أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فاضل سوداني - جلجامش …….. والبعد السميولوجيي للنص البصري المعاصر















المزيد.....



جلجامش …….. والبعد السميولوجيي للنص البصري المعاصر


فاضل سوداني

الحوار المتمدن-العدد: 1959 - 2007 / 6 / 27 - 12:14
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


( فمن هذه المدن لن يبقى
سوى الريح التي عبرتها ) برشت

بهدف معالجة مشاكل الإنسان العربي المعاصر ، استخدم الفنان في المسرح المعاصر الدلالات الدرامية والتراجيدية وتأويلاتها التي تضج بها الطقوس والأساطير وكذلك الملاحم القديمة من مختلف العصور . فتوافر المسرح ألان على مجموعة من المسرحيات والعروض التي أخذت هذا المنحى ، كمسرحية( إيزيس ) لتوفيق الحكيم ومجمل مسرحياته التاريخية المستقاة من ألف ليلة وليلة وغيرها ، ومسرحيات أخرى مثل
( إخناتون ونفر تيتي ) و( إيزيس ) لعلي أحمد باكثير و ( سقوط فرعون و الزير سالم ) لالفريد فرج ومسرحية (خوفو) لشوقي عبد الحكيم ومسرحيات يوسف إدريس وكذلك مسرحيات سعد الله ونوس وبعض مسرحيات قاسم محمد أو عادل كاظم ومسرحيات عز الدين المدني وغيرهم .
وقد عكست هذه المسرحيات التصورات الفكرية والفنية والمفاهيم السياسية لمؤلفيها من اجل تطوير واغناء العرض في المسرح العربي ، حيث كان طموحهم يتأسس على كتابة نص مسرحي متفرد مبني على أساطير وملاحم وتقنيات ثقافة الحضارات القديمة التي سكنت المنطقة وكذلك الغنى الروحي والأسطوري للتراث العربي بغية اكتشاف التفاعلات الجديدة التي تتأسس من خلالها ميكانزمات ومفاهيم ومضامين تخدم المسرح ومثيولوجية النص الدرامي المعاصر .
ومن اجل معالجة موضوعة تراجيدية البطل الملحمي ومثيولوجية النص البصري ووعي البطل المعاصر بجحيم حريته كالتباس من جانب والتزام من جانب آخر، من الضروري إعادة تفسير النص التراجيدي و الملحمي وبالذات ملحمة جلجامش ، والنظر اليه من فضاء آته الخفية الأخرى ، بحيث نتعمق في تفسير مصير البطل ضمن إلتباسات الوجود الملحمي والمعطى . وهذا يفرض بالتأكيد وعيا بنائيا ، تأويليا ، مثيولوجيا ودراميا للأحداث حسب مفهوم كتابة النص الطقسي المسرحي المعاصر الذي من خلاله تتجوهر ملامح بطلا يتطور ضمن منطق وعيه التراجيدي ومصيره الوجودي وتاريخه وزمنه الجديد الذي يختلف عما جاءت به الملحمة القديمة . وبمعنى اكثر تحديدا اقتناص اللحظة الزمنية التي تغير مصير البطل الملحمي ، وكذلك الفضاء الزمني الذي يتحرك فيه ويمتد إلى زماننا المعاصر . هذه المعادلة هي التي تضعنا في مفترق الطرق الذي يؤدي الى الباب المصيري الضيق فأما الانغمار في جوهر لا معنى القلق الوجودي أو في الوجود الاسطوري الملحمي المكثف للبطل الذي يثير الأسئلة المصيرية . وبهذا ينفتح أمامنا النص الملحمي ككيان وكينونة مستقلة يمكن تشكيله ليخدم وجودنا وووعينا المعاصر ، فلا يمكن التعامل مع النص الأسطوري او الملحمي بهذا الوعي إلا عند اكتشاف المقولات والأفكار والأسئلة والتأويلات و مقدمات القلق التي تختزنها مثيولوجية النص المعاصر والتي لا يصبح لها معنى فقط عندما تهم عصرنا بحيث يمكن تأكيدها من اجل ان تعبر عن قلق انساننا المعاصر .
بهذا الوعي حاولت التعامل والغور بحرية في المتن المتشابك لأهم ملحمة منحت البطل إمكانية طرح الأسئلة المصيرية التي لم تنغلق على البطل كوجود ملحمي وإنما أقلقت الإنسان المعاصر أيضا حتى أصبحت مرتبطة بالوجود البشري عموما واعني ملحمة جلجامش كنص ملحمي متفرد عصي على الفهم أحيانا يخضع لفنتازيا الامتداد الأسطوري ، مبتعدا عن مقصلة المنطق واليقينيات . وقد أدى هذا الى انبثاق نص مسرحي امتلك حريته وديناميكيته بعيدا عن الفضاء الملحمي المغلق وهو أغنية الصقر(إصدار دار الحضارة الجديدة سابقا ـ الكنوز الأدبية بيروت ) التي عالجت جلجامش كبطل يحمل قدره ويتصارع مع ظلامية عصره ، ويضع مصيره على راحة يده ويسير متباهيا أمام معاصرية الأصدقاء منهم والخونة في ذات الوقت ـ ومن الذين كانوا سببا لمأساته وزرعوا في داخله بذرة اليأس ، لكنه كان معذبا من حريته أيضا ،لان هذه الأخيرة هي التي تتحكم باختياره وإرادته بالمفهوم الوجودي ، والتي تفرض القلق والخوف من جحيم المجهول الذي يضّيع الذات في المتاهات عندما يصبح قدرها هو كشف زيف الواقع ضمن علاقات لا إنسانية في واقع ملتبس .فكان الجوهر الذي يمتد على طول المسرحية هو الحرية والاختيار
، وكذلك الخوف والقلق المشروع للذات في محاولاتها اليائسة لاختراق الوجود الآخر

