أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - أنا وحماري لخوان رامون خيمينث: بلاتيرو في العالم















المزيد.....

أنا وحماري لخوان رامون خيمينث: بلاتيرو في العالم


سعد محمد رحيم
الحوار المتمدن-العدد: 1954 - 2007 / 6 / 22 - 09:34
المحور: الادب والفن
    


في كتاب "أنا وحماري"* لخوان رامون خيمينث ( 1881 ـ 1958 ) يغدو الحمار ( بلاتيرو ) هو المروي له، في الغالب، فداخل بنية الكتاب المكوّن من 138 نصاً قصيراً، يعمد الراوي إلى مخاطبة حماره بحرف المنادى ( يا )، أو هو من خلال هذه التقنية يخاطب القارئ وينقل له تجربته مع حماره وهما يجوبان أنحاء قرية ( مغير/ مسقط رأس المؤلف ) متمتعين بجمال الطبيعة وتعاقب الفصول، يراقبان معاً البشر والحجر والغدران والمروج والأشجار وبقية الحيوانات، وكل شيء يصادفهما في طريقهما وهما يتسكعان معاً، أو يؤديان مهمة ما. والكتاب بمجمله استعادة عذبة لمقطع من الحياة له سحره وسطوته على ذاكرة الراوي، فثمة احتفاء بالطبيعة، أو بالأحرى بالقرية ( مغير ) وبالحمار نفسه الذي رغب الراوي، أو هو المؤلف، أن يجنبهما النسيان جاعلاً من قرية ( مغير ) مكاناً يُخلَّد من خلال نص أدبي، ومن بلاتيرو من أشهر الحُمر التي دبت داخل كتاب في تاريخ الأدب. وخيمينث في هذا الكتاب يذكِّرنا بحمار ( دون كيخوته ) الذي ابتكره مواطنه سرفانتس قبله بثلاثة قرون، مع الفارق في وظيفة، ودلالة حضور كل من الحمارين في نسيج العملين.
" بمقتضى التعريف الوارد في قاموس المجمع الأسباني، نعم أنت حمار على الوجه الذي أدركه وأفهمه، لك لغتك لا لغتي، كما أنه ليست لي لغة الوردة ولا لغة البلبل، وعلى هذا فلا تخش من أن أجعلك، كما قد تظن وأنا بين كتبي، بطلاً متكلماً في خرافة تقابل فيها تعبيرك المدوي بتعبير ثعلبة أو تعبير أبي حسون لأستخرج بعد ذلك في حروف بارزة الحكمة الأخلاقية الباردة الباطلة من المثل. كلا يا بلاتيرو" ص200. فهنا ينبهنا المؤلف إلى أنه ليس بصدد استنطاق الحيوان وحبك حكاية خرافية، مثلما ألفنا في حكايات عديدة، بل التعامل مع حمار حقيقي كما هو حال وطبيعة معشر الحُمر في هذا العالم. لكن العلاقة بين الراوي/ الشاعر وحماره ( بلاتيرو ) هي من نمط خاص، طابعه الرفقة والألفة والتفاهم..
والنصوص المئة والثمانية والثلاثين المكتوبة بلغة شعرية شفافة وآسرة، وهي بالمناسبة ديوان من قصائد النثر، تشكل في مجموعها نسيجاً سردياً واحداً، أي أن القارئ يستطيع أن يلتقط ويصل خيط الحكاية من أوله إلى آخره عبر المضي مع كلمات وجمل، أو قل أبيات الراوي/ أو المؤلف.
يوجه المؤلف كتابه إلى الأطفال، هذا ما يخبرنا إياه منذ البدء، مستشهداً بمقولة لنوفاليس "حيثما كان الأطفال كان العصر الذهبي" إذ يتغيا قلب الشاعر الرسو في ذلك العصر الذهبي وعدم هجره إلى الأبد. واستناداً إلى المؤلف فكتابه الموجز "يقترن فيه الفرح بالألم اقتران توأمين كأنهما أذنا بلاتيرو".
