أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبد الحسين شعبان - هامش على هوامش آرا خاجادور















المزيد.....



هامش على هوامش آرا خاجادور


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 2081 - 2007 / 10 / 27 - 12:12
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في شؤون وشجون الحركة الشيوعية!

قد يأتي هذا التعليق متأخراً، لكنه قد يبدو ضرورياً لإجلاء غموض أو إلتباس أو لتبيان حقيقة أو إيضاح موقف أو لتصحيح واقعة أو رؤية، ولنقل لعرض وجهة نظر أخرى فيما ذهب اليه آرا خاجادور، لمناقشة تقريضي لكتاب شوكت خزندار: "سفر ومحطات – الحزب الشيوعي العراقي- رؤية من الداخل".
وبغض النظر عن المواقف والتقديرات اختلافاً أو اتفاقاً فإن هدفي من هذه المناقشة، هو المساهمة في الجدل الذي ينبغي أن يأخذ قسطه بشأن تاريخ الحزب الشيوعي ومواقفه في الماضي والحاضر، ليس من باب التوقير أو التحقير، أو من باب التأييد أو التنديد، ولكن بالنسبة لي على الأقل من زاوية أخرى وهي البحث عن الحقيقة، وإذا كنت سابقاً " طرفاً " في الصراع أو جزءًا من الحالة الصراعية، فإنني منذ نحو عقدين من الزمان تقريباً، أعتبر نفسي خارج دائرة الصراع الفعلية، أو لنقل من خارج دائرة الانحياز المسبق لهذا الفريق أو ذاك، بقدر تقييمي للمواقف لدى هذا الطرف أو ذاك، أو هذا الرأي أو ذاك، ولعلي في ذلك قد اخترت موقع المراقب أو الناقد أو الباحث دون اصطفاف مسبق مع " الحزب" أو أحد الرفاق من المتصارعين معه، وأعتبر ان مرحلة الصراع التي خضتها في " المنبر" وقبلها بما لها وما عليها قد تجاوزها الزمن.
لقد حاولت أن أضع مسافة واضحة ومحددة بين الحزب والفِرق أو الجماعات أو الاشخاص المتصارعين معه لأسباب موضوعية أو ذاتية، وإن كنت أعتبر الجميع رغم تمايزاتهم الحادة وتناقضاتهم الشديدة في إطار الحركة الشيوعية، خصوصاً الذين ما زالوا يحسبون أنفسهم على ملاكها بالفعل أو بالقول، وإذا كانت مقاربتي من موقع قريب بحكم الزمالة والمعايشة، فإنني أعتبر الموضوع برمّته بحاجة الى إعادة نظر، حيث لم يعد يجمع الفِرق المتناحرة والتي يخوّن بعضها البعض أية مشتركات، فقد أصبحت متنافرة حد التناحر أحياناً، وأن سياقاتها ودروبها مختلفة، بل ومتعاكسة أحياناً، حتى وأن تشبثت بالاسم أو بالتاريخ أو بذيولهما.
أما الماضي بحلوه ومرّه فهو ليس سوى ذكريات وأحداث فيها الكثير من المرارة والأسى في الكثير من الأحيان وفيه القليل من الدروس والعبر، وهو ما عرضته الكثير من المذكرات الشخصية لعزيز الحاج وبهاء الدين نوري وزكي خيري ورحيم عجينة وباقر ابراهيم وأحاديث وحوارات مع عامر عبدالله وحسين سلطان وغضبان السعد وآخرين (وللأسف لم أقرأ مذكرات جاسم الحلوائي وأحمد باني خيلاني وفاتح رسول وقد أرسل لي مؤخراً سالم عبيد النعمان مذكراته لكنني لم أتفرغ لقراءتها بعد).
لعل تأثير الحاجز النفسي والمناكفات والإساءات وبعض المصالح والانتفاعات تعكس الوجه الآخر للصراع خصوصاً التشبث بالماضي، ولهذا كنت أعتقد أن خوض الصراع بالطريقة التي حدث فيها واستمر الى سنوات طويلة ليس سوى مضيعة للوقت، لكونه يعني عدم التمكن من التخلص من ثقل الماضي بما فيه من إيجابيات، ولكن الماضي أصبح ماضياً ولا يمكن استعادته، ولأن البعض لا يستطيع أن يفكّر بالمستقبل، بل ما زال يعيش في الماضي، فهو كمن يقف على الأطلال، ويغرق في بحر التاريخ الذي لا يستطيع الفكاك من عواصفه الهوجاء وأمواجه المتلاطمة ورياحه العاتية، فما بالك وقد سبّب غياب المواقع الكثير من اختلال التوازن!، وبالتالي من عوامل الإحباط واليأس والقنوط، التي يجري التعبير عنها إما بشعارات راديكالية ما فوق ثورية أو استسلامية خنوعية بحجة " الواقعية"!
وكان رأيي المتواضع إنّ على الآخرين الذين يريدون العمل تحت راية الشيوعية، أن يتركوا الحزب الشيوعي بحاله، ويتوجهوا هم لتكوين تنظيمهم المستقل أو تجمعهم الشيوعي، الديمقراطي، البروليتاري، الثوري، الوسطي، القومي...الخ ومن خلاله يبرز التباين في المواقف والتوجهات.
وفي أواسط الثمانينات ناقشنا فكرة حزب اشتراكي أو منبر ديمقراطي أو اشتراكي ديمقراطي، وكنت قد عرضت فكرة اتحاد اليسار العراقي (جبهة اليسار الماركسي خارج الحزب الشيوعي) مع إعطاء الديمقراطية بُعداً أساسياً فيه، أقول ذلك ليس من باب الخطأ والصواب أو بإدعاء الحكمة والحصافة فكل شيء أصبح تاريخاً الآن، بل لأن الاستمرار والإصرار على خوض الصراع بطريقة تخوين الآخرين وانتظار سقطاتهم وأخطائهم لن يجدي نفعاً ولن يفيد الحركة الشيوعية، وهذه القضية تنطبق على القوى السياسية الأخرى، فعندما يصبح التعايش مستحيلاً لا بدّ من التفكير بحلول ومعالجات من منابر مستقلة وفي إطارات عمل جديدة، بدلاً من الحديث عن شرعية القيادة ومواقفها وابتعادها عن الشيوعية أو المبادئ أو غير ذلك.
كان عامر عبدالله من دعاة فكرة تنظيم مستقل، ولكن عندما دعي له قال ان دوره يأتي لاحقاً بعد الإعلان والتشكيل، بل انه يشجّع على ذلك ويستعجل في إعلانه، في حين أن باقر ابراهيم كان رأيه منذ البداية هو البقاء تحت اسم الشيوعية ولم يشجّع إعلان قيام تنظيم مستقل وخصوصاً في الخارج، ومع ذلك ظلّت الفكرة تراوح ولم نستطع أو ربما بعضنا وهو الأعم الأغلب أن يتخلص من ثقل الماضي وأمراض الصراعات المزمنة.
ولعلي أتفق في هذا الصدد مع ما ذهب اليه عادل حبه وجاسم الحلوائي رغم اختلافي مع توجههما السياسي في السابق والحاضر، مع أن الاول ساهم في حملة أو حفلة الفصل الجماعي لعدد من أعضاء القيادة والكوادر، بينما أقيل الثاني باعتباره من جماعة باقر ابراهيم، لكنهما كلاهما ولكل أسبابه رضيا بمصيرهما.
أعتبر الصراع داخل الحزب الشيوعي قد توقّف أو اضمحّل أو لم يعد يعني شيئاً منذ أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات وقد انتصر فيه جناح فخري كريم وعزيز محمد وحميد مجيد موسى، وانهزمت فيه كتلة المنبر وجماعة باقر ابراهيم وقبلها كتلة بهاء الدين نوري وفيما بعد تململات آرا لإعتبارات خاصة وعامة، أما ما تبقّى فهو مجرد تصفية حسابات ومناوشات لا تقدّم ولا تؤخّر وهو ما أصارح به الأصدقاء مثل باقر ابراهيم وعدنان عباس وآرا خاجادور وشوكت خزندار ويعقوب قوجمان وغيرهم ممن ظلّوا يعتقدون أن بالإمكان " تصحيح" مسار الحركة الشيوعية، فقد بقي هناك كيان بإسم الحزب الشيوعي مهما كانت الملاحظات التي عليه ومهما طرأت عليه من تغييرات أبعدته كثيراً عن تاريخه وتراثه، وظلّ هناك من يتذمّر منه أو يلعن المتنفذين فيه لأسباب جوهرية أو شخصية، ولكن هذه ليست ذا تأثير، خصوصاً وقد أصبحت هناك حواجز عالية تفصل الخارجين أو المُقالين عن الحزب عن قيادته وتنظيمه، وحسب وجهة نظري وقد أكون خاطئاً أن موسم الحج قد انتهى، والناس عائدون من الحج فهل سيحجّ الأصدقاء في غير موسم الحج ؟
* * *
حقاً لقد تأخّر هذا التعليق كثيراً والسبب لا يعود الى الإدعاء بأنني كنت منشغلاً بالتحضير للثورة أو مقاومة الاحتلال وتنظيم فصائل التحرير، مثلما يتذرع الكثيرون هذه الأيام، لكنني بحق كنت قد قرأت المادة المرسلة لي ورغبت في التعليق عليها للأسباب أعلاه، لكنني لم أجد الفرصة السانحة لذلك، حتى انتهت العطلة، ولم أجد أنسب من التعليق الطريف الذي أجاب به إنجلز على رسائل ماركس العديدة والمتكررة، خصوصاً وقد كان غارقاً في ما هو شخصي ومرهف طيلة فترة تلقّيه لرسائل ماركس، وحسبه هنا أن يقول: إن الشخصي من الأمور لا يمكن إهماله بحجة القضايا الكبرى.