التناقض وجحيم الحرية

ومن اجل أن يتحقق الوعي الملحمي المعاصر في اغنية الصقر، لم اعتمد في كتابتها على تفاصيل الأحداث والشخصيات كما اكدها الشاعر الملحمي القديم ، بل عمدت الى اتباع اسلوب التناقض ، بمعنى استخدام بعض أحداث الملحمة والتناقض معها وابقاء بعض شخصياتها مثل جلجامش وعشتار وانكيدو وغيرهم مع التغيير الجذري لمصائرهما وأهدافهما وخلق شخصيات جديدة كالملك والكاهن والحبيبة وغيرهم ، وتفعيل دور ألام الذي كان مموها في النص الملحمي القديم بغية التركيز على الرحم ـ الأرض ـ الخصب ومسك اللحظة الزمنية المعاصرة التي تؤدي الى الإبداع الدرامي البصري .
يحاكم جلجامش العصر الراهن في مسرحية اغنية الصقر ،وكأنه متعبد ملتاث بالحقيقة خرج للتو من معابد الحضارات القديمة الضاجة بهمس الكهنة وفسقهم ومؤامراتهم عباداتهم وتعاويذهم ولوتورغياتهم . مثل هذا البطل احتاج الى ثمان اغاني او وصايا على شكل مشاهد درامية كالتعاويذ المعاصرة فرضت استخدام
( المسرح داخل المسرح ) في بنائها .
وفي فضاء النص المسرحي البصري هذا ليس هنالك اسرار مسرحية تقنية وانما هنالك اسرار ذاتية وروحية يود الممثلون كشفها امام الجمهور ، انها فعل المكاشفة ليصبح كتعاويذ السحرة التي تدفع بالممثلين الى كشف اسرار لعبتهم امام الجمهور من اجل ازالة الوهم المسرحي . فنحن في مسرح متنوع بكل تقنياته ولغته .لان الممثلين يكتبون جلجامش كنص مثيولوجي واقعي وديناميكي برؤيا مسرحية بصرية معاصرة ، وهذا يحتم على كل ممثل ان يمثل ادوارا مختلفة عدة تبعا لضرورات الحدث الدرامي . يرتدون ملابسهم وأقنعتهم امام الجمهور ويشاركون في احداث المسرحية وهي تتداخل في ازمنة قديمة واخرى معاصرة .

لذا فان تطور شخصية جلجامش الجديدة في النص المسرحي ( اغنية الصقر ) شمل بعدا آخر ، فهو لم يعد بطلا اسطوريا وملحميا نصفه اله ونصفه الآخر إنسان كما جاء في الملحمة .وانما هو ابن ملك ومازال رجال القصر يهيئونه للعرش ، فهو إذن شاب قليل التجربة ايضا ، لكنه استثناءا في القصر والمدينة لانه يستخدم عقله بديناميكيته وشموليته ومشاكسة عندما يتصدى لأهم مشكلات عصره ،فيفكر بحيوية وحذر في اشكالات الواقع الذي يخاف من ان يلوثه ، فهو يعيش وسط مجتمع مدنس يقدس قيوده وعبوديته ومسكون بالخوف من سلطة قصر ملئ بالزيف يقوده الملك ( والد جلجامش)واركان سلطته الارهابية من الجهلة وعلى راسهم الكاهن(العقل المعدي والمتكيف للشرور).
ان القصر ، السلطة ، الإرهاب ، الحرب ، الخيبات ، الانانية، الزيف ،الحقد ،الغضب والعنف وكل الشرور المقدسة من قبلهم ووسائل التدمير والإلغاء والإستثناآت الأخرى ،رمز لها كأويل سميولوجي في النص المسرحي بالطاعون كمرض يغزوا المدينة ويعدي جمهور الطقس البصري المعاصر أيضا فيتمنون ان يكون الأمر لعبة مسرحية او وهما وكابوسا ، لان المجتمع الدبق لهذه المدينة اللا فاضلة يتنفس رائحة المو ت بدلا من عبير الزهر وخاصة بعد سقوط ( إختيار ) انكيدو كضحية مبكرة لهذا الطاعون . ولكن كيف مات بالطاعون ؟ ولماذا هو بالذات ؟
ومن مسار الاحداث في النص المعاصر ( مسرحية اغنية الصقر ) و تأكيدها على نموذج الحياة الاستثنائية التي تقودها السلطة ، نكتشف بانه قتل نتيجة لمؤامرة دبرها الكاهن واعوانه لسببين :
الاول : ان انكيدو اضافة الى كونه مضمونا ملحميا ورمزا لنبل الصداقة التي أثرت في حياة ووعي جلجامش ، الا انه يعتبر ايضا الشاهد الخطر على مؤامرا ت القصر بؤرة التدمير والعبث التي تعني ظلام العقل الارهابي السلطوي (السلطة الارهابية كوجود عنف استثنائي ) والذي يثير القلق والرعب بالنسبة الى اركان النظام . فكل شئ كان مختف في الظلام ماعدا انكيدو الذي كان يشع نورا ( فهو لا يخاف الموت ، بل خلق نوعا من التحدي الوجودي والمصيري له) او لانه احب الحرية فوق كل شئ ، فتحول هو الى حرية مطلقة فكان من السهولة ان يُدمر و يغيب في الاعماق السحيقة من الوجود ، لكن الشئ المثير ان جثته تحولت الى نور يساعد على الرؤية والتبصرمما خلق رعبا في الوجود الاستثنائي الحياتي . لهذا فاما ان تصلب جثة انكيدو من جديد وتبقى في العراء حتى تتعفن لتكون شارة دائمة او يقتل جلجامش حتى وان كان ابن الملك. لذا فانه يكشف لنا سبب قتل صديقه انكيدو عندما يخاطب كاهن المسرحية :
جلجامش:(انت تعرف ايها الكاهن بان انكيدو لم يمت بالطاعون .. بل انت الذي جعلت منه شارة خوف لكي يدوم الرعب في قلوب الناس .. نعم انه طاعونك، فكل من لايصدق قوانينك يخيم عليه ظلام القصر ) .
والسبب الثاني هو رغبة الكاهن بامتلاك حبيبة انكيدو( التي هي رمز المدينة الفاضلة) إمعانا بالفساد والعبث بمصائر الاخرين . وهذا يدلل على مدى جبروت السلطة التي يمتلكها الكاهن في القصر والتي يمكن ان تؤثر حتى على الملك ذاته الذي فرض على ابنه جلجامش الجلوس مع جثة صديقه كي يدفع بالاله الى ان يكشف عن وجهه واسراره ليعلن لهم سبب الطاعون . انه واقع ملئ بالمؤامرات والخرافة المقدسة التي تتحكم بالمستقبل غير الآمن .ولكن من جانب آخر فان جلجامش عند جلوسه مع الجثة ( التي تبدو وكأنها عزلة تأملية له ومغامرة من اجل تلامس الاعماق السحيقة للذات ، تتكتشف الحقيقة له ومن ثم تدميه و تخلق اللاتوازن في داخله ليبدأ رحلة الوعي في ذاته واسراره الداخلية : ( جلجامش : انها النهاية ، فعندما يفرش الغباء بساطه على الناس ، تشعر بافول حياتك .
المهرج الاول : الطاعون ياسيدي الشاب يفقد الانسان ملكة العقل ( صمت ) ألا تخاف الطاعون ياسيدي ؟ جلجامش : كنت أخافه أما الان فقد رايت الشمس وامتلات بنورها ، فلم يعد ثمة طاعون .

