد سرعته. ولِنَفْتَرِض، أيضاً، أنَّ الزيادة المفاجئة في سرعته قد حَدَثَت إذ اقْتَرَبَ من جسم أعظم منه كتلة بكثير (نجم مثلاً). في هذه الحال، قد نُفَسِّر ما حَدَثَ (= الزيادة المفاجئة في سرعته) على أنَّه نتيجة "قوَّة" في النجم، أثَّرَت فيه "عن بُعْد"، أي شدَّته (سحبته، جرَّته) إلى النجم، فـ "تسارَع"، أي زادت سرعته.

هذا التفسير (النيوتني) لا بدَّ لكَ من نَبْذِه؛ لأنْ ليس من "قوَّة تُؤثِّر عن بُعْد"، أي عَبْر مسافة فضائية شاسعة كتلك التي بين هذا الجسم والنجم.

ولا بدَّ لكَ، أيضاً، من نَبْذ تفسير آخر، مؤدَّاه أنَّ هذا الجسم قد زاد سرعته من تلقاء نفسه، فالجسم (وكل مادة لها كتلة) لا يُمْكِنه، أبداً، بسبب "قصوره الذاتي"، أن يزيد سرعته من تلقاء نفسه.

ولكنَّ سرعته زادت؛ ولا بدَّ لنا، بالتالي، من أن نفسِّر زيادتها على أنَّها "نتيجة لتأثير قوَّة خارجية"، فما هي تلك "القوَّة"؟ لَمْ يبقَ من تفسير أو تعليل سوى الآتي: "الفضاء" الذي يسير فيه هذا الجسم هو "السبب". إنَّه، أي هذا الفضاء، هو الذي، بما يَمْلك من خواص، قد تسبَّب في الزيادة المفاجئة التي طرأت على سرعة هذا الجسم. وعليه، لا بدَّ لنا من أنْ نَنْسِب إلى هذا الفضاء كل تغيير يطرأ على حركة هذا الجسم، كأن تزيد سرعته، أو تنقص، أو يَخْرُج عن "الاستقامة" في خطِّ سيره.

إنَّ "كتلة" هذا النجم هي التي غيَّرت الفضاء المحيط بها، أي جعلته في خواصٍّ جديدة. وبسبب خواصِّه الجديدة طرأ تغيير ما على حركة هذا الجسم، الذي كان يسير من قبل بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم.

وعليه، إذا رأيْتَ جسماً يسير في الفضاء بسرعة متغيِّرة، زيادةً أو نقصاناً، أو إذا رأيته يسير في خطٍّ غير مستقيم، فإنَّ عليكَ أن تستنتج أنَّ "قوَّة خارجية ما" قد أثَّرت في هذا الجسم، مُعَكِّرةً صفو "قصوره الذاتي"، فالجسم لا يستطيع من تلقاء نفسه أن يغيِّر حركته.

الفضاء الذي يسير فيه هذا الجسم هو المسؤول عن تغيُّر سرعته، زيادةً أو نقصاناً، أو عن خروجه عن "الاستقامة" في خطِّ سيره. هذا الفضاء هو "السبب"؛ وهذا "السبب" هو، في الوقت نفسه، "نتيجة"، فوجود جسم عظيم الكتلة في هذا الفضاء هو الذي غيَّره، أي غيَّر هذا الفضاء، بما جَعَلَه سبباً لتغيير سرعة ذلك الجسم، أو لإخراجه عن "الاستقامة" في خطِّ سيره. الجسم عظيم الكتلة (النجم مثلاً) أثَّر في الفضاء المحيط به، أي غيَّر خصائصه، فأثَّر هذا الفضاء في حركة ذلك الجسم فيه.

والسؤال الذي يِبْرُز دائماً إنَّما هو الآتي: كيف لهذا الفضاء أن يزيد (أو أن يقلَّل) سرعة هذا الجسم السائر فيه، أو أن يخرجه عن "الاستقامة" في خطِّ سيره؟ الفضاء (المحيط بجسم عظيم الكتلة) هو تلك "القوَّة الخارجية" التي تنتهك حرمة "القصور الذاتي" للجسم السائر فيه.

حتى دوران كوكب الأرض حَوْل نفسه يجب أن نفهمه على أنَّه نتيجة التغيير الذي أحدثته كتلة الأرض في الفضاء المحيط بها. لقد غَيَّرت هذا الفضاء بما جعله "قوَّة" تجعل الأرض تدور حَوْل نفسها. أمَّا دورانها حَوْل الشمس فهو نتيجة التغيير الذي أحدثته كتلة الشمس في الفضاء المحيط به. لقد غيَّرته بما جعله "قوَّة" تجعل الأرض تدور حَوْلها.