إبتداءًا أقول أنني لست " قائداً " أو " زعيماً " في الحزب الشيوعي، فالقادة والزعماء قليلون وعلى مرّ تاريخه لا يزيد عددهم عن أصابع اليد بما فيهم من عمل في أعلى المراتب، لقد كانوا مسؤولين أو مسلكيين أو في موقع وظيفي أو اداري أو "نضالي" أوصلتهم اليهم الظروف وبخاصة أوضاع العمل السري وعوامل أخرى، فالقيادة تحتاج الى الحزم وسرعة اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية والشجاعة ومعرفة تاريخ المجتمع وتطوره السكاني والديموغرافي والقومي والديني والمذهبي والعشائري وغيرها وكذلك صفحات الصراع: متى تبدأ الهجوم ومتى تنسحب؟ متى تتراجع ومتى تتقدم؟ متى تقدّم التنازلات ومتى تتشدّد، متى تناور ومتى تتمسّك؟ وهي تحتاج الى علم وفير ومعرفة غزيرة ومبادرات حيوية، ولعل هذه الصفات تغيب عن الكثير من المسؤولين الحزبيين، الذين تولّوا ادارة الحزب لسنوات طويلة، وظلّوا يتشبثون بمواقعهم أو مواقفهم حتى وان سار التاريخ باتجاه آخر.
ويمكنني القول دون التجنّي على أحد كان لدينا مسؤولون حزبيون كثيرون، أما قادة وسياسيون فكانوا قليلين وقليلين جداً، بمعنى من كان يستطيع أن يخوض الصراع في إطار العلم السياسي والمعارف النظرية وقراءة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لأمتنا واستلهام دورها الحضاري، فكانوا محدودين وان وجدوا فكانوا في الغالب " مقموعين"، خصوصاً من لم ينضو منهم تحت جناح أحد!!
وأعرف من تجربتي الشخصية ان الكثير من المسؤولين كانوا مسلّكين وبيروقراطيين، ولم يكن لديهم الحد الادنى من الكفاءة أو المعرفة أو المبادرة، ولم يكن لهم في الكثير من الأحيان رأي، سوى الرأي السائد أو الغالب، وكانوا يحجمون عن قول آرائهم، ولكن حياة المنافي كشفت بما فيها تجربة الانصار فيما بعد، الكثير من العورات والأمراض الناجمة عن ظروف العمل السري وشحّة المعارف، لدرجة أن الكثير من الرفاق البسطاء وهم في أول السلم في العمل الحزبي كانوا يتذمرون لدرجة الاتهام أحياناً ويتندّرون بسخرية مريرة على المسؤولين الذين أثبتوا عدم قدرتهم، بل عجزهم في مواكبة التطور، وانكشف الى حدود غير قليلة ضعف وهزال وهشاشة التكوين للكثير منهم.
الكثير من الذين عُزلوا بمن فيهم الذين ساهموا بعزل الآخرين وإيصال الأمور الى ما وصلت اليه لم يكشفوا لنا بأنفسهم ما حصل ولماذا وأين دورهم ومسؤولياتهم وكيف ساهموا حتى ولو من باب " الاجتهاد" في الاجهاز على ما تبقى من الحزب الذي أجهز عليه النظام السابق ودفعه في هذه المسالك والدروب الضيقة والموحشة!؟ لقد أصبح القسم الأكبر منهم إما ناقماً أو حتى عدائياً أو مثل " مطلّقات الإمام الحسن" (أي رضي بحاله واحتفظ بمجده العتيق)، وشخصياً لم أصادف حالة واحدة للاقتراب من قول الحقيقة سوى اعتذارات الدكتور كاظم حبيب الشخصية والعامة، فقد انتقد نفسه علناً في مناسبات غير قليلة وحمّل نفسه مسؤولية في رسم السياسة العامة وفرض النهج المتشدد في حينها وفي العقوبات ضد الرفاق، بل وفي الإساءة الشخصية أحياناً، وإعتذر لأكثر من صديق إزاء ما حصل، وقد وجدت فيه شجاعة وصراحة غابت عن كثيرين.
ولذلك عندما حدثني عن رفضه منصب السكرتير العام الذي سبق أن عُرض عليه، زاد من ثقتي بصدقية نقده الذاتي ومراجعته لنفسه، وان كنت لا أخفي اختلافي معه فيما يطرح من آراء ووجهات نظر في السابق والحاضر في أيام الجبهة العتيدة وما بعدها وكذلك ما بعد الاحتلال ، لكن الاختلاف لا يفسد في الود قضية، كما هي اختلافاتنا مع العديد من الاصدقاء والزملاء.
الكثيرون ممن كانوا في مراتب المسؤولية يحجمون عن الافصاح عن آرائهم مثل الكثيرين ممن كانوا يتطلعون لعضوية اللجنة المركزية فيخفون حقيقة آرائهم، وكانت معظم القرارات الاساسية لا تطبخ الاّ في حلقات ضيقة وخارج اطار التنظيم في الغالب، بل أن أهم وأخطر الامور كانت غائبة عن معرفة الكثير من المسؤولين بحجة ظروف العمل السري، وإنْ كان الامر له جوانب موضوعية، لكنه إستغلَّ الى أبعد الحدود للهيمنة على الجهاز الحزبي وتسييره وفقاً لاتجاهات الصراع الداخلي، ولعل أكثر ما كان يخرق ما يسمى الضبط الحزبي هم المسؤولون، في حين يفرضون سوطه على الآخرين، ولعل الرفيق آرا يعرف ذلك.
ليس من باب الادعاء أو التبجح إن قلت أن رأيي كان باستمرار مُعلناً ولكنه ليس بالضرورة صائباً، وكنت وما زلت أجتهد، أخطأ وأصيب، وأصحح وأراجع نفسي، ولا أريد حتى فصلي عن أخطائي أو نسيانها أو تناسيها، انها جزء مني وأنا أعتزّ بها لأنها اجتهادات نابعة من قناعات، لم تزكّيها الحياة أو أثبتت عدم صوابها، سواءًا في الكثير من الجزئيات أو في بعض التقديرات، ولذلك بكل ثقة أعلنها وأتراجع عنها، فالمرء أحياناً حتى في أخطائه يمكن أن يكون صميمياً، ويستطيع أن يقدم نقداً ذاتياً لنفسه ويصحح مساره ويغيّر موقفه اذا اكتشف عدم صواب تقديراته أو آرائه.
أما الذين يتحدثون عن أن الحياة زكّت صواب سياستهم وصحة منهجهم وممارساتهم رغم أننا وصلنا الى ما نحن عليه فهم ليسوا سوى مكابرين يجانبون الحقيقة ويتعاملون باستخفاف مع وعي البشر.
ولعل نيتشة أصاب كبد الحقيقة عندما قال: حتى الافاعي تنزع جلودها، وعلينا أن نغيّر آراءنا ووجهات نظرنا لأن الحياة تتغير، فالانسان يكتسب باستمرار معارف جديدة ومعلومات حديثة وحقائق كانت غير معروفة، ويراجع نفسه، والعيب كل العيب هو في التمسك بالرأي حتى وان كان خاطئاً، والذين لا يغيّرون وجهات نظرهم رغم الحقائق الجديدة والمعلومات الحديثة، فهم إما متحجرون ومتكسّلون أو يعاكسون التطور أو يتشبثون بالموقف مأخوذين "بالعزة في الإثم"، وكان شيخنا الماركسي الأول انجلز يدعو لتغيير الاستراتيجيات والسياسيات كلّما حصل اكتشاف في العلوم العسكرية، فما بالك بثورة الاتصالات والمعلومات وتكنولوجيا الاعلام!؟
أعرف الكثير من المسؤولين الحزبيين ممن يسمّون أنفسهم " قيادات" للحزب الشيوعي، لم تكن لهم علاقة بالشيوعية، ويمكن أن يكونوا حزبيين "جيدين" بمواصفات إدارية بيروقراطية مركزية أوامرية، أما أن يكونوا شيوعيين، فالأمر مختلف بالكامل، فالشيوعية تعني: الحداثة والمدنية والحرية والعدل وازالة الفوارق والمساواة والتقدم الاجتماعي والقضاء على استغلال الانسان للانسان وتحقيق مجتمع الرفاه والوفرة وقيم الحق والجمال، ولكن الكثيرين ممن تولّوا مهمات الادارة في الحزب، لم يكونوا يولوا مثل هذه الامور أي اهتمام، إنْ لم يكونوا في تعارض معها في سلوكهم وعلاقاتهم وفي منظومة العناصر المكوّنة لثقافاتهم ومعارفهم.
