أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - جواد البشيتي - بعضٌ من جوانب صورة الكون في مرآة -النسبية-















المزيد.....



بعضٌ من جوانب صورة الكون في مرآة -النسبية-


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 2121 - 2007 / 12 / 6 - 11:43
المحور: الطب , والعلوم
    


هل من سرعة "قصوى" في الكون؟ لقد قاد هذا السؤال إلى أحد أهمِّ الاكتشافات الفيزيائية في تاريخ العِلْم، فآينشتاين، مُفَجِّر أهم ثورة فيزيائية في القرن العشرين، هو في صفة من أهم صفاته "مُكْتَشِف وجود السرعة الكونية القصوى (أو العظمى)"، وهي "سرعة الضوء"، التي هي، في الفراغ، 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فالضوء إنَّما هو مادة تسير في الفراغ، أو الفضاء، بسرعة معيَّنة، وليس من مادة يمكنها السير بسرعة أكبر من سرعة الضوء، كما ليس من "مادة لها كتلة" يمكنها السير بسرعة الضوء.

قد تقلُّ سرعته قليلاً في أثناء سيره في داخل بعض المواد، كالزجاج والماء، ولكنَّه ما أن يَخْرُج منها إلى الفراغ، أو الفضاء، حتى يستأنف السير بسرعته الطبيعية والعادية، أي بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

ولا بدَّ لنا من أن نضيف إلى ذلك أنَّ سرعة الضوء، المٌبْتَعِد عنكَ، أو المُقْتَرِب منكَ، لا تتأثَّر، زيادةً أو نقصاناً، بسرعة "المَصْدَر (نجم مثلاً)" الذي منه انطلق، ولا بسرعة الموضِع الذي منه نقيس سرعته، فسرعته ثابتة لا تتغيَّر، زيادةً أو نقصاناً، مهما كانت سرعة مَصْدَرِه، ومهما كانت سرعة الموضِع الذي منه يقيس المراقِب سرعته.

بعضٌ من "المادة"، في الكون، نراه على هيئة جسم (نجم مثلاً) أو جسيم (إلكترون مثلاً). بعضٌ من الجسيمات له "كتلة"، وبعض منها "ليس له كتلة". والجسم (أو الجسيم) نراه في حالٍ من "الحركة"، فهو ينتقل من موضِع إلى موضِع، أو من نقطة إلى نقطة، في الفراغ، أو الفضاء، أو يدور حَوْلَ نفسه، أو محوره، كما يدور كوكب الأرض، أو يهتز، أي يتحرَّك وهو في مكانه. وفي انتقاله من موضِع إلى موضِع، في الفراغ (الفضاء) أو على سطح جسم آخر، نراه منتقِلاً في "خطٍّ مستقيم"، أو في "خطٍّ منحنٍ (دائري مثلاً)".

والجسم (أو الجسيم) ينتقل من موضِع إلى موضع بـ "سرعة معيَّنة"، فهو في مقدارٍ معيَّن من الزمن (في ثانية، أو دقيقة، أو ساعة، ..إلخ) يجتاز، أو يَقْطَع مسافةً معيَّنة (نقيسها بـ "المتر" مثلاً). والجسم (أو الجسيم) إنَّما يسير "مُبْتَعِداً" عن شيء معيَّن، أو "مُقْتَرِباً" منه، فهذا الجسم A يسير مُبْتَعِداً عن الشيء B أو مُقْتَرِباً منه. وهذا الشيء B قد يكون ساكناً، ثابتاً في مكانه، أو متحرِّكاً في اتِّجاه ما.

ولا بدَّ لسرعة الجسم A من أن تتأثَّر، زيادةً أو نقصاناً، بسرعة الشيء B الذي منه نقيس سرعة الجسم A. وقياس سرعته إنَّما يعني أن يقيس المراقِب الموجود في الشيء B المسافة التي يقطعها الجسم A (في ابتعاده عنه، أو في اقترابه منه) في ثانية واحدة، أو دقيقة واحدة، ..إلخ، بحسب ساعته هو.

و"الانتقال" ليس بانتقالٍ في المكان فحسب؛ ليس بانتقال من موضِع إلى موضِع فحسب. إنَّه، أيضاً، انتقال في الزمان، فأنتَ لا تستطيع أن تمشي مجتازاً مسافة 100 متر مثلاً من غير أن تنتقل، في الوقت نفسه، في الزمان، فانتقالكَ المكاني هذا لا بدَّ له من أن يستغرِق مقداراً معيَّناً من الزمن. على أنَّ ذلك لا يعني أنَّكَ لا تستطيع الانتقال في الزمان من غير أن تنتقل، في الوقت نفسه، في المكان، فأنتَ الجالِس في مكانكَ إنَّما تنتقل في الزمان من غير أن تنتقل في المكان. إنَّ كل انتقال في المكان يجب أن يقترن بانتقال في الزمان؛ ولكن ليس كل انتقال في الزمان يجب أن يقترن بانتقال في المكان.

ونحن نرى، في حياتنا العادية على سطح الأرض، أنَّ انتقالنا في الزمان، المقترِن بانتقالنا في المكان، ليس بالثابت القيمة أو المقدار، فإذا أنتَ أسْرَعْتَ أكثر في مشيكَ فإنَّكَ تجتاز المسافة ذاتها في مقدارٍ زمني أقل. إنَّكَ، وبحسب "سرعتكَ" تستطيع اجتياز المسافة ذاتها في زمن مقداره 10 دقائق أو 5 دقائق.

"المسافة"، على ما ترى في تجربتكَ، لا تتغيَّر.. لا تزيد ولا تنقص، إنْ قلَّت أو زادت "سرعتكَ". ما يتغيَّر فحسب (زيادةً أو نقصاناً) إنَّما هو مقدار الزمن الذي فيه تجتاز تلك المسافة (الثابتة).

هذه الحقيقة، التي تظنها "مُطْلَقة"، تغدو "نسبية" ما أن تسير بسرعة قريبة من سرعة الضوء، كأنْ تسير بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. في هذه الحال، لن تظل "المسافة" التي تجتازها "ثابتةً"، فهي "تُخْتَصَر" و"تتقلَّص".

لو كانت "المسافة" التي تريد اجتيازها 10 ملايين كيلومتر فإنَّك تجتازها في زمن مقداره (بحسب ساعتكَ) 100 ألف ثانية إذا كانت سرعتكَ 100 كيلومتر في الثانية الواحدة.

وأنتَ كلَّما أسْرَعْتَ أكثر قلَّ مقدار الزمن الذي فيه تجتاز المسافة ذاتها. ولكن، يكفي أن تسير بسرعة قريبة من سرعة الضوء حتى تتحوَّل هذه "القاعدة السليمة" إلى "قاعدة خاطئة".

افْتَرِض أنَّ سرعتكَ قد أصبحت 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فما هو مقدار الزمن الذي فيه تجتاز تلك المسافة؟ عن خطأ، ستُجيب قائلاً: "إنَّه 35.7 ثانية".

وعن صواب، أي إذا ما أجَبْتَ بحسب القوانين الفيزيائية التي اكتشفها آينشتاين، ستُجيب قائلاً: "إنَّه 5 ثوانٍ مثلاً"؛ ذلكَ لأنَّ تلك المسافة (التي توهَّمْتَ أنَّها تظلُّ ثابتة في كل الأحوال) قد اخْتُصِرَت وتقلَّصت، فغدت 1.4 مليون كيلومتر.

وهذا إنَّما يعني، نظرياً، أنَّكَ تستطيع السفر إلى كوكب يبعد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية مثلاً، والعودة منه، في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ، دقيقة واحدة.

لقد زاد عُمْركَ دقيقة واحدة فحسب إذ قُمْتَ بهذه الرحلة الفضائية، بهذه السرعة "شبه الضوئية". وعندما تعود إلى كوكب الأرض تَكْتَشِف أنَّ رحلتكَ تلك قد استغرقت، بحسب الساعة في الأرض، زمناً مقداره يزيد عن 200 مليون سنة.

الجسم (أو الجسيم) إنَّما يشبه، في "حركته"، كُرَة تَنْتَقِل من مَوْضِع (محل) إلى مَوْضِع على سَطْح شيء ما.. على سطح طاولة مثلاً، فـ "الانتقال" لا يُمْكِن أن يكون في "فراغٍ مُطْلَق"، أو في "حَيِّزٍ لا وجود فيه للمادة".

إنَّكَ ترى "الانتقال" على سَطْحٍ مستوٍ من اليابسة، وعلى صفحة الماء، وفي داخل الماء، وفي الهواء، أو الغلاف الجوِّي للأرض؛ وتراه، أيضاً، في "الفضاء"، الذي ينبغي لكَ أن تفهمه على أنَّه "سَطْح"؛ و"السطح الفضائي" ليس بمستوٍ، أو منبسط. إنَّه سطح منحنٍ، يتفاوت انحناؤه (أو تقوُّسه) شِدَّةً من موضع إلى موضع، بحسب كتلة الجسم (النجم مثلاً) الذي يَشْغُل الحيِّز الفضائي. وسَيْرُكَ على سطح الفضاء المنحني في خطِّ مستقيم (على ما ترى أنتَ وتَعْتَقِد) إنَّما يشبه سيركَ في خطِّ مستقيم على خطِّ الاستواء. أنتَ تراه سيراً في خطِّ مستقيم؛ أمَّا الذي يراقبكَ من سطح القمر مثلاً فيراه سيراً في خطٍّ دائري.

ونرى "الانتقال" في غير شكل، فبعضه إلى الأمام، وبعضه إلى الوراء، بعضه إلى اليمين، وبعضه إلى اليسار، بعضه إلى أعلى، وبعضه إلى أسفل، بعضه في خطٍّ مستقيم، وبعضه في خطٍّ مُنْحَنٍ (بعضه دائري أو دوراني). وهذا "الانتقال"، بأشكاله المختلفة، نراه على "سَطْحٍ مستوٍ"، أو على "سَطْح جسم كروي".