المهرج الاول : ماذا تقول ياسيدي ؟.. كيف ؟
جلجامش :خلال الايام التي قضيتها مع جثة أنكيدو فهمت حقيقة خوفنا ( صمت) ان مانخافه ونخشاه ليس هو الطاعون ، بل هو انفسنا . أنا وانت والاخرون طاعون هذه المدينة.

المهرج الاول : ماذا ... ؟؟ نحن نتحمل آلامها دون ان نبكي .
جلجامش :واننا نقف ضدها ، لاننا نقف ضد انفسنا عندما لا نستطيع مواجهتها ، فهي تطلب الكثير لأنها
أعطتنا الكثير.) ( من مسرحية اغنية الصقر)
ونلاحظ من خلال الحوار، ذلك البعد الرمزي التأويلي والدلالي للطاعون كقوة تدميرية لها علاقة بالشرور في حياة النظام السياسي الاستثنائي وكذلك حياة الانسان ، ونعي السبب الجوهري لهذه الويلات، وهو ان الخوف من الذات وعدم ممارسة الفعل الذاتي يؤدي الى تدميرها وتخريبها وتشويهها أولا وهي في فضائها الوجودي ، أي التباس الوضوح و السكون الأ رادي في فعل الانسان الوجودي الذي يرتكن من خلاله الى الجهالة وفقدان ديناميكية كينونته .
وهذا الكشف الادراكي والغور في المجاهل السحيقة للذات ، يتطلب وعيا جديدا وموقفا يتطابق مع الديناميكية الذاتية ، فاذا صار الانسان ذاته بحق يستطيع الالتزام عميقا بالجوهر الانساني بالرغم من تعقيداته . فبالصيرورة الديناميكية للذات يتوحد الجوهر النقي للانسان مع الوجود النقي الاستثنائي بتناسق وهارمونيا ، وبهذه الصيرورة يمكن للذات ان تتوحد مع نفسها ومع الكون تحقق هدفية مايطلق عليه اندريه بريتون (الوجود الخاضع للاتصال الموضوعي لدى الكائنات ) . فالحرية الذاتية هي كشف ورؤية ووجود ديناميكي للذات ايضا ، وبدونها فان كل شئ يخضع لفوضى العقل .
الوجود الملوث وفوضى العقل
اذن الذات تبغي دائما خلق أسطورتها وملحميتها التراجيدية الخاصة والمتفردة . ولذا فان جلجامش من اجل ان يتوحد مع ذاته ويمارس وجوده الخالص والمكثف عليه ان يكتشف أسرار فضاء الوجود الملوث ألآخر الذي يحيطه ، عندها يرى سبب ويلات مدينته هو القصر ـ كسلطة ، والوجود الذاتي المبني على الانانية البشرية الضيقة ، واستخدام القوة بعيدا عن الحكمة ورجاحة العقل .والشئ الجوهري الذي يعتبر مرض عصرنا هو الغاء الآخر وموت اللغة بين الذات والعالم الموضوعي او بينها وبين الذات الآخرى أي سوء التفاهم بين البشر الذي يخلق الالتباس الوجودي : ( جلجامش : اذا كانت القوانين تقيدهم كالسلاسل
،فكيف يتعلموا الحرية ؟؟
الملك : يجب ألا يتعلموها ، بل تعطى لهم بمقدار ما تكون هنالك ضرورة لها . بدون هذا ستعم الفوضى
التي تحيل كل شئ الى خراب.
جلجامش: من اجل أي شئ يلتهم الناس بعضهم بعضا؟ أمن أجل ان يبقى فرد في القمة، يكون مصير
الاخرين الشقاء وقطع الرؤوس ؟ كيف تفسر هذا ؟
الملك : لابد من وجود قائد ينظم الحياة .
جلجامش : لن يحدث هذا ابدا مادام هنالك وجود لادوات التعذيب وغسل الدماغ ، ومادام الفرات يلفظ
كل يوم جثة مربوطة بصخرة كبيرة .
الملك : ولكن الضرورة هي التي يجب ان تحكم من اجل ان تكون القاعدة . فالقانون دائما يمتلك
ضرورته .
جلجامش : والانسان يمتلك ضرورته ايضا . القانون يلغى او يتغير حسب مشيئة الانسان .
الملك : وحق الالهة اذا واصلت بث الفوضى وتحريض الناس على الاضطراب . فلن يغفر زمني
لك ابدا .
جلجامش : و إذا كان موقفي ضد هذا فلن يغفر زمني لك ولي ابدا . )
فلكل من جلجامش و الملك زمنه وفعله الخاص الذي تفترض الضرورة الوجودية ان يدافع كل منهما عن زمنه ، انه الفعل الذاتي الواعي والحرية المتحولة الى فعل وطاقة لها علاقة بالاختيار ، انه الحتمية التي يصعد فيها البطل التراجيدي الى قمة تدمير ذاته وسحقها او بنائها من جديد .ولايتم هذا إلا بوجود قربان مغضوب عليه ولابد من أن يضحى به بدون رفض ، أي انسان وعى الحقيقة من كل جوانبها .
ان هذا الموقف ، هو الزمن المتحول الى فعل وجودي والحرية المتحولة الى فعل ارادي واعني الحرية الارادية المختارة التي يقف صاحبها المتمرد ضد العقل البشري الملتاث الذي يخدم الخراب . فاستخدام القوة في مسارها البنائي ، يتطلب قدرة على تحمل هذا الاختيار والدفاع عنه وعن حيز من الوعي بالحرية .وكان جلجامش المعاصر يصغي الى همسها في ذاته:
( جلجامش :ايتها الحرية،هاأنذا أهب نفسي بكليتها .فاوقدي لي نجومك البعيدة)
ان مثل هذه الحرية تتطلب كشف زمن او فعل الآخر فيصرخ جلجامش بوجه الكاهن :
(الذي لايؤمن بك أما ان يصبح مجنونا تغلقون عليه ابواب حجرات المعبد ،أو تربطونه بحجر كبير وتلقونه في اليم . اذهب وقل لسادتك ، لقد بدأ زمني وزمن المدينة .)
وزمن جلجامش يعني وعيه الحر ورحلته المصيرية ولكن ليس في طلب الخلود كما في الملحمة وانما لممارسة فعل حريته الواعية ، وهذا يعني ان الذات مسكونة بحريتها من اجل الوصول الى الحقيقة الذاتية ومواجهة الوجود المزيف ، لان جلجامش يتوصل الى ان السلطة الاستثنائية هي قوة و زمن استثنائي تدميري في مواجهة الذات .لكن تمسك جلجامش بحريته في ذات الوقت يحثه ويقربه من مصيره المحتوم ـ بوعي منه ـ أي يقربه من الموت ..تلك البومة القدرية بعينيها الناريتين .
ومن جانب آخر فان مقصلة المنطق السلطوي لن تغفر لأي فعل واع او قدرة تصادمية يمارسها بطل مثل جلجامش ، عاش ومازال في عصر مزيف يرفض الأبطال ، عصر انقلبت فيه الموازيين ، حتى وان كان هذا البطل في بعض الازمنة ابن ملك ، ويمكن ان يؤثر في سلطتها وقوانينها ، ونتيجة لوعيه وكرهه للزيف البشري يرفض ان يكون جزء من آلية الدولة . وبما ان الأخيرة تحاول دائما تحقيق زمنها وتحويله من الاستثنائي الى الابدي ، لذا فان افكار جلجامش لايمكن ان تخدم ، بل هي ضد أبدية السلطة ، لذا فسرعان ما يهدر ويحلل دمه ( كما حدث ذلك مع أنكيدو ) . فيقتل جلجامش من قبل الكاهن واعوانه ، الذي كان متعهدا بتربيته كأبنه .