الفضاء (أو خصائصه) هو القائد الخفي لحركة الجسم الذي يسير فيه. إنَّه يقوده، فيزيد، أو ينقص، سرعته، أو يُخْرِجه عن "الاستقامة" في خطِّ سيره، فالفضاء إنَّما يشبه "عجيناً" تُشكِّله "الكتلة"، أو تغيِّر بناءه الهندسي.

وانحناء، أو تقوُّس"، أو تحدُّب"، الفضاء حَوْل كتلة كبيرة لجسم كوني ما (الشمس مثلاً) إنَّما يعني، أيضاً، أن تَسْتَجْمِع (أو تَحْشِد) تلك الكتلة أجساماً كثيرة على مقربة منها. أُنْظُرْ إلى "محيط" دائرة، تَقَعُ فيه بعض الأجسام. إذا أنتَ صغَّرْتَ هذا "المحيط"، أي إذا جَعَلْته أكثر انحناءً، فإنَّكَ تُقَرِّب تلك الأجسام أكثر إلى "مَرْكَز" تلك الدائرة. وهذا "المحيط" إنَّما يشبه "الفضاء المحيط بجسم عظيم الكتلة"، بما يَقَع فيه من أجسام. إنَّ انحناء (أو اشتداد انحناء) الفضاء حَوْلَ الشمس (بسبب ضخامة كتلتها) هو ما يُفَسِّر ظاهرة تَجَمُّع واحتشاد الكواكب على مقربة منها، وظاهرة تَجَمُّع واحتشاد النجوم في مجرَّتنا (درب التبانة) على مقربة من مَرْكَز مجرَّتنا. الفضاء حَوْل "الكتلة المركزية" ينحني، فيَصْغُر "محيط" الدائرة الفضائية، فيتضاءل "نصف قطرها"، فتتجمَّع وتحتشِد "الكُتَل (الصغيرة) في المحيط" على مقربة من "المَرْكَز". أمَّا في حيِّز فضائي واسع، يخلو، أو يكاد أن يخلو، من "الكُتَل الضخمة"، فنرى الفضاء الأقل انحناءً، أي الأكثر استقامةً. وهذا الفضاء (الأقل انحناءً أو ألأكثر استقامةً) هو "البيئة" التي ليس فيها ما يُعَكِّر صفو "القصور الذاتي" للأجسام التي تجتازه.

لقد سار جسم بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، فظَهَرَت له، أو اعْتَرَضَت سبيله، "حُفْرة" في الفضاء المحيط بالنجم، فانحدر فيها، أي هبط، أو سقط، من علوٍّ إلى أسفل، حتى بلغ أوطأ نقطة فيها، أي قعرها، فَقُلْنا إنَّ هذا الجسم قد انْجَذَبَ إلى تلك النقطة.

حركة هذا الجسم، أي "تَدَحْرُجه"، أو "انزلاقه"، ثمَّ دورانه حَوْل النجم ما أن يصل إلى أوطأ نقطة في "الغور الفضائي النجمي"، إنَّما هي الأسهل عليه.

إنَّ الفضاء الذي يسير فيه الجسم هو المسؤول عمَّا يُعَكِّر صفو القصور الذاتي للجسم. إنَّه المسؤول عن إخراجه عن سرعته الثابتة المنتظَمة، أو عن "الاستقامة" في خطِّ سيره. وإنَّه المسؤول، بالتالي، عمَّا يَعْرِفه هذا الجسم، عندئذٍ، من مظاهر "الجاذبية"، ومن شعوركَ بها.

لقد فَهِمْنا "الحركة" على أنَّها "الانتقال في المكان"، فالجسم في حركته في المكان، أو الفضاء، إنَّما يجتاز ويَقْطَع "مسافة" بين نقطتين، أو موضعين؛ وفَهِمْنا حالة معيًَّنة من حالات "الحركة" على أنَّها حالة لا يُمْكِن تمييزها من "السكون"، فالجسم الذي يسير بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، إنَّما هو جسم في حالة "سكون". وهذا الجسم لا يُمْكِن أن يغدو في حالة "حركة" إلاَّ إذا "تسارَع"، أو "تباطأ"، أو خَرَجَ عن "الاستقامة" في خطِّ سيره. وهذا الجسم هو وحده الذي تغدو "الساعة" التي يحملها "ساعة متحرِّكة"، "يتمدَّد" فيها الزمن، أو "يتقلَّص".