ونحن، على سَطْح كوكب الأرض، أي على سَطْح هذا الجسم الكروي، نَعْرِف أشكال "الانتقال" تلك جميعاً. ونَعْرِف، أيضاً، أنَّ السَيْر في خطٍّ مستقيم، أو على "سَطْحٍ مستوٍ"، كَسَيْرِنا في خطٍّ مستقيم على خطِّ الاستواء، هو، شئنا أم أبَيْنا، سَيْرٌ في خطٍّ مُنْحَنٍ، أو دائري؛ لأنَّ الأرض جسم كروي.

و"الفضاء"، على وجه العموم، إنَّما يشبه "سَطْح الكرة الأرضية"، فالسَيْر فيه في خطٍّ مستقيم، على ما ترى أنتَ السائر، إنَّما هو سَيْرٌ في خطٍّ مُنْحَنٍ، أو دائري. والسَيْر في الفضاء إنَّما هو سَيْرٌ في حَيِّز له ثلاثة أبعاد، فأنتَ تسير فيه، أيضاً، صعوداً وهبوطاً، إلى أعلى وإلى أسفل.

إنَّ "الفضاء"، أو "النسيج الفضائي"، أو "السطح الفضائي"، يشبه "مُلاءة مطَّاطيَّة واسعة"، تتموْضَع فيها كُتَلاً لأجسام كروية، كالمجرَّات والنجوم، على أنْ نَفْهَم هذا "التموْضُع" على أنَّه اتِّحادٌ لا انفصام فيه بين تلك "المُلاءة (الفضائية)" والجسم المتموْضِع فيها، فـ "الفضاء" هو جزء لا يتجزأ من "الجسم"، و"الجسم" هو جزء لا يتجزأ من "الفضاء"، فليس من فضاء بلا أجسام وجسيمات، وليس من جسم، أو جسيم، لا ينطوي على فضاء، ولا يحيط به فضاء، في الوقت نفسه. أُنْظُر إلى "الذرَّة" مثلاً، ترى الفضاء في داخلها، وتراه يحيط به من كل جهاتها وجوانبها.

"المادة"، في بعضٍ من معانيها الكونية والكوزمولوجية والفيزيائية، هي "الجسم" في اتِّحاده الذي لا انفصام فيه مع "الفضاء"، فـ "المادة"، في هيئة أو شكل وجودها، بعضها "فضاء"، وبعضها "جسم"، أو "جسيم"؛ و"الجسيمات"، بعضها كـ "الأجسام" له "كتلة"، وبعضها (الفوتون مثلاً) ليس له "كتلة".

وفي "الحجم النسبي"، تَعْدِل "المادة الجسمية والجسيمية" قطرة في بحر "المادة الأخرى"، أي "الفضاء"، الذي هو، وعلى وجه العموم، في تمدُّدٍ مستمرٍ ومتزايدٍ. و"الجاذبية" نراها، فِعْلاً وتأثيراً، في الفضاء كله.. في كل فضاء، مهما عَظُمَ أو صَغُرَ حجماً؛ ولكن تأثيرها يَعْظُم ويشتد حيث تتجمَّع "المادة الجسمية والجسيمية"، كالمادة في داخل النجم مثلاً. ويقلُّ تأثيرها ويَضْعُف حيث تتفرَّق وتتبعثَر تلك المادة، أي في الفضاء بين ما يُمْكِن تسميته "الجُزُر الكونية". و"الجزيرة الكونية" هي "التجمُّع الأكبر" لـ "المادة الجسمية والجسيمية"، وهي التجمُّع الذي فيه نرى تلك المادة كثيفة مكثَّفة. بين تلك "الجُزُر" نرى الفضاء المتمدِّد وكأنَّه منطوٍ على "قوَّة" مضادة في فِعْلٍِها وتأثيرها لـ "الجاذبية الكونية"، التي ضَعْفُها هنا إنَّما يُذَكِّرنا بضعفها في داخل نواة الذرَّة مثلاً، فهذه النواة ليست متَّحِدة متماسكة بفضل "جاذبيتها"، وإنَّما بفضل قوَّة تسمَّى "القوَّة النووية الشديدة".

نظرياً، يُمْكِن أن تنهار "المادة" في نواة الذرَّة على نفسها، فتتحوَّل تلك "النواة" إلى "ثقب أسود". ولكن ما هي "القوَّة" التي يُمْكِن أن تُسَبِّب هذا الانهيار إذا ما كانت "الجاذبية" في داخل نواة الذرة من الضعف بمكان، ولا تَقْدِر، بالتالي، أن تتسبَّب بانهيار كهذا؟!

"الجاذبية" إنَّما تَصْلُح تفسيراً لانهيار المادة على نفسها في داخل نجم ما، فيتحوَّل، بالتالي، إلى "ثقب أسود".

"المادة" قد تتحوَّل، بحسب بعض النظريات والتصوُّرات الكوزمولوجية، إلى ذلك "المتناهي في الصِغَر" المسمَّى Singularity.

في هذا "الجسيم"، تغدو المقادير والكمِّيَّات الفيزيائية جميعا في منتهى الضآلة.. "تتصفَّر"، أي تصبح "صِفْراً". الطول صِفْر، والعرض صِفْر، والارتفاع صِفْر، والحجم صِفْر، والزمان صِفْر، .. إلخ.

"الفضاء الخارجي"، بالنسبة إلى كتلة جسم كروي، كالنجم، إنَّما يشبه "غِلاف (أو غشاء)" يُغَلِّف هذا الجسم الكروي، ويعلوه غلاف، يعلوه غلاف، ..إلخ؛ وكأنَّ كتلة الجسم الكروي تشبه "مَرْكَزاً" لدائرة لها غير محيط. والمحيط الأقرب إلى المَرْكَز هو الخطُّ الأكثر انحناء؛ أمَّا المحيط الأبْعَد عن المَرْكَز فهو الخطُّ الأقل انحناء. إنَّ الفضاء الأقرب إلى النجم عظيم الكتلة هو الأشد انحناء.

إذا سار جسم ما في "الغلاف الفضائي" الأقرب إلى النجم فسوف "يَشْعُر" بأنَّ النجم يشده إليه بقوَّة أعظم؛ ولا بدَّ له، بالتالي، من أنْ يبدي "مقاوَمة" تقيه شرَّ السقوط في "فم" النجم. هذا الجسم ينبغي له السَيْر في خطٍّ دائري حَوْل النجم (في هذا "الغلاف الفضائي" الأقرب إلى النجم). وينبغي له أن يسير بسرعة أعظم، ففي هذه الحال تتولَّد فيه، وتَعْظُم، قوَّة تشده في اتِّجاه معاكِس، فتتوازَن هذه القوَّة وتلك، فيستمر هذا الجسم في الدوران (بسرعته الكبيرة المنتظَمة) حَوْلَ هذا النجم. وبهذا الدوران المُنْتَظَم السرعة يَظْهَر ويتأكَّد تأثير قانون "القصور الذاتي" في هذا الجسم.

والجاذبية يمكن فهمها وتفسيرها على أنَّها "موجات" Gravitational Waves. خُذْ حَجَرَاً، وارمهِ في مياه بِرْكة، فترى موجات تَنْتَشِر من حوله على وجه الماء. "الحَجَر" هو "الجسم الذي له كتلة" كـ "الشمس". و"مياه البِرْكة" هي "الفضاء". و"الموجات" هي ما تُحْدِثُه كتلة الجسم من انحناء في الفضاء. وكل انحناء إنَّما يشبه موجة من تلك الموجات. إنَّنا نرى ما يشبه "الحُفْرَة"، أو "الأخدود"، أو "الوادي"، بين موجة وموجة. نرى ما يشبه "سلسلتين جبليتين متقابلتين بينهما وادٍ أو غَوْر". و"الموجات" تنتشر على سطح "الماء الفضائي" بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

الأجسام والجسيمات في الفضاء تسير (مُكْرَهةً غير مختارة) في تلك "الوديان" أو "الأغوار". إذا جاء أحدها بسرعة فإنَّه يجتاز تلك "السلاسل" و"الوديان"، وصولاً إلى قَلْب أو سطح الشمس مثلاً، وإلاَّ ظلَّ يسير (أو يدور) في وادٍ من تلك الوديان. وعقارب الساعة في ذلك الجسم تسير في بطءٍ أعظم في "الوادي الدائري" الأقرب إلى الشمس؛ أمَّا هو، أي الجسم ذاته، فينبغي له الدوران في سرعة أعظم. إنَّه يظل يسير في هذا "الوادي الدائري" إلى الأبد بفضل "قصوره الذاتي".. إلاَّ إذا خضع لتأثير "قوَّة" تُخْرِجه عن خطِّ سَيْره هذا، فـ "يَصْعَد" ما يشبه "مرتفعاً"، لـ "يهبط"، من ثمَّ، سائراً في "وادٍ آخر"، أقرب إلى الشمس، أو أبعد عنها. وقد نرى هذا الجسم يدور حَوْل الشمس، ثمَّ يسقط فيها.

وكل "غِلاف فضائي" يُغَلِّف النجم إنَّما يشبه "تَمَوُّجاً" من تَمَوُّجات كثيرة حَوْل حَجَرٍ ألْقَيْناه في مياه بِرْكة، فهذا التموُّج له "قِمَّة" وله "حضيض. و"المدار" الذي فيه يدور الجسم حَوْلَ النجم إنَّما يشبه هذا "الأُخْدود" الدائري بين تَمَوُّجين (أو موجتين).

إنَّ ذاك الحَجَر يَنْشُرُ من حَوْلِه في الماء تَمَوُّجات كثيرة، فيَخْتَلِف كل تَموُّج عن سائر التموُّجات لجهة طول نصف قطره؛ وإنَّ كتلة الجسم الكروي (النجم مثلا) تَنْشُرُ من حَوْلِها في بحر الفضاء تموُّجات مشابهة. وكل "أُخْدود" دائري يقع بين تموُّجين (أو موجتين) إنَّما هو "مدار" يدور فيه الجسم حَوْل النجم.