البعد السميولوجي للزمن الاسطوري في فضاء النص

ان جلجامش في مسرحية اغنية الصقر يجب ان يقتل لانه رفض وتمرد بعد أن رأى وهج الحرية وشعاعها ، فسمح لنفسه التحرك في فضاء أوسع من ذلك الذي حُدد له من قبل السلطة ، وبما ان كل المصائر موزعة بدقة ضمن منطق السلطة ، فانها لن تسمح لجلجامش او غيره بمساحة اكبر من دائرته على رقعة الشطرنج التي تتحكم بها السلطة ورجالها المخلصين ، لذلك فالملك يسند مهمة قتل ابنه الى الكاهن (الاب الروحي الآخر والمنفذ الفعلي لنتائج مقصلة منطق السلطة) . وتبدأ مطاردت جلجامش في الاغنية السادسة في النص بعد ان يحرقوا مكتبته . لكن جلجامش يتحول الى حرية واعية ويتمسك بها ، فلن يطلب رحمة المعبد ، بالرغم من تنبؤه بمصيره المأساوي . فتحرضه الملكة ( والدته ) على الهرب : ( الملكة : اهرب .. اهرب أيها الضبي
اهرب
فاذا حل الغضب
ليس هنالك قلب للرحمة.
ارحل من هذا الكابوس ،
لابد ان ترحل فهذه الغابة ،
مليئة بالوحوش .
الكل نطق بالكلمة التي تعذب الروح وتحيل
الجسد رمادا ، اهرب )
ومن جهة اخرى تحاول عشتار ـ التي ترتبط كينونتها التاريخية والمعاصرة بآلية السلطة وقوتها او اسطورتها القدرية كونها مومس الدولة المقدسة ـ اغراء جلجامش بمفاتنها فتدعوه الى الانتماء لعالمها مقابل ان تبعد عنه حتمية القتل ، لكنه يرفض مغرياتها ، لان من يدخل بيتها ـ ماخورها المقدس ـ لابد ان يصاب بلعنة الرذيلة .
فيتحول ماخور عشتار الى مكان للمحاكمة ، وتبدأ محاكمة جلجامش وكأنه بطل شمولي متمرد في مختلف الازمنة حتى المعاصرة منها ، حيث يعددون خطاياه ( التاريخية ) ويمثلونها كمسرحية داخل المسرح . فتبدأ عملية استهانة أصحاب الدماء الباردة والضحك الغليظ ( من رجال السلطة ) بكل القيم الانسانية تاريخيا ، ويصبح جلجامش صدى للفكر البنائي المتمرد ، فيتهمونه بسرقة النار المقدسة ، ويدينون دعوته بدوران الارض حول الشمس ، وإيمانه بان الملكية الخاصة سرقة ، وبحثه الدائم عن الحقيقة بوعي وببصيرة متوقدة عندما يمسك مصباحا وسط الظهيرة ودعوته بان الوجود مرتبط بالوعي الخ .
هذه مجمل الخطايا التي يذنبونه بها ، ولهذا فان جلجامش المعاصر كبطل جديد يجتاز حواجز المكان
والزمان ، فهو اختزال للعقل البشري وشمولية الكينونة الايجابية التي تدعو الى الفعل الثوري التمردي تاريخيا و في هذا العالم .انه اختزال لبطولة برومثيوس والعقل التركيبي لجاليلو وحب ديوجين وديكارت للحقيقة ، وجنون نيتشه من أجل الانسان الحلم ، وقدر المسيح في حبه للتضحية . انه بطل يمكن ان يوجد في كل العصور ، لكنه مرفوض في كل العصور أيضا . ومن السهولة ان يذبح في الازمنة الاستثنائية ، لانه شارة ديناميكية ضد ظلامية العقل السكوني ، ومن الممكن ان تعدي الانسان .


التشكيل الزماني للحدث

اضافة الى هذا تؤكد مسرحية اغنية الصقر على ازمنة ثلاث للحدث ، من خلالها تكون الشخصية فعلها ووجودها الخارجي ـ الموضوعي والداخلي ـ الذاتي .فهنالك زمن الشخصية الاني (الان) على خشبة المسرح ، حيث يمكن للممثل ان يتكيف مع شخصيته وهو في حضرة الجمهور لحظة الكشف .
والزمن الآخر هو زمن الشخصية وهي منسجمة مع زمنها الماضي ومن ثم زمن الشخصية وهي تعيد تشكيل الحدث الذي وقع في الزمن الماضي الاكثر بعدا عن لحظة وجودها الاني و الماضي القريب .
وهذا واضح عندما يقوم الكاهن بتفسير حلم جلجامش الذي سقط فيه القمر تحت قدميه ، وأضاء نوره ظلام الكون . ان الكاهن يفسر هذا الحلم ليس حسب منطقه كزمن حلمي يتحرر فيه الانسان من الزمن الواقعي فيطلق العنان للذاكرة والتخيل ، وانما يخضعه لرغباته ومقاصده الذاتية الواقعية وما يبغي ان يحققه في المستقبل وهنا يخضع الماضي الى الحاضر ( الان ) من اجل مستقبل مشروعه الحياتي . ففي الأغنية التالية يعيش الممثلون أزمنة مختلفة….. الكاهن : ( يدخل مكان الفعل في الزمن الماضي .. يرمي زار كبير الحجم أمام الملكة ، يتمعن بها .. صمت .. الى جلجامش ) انه صديق مخلص .. يعينك في الشدائد ويشد أزرك .
الفرقة : شكرا للرب .
جلجامش : ( تجمد حركة المشهد ... يعود الى الزمن الحاض) انك تكذب أيها الكاهن . في ذلك الوقت لم
تقل هذا الكلام ، انما قلت شيئا آخر .
الكاهن : ياسيدي ...( يترك المشهد في الماضي ..ويقترب من جلجامش محاولا ان يهمس له . مشهد
الملكة يبقى مضاءا .)
جلجامش : أذكر بانك قلت شيئا آخر . اذكره كما قلته .
الممثل الاول : حقا لقد قال شيئا آخر .
جلجامش:انك تكشف ذاتك الان ويجب ان تكون صادقا يجب ان يقول الحقيقة .
الكاهن: ( يوافق ، يتقدم نحو مشهد الملكة ، تعود الحركة في المشهد المضاء . يقذف بالزار عدة مرات . )