"بلاتيرو صغير كث الشعر رقيق، بض من ظاهره حتى ليجوز أن يقال إنه كله من القطن لا عظام فيه، كل ما هنالك أن مرايا عينيه اللتين من الكهرباء السوداء صلبة كجعرانين من زجاج أسود" ص13 هكذا يقدم لنا الراوي، بهذا الوصف المشع، حماره.. وهو معه في رحلة معرفة للأمكنة ومباهجها الملونة، فبلاتيرو الذي لا يستطيع تعلم رسم الحروف والقراءة يُدعى إلى التعلم من المرئيات والمحسوسات "تعال أنت معي، فسأعلمك الزهر والنجوم، ولن يضحكوا منك كما يضحكون من طفل أحمق، ولن يضعوا لك، كما لو كنت ما يسمونه حماراً، الطاقية ذات العينين الكبيرتين" ص22.
إنهما يتمتعان بفتنة الطبيعة، بألوانها وأشكالها وموسيقاها الخفية، يسيران بتكاسل ويلعبان وينظران، وها هما في ليلة عيد يراقبان النيران المفرقعة الصاعدة من القرية " يا لها من طواويس متقدة، وكتل خيالية من الورد الصافية، وديوك برية من النار في جنات النجوم" ص132. ولأن الشاعر يخشى نظرات الحسد التي تصوبها نحو بلاتيرو المتبطل الناسُ والحُمر في القرية، في موسم قطف العنب "وظلت الحمير الأخرى تنظر وهي محملة على بلاتيرو وهو طليق من أهل البطالة، ولكيلا يريدوا به شراً أو يظنوا به السوء ذهبت معه إلى الكرمة المجاورة وحمّلته عنباً ومضيت به إلى المعصرة على مهل بين الحمير... وبعد ذلك أخذته من هناك في الخفاء" ص128. فأي تفاهم وتعايش وتواطؤ هذا بين الكائنين؟.
في هذه الآونة لا يأبه الشاعر لصيحات أطفال الغجر وهم يركضون وراءه ويصيحون "المجنون، المجنون، المجنون" لمّا يجدونه ممتطياً صهوة بلاتيرو اللينة الرمادية وهو بزيه الغريب "لا بد أني وأنا متشح بثياب الحداد، ولحيتي السوداء الكبيرة، وقبعتي السوداء القصيرة، كنت ذا منظر غريب" ص24.
والكتاب هو محاولة للتواصل مع أشياء العالم وظواهره، مع الفراشات والقنابر والببغاوات والكلاب والأطفال والفتيات والعجائز، مع قطر الندى وزهرة الطريق والموكب الديني والديكة والغروب والصيف وغناء الصرصر ومساء أكتوبر والمقبرة القديمة والينبوع القديم، مع الثور الهارب والفجر واللهب ولبن الأتان وعيد الميلاد والنبيذ وجبل الذهب والبرج وطاحونة الهواء والبئر...الخ.
يقول عن البئر "البئر... يا بلاتيرو يا لها من كلمة عميقة، ذات خضرة قاتمة، رقراقة صائتة! كأن الكلمة هي التي تحفر، إذ تستدير، الأرض المظلمة حتى تصل إلى الماء البارد" ص94. وقد ألهمت الصور الشعرية المتدفقة هذه الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار فاستشهد بها في كتابه ( شاعرية أحلام اليقظة) وهو يتحدث عن دلالات البئر وأثرها وتمظهراتها في المخيلة، وفي تأملات الطفولة الشاردة. يقول باشلار؛ "لا يمكن أن يمر حالم الكلمات أمام تأملات كهذه دون تسجيلها".
أما والشاعر يمضي مع بلاتيرو في جولة، في طرقات الصيف العميقة وقد تعلقت بها أزهار العسل الرقيقة، تحت السماء الزرقاء، فنشعر كما لو أننا أمام مشهد مصور بكاميرا سينمائية، تتنقل بوازع إنساني طاغٍ وتحت تأثير حساسية مفرطة. "وأنا أطالع أو أغني أو أنظم شعراً للسماء، وبلاتيرو يعض عشب السياج القليل في الظل، وأزهار الخبازي المغبرة، وأزهار الحمّاض المصفرّة، وهو يقف أكثر مما يمشي فأدعه..." ص104. ومثل هذه الصور تتكرر وتتدفق في معظم نصوص الكتاب. وفي سبيل المثال، نقرأ أيضاً "ها هي تأتي في شمس الشارع الجديد الصبية التي تبيع الصنوبر، تأتي به فجاً محمصاً؛ سأشتري لي ولك بدرهم منها يا بلاتيرو." ص170.