إذا سار جسم في الفضاء في خطٍّ مستقيم حتى أصبح على مقربة من الشمس فإننا نرى خطَّ سيره هذا وقد انحنى، فنقول في تفسير هذا الانحناء إنَّ قوَّة الجاذبية الشمسية هي التي أثَّرت فيه على هذا النحو. هذا التفسير أبطلته نظرية "النسبية العامَّة" لآينشتاين، إذ قالت ليس من شيء يدعى "قوَّة الجاذبية" التي، عن بُعْد، تشد جسماً إلى جسم.

الجسم أو الجسيم الذي يسير في مساره الفضائي إنَّما يتأثَّر، في أثناء سيره، بما يشبه قوَّة سَحْبٍ أو جَرٍّ، تسحبه أو تجره (إذا لم يُبْدِ ما يكفي من المقاومة) من مساره لِتُدْخِله في مسارٍ فضائي آخر أكثر انحناءً.

ويكفي أن يسير في مساره الجديد الأكثر انحناءً حتى يتباطأ سير الزمن فيه، فكلَّما اشتد انحناء المسار الفضائي لجسم ما زاد تباطؤ الزمن في هذا الجسم. أمَّا إذا سقط هذا الجسم في "فم" الشمس، مثلا، فهذا إنَّما يعني أنَّه قد سار في مسار يشبه دائرة صغيرة جدا، فتدوير خطَّ سيره المنحني، أي جعله دائرة، لا يُسْتَكْمَل إلاَّ في داخل كتلة الشمس.

"سَطْح الفضاء" إنَّما هو "سَطْح كروي"، أي يشبه "محيط دائرة". و"محيط الدائرة"، طويلاً كان أم قصيرا، لا بدَّ له من أن يشتمل على "الخطِّ المستقيم" في الجزء الأصغر منه (أي في الجزء الأصغر من محيط الدائرة) فـ "المُطْلَق الخالِص" من "المنحني" و"المستقيم" لا وجود له؛ وكلَّما عَظُمَ انحناء الخطِّ تضاءلت استقامته، وكلَّما عَظُمَت استقامة الخطِّ تضاءل انحناؤه؛ ولكن من غير أن نَبْلُغ "المُطْلَق الخالِص" من الانحناء، أو الاستقامة.

"الجسم"، أو "الجسيم"، الذي له "كتلة" يجب أن يشتمل، في وجوده الواقعي الحقيقي، على مقدار من "الطاقة". وهذا الجسم يجب أن يكون بـ "حجم مُعَيَّن"؛ ومادته يجب أن تكون بـ "كثافة مُعَيَّنة".

تَصَوَّر جسما كرويا له كتلة مُعَيَّنة وقد زاد مخزونه من الطاقة. في هذه الحال، لا بدَّ لِمَا نسمِّيه "جاذبيته" من أن تشتد. وسوف تشتد، أيضاً، إذا ما زادت كتلته، أو إذا ما تقلَّص حجمه (وزادت، بالتالي، كثافة مادته). إنَّ انكماش حجم نجم له كتلة مُعَيَّنة، يُقَلِّص طول نصف قطره، ويزيد كثافة المادة فيه، فنرى الجاذبية عند سطحه تشتد وتَعْظُم، فالفضاء الذي "يُغَلِّفه" ينحني، ويتقوَّس، من حَوْلِه، أكثر.

الضوء (وهو مادة جسيمية ليس من كتلة لها على ما يُقال حتى الآن) يَنْطِلقُ من النجم إلى الفضاء (الخارجي) سائراً دائماً (في هذا الفضاء) بسرعة ثابتة منتظَمة، مقدارها 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، مهما اختلفت سرعة مَصْدَر (النجم مثلاً) هذا الضوء، أو سرعة المَوْضِع الذي منه نقيس سرعة هذا الضوء.

هذا الضوء المُنْطَلِق من النجم لا بدَّ له من أن يسير في مسارٍ فضائي مُنْحَنٍ، أو دائري. نظرياً، وإذا لم يمتَّصه جسم ما في الفضاء، لا بدَّ لهذا الضوء من أن يُقْفِل، في آخر المطاف، الدائرة، أي لا بدَّ له من أن يعود إلى حيث انطلق، أي إلى نقطة الانطلاق. متى يعود؟ ليس من جوابٍ عن هذا السؤال قَبْل أنْ نَعْرِف طول محيط الدائرة الفضائية التي يسير فيها. إذا كانت تلك الدائرة في منتهى الصِغَر فإنَّ هذا الضوء المُنْطَلِق من النجم قد يعود إلى حيث انطلق بَعْد رحلة فضائية استغرقت مقداراً من الزمن في منتهى الضآلة (بَعْد جزء من الثانية من انطلاقه). وهذا إنَّما يعني أنَّ هذا الضوء لم يتمكَّن من مغادرة سطح النجم إلى الفضاء الخارجي، فلا يرى "المراقِب الخارجي" هذا النجم.

لو تقلَّص حجم الشمس كثيراً (مع بقائها محتفظة بالكتلة ذاتها) لتضاءل كثيرا طول محيط الدائرة (الفضائية) التي سيسير فيها الضوء المُنْطَلِق منها. ولو تضاءل أكثر لعاد الضوء إلى حيث انطلق من غير أن يتمكَّن من المضي قُدُماً في رحلته الفضائية، فنرى الشمس وقد أظْلَمَت؛ لأنَّ نورها لَمْ يصل إلى عيوننا.

إنَّ الشمس بكتلتها ذاتها، ومن الوجهة النظرية الصرف، قد يتقلَّص حجمها، ويستمر في التقلُّص، فتتحوَّل، في آخر المطاف، إلى "ثقب أسود"، فإذا انطلق منه ضوء فإنَّه يعود، على الفور، إلى نقطة انطلاقه، مُقْفِلاً الدائرة قبل أن يتمكَّن من مغادرة محيط، أو سطح، "الثقب الأسود".

ولكنَّ الشمس المتحوِّلة إلى "ثقب أسود" لم يختلف تأثير "جاذبيتها" في كوكب الأرض مثلا، فهذا الكوكب ظلَّ يدور حَوْل هذه الشمس، في المدار ذاته، وبالسرعة ذاتها، وكأنَّه لا يتأثَّر إلا بـ "كتلة" الشمس ذاتها، إذا ما زادت، أو نقصت، فتضاؤل "حجم" الشمس، المحتفظة بكتلتها ذاتها، مع ما يُنْتِجُهُ هذا التضاؤل من تقلُّص في طول نصف قطرها، وتَعاظُمٍ في كثافة مادتها، إنَّما يؤثِّر فحسب في "المادة (أو الضوء)" التي تحاوِل الإفلات منها إلى الفضاء الخارجي، وفي كل جسم، أو جسيم، يَدْخُل إليها من "بوَّابتها" التي تسمَّى "أُفْق الحدث"، أو يقترب من هذه "البوَّابة"، دخولاً، أو خروجاً.

"الثقب الأسود" إنَّما يَنْتُج من ضَغْطِ "الكتلة"، فإذا ضُغِطَ "مقدارٌ كافٍ" من "الكتلة" في "حيِّزٍ كافٍ"، أي في حيِّزٍ تضاءل إلى حدٍّ مُعَيَّن، نشأ "ثقب أسود".

في النجم نرى أنَّ "ضغطه الداخلي (الذاتي)" هو القوَّة التي تَدْفَع مادته خارِجاً، فيتمدَّد النجم، أي يزداد حجماً. أمَّا جاذبيته فتشد مادته إلى الداخل، فإذا تغلَّبت على تلك القوَّة (بسبب انطفاء هذا الحريق النجمي، أي بسبب نفاد طاقة النجم) تحوَّل النجم (إذا كانت كتلته في مقدار يسمح له بالتحوُّل) إلى "ثقب أسود". تلك القوَّة تقاوِم في استمرار الجاذبية حتى تَسْتَنْفِد قدرتها على المقاومة. النجم، كشمسنا، ما أن يوشِك أن يستنفد وقوده النووي حتى يتمدَّد (يَعْظُم حجماً) متحوِّلاً إلى ما يسمَّى "العملاق الأحمر".. "طور العملاق الأحمر".

النجم الأعظم كتلةً، هو الأسرع في استنفاده وقوده النووي الذي معظمه من الهيدروجين، وهو، بالتالي، الأقصر عُمْراً. هذا النجم، وفي نهاية حياته القصيرة، ينفجر، مُخَلِّفاً وراءه "جسماً كثيفاً" على هيئة "نجم نيوتروني"، أو "ثقب أسود". وإنَّ بعضاً من كتلة هذا النجم المنفجر (Supernova) قد يُقْذَف بعيداً في الفضاء على هيئة مواد مُرَكَّبة، مُعَقَّدة، غير بسيطة، فيغتني ويتنوَّع تركيب الكون الذي معظمه من غاز الهيدروجين.

هل الشمس "ثقب أسود"؟ كلا، ليست بـ "ثقب أسود". حتى يتحوَّل هذا الجسم الكروي، أي الشمس، إلى "ثقب أسود" لا بدَّ لـ "نصف قطره" من أن يتقلَّص، فيغدو 3 كيلومترات. هذا الطول (3 كيلومترات) لـ "نصف قطر" الشمس هو ما يتناسب مع "كتلتها" عند تحوُّلها، إذا ما تحوَّلت، إلى "ثقب أسود". هل الكون "ثقب أسود"؟ لإجابة هذا السؤال ينبغي لنا معرفة أمرين: "كتلة" الكون، و"نصف قطره". إذا كان طول "نصف قطره" متناسباً مع كتلة "ثقب أسود" تَعْدِل كتلة الكون فلا بدَّ له، عندئذٍ، من أن يكون على هيئة "ثقب أسود". وهنالك من علماء الكون من حسب كتلة الكون، ونصف قطره، فتوصَّل إلى أنَّ كوننا "ثقب أسود" ضخم، وليس من مادة فيه يمكنها الإفلات من قبضته، أي من محيطه المسمَّى "أُفْق الحدث".