ان هنالك تداخل وتلامس واع ومقصود للأزمنة ، فالماضي الذي شكل تاريخية ومثيولوجية الاحداث والشخصيات ،يتداخل مع الحاضر الذي يضئ ذاكرة الممثل والجمهور في ذات الوقت . لذا فان الاحداث تخضع لزمنها الابداعي، الذي يشبه زمن الحلم ، وليس الزمن الواقعي، وبهذا يتحقق زمن آخر هو الزمن المثيولوجي للنص والشخصية ، الذي يرتبط عادة بالابداع الفني فيشكلان الزمن المثيولوجي الابداعي ، وهو زمن خارج الازمنة الواقعية ، وبالرغم من انه مرتبط بالحلم والفانتازيا والغرائبية احيانا ، الا انه يتميز بواقعيته .
وهذا مرتبط بمفهومنا حول البعد الرابع للزمن والفضاء في الطقس المسرحي البصري ، الذي يستند على النص البصري ، وديناميكية الأشياء و الجسد المتوهج في الفضاء بذاكرته الذاتية والمطلقة ، والرؤيا الاخراجية البصرية التي تعتمد التأثير بالصورة البصرية والحركة الديناميكية والوسائل البصرية الاخرى . لذلك فان البعد الرابع هو رؤيا بصرية في الفضاء المسرحي ،و يعني الكشف عن سر الحاضر والمستقبل من خلال المرادفات التطبيقية والعملية الاخراجية والرؤى التي يطورها ويكشف الحجاب عنها النص البصري للمؤلف والمخرج الرائي .
لذلك فالفعل او الحدث في نص اغنية الصقر لا يلتزمان بقوانين وتقنيات المسرح المعروفة ، وانما يخضعان لزمنهما الابداعي ولقوانين اللعبة الفنية المبنية على خيال أسطوري أحيانا . فمن الناحية التقنية المسرحية ، ليس هنالك دخول وخروج للممثلين او الجوقة ، فحضورهم دائم ، لانهم جمهور وشهود ومتهمون وكورس المأساة ، او الاسطورة في واقع يمتد الى ماضيه ويعود ليلامس مستقبله في عصر يحكمه الاستثناء.

ان كل متطلبات التمثيل او اللعب موجودة في مكان الفعل ، والممثلون يكتشفون ذواتهم أثناء تواجدهم في مكان اللعب .يبتهجون في احزانهم ويحزنون في أفراحهم لكنهم يحاولون دائما ملامسة المستقبل ، وبهذا فانهم يحققوا معادلة الحلم المستحيل والتناقض في الذات البشرية : ( الجوقة : ممثلون جوالون - نموت في عصر شقي ،-لكننا نولد دائما في عصر جديد . -لاننا نبحث في الجذور-عن زهور لاتنبت في آوان الفصل )

وتحتم ديناميكية وحرية سينغرافيا فضاء العرض المسرحي الذي يقترحه النص استخدام الاقنعة ليس بمفهومها التقني كتغير شكلي للممثل ، وانما تعمل على مباعدته عن الشخصية من اجل الكشف عن ذاته الاخرى لكن بعيدا عن مفهوم التغريب البرشتي وتقنياته ، فالقناع هو كشف السر والحجاب الذي يحجب حيوية الروح وصدقها وسبر الاغوار السحيقة للذات ووضعها امام حقيقتها في زمن آخر هو زمن المكاشفة بين الشخصيات في لحظة تحقيق فعلها . والقناع يضفي وضوحا على افعالها الآنية والمستقبلية في ذات الوقت ، بالاضافة الى كشف ماضي الشخصية فهي تتنبأ أيضا بما سيأتي من أحداث ستقرر مصيرها ومصير الشخصيات الاخرى ، ولايتم هذا الا بعد ان تتخلص الشخصية من قناعها الداخلي وكأنها تدخل في محراب المواجهة الذاتية ومسك لحظة النقاء .
فوجود البطل في مكان الفعل ضمن ظروف وشروط معينة ، يفرض سلوكات ومواقف من قبل الآخر
عليها . ومن اجل ان تكون خارج فعل وتأثير هذا الآخر ومن ثم خارج زمانها ومكانها ، فان الممثل يعمد على المباعدة عن الشخصية التي يتلبسها (لأمر شاق ان يكذب الانسان على نفسه ، لكن ماأسهل الكذب على الآخرين ) حسب منطق الكاهن عندما يواجه ذاته من خلال حواره للكشف عن حقيقة دواخله هو وحقيقة جلجامش .( الكاهن : " بدون قناع ..... الى الجمهور " انه كذب أيضا . تحت السياط ولدنا وتحت السياط نموت . "يلبس القناع .. يعود الى المشهد .. الى جلجامش " اذن تساوينا ياسيدي .. الكذب والخداع هما حياتنا .بهذا فقط نتجرع مرارة الحياة .. استمر .. استمر ياسيدي بالاعتراف )لان القناع هنا يعبر عن انسجام الشخصية حسب شروط فعلها .
تعيد مسرحية أغنية الصقر ، خلق الزمان والمكان والبطل وتمنحها معان وأبعاد ميتافيزيقية ووجودية اخرى .خاصة عندما يتحول الانسان الى شئ او مادة مع المحافظة على المميزات الانسانية . ففي مشهد الغابة يتحول الممثلون الى اشجار تبث همومها واحزانها ، ويقوم أنكيدو من موته الذي حدث في زمن ماض ، وكأنه عودة الى زمن الاسطورة ، ليشارك جلجامش في بحثه عن الوحش الوهمي الذي اختلقه الكاهن ورجاله ليقلق المدينة ويحقق مآربه .
وكل هذا تفرضه لغة مسرحية متميزة لا تعتمد على الحوار فقط وانما للبعد الحركي والبصري مساحة أكبر اعني لغة العرض المسرحي البصري ، في فضاء فسيح يفرضه النص البصري يسمح لتحول الشخصية والتعامل مع الزمان والمكان والفعل برؤيا جديدة . فيتحول كل شئ الى فضاء شعري وفلسفي تتحرك فيه الاشياء والاحداث بمنطق جديد ضمن الاطا رغير الطبيعي للحدث الذي تفرضه اللغة التعبيرية لمفهوم العرض المسرحي المعاصر . واذا كانت الملحمة البابلية القديمة قد عالجت جلجامش كفعل باحث عن الخلود ، فان مسرحية اغنية الصقر تناقضت مع هذه الموضوعة واوجدت بديلها المعاصر . وهذا مايؤكده جلجامش المعاصر في المسرحية