صحيح أن شعور الانسان بالظلم والرغبة في تحقيق العدل تدفعه للانخراط في بوتقة النضال، لكن دور القيادة أو الادارة شيء آخر، ومسؤوليات القيادي والمسؤول شيء مختلف عن مسؤوليات العضو العادي، وأحياناً وبدلاً من تأهيل وتطوير الأعضاء بما يتناسب مع تعاليم الماركسية الغنيّة والقابلة للتجديد، فإن القيادات وغالباً ما تكون غير واثقة بنفسها تبحث عن بطانات وأتباع وسكونية واستكانة، تشيع فيهم منظومة أفكارها وقيمها وسلوكها الذي ينتقل الى مفاصل من الإدارة الحزبية.
لنلاحظ كيف انتقلت فيه ثقافة البيشمركة " الأنصار" ومفاهيمهم الى الادارة الحزبية وأصبحت ثقافة الجبل والشروال سائدة مقابل الثقافة الشيوعية الحداثية، وكيف انتقلت بعض قيم الريف الى الحزب خصوصاً في ظلّ إدارات متريّفة، في حين أن الثقافة الشيوعية حداثية مدنية متطورة.
وأراني مضطراً للعودة الى الموضوع فحيث ما عملت وفي أي مكان كنت كانت لدّي وجهات نظر لم أكن أخفيها، بل كنت أقولها علناً ومواجهة، ولعل ذلك إحدى مشكلاتي وإنْ اعتبرها البعض من الايجابيات، لكن التجربة جعلتني أشعر بأن للرأي ثمنا باهظا وأحياناً يضعك بكل ما تملك من رصيد عرضة للتشكيك أو الاساءة أو الدخول في معارك غير متكافئة!
ولعل البعض وخصوصاً ممن يريدون الاختفاء وراء الآخر يعتبرون الافصاح عن الرأي سلبية في قرارة أنفسهم وأعرف أن وجهات نظري كانت تثير عليّ سخطاً شديداً، فإمّا لأن البعض يرى فيها معارضة له أو لأنه لا يريدها أن تُقال أمام المسؤول وفي الاجتماع أو لأنه كان شديد الحساسية إزاء الرأي الآخر، أو لأنه أحرج نفسه والآخرين ولهذا السبب لا يريد تخطئة المسؤول أو " القيادة"، أو لأنه يجد فيها ما يتمنّى أن يقوله هو ولا يجرؤ عليه لاعتبارات كثيرة، هكذا كان الرأي مثار نقمة وتنديد وحسد واتهام أحياناً.
ورغم كل علاقتي الحميمة والودية بالحزب، وفي الوقت نفسه القلقة والمضطربة والمتناقضة أحياناً، فأنا إبنه وأنا المتمرد عليه وأنا من تربيته منذ الطفولة، لكنني الخارج عليه، وحتى عندما أكون معه، أغنّي في الكثير من الاحيان خارج السرب، وفي الكثير من المرّات وجدت نفسي خارجه فعلياً، ولم أكن أطيق الكثير من مناهجه وسياساته والأكثر من ذلك إدارته البيروقراطية، كنت معه ولكنني خاصمته طويلاً، وإنْ كنت شديد النقد له، أيام كان السكوت أو المداهنة من ذهب، لكنني لم ولا أسمح لنفسي أن أنتقل الى مواقع العداء أو التخوين له.
أعرف بعض " القيادات" المرحة التي لم تحرّكها الهزائز والمآساة وموت الأطفال ومعاناة 27 مليون والتطهير العرقي والمذهبي وأوضاع الثقافة والمثقفين ولا أريد أن أقول الاحتلال، فهو المسؤول الأساسي والأول عن كل شيء حدث للعراق، فتنابزوا في " نخوة" عصبية للرد على مسؤول حزبي سابق كان البعض منهم يتملّق له، بل يفتخر لأنه يعتبر نفسه أو يعتبره البعض من حاشيته، في حين أن من يعتزّون بصداقته لم يكونوا في يوم من الايام مع الاتجاه السياسي الذي يمثله، لكنهم قد يجدون فيه قيمة أخلاقية ونضالية شريفة، حتى في خلافاتهم معه.
وكذلك الحال حصل مع عامر عبدالله ومهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق، فقد كانت الملاكات والادارات الحزبية، تصطّف، لتطلب موعداً معهم أيام الجبهة الوطنية في العراق، ولكن بعد تبدّل الحال شنّ عليهم جهاز فخري كريم حملة شعواء في الثمانينات مع تشكيكات واتهامات، تلك الحملة التي سكت عنها الكثيرون بل ساهموا فيها بحماسة منقطعة النظير، بغض النظر عن المواقف السياسية لاحقاً، لكن الغريب حين يلتقي " الحزب" وادارته لاحقاً مع مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق على قاعدة الاحتلال، وتحت رايته ويتناسى الخلافات والاتهامات السابقة، وكأن الجميع أصيبوا بفقدان الذاكرة أو حالة من فقدان الهوية.
وبالمقابل فهناك مفارقة من الوجهة الأخرى أيضاً حين يتم السكوت عن ارتكابات النظام السابق بل والتخفيف منها عند الاضطرار للحديث عنها، في حين تصَوّب السهام وأنواع التهم ضد إدارة الحزب، التي تنعت بأشد النعوت.
لعل هذا هو الوجه غير العقلاني للصراعات الحزبية، التي لا تخلو من اسقاط الرغبات والارادوية على الواقع ومحاولة تسقيط الطرف الآخر والأمر نفسه ينطبق على الادارة الحزبية إزاء المعترضين على مناهجها وسياساتها، فقد حاولت تشويه سمعتهم أو حتى تاريخهم للتقليل من شأنهم.
لعل الفشل والعزلة وقاد مسؤولين كثيرين للتفتيش في الدفاتر القديمة فقد ظلّوا صامتين واعتادوا على الصمت حتى وكأنه صمت القبور وإذا نطقوا فلأنهم لتبرير ما هو قائم، هم مع الجبهة حتى "الكشر"، ومع الكفاح المسلح حتى "النخاع"، ومع استمرار الحصار بخجل أو دون خجل، ومع الاحتلال ببراءة أو دونها، وفي كل ذلك منقادون، أتباع، ومحنّطون. ولعل الكثير منّا يعرف مثل هذه النماذج الحزبية التي ظلّت تراهن على " رضا" الادارة الحزبية، حتى وان تم التنكيل بها، أو من احتجّ عليها ودفعه إبعاده عن مواقعه الى آخر الشوط، فهو يريد أن يقول " إذا لم ألعب فإنني أخرّب الملعب"، وذهب النقد أبعد من حدوده في الكثير من الأحيان، خصوصاً عندما رافقه ظلم أو عزل أو اتهام.
عادة العمل السري
تحدث الرفيق أو الاستاذ أو الصديق آرا خاجادور " ابو طارق"، وكما يريد أن يكنّى عن مواقف عبر معلومات كانت تصله من بهرز وأم قصر والخمسة ميل والزوية والدولاب وهناره وكاني ماسي وعن فصائل تشكّلت لمقاومة العدوان، وأرجو أن لا يبرر ذلك بظروف النضال والعمل السري، التي لا يمكنها كشف تلك المواقع وفي تلك الظروف ما قبل الحرب والاحتلال، يقول آرا: بأن هناك "عناصر ثورية شكلت فصائل للمقاومة سراً" ولم يقل لنا من هي هذه العناصر ومن هي هذه الفصائل، وأنا هنا لا أريد أن أقلل من قيمة أو شأن الادعاء ولكن معرفة ظروف العراق آنذاك ، تجعلنا نتوقف عند مثل هذه الادعاءات، التي قد يعتبرها البعض جزء من ظروف الحرب النفسية في أوضاع العمل السري وخصوصاً لمناكفة إدارة الحزب، ففي العام 1984 أعلنت إذاعة " صوت الشعب العراقي" من كردستان بياناً باسم الحزب عن تظاهرة خاطفة لمدة 5 دقائق (رفعت شعارات تسقط الدكتاتورية تسقط الحرب) واتضح أن الأمر لا أساس له من الصحة، إذْ كانت تجري تصليحات في شارع الرشيد (منطقة السنك) ولا يمكن التجمع فيها ولا مرور للسيارات أيضاً في تلك الفترة! وهو الأمر الذي كتبه أحد المناضلين الى قيادة الحزب آنذاك وهو من الذين ارسلوا لقيادة " الداخل" (للتخلص منهم كما اتضح ذلك) وعاد بعدها الى كردستان، لكنه إتهم بأقسى الاتهامات ظلماً وزوراً وبهتاناً، ثم عُزل وأُبعد، لكنه ظلّ متمسكاً بالشيوعية كما يقول مثله مثل الرفيق ثابت حبيب العاني (أبو حسّان) الذي جرت حملة محمومة من الاساءات اليه من المجموعة نفسها، وعلى نحو لا أخلاقي ولا انساني.