الجسم، أو الجسيم، إنَّما يشبه وعاءً، يمتلأ من "المادة"، بهيئتيها: "الكتلة" و"الطاقة". وليس من فَرْقٍ بين أن تزيد فيه "الكتلة"، أو تزيد فيه "الطاقة"، فكلتا الزيادتين تؤثِّر في "غلافه الفضائي" التأثير ذاته.

"الثقب الأسود" هو، أيضاً، "وعاء"؛ ولكنَّه "مطَّاطي"، على سبيل التشبيه، فإذا أنتَ أضَفْتَ إليه "مادة"، على هيئة "كتلة"، أو على هيئة "طاقة"، فإنَّ هذا "الوعاء" يَعْظُم "حجماً"، وإذا أنتَ أخَذْتَ منه بعضاً من مادته فإنَّ هذا "الوعاء" يَصْغُر "حجماً". و حجم "الثقب الأسود" إنَّما يعني، على وجه الخصوص، طول نصف قطره، أي طول المسافة بين "مَرْكَزِه" و"سطحه (أو محيطه)". المهمُّ في أمْر "الثقب الأسود" ليس مقدار ما يشتمل عليه من مادة، وإنَّما "درجة تَرَكُّزِها"، فمادته (كتلته وطاقته) يجب أن تكون في حجم دائرة، تكفي ضآلة نصف قطرها لاحتجاز كل مادة في داخلها.

و"ضآلة نصف القطر" Schwarzschild Radius إنَّما هي "نسبية المعنى"، فـ "الثقب الأسود" عظيم الكتلة له نصف قطر أكبر من نصف قطر "الثقب الأسود" صغير الكتلة. والشمس إذا ما تحوَّلت إلى "ثقب أسود" فإنَّ طول نصف قطره لن يزيد عن 3000 متر. بحسب مقدار المادة في الجسم، يتحدَّد طول نصف قطر "الثقب الأسود" الذي يُمْكِن أن يتحوَّل إليه هذا الجسم، فمقدار المادة في الشمس، مثلاً، يُخْبِرنا أنَّ تحوُّلها إلى "ثقب أسود" يَسْتَلْزِم تركيز مادة "الكرة الشمسية" حتى يبلغ طول نصف قطرها 3000 متر.

"الثقب الأسود" يمكن اعتباره "جسماً أبدياً (تقريباً)". وهو يشبه، لجهة حجمه، "وعاءً مطَّاطياً يمكن مطِّه وتوسيعه إلى ما لا نهاية". في هذا "الوعاء"، الذي لن يمتلأ أبداً، تستقر كل مادة اجتازت سطح "الثقب الأسود" متَّجِهةً إلى عمقه، فيتَّسِع "الوعاء" حجماً، أي أنَّ طول نصف قطر "الثقب الأسود" يزداد، فـ "ينمو" هذا الجسم ("الثقب الأسود"). وهذا لا يتعارض مع "تبخُّرِه"، فهو كماءٍ في قدر تغلي، كلَّما "تبخَّر" جزء منه أُضيف إليه جزء أكبر. وكل مادة تسقط في فم "الثقب الأسود" تصبح في منتهى السخونة. وكل مادة تقترب (في أثناء سقوطها فيه) من سطحه "تستطيل"، أي "تُمَط"، وتزداد طولاً، ونحولاً بالتالي، وكأنَّ فيه قوى للمد، تشدُّ الجسم إلى عمقه، فيستطيل، عموماً، وفي جزئه السفلي على وجه الخصوص. تلك القوى تؤثِّر في ذلك الجسم كما يؤثِّر القمر (أو كما تؤثِّر جاذبية القمر) في مياه المحيطات.

إذا تحوَّلت الشمس إلى "ثقب أسود" فإنَّ كل كوكب من كواكبها يظل يدور حَوْلها في المدار ذاته، وبالسرعة ذاتها. وهذا إنَّما يعني أنَّ "الثقب الأسود" يُمْكِن أن يكون "مَرْكَزاً" لِمَا يشبه "النظام الشمسي"، فإنَّ أجساماً كونية يُمْكِن أن تدور حَوْل "ثقب أسود"، على أن تكون بعيدة بما يكفي عن "محيطه"، أي "أُفْق الحدث"، فكل جسم يقترب إلى حدٍّ مُعَيَّن من محيط، أو سطح، "الثقب الأسود" لا يُمْكِنه أن يتَّخِذ مداراً له حَوْله، ولسوف يَسْقُط، بالتالي، في فم "الثقب الأسود"، أو في عُمْق (Singularity) هذا "البئر الكوني". دوران الأجسام حَوْل "الثقب الأسود" لن يكون إلاَّ في مدارات بعيدة بما يكفي عن محيطه.

إنَّ مقدار المادة (الكتلة والطاقة) في "الثقب الأسود" يُمْكِن أن يزيد، وأنْ يزيد، بالتالي، طول نصف قطره. ومقدار مادته يُمْكِن أنْ ينقص؛ وليس من تفسير مُقْنِع لهذا النقص سوى أنَّ بعضاً من مادته (من كتلته ومن طاقته) يُمْكِن أن يَفْلَت من "قبضة جاذبيته (غير العادية)" في طريقة ما.

وكل "ثقب أسود" في كوننا يُمْكِن النَظَر إليه على أنَّه "كَوْنٌ مُصَغَّر"؛ أمَّا كَوْننا فيُمْكِن النَظَر إليه على أنَّه "ثُقْبٌ أسود مُكَبَّر".

و"الثقب الأسود"، في معنى من أهم معانيه، أو في صفة من أهم صفاته، هو الجسم الذي في مقدوره أن يَحْتَجِزَ مادته (كتلته وطاقته) في داخله احتجازاً شبه مُطْلَق. إنَّه يلتهم كل مادة في جواره، أي على مقربة من محيطه؛ ولكنَّه يَمْنَعُ كل مادة في داخله من مغادرته مَنْعاً ليس مُطْلقاً، وإنَّما شبه مُطْلَق.

وأحسب أنَّ خير تصوُّر كوزمولوجي هو أنْ نتصوَّر كَوْننا على أنَّه "ثقب أسود ضخم"، يشبه في خواصِّه الجوهرية كل "ثقب أسود" في كَوْننا. وهذا التصوُّر إنَّما يعني، بالتالي، أنَّ كَوْننا هو أحد الأكوان، وأنَّه يتفاعل، ويتبادل التأثير، مع غيره من المادة كما يتفاعل، ويتبادل التأثير، كل "ثقب أسود" في كوننا مع غيره من مادة كَوْننا.

ثمَّة من يُعرِّف "الكون" على أنَّه "كل شيء"، مُعْتَبِراً أنَّ الكون واحِدٌ أحَد، فليس من كون ثانٍ، أو آخر. وهذا التصوُّر الكوزمولوجي يَسْتَكْمِلونه بنظرية "النشوء"، فالكون ليس بأزليٍّ، ولا بأبديٍّ بالتالي. ليس بسرمدي. ولقد نشأ بقوَّة يسمُّونها "الانفجار الكبير" Big Bang. ونشوء الكون إنَّما يعني "نشوء كل شيء".. نشوء "الزمان" و"الفضاء"..؛ ونشوء "الجاذبية" Gravity أيضاً؛ لأنَّ "الجاذبية" هي "انحناء الفضاء ـ الزمان"؛ وتأثيرها إنَّما ينتقل من خلال "نسيج الفضاء ـ الزمان".

وهذا إنَّما يعني أنْ ليس من شيء يشتمل عليه الكون (مُذْ نشأ) كان موجوداً "قَبْلَ" نشوء الكون بـ "الانفجار الكبير". وعليه، يُلْزِمُكَ، أصحاب هذا التصوُّر الكوزمولوجي، أنْ تقول مُسْتَنْتِجاً: لقد نشأ الكون من "لا شيء"، أي من "العدم" Nothingness.

"هندسياً"، هُمْ يتصوَّرون الكون على هيئة "سَطْح بالون (يزداد ويتسارع تمدُّداً)". وهذا السطح إنَّما هو "مكان" يتألَّف من ثلاثة أبعاد (طول وعرض وارتفاع). و"الزمان" هو بُعْده الرابع، على أنْ نفهم أبعاده الأربعة على أنَّها متَّحِدة اتِّحاداً لا انفصام فيه، وتؤلِّف "الزمان ـ المكان (الزمكان)" Space – Time. وهذا "السطح" إنَّما هو "الكون كله"؛ هو المجرَّات والنجوم والفضاء والزمان..

ويكفي أن تفهم "الفضاء" على أنَّه جزء من هذا "السطح" فحسب حتى لا يبقى لديكَ من داعٍ منطقي للاعتقاد بوجود "فضاء آخر".. في داخل هذا "البالون"، أو في خارجه. ليس من شيء.. ليس من مادة أو فضاء في داخل، وفي خارج، هذا البالون. إنَّ الفضاء، الذي هو جزء من "سطح البالون"، هو الذي يتمدَّد، فيتمدَّد الكون. وتمدُّد الفضاء ليس بتمدُّد "خالِص مُطْلَق"؛ ذلكَ لأنَّ ثمَّة "مواضِع كونية" تَنْكَمِش فيها "الكُتَل" وتتقلَّص.

الكون كله إنَّما يقع على "سطح البالون"، على أنْ نفهم هذا البالون على أنَّه بالون ليس كمثله بالون، فالبالون الذي نَعْرِف يَتَضَمَّن "فضاء"، ويتمدَّد، إذا ما تمدَّد، ضِمْن "فضاء". وفي تمدُّده ضِمْنَ "فضاء" يَتَّسِع "فضاؤه الداخلي"؛ أمَّا "البالون الكوني" فليس من فضاء في داخله أو في خارجه.

إنَّ كل جسم، أو جسيم، يميل إلى أنْ يحتفظ بمادته في داخله، كما يميل، في الوقت نفسه، إلى أنْ يُطْلقها ويُحرِّرها. وفي ظاهرة "الثقب الأسود"، نرى المَيْل الأوَّل في درجته العليا. وكل جسم، أو جسيم، تميل مادته إلى "التجمُّع" في حيِّزٍ أصغر فأصغر، كما تميل، في الوقت نفسه، إلى "التبعْثُر" في حيِّزٍ أكبر فأكبر.