( جلجامش : ان مانبغيه ليس الخلود وانما وسيلة العيش في هذه الحياة ، حتى وان كان الطريق الى هذه الغاية هو الموت ذاته . المهم هو الحيوية وليست الحياة الابدية ... نعم ليست الحياة الابدية ) وهذا تناقض كامل مع الملحمة التاريخية
اذن جلجامش هنا يفضل الموت على الحياة بدون حيوية ، بدون وعي ، ولهذا فانه لايقوم برحلته من أجل الحصول على " زهرة الحياة " وانما يقوم بهذه الرحلة بداخل ذاته ووعيه وماضيه وحياته وحياة الآخرين من اجل اكتشاف المعنى الحقيقي للحياة ، ويتحدث فراس سواح بهذا المعنى أيضا في كتابه" قراءة في ملحمة جلجامش " الذي اطلعت عليه متأخرا :
( يجب التفريق بين الدافع الحلمي الذي يسوق جلجامش في رحلته ، والدافع الحقيقي الكامن وراءه. فجلجامش لم يكن باحثا عن الخلود حقيقة ، كما تؤكد معظم التفسيرات والدراسات التي وضعت حتى الان ، بل كان باحثا عن المعنى في الحياة ، وعودته الى اوروك في النهاية لم تكن هزيمة للانسان أمام هدف محكوم سلفا بالهزيمة ، بل انتصا ر لحياة وجدت المعنى فيها والغاية . لقد اتخذ البحث عن معنى الحياة ، على المستوى الواقعي ، شكل البحث عن الخلود على المستوى الحلمي ، وفي كل مرحلة من مراحل رحلته كان جلجامش يتلقى درسا في معنى الحياة .)
وبعد ان اكتشف جلجامش وهج الحقيقة بوعي وحرية ، حاول دائما ان يعدي الاخرين بهما وكأنه مسيح جديد قام في عصر متأخر :
(جلجامش : "للمهرج " لانك مهرج مسكين ، فانت تضيف تعاسة جديدة الى تعاسات هذه المدينة . كان من
الواجب ان تبحث عن نفسك . ان تعطي للمدينة ماتطلب ،وتقول الحقيقة ، والحقيقة ...
المهرج الاول:" مقاطعا " أن أكف عن مهنة التهريج ؟
جلجامش : نعم بهذا فقط تكون انسانا .
المهرج الاول: "قافزا في الهواء "وبهذا فقط أكون ملعونا من القصر والمعبد ، ففي عصر كهذا عليك ان تقبل بكل شئ والا أُ صبت بالطاعون ، فهو حاضر في كل زمان)
ان تمرد جلجامش يفضح كل شئ رافضا القصر والزيف والبطولة والعدو الوهمي ـالذي اختلقه الكاهن ،وكذلك المنظرون الايديولوجيون في عالمنا المعاصر من اجل خلق المبررات لاضطهاد الانسان وتدمير طاقاته الفكرية ، لكن المحاكمة تتحول الى محاكمة للعصر باكمله :
( الكاهن : "يفسر حلم جلجامش " لقد قلت ياسيدي بانك ستكون بطلا يسجد له الناس ، وما ذلك الوحش الذي ترآى لك في أحلامك ، فتفسيره انه يظهر في المدينة وحش يلتهم أهلها وكل مافيها . انت فقط تذهب اليه في مكانه ، تصارعه حتى تقتله ، فتصبح بطلا ، عندها يسجد لك أهل المدينة )