إذا "تسارَع" هذا الجسم، الذي يسير في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم، فإنَّه يغدو في حالة "حركة"، أي ينتقل من تلك الحالة من "السكون" إلى حالة "الحركة". كيف يُمْكِن أن يَحْدُث ذلك (أي كيف يُمْكِن أن يغدو هذا الجسم في حالة "حركة")؟ من تلقاء نفسه لا يُمْكِنُهُ ذلك أبداً، فهو في طبيعته (في فطرته) قاصِرٌ عن زيادة سرعته أقل زيادة. "قوَّة" من خارجه هي التي يُمْكنها أن تَجْعَله "يتسارَع"؛ وهذه "القوَّة" إنْ أثَّرت فيه على هذا النحو فإنَّها لا يُمْكنها أن تمارِس تأثيرها "عن بُعْد". وهذا "التأثير"، في معناه "المكاني"، نراه في وضوح إذا ما قُمْتَ أنتَ، مثلاً، بدَفْع ذلك الجسم بيدكَ. في هذا المثال، أو في ما يشبهه من أمثلة، نَفْهَم معنى "القوَّة الخارجية"، و"تأثيرها".

سوء التفسير لظاهرة "تسارُع" ذلك الجسم (الذي كان يسير في الفضاء بسرعة ثابتة منتظَمة، وفي خطٍّ مستقيم) إنَّما يعود سببه إلى اقتران "تسارُع" الجسم بوجوده على مقربة من كتلة ضخمة لجسم كوني ما (نجم مثلاً). هذا الاقتران هو ما حَمَلَ على افتراض أنَّ في هذه "الكتلة" قوَّة ما أثَّرت (عن بُعْد) في ذلك الجسم بما أدَّى إلى "تسارُعه". وعليه، فُهِمَت "الجاذبية" على أنَّها صنو تلك "القوَّة".

وأنتَ يكفي أنْ تَسْتَبْعِد "الجاذبية" بوصفها "قوَّة تؤثِّر عن بُعْد" من تفسيركَ وتعليلكَ لظاهرة "تسارُع" ذلك الجسم (ولغيرها من ظواهر التطاول على قصوره الذاتي) حتى لا يبقى لديكَ غير "الفضاء (الذي يسير فيه ذلك الجسم)" تعزو إليه، وتَنْسِب، "السبب"، فهذا الفضاء، الذي يشبه "العجين"، أعيد تشكيله على يديِّ "الكتلة (النجمية) الضخمة"، فأصبح كـ "سائق سيَّارة" لجهة علاقته بحركة ذلك الجسم، فهو الذي يتولَّى قيادة حركة الجسم، فيزيد سرعته، أو يقلِّلها، ويُخْرِجه عن "الاستقامة" في خطِّ سيره، جاعِلاً إيَّاه في حركة دورانية حَوْل تلك "الكتلة الضخمة".

في الفضاء المحيط بكتلة الشمس، مثلاً، لا يُوْجَد، ولا يُمْكِن أن يُوْجَد، سوى الأجسام التي في حالة "حركة"، فَضِمْن حيِّز فضائي كهذا لا وجود لجسم يسير بسرعة ثابتة منتظَمة وفي خطٍّ مستقيم، فإذا سار بسرعة ثابتة منتظَمة فإنَّ خطَّ سيره لا يُمكن أن يكون "مستقيماً". وهو يكفي أن يَخْرُجَ عن "الاستقامة" في خطِّ سيره حتى يغدو في حالة "حركة"، ولو ظلَّت سرعته ثابتة منتظَمة. وليس من جسم يَخْرُج عن "الاستقامة" في خطِّ سيره إلاَّ إذا سار ضِمْنَ "فضاء منحنٍ"؛ وليس من "فضاء منحنٍ" إلاَّ إذا "توسَّطته" كتلة ضخمة" لجسم كوني ما (نجم مثلاً). إنَّ انحناء الفضاء حَوْل الشمس (والذي تسبَّبت فيه كتلتها) هو الذي يُفسِّر الحركة الدورانية لكوكب الأرض حَوْل نجمنا هذا؛ وإنَّ تفاوُت شِدَّة الانحناء في مدار الأرض حَوْل الشمس (بسبب الشكل البيضاوي لهذا المدار) هو ما يُفسِّر الاختلاف، أو التفاوُت، في سرعة دوران الأرض حَوْل الشمس.