"الثقب الأسود" يلتهم كل مادة تَدْخُل في "فمه"، أي تجتاز حدَّه الخارجي (أُفق الحدث) متَّجِهةً إلى مَرْكَزِه، فيزداد، كتلةً وحجماً (وزيادة حجمه إنَّما تُتَرْجَم بزيادة نصف قطره). على أنَّ هذا لا يعني أنَّ "الثقب الأسود" يُمْكِنه الاستمرار في احتجاز مادته في داخله إلى الأبد، فهو يَفْقِد طاقة (كتلة) فيتقلَّص حجماً، فيتلاشى تماماً في آخر المطاف (يَتَبَخَّر). وهذا إنَّما يعني أنَّ "الثقب الأسود" لا ينشأ ويُوْجَد إلاَّ في بيئة كونية وفضائية، ينبغي له أن يتفاعل معها بما يؤدِّي إلى تَبَعْثُر وانتشار كل مادته (المُحْتَجَزَة في داخله احتجازا لا مثيل له في قوَّته وشِدَّته) في الفضاء الكوني، متحوَّلةً، بالتالي، ولو بَعْد طول احتجاز، من مادة "ثقب أسود" إلى مادة من نمط، أو أنماط، المادة الكونية التي نَعْرِف.

وهذا "التفاعُل"، أو "تبادل التأثير"، نراه بين "الثقب الأسود" و"الفضاء الفارغ Empty Space"، في جواره، والذي ثَبُتَ وتأكَّد أنَّه ليس بـ "الفارغ"، أي ليس بالفضاء الذي يخلو خُلُوَّاً مُطْلَقاً من المادة.

"الثقب الأسود"، مهما كان نوعه أو حجمه، ليس بالجسم الكروي الذي له نصف قطر "ثابِت"، أي لا يزيد ولا ينقص، لجهة طوله، فهو يستطيل مع كل زيادة في كتلته (وطاقته) وينكمش مع كل "تَبَخُّرٍ" لطاقته (وكتلته). وهذا إنَّما يعني أنَّ هذا الجسم يظلُّ على هيئة "ثقب أسود" مهما طال أو قَصُر نصف قطره، فليس من تطوُّر له سوى أنْ يَتَّسِع (أو يتقلَّص) بوصفه "سجناً" للمادة، أو أنْ يتلاشى نهائياً، ناثراً كل مادته في الفضاء الخارجي.

و"جاذبيته العظمى" إنَّما هي قوَّة متناقضة التأثير، فبفضلها يَحْتَجِز، في داخله، مزيداً من المادة (الكونية) وبفضلها يُطْلِقُ، أيضاً، مزيداً من مادته المُحْتَجَزَة في داخله حتى يتبخَّر تماما. إنَّ "مادة ما" تَسْقُط من "الفضاء الفارغ (في جواره)" في داخله، أي في داخل "الثقب الأسود"، فَيَنْتُج من هذا السقوط انطلاق، أو تَحَرُّر، مقدار من طاقته؛ وهذا الانطلاق، أو التحرُّر، يُمْكِن ويجب فهمه على أنَّه مَظْهَر من مظاهر، أو تأثير من تأثيرات، عمل الجاذبية العظمى التي يملكها "الثقب الأسود".

في الفضاء الذي كُنَّا نَنْظُر إليه من قبل على أنَّه "فضاء فارِغ أو خالٍ" يَظْهَر، في زمن متناهٍ في الضآلة، وتتعطَّل فيه عن العمل، بالتالي، "حاسَّة" قانون "حِفْظ المادة"، زوج من الجسيمات (جسيم وجسيم مضاد). ما أنْ يَظْهرا حتى ينفصل كلاهما عن الآخر؛ وما أنْ ينفصلا حتى يعود كلاهما إلى الاتِّحاد مع الآخر؛ وما أنْ يتَّحِدا حتى يختفيا. وعليه، لا يتمكَّن قانون "حِفْظ المادة" من تسجيل أي "خَرْقٍ" له على شكل زيادة في مقدار مادة الكون. لقد حَدَث "خَرْق"، وحَدَثَت زيادة في طاقة ـ كتلة الكون، ولكن من أن غير أن يحس بذلك قانون "حِفْظ المادة".

أمَّا في الفضاء المجاوِر لـ "الثقب الأسود" فنرى الظاهرة الآتية: ما أنْ ينفصل كلا الجسيمين عن الآخر حتى يَسْقُط أحدهما في عُمْق "الثقب الأسود". وبسبب سقوطه في عُمْق هذا "الجسم" شديد الجاذبية، يتحرَّر منه، أي من "الثقب الأسود"، مقدارٌ من الطاقة، أي من طاقة "الثقب الأسود". هذا المقدار المتحرِّر من الطاقة يذهب إلى الجسيم الآخر، فيتحوَّل إلى "جسيم حقيقي (فعلي)"، أي يبقى على قَيْد الحياة. لقد فَقَدَ "الثقب الأسود"، من خلال ذلك، جزءاً من طاقته (أو من كتلته). لقد تبخَّر جزء منه، أو من مادته. الجسيم الذي سَقَطَ في عُمْقِه وامتصه لا يُضيف إليه شيئاً من الطاقة (أو الكتلة) لأنَّه لا يملك منها شيئاً. "الثقب الأسود" يَخْسَر فحسب. وهو يَخْسَر بسبب جاذبته القوية، فذاك الجسيم الساقِط فيه ما كان له أنْ يتسبَّب بِفَقْد "الثقب الأسود" لمقدار من طاقته لو كان "الثقب الأسود" لا يملك هذه الجاذبية القوية. هذا المفقود من طاقة "الثقب الأسود" انتقل إلى الفضاء الخارجي.. إلى الجسيم الآخر، فتحوَّل بفضله إلى جسيم حقيقي. وعليه، لَمْ يَزِدْ مقدار مادة الكون.

القائلون بوجود، وبوجوب وجود، ظاهرة "الثقب الأسود" يقولون، أيضاً، بجاذبيته التي لا مثيل لها، لجهة قوَّتها وشدَّتها، في الكون. وهذه الجاذبية التي يقولون بها إنَّما هي التي تمارِس تأثيرها في داخل هذا الجسم الكروي المسمَّى "الثقب الأسود"، أي ما بين سطحه ومَرْكَزه، فـ "جاذبيته الخارجية"، أي التي تمارِس تأثيرها في خارج محيطه المسمَّى "أُفْق الحدث"، إنَّما هي جاذبية عادية، تتناسَب قوَّتها وشدتها مع مقدار كتلته.

سرعة الإفلات (أي إفلات مادة من داخل "الثقب الأسود" إلى الفضاء الخارجي) يجب أن تكون أكبر من سرعة الضوء؛ وبحسب نظرية آينشتاين في هذا الصدد ليس من جسم أو جسيم في مقدوره أن يسير بسرعة تتجاوز سرعة الضوء؛ وعليه، يصبح ضرباً من المستحيل أن يتمكَّن أي جسيم من الإفلات من داخل "الثقب الأسود".

ومع ذلك، أسَّس هاوكينغ Hawking لنظرية "تبخُّر" هذا الجسم، أي فَقْدِه كتلته وطاقته؛ ولكن في زمن طويل جدَّاً. وقد شرح ذلك إذ قال إنَّ "مادة" في جوار "الثقب الأسود" يمكن أن تنشأ من "لا شيء"، أي من "العدم"، في "الفراغ (أو الفضاء)"، الذي نظنُّه "فراغاً مُطْلَقاً"، أي لا أثر للمادة فيه. وهذه "المادة" تنشأ في هيئة "جسيم وجسيم مضاد"، كالإلكترون وجسيمه المضاد البوزيترون. وهي تنشأ، ثمَّ تختفي من الوجود، في زمن متناهٍ في الضآلة حتى أنَّ قانون "حفظ المادة" لا يحس بهذه "المادة"، نشوءاً وزوالاً. أحد هذين الجسيمين المتضادين قد يسقط في "الثقب الأسود"، أو قد تُسْقِطه فيه الجاذبية القوية لهذا الجسم؛ ولكن من غير أنْ يضيف شيئاً إلى كتلته. على أنَّ سقوطه هذا يتسبَّب بالظاهرة الآتية: الجسيم الآخر يصبح جسيماً "حقيقياً" له "كتلة"، ويستمر، بالتالي، على قيد الحياة. وفي الوقت نفسه، يَفْقِد "الثقب الأسود" من مادته، أي من كتلته وطاقته، مقداراً يَعْدِل مقدار المادة، أي مقدار الكتلة والطاقة، التي اكتسبها الجسيم الذي ظلَّ في خارج "الثقب الأسود". لقد كان هذا الجسيم يشبه "صورة" لا وزن مادِّيَّاً لها، ثمَّ أصبح جسيماً "حقيقياً". وليس من تفسير لهذه الظاهرة سوى الآتي: إنَّ مقداراً من "مادة ما" قد خَرَج من داخل "الثقب الأسود" ما أن سقط فيه ذلك الجسيم (الصوري أو الشبحي) فاكتسبه الجسيم الآخر. ويمكن أن نتصوَّر تلك "المادة"، التي استطاعت الإفلات من قبضة جاذبية "الثقب الأسود" على أنَّها شكل ما من أشكال "الطاقة"؛ ولكن يبقى السؤال عن كيفية حدوث ذلك إذا ما سلَّمْنا بأنْ ليس من مادة يمكنها أن تتخطَّى في حركتها سرعة الضوء توصُّلاً إلى الإفلات من داخل "الثقب الأسود".