وعندما يذهب جلجامش وانكيدو لقتل الوحش في غابة الأرز تحقيقا لنبوءة الكاهن الكاذبة ، فانهما يصادفان ذئبا يفر هاربا ، وبهذا فان المسرحية تتناقض مرة اخرى مع الملحمة وتتجاوب معنا في كون وحوشنا العصرية هي من نوع آخر ، وان عصرنا لايحتاج الى أبطال مزيفين يقاتلون وحشا وهميا من اجل إدخال الرعب في قلب الانسان .ولكن جلجامش يحقق نبوءة الكاهن بالذهاب لملاقاة الوحش الوهمي حبا للمغامرة . ومن ثم الصمت على ما يبثه من نبوءات وادعاآت كاذبة . وقد تم هذا في زمن كان فيه جلجامش تحت رداء الكاهن ، وكان أفقه الفكري لا يسمح له بالخروج من رداءه . ومقاومة إغرءآته الكاذبة ، لذلك كان هو بالذات أداة لتحقيق نبوء آت الكاهن السلطوية . لكنه عندما وعي وجوده وحريته ، صرخ بالناس :
( أيها التعساء إنكم لاتحتاجون الى ابطال ينقذونكم من وحش وهمي يسكن خارج المدينة ، بل هو يعيش بينكم ويبدل وجوهه حسبكما يشاء ، انهم يتنزهون على آلامكم . امسكوا مهرة حريتكم بقدرة ووعي ، لانكم لن تخسروا شيئا . ليختزن كل منكم غضب الفرات في روحه . خراب هي المدينة التي تنبت خوفا ، خراب هو الحقل الذي لا ينبت زرعا )
وبما ان هذه المدينة بحاجة الى ابطال يحمونها من وحوش وهمية ،لانها تنبت خوفا ، اذن لابد لجلجامش أن يواجه مصيره التعس لوحده ، فهو من الابطال المعاصرين التعساء دائما ، لان قلوبهم تعي الحقيقة بعد فوات الاوان . وبسبب وعي الحقيقة هذا ينفذ رجال السلطة المهمة الصعبة (قتل جلجامش ) بكل حماس ،ويصعدون الى عربة العقاب التي تثير الرعب في نفوس الناس دائما ،,فنسمع اصوات غريبة وصراخ وهمهمات وضرب طبول ، ونقر دفوف ، وابواق تصوت وكأنها تعلن يوم القيامة ، وضجيج وهلوسات . وكأن رجال السلطة قد انجزوا تلك المهمة التي اقلقتهم دائما ، يصاحبهم نحيب وانين الكاهن حزنا على قتل جلجامش ، وبالرغم من حبه له إلا ان مثل هذا البطل التراجيدي الذي تمرد على زمنه ،لابد ان يحلل دمه ويقتل كذبيحة مدنسة :
(الكاهن : يجب ان تموت ياسيدي ،
لان مدينتنا لا تتحمل أبطال ملاحم،
يجب ان تموت ،
فمثلك بطل ملعون
يحمل صليبه كشاهد عصر)
عندها وبلا شفاعة يعلقونه صلبا فوق رماحهم ، شارة خوف لمتمردي عصره ، غير انه بطل عنيد حتى في موته :
(جلجامش : هاأنذا اموت ….أتلاشى وأغيب
انا الشاهد الملعون .
لكن قلبي جوهرة خضراء ،
لذا سأعود كما كنت .
فيولد البطل
وتولد المأساة من جديد )
ان هذا الدفق المتوهج بالحقيقة التي يهمسها جلجامش وهو يحتضر ، ممزوج بالسخرية من الموت ، هو إختزال لمصير وتراجيديا الانسان وحيوية الحياة قاطبة . ولابد ان يولد البطل المأساوي من جديد ، الذي يعي حريته ، فيحمل على عاتقه محاربة قوى الظلام ليس في العالم الاسفل كما تنبؤنا الاساطير والملاحم دائما ، وانما على الارض ، وفي عالمنا المعاصر بالذات ، مادام الانسان فاقدا لحريته ، وما دامت اللاحرية هذه تخلق مرادفاتها كالعبودية وفوضى العقل . ومادامت الحرية هي مصير البشر في الوجود باختلاف الأزمنة ،إذن لابد أن يولد بطل جديد مثل جلجامش يخلق اسطورته المعاصرة لانه سيحارب حتى يحقق ذاته ويتحول الى شارة ضوء في ظلامية الوجود لتضيئ حريته وحرية الآخر .