يمكن الإتفاق مع آرا على حقيقة موضوعية بمعلومات أو بدونها، تلك التي تقول: ما أن يقع الشعب تحت الاحتلال فإنه سيجد وسائله لمقاومة هذا الاحتلال، وهذا أمر طبيعي، ليس بحاجة الى معلومات، لكن نقدي أو تعليقي يدخل من باب أن التربية الحزبية القديمة، التي تريدنا أن نقول ان العمل السري على اطلاع ومعرفة، ان لم يكن هناك من يدعي مسؤوليته لاحقاً في التخطيط والتوجيه وربما القيادة، حتى وإن كان بلا تنظيم، وأرى في ذلك مناكفة لادارة الحزب ليس إلاّ!! وبإمكان المرء أن يجمع مثل هذه النتف ليجعل منها خطاباً!
لقد ذهبت الى العراق عدّة مرات بعد الاحتلال وإلتقيت بمجاميع كثيرة من أصدقائنا القدامى، من هم ضد الاحتلال قلباً وقالباً ومن هم بين بين ومن هم مع الخط الشيوعي الرسمي، أو معه بتحفظ أو بانتظار، ومن هم جزعون وناقمون، ولم أتلمّس أية معلومة أو رأي أو خيط لما ذهب اليه الرفيق أو الصديق آرا، لكن التربية الحزبية قد تفرض نوعاً من الوجاهة في تلقي المعلومات، فالمسؤول هو الذي لديه المعلومات، إن لم تكن الحقيقة كاملة ويقطّرها بالقطارة أحياناً، هو الحزب، وهو الذي يعرف ويقرر ويحكم، سواءًا كان في قرية نائية أو على منصة المسؤولية في اللجنة المركزية أو في المهاجر البعيدة التي تعوي فيها الريح ويطول فيها الزمهرير، ولا أقول هذه المسألة من باب التشكيك فأنا شخصياً أكنّ للرفيق آرا التقدير والاحترام، وان كنت لا أخفيه اختلافي مع موافقه في السابق والحاضر.
كم كان بودي لو أن بعض الرفاق الذين أعلنوا مواقف واضحة ضد الاحتلال أن يزوروا العراق وبخاصة في الفترة الاولى وقد اقترحت على باقر ابراهيم ذلك وعلى عدنان عباس وصاحب الحكيم وآخرين، فعلى الأقل لكي يكوّنوا رأياً قريباً من الواقع، ناهيكم رغبتي في قطع أو وقف الغربة القسرية!
ويطرح آرا برنامجه العملي القاضي بمقاومة الاحتلال وعدم التفاوض معه الآّ على نقطة واحدة وهي ترتيب انسحابه مندحراً ولا تفاوض مع عملاء الاحتلال ...الخ وبامكان المرء ان يصدر عشرات الاحكام الاخلاقية ولكن من يريد أن يقدّم نفسه سياسياً فما هي القوة التي يملكها لفرض ذلك على المحتل ومن يمثل بالتالي وأي جيش يقود؟ لعلّي ألحظ آرا وهو يتناول أوضاع الحاضر فإنه يتحدث عن عام 1965، عن خط حسين أو العمل الحاسم أو غيرها، وعلينا أن لا ننسى مواقعنا، فأمس شيء واليوم شيء آخر، نحن لا نستطيع ان نحرّك جندياً حالياً، في حين كنّا نستطيع أن نحرّك سريّة وربما فوجاً، أما " جماهيرنا" على حد تعبير الجواهري فقد أصبحت في مكان آخر، بل أن جيلاً جديداً نشأ وهو يكاد لا يعرف عنّا شيئاً، إن الصورة الاعلامية المشوّهة التي بثها النظام السابق طيلة ربع قرن هي التي كانت سائدة.
وحول تقريضي لكتاب خزندار، يقول آرا: رد ضمني وربما غامض وقاسي في بعض الجوانب ومتضامن ومساند في أخرى، واقول هذه هي طبيعة النقد والتقريض، وقد كتبت ذلك استناداً الى معرفتي ومتابعاتي وتجربتي وبالتالي انطلاقاً من رؤيتي وليس من انحيازاتي المسبقة، فأنا لست مع الثنوية التي تحدد الابيض والاسود وتكتفي بذلك، فلعل فيها اختزالا للظاهرة المعقّدة، خصوصاً إذا ما جرى إصدار الاحكام بسهولة وفقاً لتلك القاعدة، بل إنني مع الظاهرة المركّبة، المعقّّدة، هنا مع وهناك ضد، وهنا موقف وهناك موقف ولكن دون إضاعة البوصلة.
كنت ألتقي آرا خلال زياراتي ونتبادل أطراف الحديث والنقاش بروح موّدة بعيداً عن الماضي واحتقاناته، وخصوصاً مع الصديق أبو خالد في موعد وفي بيته وفي زياراته لي في الاوتيل أحياناً، وبالمناسبة فقد ظلّت علاقاتي مع الاصدقاء ودّية، وكنت وما أزال أسعى لإدامة هذه الصلات بما فيها ما هو مشترك، رغم التباعد واختلاف السبل والمسارات!
يمكنني القول بعد هذا المدخل أن رد آرا كان عمومياً وأحياناً تتداخل فيه بعض الفقرات فيتيه القارئ بين ما نقدته وما ورد على لسان الغير مثل خزندار، وإذا كانت اسئلة الصديق جمعة اللامي مهمة وحيوية، فقد شاطرته القاعدة التي بدأ التساؤل منها!
بودّي أن أقول: لا ينبغي للباحث بالضرورة ان يكون مشاركاً بالحدث أو مقرراً فيه أو شاهداً عليه، وحتى إنْ كان شاهداً فإن شهادته هي واحدة من شهادات، قد يدخل فيها، الذاتي وعامل النسيان، ومراعاة الظروف وتبدّل المواقف، وهناك روايات اخرى للحدث. وهكذا فالتاريخ لا يكتب لمن يعيشه حسب، بل لمن يجمعه ويدقق في رواياته ويقارن ويستنتج ويستنبط ويستمع الى شهادات أخرى ليصل في النهاية الى ما يعتقده أقرب الى الواقع.
وإذا كان الإحباط والألم لما احتوته معظم المذكرات من تبجيل للذات، وفي الغالب على حساب الموضوعية وحركة الاحداث نفسها، لكنني أعتقد أن الكتابة ضرورة ملّحة وحاجة ماسة لتقديم شهادات أخرى للتاريخ وللاحداث والمواقف، فالأمر الطبيعي حين يكتب المعني شهاداته فهو يستذكر ما مرّ به وما عاشه وما أثرّ فيه وما سمعه وهكذا بحيث يكون هو محور المذكرات في رواية التاريخ.
جهاز أمن الحزب
إن ما جاء على لسان آرا بخصوص جهاز أمن الحزب فهو غير مقنع، وكان في إطار العموميات والدفاعات، فأين فاعلية الجهاز التي يتحدث عنها وما الذي فعله وما هي انجازاته؟ وكيف كان يتم اختيار وتنسيب أعضائه؟ فقد قرأنا في مطالعة آرا أنه في المرة الثانية تم اختياره بقرار من المكتب السياسي، فهل كانت المرة الأولى بقرار شخصي من الأمين العام!؟ أو من جهة أخرى!؟ أو بعلمها!؟ حتى وإن تغلّف ذلك بالسرّية!؟
لعل آرا يعود ليؤكد حقيقة هي أن الجهاز سبّب حالة فقدان التوازن وتحوّل الى جهاز من أجهزة تقوم على الولاءات المتخلفة والرعناء، وأعتقد أن هذا كان سمته الحقيقية ولم يقم بأي عمل جدي منذ البداية.
KGB
أما عن العلاقة " بالأشقاء " فالمبادئ التي يتحدث عنها آرا وكأنه في عالم مثالي لا علاقة له بالواقع، وهذه المبادئ ظلّت على الرّف، وكان تجنيد العملاء قائم على قدم وساق! وقد ذكرت بعض الأمثلة التي أعرفها رداً على مداخلة باقر ابرهيم.
وبودي أن اقول ان المخابرات السوفيتية KGB كانت تصنع السياسيين وليس العكس فلنتوقف عند إقصاء نيكيتا خروشوف الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي السوفيتي، كيف جرى وكيف أخرج وما هو دور الـ KGB.