إذا اتَّجَهَ جسم ما نحو "ثقب أسود"، ليس ببعيدٍ عن كوكب الأرض، فكيف نرى هذا المشهد من على سطح الأرض؟ هذا الجسم اقْتَرَب كثيراً من محيط أو سطح هذا "الثقب الأسود"، أي أصبح على مقربة من منطقته المسمَّاة "أُفْق الحدث" Event Horizon. ولقد اجتاز هذا الخط (Event Horizon) متَّجِهاً إلى مَرْكَز "الثقب الأسود". إنَّنا لن هذا الجسم وهو يجتاز هذا الخط. كل ما سنراه هو أنَّ هذا الجسم يقترب في منتهى البطء من محيط "الثقب الأسود". وهذا الاقتراب الذي في منتهى البطء سيَجْعَلنا نعتقد أنَّ هذا الجسم لن يصل أبداً إلى محيط "الثقب الأسود"؛ ولسوف نظل، بالتالي، نرى هذا الجسم إلى الأبد وهو يقترب في بطء شديد من محيط "الثقب الأسود". وهذا الذي نراه ليس من الحقيقة في شيء؛ ذلك لأنَّ هذا الجسم قد أصبح منذ زمن بعيد في قلب "الثقب الأسود". أمَّا سبب هذه الظاهرة فيكمن في أنَّ الضوء المنبعث من ذلك الجسم في أثناء اقترابه كثيرا من محيط "الثقب الأسود" يتأثَّر بالجاذبية القوية جدَّاً هناك، فَيَنْتُج من تأثُّره هذا ما نراه من تأخُّرٍ في نَقْلِهِ لهذا الحَدَث إلينا. إنَّ أجزاء ومقاطع هذا الحَدَث لا تَصِل إلينا (من خلال الضوء المنبعث من ذلك الجسم) إلاَّ في منتهى البطء. وهذا الحَدَث إنَّما يشبه فيلماً تُعْرَض مشاهده ومقاطعه في بطء شديد.

ولو كان هذا الجسم مَرْكَبة فضائية وأنتَ فيها لَمَا رأيْتَ شيئاً غير عادي، ولَرَأيْتَ مركبتكَ تجتاز محيط "الثقب الأسود" وصولاً إلى مَرْكَزِه في زمن مقداره ثوانٍ، أو ثانية واحدة، أو أقل من ثانية، بحسب ساعتكَ، فالزمن بالنسبة إليك لا يتوقَّف، وإنَّما يسير سيراً عادياً. أمَّا لو كان في مقدوركَ أنْ ترى عقارب ساعة في خارج محيط "الثقب الأسود" فسوف تتأكَّد، عندئذٍ، أنَّ عقارب ساعتكَ تدور في منتهى البطء، فعقارب تلك الساعة (الموجودة في خارج محيط "الثقب الأسود") ستبدو لكَ تدور في منتهى السرعة. ويكفي أنْ تجتاز هذا السطح لهذا الجسم الكروي المسمَّى "الثقب الأسود" حتى تُدْرِك أنْ ليس من مكان يُمْكِنُكَ أنْ تذهب إليه بَعْد ذلك سوى عُمْق تلك الحُفْرَة، أي مَرْكَز "الثقب الأسود".

كلَّما اقْتَرَبْتَ من سطح ذلك الجسم الكروي المسمَّى "الثقب الأسود" أرى (أنا الذي أُراقِبُكَ من على سطح الأرض) أنَّ سَيْر عقارب ساعتكَ يزداد بطأً، وكأنَّ الزمن "يتجمَّد" هناك.

هل الكون يَظْهَر في الهيئة ذاتها بالنسبة إلى كل مُراقِب كوني؟ إنَّ الإجابة عن هذا السؤال بـ "نَعَم مُطْلَقَة" تتعارَض مع نظرية "النسبية" لآينشتاين.

أنا بصفتي مُراقِب من على سطح الأرض أنْظُر إلى ذلك النجم البعيد، عظيم الكتلة والجاذبية، أو إلى ذلك الجسم البعيد، عظيم السرعة والتسارع، وإلى الضوء الذي انطلق منه فوَصَل إلى عينيِّ، فأقول إنَّه يَبْعُدَ عن كوكب الأرض 100 مليون سنة ضوئية مثلاً، فهل "المُراقِب الآخر"، أي الذي يراقب الأرض من ذلك النجم، أو من ذلك الجسم، سيقول إنَّ كوكب الأرض يَبْعُدَ عنه 100 مليون سنة ضوئية أيضاً؟!

بالنسبة إلى ذلك المراقب قد يَبْعُد كوكب الأرض عنه 100 ثانية ضوئية، فَسَيْر الزمن عنده أبطأ كثيراً من سَيْر الزمن عندي، و"المسافات (الفضائية)" و"الأطوال" عنده مُخْتَصَرة كثيراً. أنا وهو لا نَتَّفِق في "المقادير الكوزمولوجية" إلاَّ في أحدها وهو مقدار سرعة الضوء، فكلانا يَتَّفِق مع الآخر على أنَّ سرعة الضوء هي دائما، وفي أي مكان، 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، على الرغم من الاختلاف بين "متري" و"متره"، بين "ثانيتي" و"ثانيته".

إنَّ "نسبية المسافة (الفضائية)"، أي اختلافها باختلاف كتلة (وجاذبية) وسرعة الموضع الذي منه تُقاس، لا معنى لها إذا اتَّفَقْتُ أنا وهو على مقدار المسافة (الفضائية) بيني وبينه. "نسبية المسافة" إنَّما تعني أنْ يكون هو متأكِّدا تماما أنَّ موضعي يَبْعُدَ عن موضعه 100 ثانية ضوئية، وأنْ أكون أنا متأكِّدا تماما أنَّ موضعه يَبْعُدَ عن موضعي 100 مليون سنة ضوئية.

"المَشْهَد الكوني"، في جانبه "الكمِّي"، ليس هو ذاته بالنسبة إلى كل مُراقِب كوني؛ ولو كان هو ذاته لَمَا بقي من سبب يدعو إلى القول بـ "نسبية الزمان ـ "المكان".

تَخَيَّل أنَّ مَرْكَبَة فضائية انطلقت من على سطح الأرض متَّجِهةً إلى كوكب يَبْعُدَ عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية، وأنَّها قد تسارعت حتى بلغت سرعتها 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. وتَخَيَّل أنَّها الآن في منتصف المسافة بين الأرض وذلك الكوكب.

بالنسبة إلى المراقب الأرضي فإنَّها الآن تَبْعُد عن ذلك الكوكب 50 مليون سنة ضوئية، فهل يرى "المسافر" الرأي ذاته؟!

بالنسبة إلى هذا المسافر أصبح ذلك الكوكب يَبْعُدَ عن مَرْكَبَتِه 60 ثانية ضوئية مثلاً، فهو رأى، مثلاً، أنَّ الضوء (وسرعته 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة) المُنْبَعِث من ذلك الكوكب قد وَصَلَ إلى مركبته في زمن مقداره 60 ثانية (بحسب ساعته). وعليه، يقول إنَّ ذلك الكوكب أصبح يَبْعُدَ عنه 18 مليون كيلومتر فقط.

"المَشْهَد الكوني" هو ذاته بالنسبة إلى كل المراقبين الكونيين في جانبه "الكيفي"، أو "النوعي"، فأيُّ مُراقِب كوني يرى أنَّ موضعه هو "مَرْكَز" الكون، ومَرْكَزَهُ "الثابت"، وأنَّ كل مَوْضِع كوني آخر (تقريباً) يرتدُّ عنه ويبتعد.

بحسب "كتلة" و"سرعة" الموضع الذي أنتَ فيه، تكون "المقادير" و"الكمِّيَّات" و"القيم"، كـ "الطول" و"الزمن". إنَّها تختلف وتتغيَّر، أي يجب أن تختلف وتتغيَّر، بما يلبِّي "الشرط الكوني ـ الفيزيائي" الآتي: بقاء سرعة الضوء ثابتة لا تتغيَّر، فالضوء يجب أن تظل سرعته 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، مهما كانت سرعة الذي يقيسها، ومهما كانت سرعة مَصْدَر الضوء.

سَفَرُكَ إلى المستقبل لن تراه حقيقة واقعة إلاَّ إذا عُدْتَّ إلى الموضع الذي منه انْطَلَقْتَ في سَفَرِكَ إلى المستقبل. عندئذٍ فحسب تُدْرِك أنَّ شيخوختكَ قد تباطأت.

توأمكَ الذي بقي على الأرض لن يدهش إذا ما رآكَ تصغره سِنَّاً عند عودتكَ. أنتَ فحسب الذي ستدهش.

في أثناء رحلتكَ الفضائية بمرحلتيها (الذهاب والإياب) كان يراك تصغره سِنَّاً. كان يرى الزمن عندكَ يسير أبطأ من الزمن عنده. أمَّا أنتَ فكُنْتَ، في أثناء رحلتكَ الفضائية بمرحلتيها، تراه يصغركَ سِنَّاً. كُنْتَ ترى الزمن عنده يسير أبطأ من الزمن عندكَ.

وفي المثال ذاته مُعَدَّلاً، لو كان توأمكَ، في أثناء رحلتكَ الفضائية، التي استغرقت ذهاباً وإياباً 60 ثانية بحسب ساعتكَ، والتي تقوم بها في مَرْكَبة فضائية تسارعت حتى بلغت سرعتها 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، قد شرع (ما أن انْطَلَقْتَ برحلتكَ) يبتني له منزلاً يستغرق ابتناؤه 100 يوم أرضي، فإنَّكَ، في ذهابكَ وإيابكَ، لن ترى من ابتنائه غير إرساء حَجَر الأساس؛ ولكنَّكَ ما أن تعود إلى الأرض حتى ترى المنزل وقد اكتمل بناءً منذ مئات السنين مثلاً. في أثناء رحلتكَ، لن يصل إلى عينيكَ من ضوء الأرض بما على سطحها من أشياء إلاَّ ما يُريكَ إيَّاها وهي في "ماضيها البعيد"؛ ونقول "ماضيها" نِسْبَةً إلى ما سوف تراهُ من أحوالها عند عودتكَ إليها. وعندئذٍ فحسب تَعْرِف أنَّ الزمن الذي كان يمضي في بطء حقَّاً (في أثناء رحلتكَ) هو زمنكَ أنتَ وليس زمن الأرض.