كوبنهاكن / شمال الكوكب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,387,898,156
- فان كوخ يعرض طقسا مسرحيا
- النقد المزدوج وغربة المسرح العربي
- الفنان العراقي عوني كرومي وبرتولد برخت
- العراق والسياسة والمنفى والغرب ومسرح الصورة
- جحيم الحرية والتباس الحقيقة الذاتية
- بصريات الجسد في الطقس المسرحي
- ذكرى عنادل العمارة ( ميسان) المهاجرة
- رسائل تشيخوف يقرأها المخرج بيتر بروك دراميا
- عروض مسرحية عن همس الحواس و ذاكرة الاشياء
- عرض مسرحية حدّ ث ودلالات الفكر الاخراجي في المسرح
- فن التشكيل البصري في زمن العولمة
- البعد الرابع لغة فن التشكيل البصري
- البعد الرابع لغة الفن البصري
- الممثل في مسرح البعد الرابع البصري
- هل مازال العراق يلتهم أبناؤه
- الموسيقى ومجزرة حلبجه
- زهور المدينة المدللة في الزمن الهني
- فان كوخ .... رحلة ضوئية باللون والجسد للتطهير من العنف
- طنجة .... برزخ الابداع والمنفى
- أسطورة النار المقدسة في الأزمنة المنسية


المزيد.....




- وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في المحكمة
- أمير قطر: تلقينا نبأ وفاة محمد مرسي ببالغ الأسى.. وخالص العز ...
- النيابة المصري توضح ماذا حصل قبل وفاة محمد مرسي خلال محاكمته ...
- أمير قطر يعزي في وفاة مرسي
- باكستانيات يبعهن كزوجات في الصين
- أول تعليق لنجل محمد مرسي على وفاة والده
- النبابة المصرية تكشف ملابسات وفاة محمد مرسي خلال جلسة محاكمت ...
- حبس علي حداد رجل الأعمال الجزائري المقرب من بوتفليقة 6 أشهر ...
- باكستانيات يبعهن كزوجات في الصين
- أول تعليق لنجل محمد مرسي على وفاة والده


المزيد.....

- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فاضل سوداني - جلجامش …….. والبعد السميولوجيي للنص البصري المعاصر