كان خروشوف وقتها في منتجع سوجي يقضي فترة للراحة عندما طلب منه المكتب السياسي الحضور الى موسكو للاجتماع باللجنة المركزية، لكنه أبلغ الرسول الذي جاءه وأحضر الطائرة لنقله الى الاجتماع: انني لم أدع الى اجتماع اللجنة المركزية، وعندما قيل له أن اجتماعاً ينعقد بعد ساعات وهم بانتظارك، قال سأسوّد وجوههم، لكنه عندما حضر الى قاعة الاجتماعات وجلس على كرسي (الأمين العام) لآخر مرّة وراقب المشهد بدقة وحذر وبفراسة الفلاح المتحفّز، فوجد استقالته مكتوبة وموضوعة أمامه، فإلتفت يمنةً ويسرةً، ثم وقّّع عليها وخرج ليقضي أياماً قاسية في العزلة، وتولّى بدلاً عنه بريجنيف وبعده شييرننكو وبعده اندروبوف، حتى جاء غورباتشوف، وكل هذه القيادات اختارها الـ KGB، إن لم يكن بعضهم أعضاء بارزين في الجهاز وحتى اليوم فان بوتين هو من الجهاز الأمني أيضا.
أتذكر ذلك مع حادثة طريفة يوم دعانا فؤاد بلاّط (مدير الاذاعة والتلفزيون السوري) الأسبق ومدير اتحاد الاذاعات العربية لاحقاً ووكيل وزير الاعلام، مع عامر عبدالله على " تشريب بامية " وكان بلاّط ينادي عبدالله " بـ عمي" لصلة قرابة بين دير الزور وعانه.. سألنا بلاط مع من علاقتكم في الشام، قلنا مع القيادة القومية وقيادة قطر العراق، وكان معروفاً حينها علاقة فخري كريم بعلي دوبا، فاستفسر وما السبب في عدم إقامة علاقة مع علي دوبا، وبردٍّ واحد قلنا له اننا نفضل العلاقة السياسية على العلاقة الأمنية، لكنه عاد وبضحكة ذكية وعلّق: هل تعتبرون جماعتكم " السوفييت" الذين يجلسون في الكرملين وصلوا اليه باستحقاقهم أم كان بواسطة الـ KGB!؟ وأراه كان محقّاً، في حين كانت بقايا مثاليتنا مهيمنة على سلوكنا وتصرفاتنا، ولكن السياسة شيء آخر!!
وبالمناسبة فقد كان خروشوف أول مجدد في الحركة الشيوعية السوفيتية ( من موقع السلطة)، لكن محاولته للتجديد ظلّت فوقية واصطدم بجهاز فاسد ولم يستطع ان يحقق برنامجه، حتى غرق هو في البيروقراطية واستسلم لها، ولهذا لا ينبغي التعامل مع محاولته بتلك الخفة التي تجري أحياناً، بما فيها تقريره "السري" الى اللجنة المركزية في المؤتمر العشرين 1956 حول " عبادة الفرد"، الذي أدان فيه سياسة ستالين، ولا أدري لماذا ظلّ سرّياً لسنوات عن الشيوعيين في حين انه تم نشره في الغرب وكنّا نشكك أو لا نريد أن نعترف بصحة ما ورد فيه انطلاقاً من ايمانية وقدسية وتمجيد لأبي البروليتاريا العالمي!!
ويذهب آرا الى أن من القواعد الثابتة في الحزب الشيوعي السوفيتي قاعدة تحرّم تجنيد العملاء للاجهزة السوفيتية من أعضاء الأحزاب الشيوعية، ولكن أين هذه القاعدة ومتى تم الاحتكام اليها وهل هناك أمثلة أو شواهد أو وثائق، في حين أن عشرات الأمثلة التي نعرفها شخصياً هي بالضد من هذه القاعدة المزعومة!؟ وبالمناسبة إذا كانت الـ KGB هي التي تحكم فمن يفرض عليها مثل تلك القاعدة؟ والتجربة تبيّن عكس ذلك وقد أوردت الكثير من الأمثلة عند تعقيبي على تعقيب باقر ابراهيم.
نعم إن تبادل وجهات النظر أمر مقبول ومفهوم، لكن العلاقات لم تكن متكافئة ومصلحة الدولة العظمى كانت فوق كل اعتبار، وكان هناك من يتطوّع قبل أن يجنّد لتقديم المعلومات الى الأشقاء، إما عن قناعة أو رغبة في الحصول على الامتيازات سواءًا من الدولة السوفياتية أو داخل حزبه.
فخري كريم
وحول فخري كريم فإن آرا يقول عن مسؤولياته في جهاز أمن الحزب " كان فخري أكثر من عادي، عندما كان الحزب على أرض الوطن في بغداد وفي فترة ما في أوائل الستينات كان موضع اتهام تم وضعه في عداد المشبوهين حزبياً! ولكن إذا كان ذلك صحيحاً فكيف تم ترشيحه للّجنة المركزية وكان متحكماً في شؤون الجريدة وممثل الحزب في نقابة الصحفيين وفي فترة في قيادة اتحاد الشبيبة الديمقراطي. واذا تم السكوت عن ذلك مداهنة لإرضاء السكرتير فالأمر يحمل مسؤوليات لأعضاء المكتب السياسي بشكل خاص وإدارة الحزب بشكل عام.
يقول آرا أن لدى فخري كريم عقدة نقص في التعامل مع الحزبيين وبصفة خاصة المثقفين منهم.. لعل هذا " الغرام والانتقام" هي حالة سائدة في الجهاز الحزبي أي القرب والبعد عن المسؤولية، وأتفق مع آرا أن هناك نوعاً من الازدواجية، خصوصاً ازدراء المثقفين ومحاولة اذلالهم وتطويعهم، بل وتوظيفهم بأعمال وسخة، ومن جهة أخرى احتوائهم ومحاولة نشر أعمالهم، باعتباره الممثل الوحيد عنهم، وعن "الثقافة العراقية" بفرعها الكردي وبالتوجه الأمريكي فيما بعد، ومن المفارقة أنه رغم سخطهم ونقمتهم عليه بل اتهامهم له بشتى الاتهامات والنعوت، وإنساب أعمال قذرة له، فهم يتملّقون ويتذللون له، وأحياناً يعملون لديه أقرب الى أعمال السخرة والخدمة الرخيصة، ولعلها هي الازدواجية التي تحدث عنها د.علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الكبير!
أعرف مثقفاً صعدت أموره صاروخياً بفضل الاحتلال وتحت عباءته " والله يرحم أيام الفلافل" كان قد ندّد أمام نحو 70 مثقفاً ً بفخري كريم ونعته بأشد النعوت، ولا أريد هنا التعرض لما هو شخصي، بل لما هو ثقافي وسياسي، لعل أقلّها أنه لا علاقة له بالثقافة وأنه أمّي ويسرق جهد الآخرين واضطّر أحد الحاضرين من القوميين الى الرد عليه بالقول: إذاً لماذا تقبلون أن يكون رمزكم الثقافي والاعلامي رغم تواضع مساهماته، لكن هذا المثقف الصنديد عاد وعمل معه وتحت إسمه الى أن أصبح الاستاذ " إسطه ونص"، وترى آخرين ينقدون كل شيء وعندما يصل الأمر الى فخري كريم يبلعون ألسنتهم، ويبرر لي البعض تفادياً لانتقاماته ولعلاقاته مع الأجهزة وتحريضاته وعزله للآخرين، فعلى الاقل بطاقة طائرة وفنادق ومهرجان ...الخ قال لي أحدهم لا بدّ من استرضائه والاّ سنكون في سلّة المهملات، قلت له لا داعي لذكره بالطريقة السيئة التي تنقلها، وأنا شخصياً رغم مواقفي المعروفة منذ نحو ربع قرن، أعتبر أعظم " إنجازاته" قائمة الكتب المطبوعة عن دار المدى وتلك وحدها كفيلة بأن تسجّل له، أما عن تخريباته الحزبية ومواقفه فالامر شيء آخر، وكل شيء في أوانه، واصبح الأمر ماضياً!
لا أتفق مع آرا حول التقليل من دور أو شأن فخري كريم، فقد كان أحد أركان الحلف الثلاثي الذي حضّر للمؤتمر الرابع مع عزيز محمد وآرا خاجادور، وكانت بداية اعلان هذا التحالف هي المقدمة التي كتبها لكتاب آرا حول العمل النقابي التي اثارت استغراب الكثيرين، ولعلها كانت اعلانا عن تحالف حزبي ضد الآخرين وارضاءًا لطموح فخري كريم الذي لا علاقة له بالنقابات او دورها أو بالعمل الفكري، فكيف يكتب مقدمة لقائد نقابي وهو مجرد اداري في الصحافة حتى وإن امتلك مؤسسات الدنيا!!؟
ورغم عدم حصول فخري كريم على الاصوات المطلوبة مع عادل حبّه في المؤتمر الرابع، وهما من مجموعات الاقصاء للآخرين، أضيف اسمه الى اللجنة المركزية ثم أصبح بعد فترة عضواً في م.س وبحضور آرا، وكاد الانقلاب أن يمرّ ضد عزيز محمد، لولا حسبما ينقل آرا تدخلاته ودوره، لكن فخري كريم ترك طموحه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ولم يعد يهمّه شيئاً، خصوصاً بتنفيذ مخططاته بإقصاء الآخرين وتصفية نصف الحزب تقريباً.