في أثناء رحلتكَ، كُنْتَ ترى الأرض هي التي تَبْتَعِد، وتتسارَع في ابتعادها، عن مركبتكَ، فترى، بالتالي، أنَّ عقارب الساعة الأرضية هي التي تدور في بطء متزايد.

لِنَتَخَيَّل أنَّ طول مركبتكَ، قبل انطلاقها من على سطح الأرض، كان 600 ألف كيلومتر، وأنَّ عربة كانت في داخلها تسير، إذا سارت، بسرعة 100 ألف كيلومتر في الثانية، فَتَصِل من مقدَّمها إلى مؤخَّرِها في زمن مقداره 6 ثوانٍ.

في أثناء ابتعاد مركبتكَ عن الأرض بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية سيرى توأمكَ أنَّ تلك العربة تَصِل من مقدَّم مركبتكَ إلى مؤخَّرِها في زمن أرضي مقداره، مثلاً، 6 سنوات مع أنَّ طولها، بالنسبة إليه، قد تقلَّص حتى أصبح 300 ألف كيلومتر. أمَّا بالنسبة إليكَ فإنَّ شيئاً لم يختلف. إنَّكَ ترى أنَّ العربة تَصِل من مقدَّم مركبتكَ إلى مؤخَّرِها في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ، 6 ثوانٍ؛ وترى أنَّ طول مركبتكَ، إذا ما قِسْته بالمتر الذي معكَ، قد ظلَّ 600 ألف كيلومتر.

توأمكَ يرى أن الضوء المنطلق من مقدَّم مركبتكَ، مثلاً، قد وصل إلى مؤخَّرِها في زمن أرضي مقداره ثانيةً واحدة، وأنَّ سرعته قد ظلَّت 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة؛ وأنتَ ترى أنَّ هذا الضوء (الذي ظلَّت سرعته 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة) قد وصل إلى مؤخَّر مركبتكَ في زمن مقداره ثانيتين اثنتين بحسب ساعتكَ.

توأمكَ يرى أنَّ مركبتكَ تسير بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية؛ وأنتَ ترى الشيء ذاته. توأمكَ يرى أنَّ وصولكَ إلى الكوكب الذي سافرتَ إليه قد استغرق 321 ثانية، مثلاً؛ ويرى أنَّكَ قد قَطَعْتَ مسافة فضائية تَعْدِل نحو 300 ثانية ضوئية. أمَّا أنتَ فترى أنَّ وصولكَ إلى ذلك الكوكب قد استغرق 30 ثانية بحسب ساعتكَ؛ وترى أنَّكَ قد قَطَعْتَ مسافة فضائية تَعْدِل نحو 28 ثانية ضوئية مثلاً.

في الكون كله ليس من "إطار مرجعي مطلق"، أو "مرجعية مطلقة"، نقيس، استناداً إليه، كل شيء؛ وكل سرعة إنَّما هي "نسبية"، أي أننا نقيسها نسبة إلى شيء آخر، فكوكب الأرض يدور حول محوره، ويتحرَّك، في الوقت نفسه، حول الشمس. وعليه، تتحرَّك أنتَ في الفضاء ولو كنتَ في حال سكون بالنسبة إلى سطح الأرض (الأرضية).

ما معنى أنَّ جسماً ما يسير بسرعة ما؟ معناه هو أنَّ هذا الجسم يبتعد عن جسم آخر، أو يقترب منه، بهذه السرعة التي قِسْناها. ولكن الجسم الذي منه قِسْنا تلك السرعة يجب أن يكون في حالٍ ما من "الحركة"؛ وعليه لا بدَّ لقياسنا تلك السرعة من أن تتأثَّر بهذه الحال من الحركة. إذا كنتُ في موضع يسير في اتِّجاه معاكس للاتِّجاه الذي يسير فيه الجسم A فسوف أرى أنَّ هذا الجسم يبتعد عن موضعي بسرعة 100 متر في الثانية الواحدة مثلا؛ ولكنه قد يكون مقترباً من موضع آخر بسرعة 50 متر في الثانية الواحدة بالنسبة إلى هذا الموضع، ففي أي سرعة يسير هذا الجسم فعلاً؟ إنَّه يسير بسرعة تختلف باختلاف الموضع الذي منه تُقاس. ليس من سرعة مطلقة. السرعة يجب أن تكون نسبية.. إلاَّ "الضوء"، فلو كان هذا الجسم هو "الضوء" لَمَا اختلف كلا "المراقبين" في أنَّ سرعته 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

سرعة الضوء هي وحدها الثابتة دائما بالنسبة إلى كل المراقبين. إنَّها تظل 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، مهما كانت سرعة المراقِب الذي يقيسها، ومهما كانت سرعة المَصْدَر الذي انطلق منه الضوء.

ما معنى هذا؟ الضوء المنطلق من الشمس يصل إلى الأرض في زمن مقداره 8 دقائق أرضية. إذا كنتُ في مركبة فضائية تدور حَوْل كوكب المشتري بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة فلا يُمْكِنني أن أرى ذلك، أي لا يُمْكِنني أن أُشاهِد ضوءاً انطلق من الشمس فوصل إلى الأرض في زمن مقداره 8 دقائق بحسب ساعتي، فإذا كانت الثانية الواحدة عندي تَعْدِل 8 دقائق أرضية فلا بدَّ، عندئذٍ، من أن أرى المسافة بين الشمس والأرض قد اخْتُصِرت وأصبحت 300 ألف كيلومتر، فالزمن إذا تبطأ يجب أن تُخْتَصَر المسافات حتى تظل سرعة الضوء ثابتة. كلَّما تباطأ الزمن انكمشت المسافة، فظلَّت سرعة الضوء على ثباتها. لو تباطأ الزمن عندي وظلَّت المسافة ثابتة لرأيْتُ الآتي: في زمن مقداره ثانية واحدة بحسب ساعتي اجتاز الضوء المنطلق من الشمس إلى الأرض مسافة مقداره 150 مليون كيلومتر، وكأنَّ سرعة الضوء زادت فأصبحت 150 مليون كيلومتر في الثانية الواحدة عندي.

إذا كُنْتَ واقِفاً بين قطارين، فانطلقا في اتِّجاهين متضادين، وكانت سرعة كليهما 60 كيلومتر في الساعة، فكيف تُرى السرعة وتُحْسَب؟ بالنسبة إليكَ، يسير كلاهما بسرعة 60 كيلومتر في الساعة. بالنسبة إلى القطار المتَّجِه شمالاً مثلاً، يسير القطار الآخر المتَّجِه جنوباً بسرعة 120 كيلومتر في الساعة، وكأنَّ "القطار الشمالي" ثابِت في مكانه، و"القطار الجنوبي" هو الذي يتحرَّك. بالنسبة إلى القطار المتَّجِه جنوباً، يسير القطار الآخر المتَّجِه شمالاً بسرعة 120 كيلومتر في الساعة، وكأنَّ "القطار الجنوبي" ثابِت في مكانه، و"القطار الشمالي" هو الذي يتحرَّك.

إنَّ سرعة كل جسم "نسبية"، فهي تُقاس نِسْبَةً إلى جسم آخر (ساكِن أو متحرِّك). إنَّكَ تقيس سرعة جسم ما انطلاقاً من موضعكَ، الذي بما يتناسب مع سرعته يكون "الزمن" و"المتر" عندكَ.

إذا سار كلا القطارين بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة مثلاً فإنَّ المسافِر في "القطار الشمالي" لن يرى شيئاً قد اختلف أو تغيَّر عنده؛ ولكنَّه سيرى أنَّ عقارب الساعة على سطح الأرض وفي داخل "القطار الجنوبي" تدور في بطء، وأنَّ كل شيء على سطح الأرض وفي داخل "القطار الجنوبي" قد تقلَّص طولاً في اتِّجاه حركته. وإنَّ المسافِر في "القطار الجنوبي" لن يرى شيئاً قد اختلف أو تغيَّر عنده؛ ولكنَّه سيرى أنَّ عقارب الساعة على سطح الأرض وفي داخل "القطار الشمالي" تدور في بطء، وأنَّ كل شيء على سطح الأرض وفي داخل "القطار الشمالي" قد تقلَّص طولاً في اتِّجاه حركته.

على أنَّ سَيْر كلا القطارين بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة لا يعني أنَّ المسافر في "القطار الشمالي"، مثلاً، سيتوصَّل عند قياسه لسرعة "القطار الجنوبي" إلى أنَّ هذا القطار يبتعِد عن قطاره (الساكِن بالنسبة إليه) بسرعة مقدارها 560 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، أي بسرعة تفوق كثيراً سرعة الضوء. إنَّ سرعة الابتعاد تلك، ومهما زادت، يجب أنْ تظل دائما دون سرعة الضوء. إنَّها قد تصبح، مثلاً، 295 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. ولو انطلق ضوء من أحد القطارين لَوَصَلَ إلى القطار الآخر؛ لأنَّ سرعة ابتعاد أحدهما عن الآخر ستظل دائما دون سرعة الضوء. وهذا الضوء الذي وَصَلَ إلى أحدهما من الآخر سيؤكِّد للمسافِر الذي وَصَلَ إليه أنَّ المسافة بين القطارين قد اخْتُصِرت كثيراً.

في الكون، ليس من جسم ساكِن، ثابِت في مكانه، إلاَّ بوصفه جزءاً من جسم متحرِّك، فهذا المنزل ساكِن، ثابِت في مكانه؛ ولكن بوصفه جزءاً من جسم متحرِّك هو كوكب الأرض. وفي داخِل هذا المنزل (الساكِن) يُمْكِنكَ أن تمشي، أي أن تتحرَّك، كأنْ تنتقل من موضع إلى موضع في داخله. أنتَ المتحرِّك إنَّما تتحرَّك ضِمْن جسم ساكِن (المنزل) هو جزء من جسم متحرِّك (كوكب الأرض). وأنتَ المتحرِّك إنَّما تتحرَّك على سطح جسم متحرِّك هو كوكب الأرض.