الآن، تخيَّل أنَّ هذا الجسم الذي تسبَّب الفضاء المحيط بالنجم في "انتفاضة قصوره الذاتي" قد سار في مسارٍ أدْخَلَهُ، أخيراً، في مجال جاذبية هذا النجم، فشرع يسقط، أي ينتقل عمودياً، وكأنَّه يتَّجِه إلى مَرْكَز النجم. في هذه الحال، "تتسارًع" تلك "الحركة العمودية (= السقوط)" للجسم تسارُعاً ثابتاً، فترى أنتَ الموجود على سطح هذا الجسم الساقِط كل مظاهر "انعدام الجاذبية" مع أنَّ الجسم الذي يَحْملكَ يتحرَّك (سقوطاً) ضِمْن مجال جاذبية النجم.

وفي هذه الحال، أيضاً، ترى "القصور الذاتي" لهذا الجسم وكأنَّه قد تعطَّل عن العمل، فتسارُع الجسم سقوطاً ضِمْن مجال جاذبية النجم وَلَّدَ، على ما ترى أنتَ، ظاهرة مناقضة، هي ظاهرة "انعدام الجاذبية"، بحسب ما ترى وتَشْعُر.

إنَّ "كتلة" الجسم تُغَيِّر الفضاء المحيط بهذا الجسم بما يؤثِّر في حركة الجسم ذاته، وفي حركة كل جسم ضِمْن حيِّزه الفضائي، فحركة الجسم لجهة مقدارها، وكيف يتحرَّك، إنَّما هما مُنْتَج من منتجات الفضاء الذي ضِمْنه يتحرَّك هذا الجسم. وعلى هذا النحو يمكننا وينبغي لنا أن نفهم علاقة التفاعل، أو التأثير المتبادل، بين "الكتلة" و"الفضاء".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,228,535
- حتى لا يأتي هدم -الجدار- بما تشتهي إسرائيل!
- طريقان متوازيتان يجب أن تلتقيا
- بوش: للاجئ الفلسطيني الحق في التعويض عن حقِّه في العودة!
- رئيس بونابرتي أم لحود ثانٍ؟!
- -بقرة بوش- لن يَحْلبها غير إسرائيل!
- -الحُجَّاج- مشكلة تُحل بتعاون الفلسطينيين ومصر
- -الإعلاميُّ- و-الحاكِم- عندنا!
- اللعب الإسرائيلي على الحَبْلين الفلسطينيين!
- عاصمة -الغلاء العربي-!
- فساد ثقافي وتربوي!
- -متى- و-أين-.. فيزيائياً وفلسفياً
- هل أعاد بوش السيف إلى غمده في مواجهة إيران؟!
- -تسونامي- السنة الجديدة!
- ولكم في -قِصَّة إبليس- حِكْمَة يا أولي الألباب!
- قنوط رايس!
- قرار صبُّ الزيت على نار التضخم!
- هل تريدون مزيداً من -الإيضاحات- الإسرائيلية؟!
- -التقرير-.. مسمار دُقَّ في نعش!
- بعضٌ من جوانب صورة الكون في مرآة -النسبية-
- حتى لا ينفجر -لغم أنابوليس- بالفلسطينيين!


المزيد.....




- سرطان الثدي يصيب الرجال بشراسة.. فما علامات الإصابة به؟
- وحدات الجيش السوري تصل إلى مطار الطبقة العسكري جنوب الرقة
- آبل تطلق وظيفة جديدة لتسجيل الدخول للخدمات الأخرى
- مثل السمندل.. البشر لديهم قدرة على إعادة نمو الغضاريف في الم ...
- السيسي ينتقد تعامل المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي مع أ ...
- عملة فيسبوك الرقمية.. هل كانت -صرحا من خيال فهوى-؟
- رائد الفضاء الإماراتي المنصوري يقبل قدم والدته – فيديو
- محمد صلاح يشغل رواد وسائل التواصل الاجتماعي بصوره مع عارضة ب ...
- محمد صلاح يشغل رواد وسائل التواصل الاجتماعي بصوره مع عارضة ب ...
- تفوق على المشتري.. زحل يتصدر كواكب المجموعة الشمسية بعدد الأ ...


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - جواد البشيتي - الحركة والسكون في الكون