كيف يمكن الحديث عن هامشيته وهو من أصدر مجلة النهج التي هي مجلة الاحزاب الشيوعية حيث انضوى تحت لوائها قادة الاحزاب الشقيقة، وكذلك كان المتنفذ في الثقافة الكردية-وحامل خزنة الملك، والأمر لا يتحمله آرا بقدر مسؤولية عزيز محمد زكي خيري وكريم مرّوة وآخرين ممن كان رأيهم سلبياً به لكنهم عملوا تحت اسمه.
ومن باب المعلومات فبعد الخروج من بغداد أصبح فخري كريم مسؤولاًً عن الاعلام: الجريدة والمجلة (بيروت) وجزء كبير من العلاقات (بيروت بشكل خاص) مع المقاومة والاحزاب الشيوعية، ومسؤول لجنة الزمالات وعن خط الكفاح المسلح مع كريم أحمد وبشكل خاص موضوع السلاح، ومسؤول المالية، أليست هذه مهمات حيوية وخطيرة، ثم أصبح مسؤولاً عن العلاقات مع الأجهزة السورية، وحتى بعد ابتعاده عن المكتب السياسي فإن علاقاته مع الأجهزة ظلّت هي النافذة وظلّ الحزب يلتجئ اليه لتسهيل مهماته.
عامر عبدالله والجواهري
وبخصوص عامر عبدالله والجواهري فإنني أميل الى رواية آرا خاجادور، إضافة الى ذلك لم يُعرف عن عامر عبدالله أية ميول من شأنها توحي بما ذهب اليه شوكت خزندار، اللهم الاّ إذا افترضنا استقراء عامر للظروف الموضوعية والذاتية التي تتطلب التعامل بحصافة وبُعد نظر إزاء هذه القضية بالنسبة للمنصب الأول أو للشخصيات (الواجهة) ولشخصية اشكالية مثل الجواهري، ناهيكم عن تاريخ مثير خصوصاً بالارتباط مع ساطع الحصري وصراعه مع عبد المهدي المنتفجي، ونتذكّر هنا مسألتين طريفتين، الأولى هي عبارة عن طرفة بين الجواهري وعامر فعندما قيل في فترة الحرب العراقية- الايرانية، بأن هناك البحث جارٍ عن شخصية مقبولة توحّد العراقيين، كان اسم الجواهري يتردّد وكان عامر غالباً ما يتمازح معه، وحصل الأمر أمام مسعود البرزاني مرّة، ومرّة أخرى أمام جلال الطالباني وفي بيت الجواهري حين طرح عامر الموضوع، قائلا بأن الجواهري وهو ما يؤيده الأكراد لو أصبح رئيساً للجمهورية فإن شرطنا كحزب شيوعي أن اكون أنا – أي عامر- مديراً لمكتبه لكي أتحكّم بأجندته بمن يستقبل ولا يستقبل وأي قرار يصدر أو لا يصدر، وهنا كان الجواهري يشتاط غضباً ويردد – حسبالكم رح تشوفوهه هيهات- الى آخره.
أما الحادثة الثانية، فكنت استعرض مع عامر عبدالله ما تم تكليفي به إعداد وثيقة حول الأزمة في الحزب الشيوعي بعد أن زوّدني برسائله ورسائل باقر ابراهيم الى السوفيات ووثائق أخرى وكتبت ذلك وسلّمته الوثيقة اليه والى باقر ابراهيم قبل سفري الى بلغاريا، ومنها الى سلوفاكيا للقاء مهدي الحافظ الذي سيأتي من فيينا ومن هناك اتصلنا بنوري عبد الرزاق لأخذ رأيه بشأن موضوع عقد اجتماع وقد يتمخض عنه إعلان تشكيل، وكنت قد سألت عامر عبدالله: من تعتقد أنه مناسب أن يكون الشخص الأول في هذه المجموعة، أنت أم باقر؟ وأجابني مباشرة وحتى دون فترة تردد أو تأمّل، باقر ابراهيم، فقلت له لماذا، قال: علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار التوازنات الجديدة في الساحة السياسية، خصوصاً الموضوع الطائفي، إضافة الى معرفته بالتنظيم وغير ذلك، وقال : إننا لا نريد أن ننتقل من أمين عام كردي في حين أن أغلبية الشيوعيين هم من العرب وبشكل خاص من مناطق الفرات الأوسط والجنوب، الى إشكال آخر ولم يكن ذلك استغراق في المسألة الطائفية أو المذهبية فعامر مترفع عليها، ولكنه قد يكون قراءة للحساسيات التي خلفتها الظروف المحيطة والتي اعترف فيها المؤتمر الرابع نفسه، وهو ما يورده آرا خاجادور.
أسوق هذه الحادثة من باب قدرة عامر عبدالله وذكائه في قراءة المستقبل، خصوصاً وانه من القلائل الذين امتازوا بسعة الاطلاع وعمق المعرفة وامتلاك ناصية العلم والقدرة على التحليل، إضافة الى الشجاعة التي كان يمتاز بها على الكثير من أقرانه.
لقد كان عامر عبدالله من المجتهدين القلائل في الحزب، بل لعلّه أبرزهم، ولذلك انصبّت عليه اللعنات والاتهامات وتعرّض ما تعرّض اليه من الجهاز الحزبي قبل أن يتعرض اليه من الخصوم والأعداء، لأنه كان معتّداً بنفسه ويدافع عن رأيه ووجهة نظره وغير هيّاب لقول الرأي ومقاربة الحقيقة وليس بالضرورة أن يكون رأيه صائباً، لكنه كان صميمياً حتى في أخطائه، الاّ إذا استثنينا موقفه من تأييده لاستمرار الحصار الدولي على العراق وتعويله وتبريره للعامل الدولي للقضاء على نظام صدام وهو ما روّج له، واستمراره في عضوية المؤتمر الوطني حتى بعد انسحاب الحزب الشيوعي، بل لآخر يوم في حياته، وهو ما دعا زكي خيري الذي اتخذ موقفاً مضاداً الى نقد مثل هذه المواقف.
قد تكون تلك قناعات جديدة توفّرت لدى عامر عبدالله، أدّت به الى تغيير بعض منطلقاته وأطروحاته، وهو ما كان قد عرضه في كتاب نقدي حول التجربة الاشتراكية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وقبل وفاته بحوالي سنتين، ورغم اهمية الكتاب الا انه لم يلق الاهتمام المطلوب ربما لأنه كان خارج سياق أطروحات عامر عبدالله التي اعتدنا عليها طيلة اربعة عقود من الزمان، ويؤسفني أن أقول أن عامر عبدالله كان سياسياً لامعاً ومتميزاً بكل معنى الكلمة ولو كان قد انصرف للادب لكان أبلى بلاءًا حسناً، لكن انغماره في العمل السياسي جعل منه مفكّراً بارزاً وهو ما جلب له المشاكل والاتهامات.
كان عامر عبدالله سياسياً ناجحاً استطاع الحصول على ثقة السياسيين بما فيهم خصومه وأتذكر أنني عندما عرّفته في مطلع الثمانينات على باقر ياسين (القيادي البعثي السابق) قال انه يمنحك الثقة، وكانت علاقاته مع الأوساط الفلسطينية والشيوعية السورية واللبنانية والمصرية والعربية عموماً عميقة ومتواصلة، لكنه لم يكن حزبياً ناجحاً بنظر الادارة الحزبية وأجواء الصراع المحمومة، وقد تعرّض الى عمليات تنكيل وإذلال وإساءات تاريخية، لكن أبشعها ما حصل له في الثمانينات وخصوصاً عندما تم تنحيته من عضوية اللجنة المركزية، والضغط عليه مادياً وهي مسألة لم يكن يستطيع أن يتحملها بوزنه وعمره ومكانته.