ثمَّة فَرْق بين "سرعة انتقال الجسم (أو الجسيم) في الفضاء" وبين "سرعة تمدُّد الفضاء". الفضاء بين "جزيرتين كونيتين" قد يتمدَّد بسرعة تفوق سرعة الضوء. بسبب تمدُّد الفضاء ذاته (وهو الآن تمدُّدٌ متسارِع) تَظْهَر لنا "الجزيرتان" على أنَّهما "متنافرتان" في "حركتهما". المراقِب في إحداهما يرى، إذا ما استطاع أن يرى، الآتي: "جزيرته" ساكنة، ثابتة في مكانها، لا تتحرَّك في الفضاء؛ أمَّا الأُخْرى فيراها تتحرَّك في الفضاء، مبتعدةً عن "جزيرته"، بسرعة تزيد عن سرعة الضوء. لقد كان "عَرْض" الفضاء بينهما 300 ألف كيلومتر، مثلاً، فأصبح، بعد ثانية واحدة، 700 ألف كيلومتر، أي أنَّ "سرعة" تمدُّده تزيد عن سرعة الضوء، فهي 400 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. إذا تمدَّد الفضاء بين "الجزيرتين الكونيتين" A و B بسرعة تفوق سرعة الضوء فهذا إنَّما يعني أنَّ المراقِب في "الجزيرة" A سيرى، إذا ما رأى، أنَّ "الجزيرة" B تتحرَّك في الفضاء، مُبْتَعِدةً عن "جزيرته"، الساكنة بالنسبة إليه، بسرعة تزيد، قليلاً أو كثيراً، عن سرعة الضوء. وهذا إنَّما يعني استحالة أي اتِّصال بين "جزيرته" و"الجزيرة" B فالضوء المنبعث من "جزيرته" لن يصل أبداً إلى "الجزيرة" B. وهذا إنَّما يعني أنَّ "الجزيرة" B ليست (بالنسبة إليه) بجزء من الكون الذي تنتمي إليه "جزيرته" A. وهذا إنَّما يعني أنَّ "الجزيرتين" قد تصبحان في كَوْنٍ واحد إذا ما تضاءلت "سرعة" تمدُّد الفضاء، فغدت دون سرعة الضوء.

وهنالك من علماء الكون من يرى أنَّ الفضاء قد تمدَّد بُعَيْد "الانفجار الكبير" بسرعة تزيد عن سرعة الضوء. وهذا إنَّما يعني أنَّ "الكَوْن الواحد" قد أصبح "أكواناً" بُعَيْد "الانفجار الكبير". وكان ينبغي لسرعة تمدُّد الفضاء أن تتضاءل، وأن تصبح أقل من سرعة الضوء، حتى تعود تلك "الأكوان" إلى الاتِّحاد في كَوْنٍ واحدٍ، فهل اسْتُوْفي هذا الشرط لإعادة توحيد الأكوان في كون واحد؟!

وهنالك منهم من يرى أيضاً أنَّ ثمَّة أجزاء من كوننا، يتمدَّد الفضاء بينها وبيننا بسرعة تفوق سرعة الضوء، فنراها، إذا ما رأيناها، تتحرَّك في الفضاء مُبْتَعِدةً عن كوكب الأرض بسرعة تفوق سرعة الضوء. وهذا إنَّما يعني، إذا ما صَحَّ، أنَّ تلك الأجزاء ما عادت منتمية إلى الكون الذي ينتمي إليه كوكب الأرض. وتوصُّلاً إلى أن تعود إلى الانتماء إلى كوننا لا بدَّ لسرعة تمدُّد الفضاء بينها وبيننا من أن تتضاءل، فتغدو أقل من سرعة الضوء.

قد نرى ظاهرة مشابهة في حال انتقل جسمان في الفضاء؛ ولكنَّنا لن نرى لها التأثير ذاته. في الفضاء، قد يرى مراقِب في الجسم A أنَّ الجسم B يسير مُبْتَعِداً عنه بسرعة تفوق سرعة الضوء إذا ما سار كلاهما (في الفضاء) في اتِّجاه معاكِس للاتِّجاه الذي يسير فيه الآخر، بسرعة 250 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة مثلاً. في هذه الحال، قد يَظُنُّ المراقِب في الجسم A أنَّ الجسم B يتحرَّك في الفضاء مُبْتَعِداً عن جسمه الساكن بسرعة 500 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة؛ وهذا ظَنٌّ ليس بواقعي، فكلا الجسمين لا يمكنه أن يسير في الفضاء مبتعداً عن الآخر بسرعة تفوق سرعة الضوء. ولو كان الجسم B يسير في الفضاء مبتعداً عن الجسم A بسرعة 500 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة لَمَا تمكَّن المراقِب في الجسم A من أن يرى الجسم B. إنَّ الضوء المنبعث من الجسم B يصل دائماً إلى عينيِّ المراقب في الجسم A. هذا المراقِب يقيس سرعة الضوء المنبعث من الجسم B فيراها 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة (بحسب متره وساعته). ويقيس، بكل ما لديه من وسائل وطرائق للقياس، سرعة الجسم B المبتعِد عنه فيراها دائماً أقل من سرعة الضوء.

مهما تباطأ، أو تأخَّر، الزمن، في جسم (أو مركبة فضائية) يسير، في الفضاء، بسرعة تقلُّ قليلاً عن سرعة الضوء، فإنَّ "المراقِب" فيه لن يتوصَّل أبداً إلى أنَّ سرعة الضوء قد تغيَّرت (قد زادت أو نقصت) أو إلى أنَّ سرعة الجسم قد تجاوزت سرعة الضوء. الثانية الواحدة عنده تشتمل على مقدارٍ أعظم، ومتعاظِم، من الزمن الأرضي، إذا ما اتَّخَذْناه مقياساً زمنياً؛ ومع ذلك نرى أنَّ كل ما كان يَحْدُث في كوكب الأرض في ثانية واحدة يَحْدُث في ذلك الجسم، إذا ما حَدَث، في ثانية واحدة بحسب ساعة ذلك الجسم، الذي يتضاءل حجماً (ويعظم كتلة وجاذبية) من غير أن تنقص، أو تزيد، الحجوم والأبعاد والمسافات النسبية في داخله، فإنَّ A تظل أكبر حجماً من B، وتظل أكبر منها ثلاث مرَّات مثلاً، وتظل تبعد عنها مسافة 10 أمتار مثلاً. كل "تسارعٍ" يضيف مزيداً من البطء إلى عقارب الساعة في ذلك الجسم؛ ولكن المستحيل بعينه أن يسير شيء له كتلة بسرعة الضوء.

والضوء في لونه "الأحمر" إنَّما هو الضوء المنبعث من جسم يسير مُبْتَعِداً عنَّا، أو الضوء الذي انطلق في الفضاء بعيداً عن منطقة شديدة الجاذبية (منطقة مجاورة لـ "ثقب أسود" مثلاً). هذا الضوء، وبسبب صراعه تلك الجاذبية القوية، يَفْقِد "طاقة"، فنراه، بالتالي، "أحمر" اللون. أمَّا في لونه "الأزرق" فهو الضوء المنبعث من جسم يسير مُقْتَرِباً منَّا.

ما معنى أن تصل إلى كوكب يبعد عن الأرض مليون سنة ضوئية في زمن مقداره بحسب ساعتك 60 ثانية فحسب، ومن غير أن تسير بسرعة تتجاوز سرعة الضوء، التي إنْ قستها تراها دائما 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة؟ معناه إنَّما هو "نسبية المسافة"، فهذه المسافة بالنسبة إليك ما عادت مليون سنة ضوئية. إنَّها بالنسبة إليك أقل من ذلك بكثير، وبكثير جداً.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,978,098
- حتى لا ينفجر -لغم أنابوليس- بالفلسطينيين!
- رِفْقاً بحاويات القمامة!
- كيف للسلام أن يَحْضُر في غياب -المفاوض العربي-؟!
- بعضٌ مما سنراه ونسمعه اليوم!
- قرار -قطع الشكِّ باليقين-!
- مجلس نواب يُمثِّل 560 ألف مواطن لا غير!
- يوم تكون -الوعود- كالعهن المنفوش!
- الانتخابات معنى ومبنى!
- هذا الخيار التفاوضي الجديد!
- لا اعتراف بها بوصفها -دولة يهودية-!
- الزهار في حضرة عرفات!
- الكَوْن -المطَّاطي-!
- -الثلاثون من شباط-.. ليس ب -سياسة-!
- -انحناء الزمان المكان-.. بعيداً عن الميثولوجيا!
- إشارات إلى -اختراق كبير-!
- بلفور.. العربي!
- في -الكوزمولوجيا- القرآنية
- حتى ينجو الفلسطينيون من -مؤتمر الخريف-!
- صورتنا كما نراها في -مرآتنا الانتخابية-!
- الحرب إذا ما شنتها تركيا!


المزيد.....




- كيم كارداشيان قد تكون أولى ضحاياه... -إنستغرام- يبدأ في تطبي ...
- رمايات مكثفة للمدفعية والراجمات الصينية في صحراء غوبي
- هواوي تطرح هاتفها الرائد مايت 30 برو.. من دون تطبيقات غوغل
- من دون تطبيقات غوغل.. هل ينجح هاتف هواوي الجديد؟
- تويتر يغلق آلاف الحسابات المؤيدة للسعودية في مصر والإمارات ل ...
- مطهر اليدين يخدع مستخدميه ولا يقتل الفيروسات... الحل في 4 خط ...
- إيقاظ رواد الفضاء ليلا لإنقاذ نتائج التجارب
- اكتشاف -البصمة المناخية- للجفاف على أنهار العالم
- فيسبوك تخطط لوضع كاميراتها بأجهزة التلفاز.. هل تهدد خصوصيتك؟ ...
- فيسبوك تخطط لوضع كاميراتها بأجهزة التلفاز.. هل تهدد خصوصيتك؟ ...


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - جواد البشيتي - بعضٌ من جوانب صورة الكون في مرآة -النسبية-