فهد والمقدس
يتحدث الرفيق آرا عن فهد بطريقة أقرب الى القدسية مثلما يتحدث الشيعة عن الأئمة الإثني عشرية المعصومين، فهم مع صلح الامام الحسن وهم مع ثورة الحسين في الوقت نفسه، وإذا كان فهد قائداً شيوعياً متميزاً بحق، لم يعرف الحزب بعده الاّ قلّة من القادة المتميزين لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة، الاّ أنه لم يكن بلا أخطاء، وأخطاء المرء الصميمية هي جزء لصيق بالبشر، لعل الجواهري كان مصيباً عندما قال بحق عبد الناصر وهو قائد فذ وزعيم أُمّة :
أكبرت يومك أن يكون رثاءا الخالـــدون عهدتهم أحياء
لا يعصم المجد الرجال وإنما كان الزعيم المجد والأخطاء

وعندما سألت الجواهري لو لم تقل هذه القصيدة بحق عبد الناصر فبحق من تريد أن تقولها ؟ قال : كنت أتمنى أن تقال هذه القصيدة بحقي.
عندما علّقت على كتاب خزندار الذي صور تاريخ الحزب الشيوعي وكأنه ركام من الأخطاء والخطايا والمثالب والعيوب والنواقص والثغرات طيلة أكثر من خمسين عاماً، قلت ومع ذلك فخزندار يريد العودة الى تراث فهد، وعلقتُ أن فهد هو الآخر تعرّض الى انتقادات، خصوصاً بسبب علاقاته بالمثقفين وإزاء النهج المتشدد كسّمة لتلك الأيام وقد سببت بردود فعل وانشقاقات وعلاقات غير حميمة بين الرفاق أحياناً وهو ما يمكن انتقاده وهذه وجهة نظر، فليس ثمة بشر مقدسون حتى وإن دفع فهد بشجاعة حياته، وأقول أن ذلك أقرب الى استحضار الشيعة لسيرة الأئمة المعصومين (الاثني عشر) حسب قناعته، وصولاً الى المهدي المنتظر" الحجة القائم" صاحب الزمان، وكأن التاريخ قد انقطع وكأن الزمن قد توقف، وهناك أطروحات اسلامية كثيرة تعتبر فترة الخلافة الراشدية هي الاساس في الاسلام، أما تاريخ 1400 سنة فهذه كلّها ترهات بما فيها الحضارة الاموية الراقية التي أسست الدولة وسكّت النقود وركبت البحر ومن بعدها الحضارة العباسية التي كانت رائدة في ميدان العلوم والاداب والفنون والترجمة وازدهر فيها نظام الري والزراعة والصناعة، والصناعة الحربية والتجارة.
اننا عندما نتحدث عن فهد كقائد خالد وزعيم ثوري فإنما نتحدث عنه كبشر وليس قديساً!
المؤتمر الرابع
وبخصوص المؤتمر الرابع يقول آرا: انه انعقد في ظروف غير مناسبة وأجواء حزبية تشهد تناحراً، وإن تناسب القوى مختلّة (أي قومياً)، واستغلّت العناصر التدميرية الثقة بالحزب وسرية العمل الحزبي ونجحت في توظيف هاتين النقطتين ضد اتجاه الحياة نفسها... حيث منح سكرتير الحزب صلاحية الاحتفاظ لنفسه بتعيين عشرة أعضاء في اللجنة المركزية ويقول أنه وقف ضد الفكرة، لأنها تتعارض مع العمل السري ثم يقول أما وعي الخديعة فقد تفاوت ادراكه من رفيق الى آخر، فمنهم من ارتاب في الحال، ومنهم من بعد حين، ومنهم ما زال يدقق.
ان اختزال المؤتمر الرابع بوصف عام يمكن لأي مراقب حتى وإن لم يكن في يوم من الأيام عضواً في الحزب أن يعرفه، فالحزب كان مقموعاً في الداخل ومشرّدا في الخارج والمؤتمر ينعقد في هذه الظروف، وهناك تناحر وصراعات، بل ومحاضر وتسريبات وصلت الى صحيفة السياسة الكويتية، حتى وإن الأجهزة الأمنية نشرت بعضها بكتب وكراريس، أبهذه المسألة يتم اختزال المؤتمر الرابع، ليقل لنا الرفيق آرا، من هي الجهة التي خططت ونفذت ومن هي أدواتها ولماذا تم تنحية وفصل العديد من الرفاق، ولماذا صدرت حملات الفصل الجماعي، ومن هم أصحاب الأكتاف الرخوة، ومن أصدر قرارات المقاطعة الاجتماعية وهل يتجرأ شخص واحد ليقول أنه وراءها؟ ولماذا يتبرأ الجميع عنها، وكيف تم فصل 39 عضواً في اليمن، وكيف طلبت المنظمة من السلطات الأمنية في اليمن لإخراجهم وحصل الأمر في الدول الاشتراكية وفي الجزائر وفي سوريا بوسائل وأساليب مختلفة. كان ذلك نهجاً اقصائياً إلغائياً للرأي الآخر.
ثم لماذا كانت الممالئة في الحرب العراقية الايرانية، وإجبار الكادر الذهاب الى كردستان، أما الحديث عن البيان المحبوس وكأنه سيفتح باب الجنّة فهناك الكثير من البيانات التي صدرت قبل وبعد هذا البيان الذي لم ير النور، وتحدثت بوضوح وصراحة عن خطة إعادة الاعمار وحلّ القضية الكردية وإعادة المهجرين وإقرار التعددية والحريات لكنها لم تلقَ آذاناً صاغية، خصوصاً كان قد تكرس حكم عبادة الفرد ونحيّ حكم حزب البعث جانباً لحساب الأجهزة الأمنية التي استحوذت على الدولة والمجتمع والحزب وحتى في سنوات الحصار ورغم كل الكوارث التي حصلت بسبب غزو الكويت لم يستمع الحكم الى أي نصيحة أو رأي بل جمع الجميع في خانة العداء أو العملاء أو الحاقدين والموتورين.
أعتقد أن أكبر كارثة حلّت بالحزب الشيوعي بعد ضربه في أواخر السبعينات هي المؤتمر الرابع، بل إنه الضربة الأكبر، إذ يكاد يكون الرأي الآخر داخل الحزب قد انتهى أو روّض أو دجّن أو شعر باليأس والقنوط واللا جدوى، وعندما تردد اسم الصديق حميد برتو ضمن العشرة المبشرّين بالجنة علّقت في حينها لا أظن ذلك وسالني ماجد عبد الرضا لماذا تعتقد ذلك؟ قلت لأنه " غير مضمون" وقال ماذا يعني ذلك، قلت له لأن لديه رأي أو سيكون له رأي في المستقبل وسيصطدم مع التوجهات المتنفذة في الادارة إن آجلاً أم عاجلاً، ولعل هذا يشكل خطراً مستقبلياً، حتى وإن كان رأيه متوافقاً مع الادارة المتنفّذة آنذاك، الاّ أنه سيكون خصماً لاحقاً، وهو ما حصل لحسن لو لسوء الحظ لا أدري، لكن ذلك لا يعني أن بعض أصحاب الرأي لم يتمكنوا من الوصول الى ادارة الحزب في ظروف أخرى، فمنذ ثلاثة عقود ونيف من الزمان تم تدجين الكثير منهم، أو نُحييوا أو أسكتوا أو أن ضربات "العدو" لاحقتهم، لست هنا أريد استعراض قبل وخلال وبعد المؤتمر الرابع فليس مهمتي ذلك.
أما الحديث عن وحدة الحزب بالاتصال ببعض الرفاق فليست سوى محاولة لإبعاد بعض الرفاق من الانخراط في الصراع العلني، ولعل وصف عبد الرزاق الصافي "بستالين كربلاء" لم يكن موفقاً فكلنا أبناء هذا الوطن من تكريت أو النجف أو الموصل أو البصرة أو السليمانية أو الحلة، ويمكن أن يقال لنا بليخانوف أو تروتسكي أو بوخارين أو درجنسكي أو غير ذلك، لقد أعقب المؤتمر الرابع وحتى قبله محاربة رفاق بأرزاقهم ومصادر عيشهم وعلاج أبنائهم ودراستهم ووثائق سفرهم ووثائقهم الشخصية وتزكياتهم أمام الجهات المعنية، كل ذلك جرى ضمن خطة منهجية توّجها المؤتمر الرابع في إطار عملية إرهاب جماعي، ولا يستطيع أحد أن يقول أنه لا يعرف ذلك أو غير مطّلع عليه، خصوصاً إذا كان في إدارة الحزب، فعلى أي شيء يطّلع، خصوصاً وأن أعداد الضحايا بالمئات، فهل يستطيع أن يدّعي أحد أنه يعرف خطط الخصم في الداخل أو خطط العدو وأجهزة مخابراته الدولية بالجهاز المذكور أو بغيره، إذا كان لا يعرف ما يجري في بلدان المنافي والمهاجر وفي كردستان.
لقد تحدث كثيرون عن عمليات تعذيب بل قتل تحت التعذيب والرفاق ما زال قسم منهم أحياء يرزقون، في رسالة للرفيق أمين (أحمد الناصري) وهو بطل من الابطال تعرض لتعذيب وحشي داخل العراق، قال لي في بيتي أواسط الثمانينات إن تعذيب الرفاق أشد قسوة من تعذيب الجلادين والحالة ليست نادرة أو فريدة وهو ليس مجهولاً، إنه كادر قيادي ومعروف وموزون وما زال شيوعياً رغم أن بعض جلاديه ركبوا الموجة الاخرى تلك التي تعكسها سياسة الحزب الراهنة وموقفها من الاحتلال، وقد نشرت صحيفة " المنبر" في حينها صورة للشهيد معتصم الذي استشهد تحت التعذيب من قبل رفاقه الشيوعيين، والذي يعرفه الرفيق باقر ابراهيم، كما أن ما جرى لسامي حركات كان على كل لسان، يكفي أن أقول أن الذين استبسلوا في بشتاشان، وأتحدث عن المواقع التي أعرفها جيداً، كانوا قد طردوا من الحزب أو تخلّوا عنه، أما " الجبناء" والذين ارادوا الاستسلام فقد صعد نجمهم وأعرف في منظمة الاعلام المركزي الذي كنت سكريترها أن ثمة أبطال أستطيع أن أنحني لهم في مقدمتهم صارم (حميّد) من السماوة وأبو سهيل (عزيز) وصباح المندلاوي (أبو النوّر) وكاظم الموسوي (أبو بشير) وأبو الصوف (صفاء العتّابي) وأبو دجلة وأبو محمد وأبو جواد وأبو علي بصرة، غير الشهداء وهؤلاء يكاد يكونون بمعظمهم وآخرين خارج الحزب، في حين الذين أدينوا بالجبن بالاجماع وجدوا ضالتهم في جهاز فخري كريم، ليس هذا من باب الاساءة الى أحد ولكن من باب قول الحقيقة لجيلنا وللأجيال القادمة، وخصوصاً وأنني كما قلت الآن خارج دائرة الصراع، ولو قدّر لي أن لا أدخلها لما دخلتها، ولكنني لست بنادم ولكن في الأمر ثمة تفكّر ومراجعة ونقد ذاتي.

الاتفاقات السرية
وحول الاتفاقات السرّية فقد أشرت ليس الامر من باب التشكيك وإنما أصبح الأمر تحصيل حاصل عشية ابرام الجبهة وهو جزء مهم لضمان حركة القيادة وتسهيلاً لاداء مهمتها وهو ما حاورت به الرفيق عامر عبدالله ولا أرى ضيراً في ذلك، ففي كل الاتفاقات تكون "القيادة" وبشكل خاص الجهة المفاوضة في منأى عن الملاحقة وهذا أمر طبيعي ومتعارف عليه، الاّ عندما يحصل صراع جديد أو قطيعة فالامر يختلف فقد كان لؤي أبو التمن عضواً في الوفد المفاوض في قطاع الطلبة لكن تم اعتقاله وتعذيبه في قصر النهاية، وكان محمد الخضري رئيساً للوفد المفاوض في نقابة المعلمين ولكن تم اغتياله، وكنت مسؤولاً عن وفدين مفاوضين في قطاع الطلبة والجمعية العراقية للعلوم السياسية، وكنت اتحرك بصورة علنية أو شبه علنية لدرجة أن الاتحاد الوطني لطلبة العراق منحني عضوية شرف كما منح ثلاثة آخرين محسوبين على ملاك اتحاد الطلبة، ولكن عندما ساءت الاوضاع اضطررت للاختفاء تم الذهاب الى كردستان ثم العودة الى بغداد بقرار حزبي، ثم الذهاب وعبور الحدود الى الكويت للالتحاق بالدراسة الى الخارج.
حول المؤتمر الثامن
كلمة أخيرة فلعلّي أتفق مع ما ذهب اليه الرفيق آرا الى عدم تعرّض المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي لقضية الاحتلال والمطالبة بالانسحاب وتحديد جدول زمني لجلاء القوات المحتلة واستعادة الشعب العراقي حقه في تقرير المصير، وبعد تورط الحزب الشيوعي العراقي في العملية السياسية، كان على المؤتمر أن يدرس وأن يحرّك موضوع الانسحاب أيضاً من العملية السياسية الفاشلة ذات المحاصصة الطائفية والاثنية، وقد لا يستطيع الحزب حاليا الانتقال بالضد منها لكنه على أقل تقدير، لكنه مطالب بالانسحاب منها، وليس بالضرورة اختيار العمل المسلح ضدها، ويمكنه أن ينشط في إطار المقاومة السلمية المدنية الاحتجاجية، وفي توسيع دائرة الممانعة، ووضع مسافة واضحة بينه وبين الاحتلال ومؤسساته، وأختلف مع الرفيق آرا بوصف القيادة بالخيانة، وتلك المجموعة بالهجينة والغريبة على حركتنا وشعبنا، لكن الرفيق آرا ينسى أن هؤلاء هم نتاج المؤتمر الرابع، كما اختلف معه بوصف الحزب الشيوعي (بالبريمري والخائن والمأزوم) وفي نعت أحد الرفاق بالمغفل أو الكذّاب، أو ما نقله رفيق شاب كما يقول عن مؤتمرهم (ديماغوجية سطحية لتبرير خيانة وطنية عظمى). وإذا كان المؤتمر لم يحظَ بالاهتمام وهو حقاً كذلك، فلماذا هذا الانفعال في التعامل معه؟
أما عن مؤتمرات المثقفين في اربيل أو في عمان فالنقد لا ينصّب على الذين تتم دعوتهم لحضورها بل يتوجه الى الأجندة الخاصة للذين نظموها أو روجوا لها، فأولئك شيء والذين حضروا أو يحضرون شيء آخر، فقد كان الكثيرون سابقاً يحضرون مؤتمرات المربد في حين أن الشعب العراقي ومثقفيه يعانون أقسى المعاناة، وفي الوقت الحاضر فإن هناك وجبات أخرى جديدة وقديمة تحضر المهرجانات في حين يعاني العراق من الاحتلال والطائفية والقتل على الهوية وهدر كامل منظومة حقوق الانسان.
وأنا أختم هذه المطالعة فإنني وبغض النظر عن الاختلاف في المواقف أحيي الرفيق آرا على جهده ومثابرته، وأرجو أن تكون الملاحظات التي دونتها قد أضاءت جوانب أخرى من الحقيقة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,218,658,415
- العراق .. بين التنظير والتشطير .. !!
- هامش على هوامش آرا خاجادور في شؤون وشجون الحركة الشيوعية !
- الذئاب الرمادية والحصانة القضائية
- بلفور العراقي.. حامل لوعد أم حامل لبرهان
- الحرب العالمية الرابعة وتروست الادمغة
- بلاك ووتر والحصانة القانونية
- تنميط الاسلام!
- ثقافة العولمة أم عولمة الثقافة؟!
- بيئة العنصرية وسؤال ما بعد 11سبتمبر
- تركيا وجدل الهويات !!
- إرهاب أشرار وإرهاب أخيار
- خيارات الديمقراطية
- هل عادت الحرب الباردة؟!
- مفارقة لوكربي ثانية!
- حرب النجوم الثانية
- الأيزيدون وملف الاقليات في العراق
- ألغام دارفور...بين الغطاء القانوني والخيط الإنساني!
- هل هناك مستقبل للامم المتحدة
- موريتانيا واستحقاق الذاكرة
- جدلية المشاركة والقطيع ...هل هناك نموذج للإصلاح؟!


المزيد.....




- المحتجون في برشلونة: السعي للاستقلال ليس جريمة
- 34عاماً على تحرير صيدا
- سعد في ذكرى تحرير صيدا ومنطقتها: تحرير الوطن من الاحتلال يكت ...
- #كلنا_عالشارع ظهر اليوم الأحد 17 شباط ببيروت
- قم يا حسين العلم / شكري بلعيد
- قم يا حسين العلم / شكري بلعيد
- قم يا حسين العلم / شكري بلعيد
- قم يا حسين العلم / شكري بلعيد
- قم يا حسين العلم / شكري بلعيد
- قم يا حسين العلم / شكري بلعيد


المزيد.....

- أجل .. ماركس كان على حق ! / رضا الظاهر
- خطاب هوغو تشافيز / فيدل كاسترو
- أزمة اليورو: هل هي بداية النهاية؟ / جاك هالينسكي فيتزباتريك
- ملاحظات حول - القضايا الإقتصادية للإشتراكية فى الإتحاد السوف ... / شادي الشماوي
- الرأسمالية المعولمة ومناهضة التبعية والتهميش / لطفي حاتم
- فلاديمير لينين.. النظرية والممارسة / إيان بيرتشال
- الرأسمالية المعولمة وبنيتها الايديولوجية / لطفي حاتم
- واقع اليسار في المغرب اليوم / عبد الله الحريف
- I. معضلة المنهج كإحدى تجليات الأزمة الراهنة (الفصل الأول من ... / وائل السعيد
- كتاب الرأسمالية السودانية : النشأة والتطور والخصائص / تاج السر عثمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبد الحسين شعبان - هامش على هوامش آرا خاجادور