ويبلغ ود الشاعر لحماره وصداقته معه، أحياناً، حدَّ أن ينسى أن هذا الكائن الذي يدعى بلاتيرو ما هو إلاّ حمار.. يصطحبه معه إلى العاصمة، وإذ هما يهمان بدخول الروضة معاً ينبهه الحارس:
"ـ يُمنع دخول الحمار يا سيدي.
ـ الحمار؟ أي حمار؟.
قلت له ذلك وأنا أنظر فيما وراء بلاتيرو وقد نسيت بطبيعة الحال صورته الحيوانية" ص133.
وكما وعد الشاعر حماره، إذا ما عاش بعده أن يكرم موته ولا يرميه، مثلما هي حال الحُمر حين تموت، في الوادي لتنهش لحمه الكواسر.. يموت بلاتيرو في سريره الذي من القش بعد أن يعاينه الطبيب العجوز ( داربون ) ويؤكد أن لا خير يرجى له.. وتبقى ذكرى بلاتيرو ساطعاً في مخيلة الشاعر "هنالك عند الزريبة التي يسودها الصمت وكانت كلما مررت بها يوقدها شعاع من الشمس يتخللها من النافذة، أخذت تحوم فراشة جميلة ذات ثلاثة ألوان..." ص210.
يظل الشاعر يسمع نهيق الحمار الشاكي في الغروب العاري، ويصنع تخليداُ له حماراً خشبياً يضع عليه سرج حماره الميت ويتركه في مخزن الأطفال الذين سيمتطونه ويشعرون كأنهم يركضون في مرج أحلامهم " هيا يا بلاتيرو! هيا يا بلاتيرو" ص213. ومساءً يذهب مع الأطفال لزيارة قبر بلاتيرو وهو في حقل لابنيا أسفل شجرة صنوبر مستديرة أبوية.
وتمر السنون ولا ينسى الشاعر حماره، وهذه المرة يجيء وحده ليكون مع موت بلاتيرو بعد أن يكون الأطفال قد كبروا وصاروا رجالاً ونساءً "أنجز الخراب عمله في ثلاثتنا ـ كما تعلم ـ ونحن على منفاه قائمون، سادة لأعظم ثروة: ثروة قلبنا... أنت يا بلاتيرو وحدك في الماضي، ولكن ماذا يعنيك الماضي وأنت تعيش في الخلود وفي يدك ذات الحمرة القاتمة التي كأنها في قلب إله جليل، كما في يدي، شمس كل صباح" ص217.
في رفقة الراوي/ الشاعر مع بلاتيرو نلمس ذلك الفيض من المشاعر الإنسانية العميقة والنبيلة، مشاعر المحبة والخير والشفقة والحزن والحنين والتسامح، ونستشف وهج الروح وهي تتحد مع كائنات العالم، ونكتشف تجليات وخبايا النفس البشرية وهي تخبر الفرح والألم معاً، وتنشد جمال الأعماق، والكمال والسلام.
* ( أنا وحماري ) خوان رامون خيمينث.. ترجمة: د. لطفي عبد البديع.. دار المدى/ دمشق.. طبعة خاصة/ 2000.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,055,838,779
- من لا يتغير؟
- مصالح
- الاستشراق والإسلام قراءة أخرى لشؤون الشرق
- -تقنية شهرزاد في -حكايات إيفا لونا
- مروية عنوانها؛ طه حسين
- -حياة ساكنة- لقتيبة الجنابي
- في الروح الوطنية العراقية
- إمبراطورية العقل الأميركي: قراءة أولى
- في الاستثمار الثقافي
- نحو حوار ثقافي عراقي
- بمناسبة بلوغه الثمانين: ماركيز بين روايتين
- حين يُصادر كافكا وبوشكين؛ الإيديولوجيا والإنتاج الثقافي
- فيروسات بشرية
- جحا وابنه والحمار
- الأفضل هو الأسرع
- الإعلام العربي: سلطة الإيديولوجيا ومقتضيات العصر
- سنة موت ريكاردو ريس: المخيلة تنتهك التاريخ
- السياسة والكذب
- النخب العراقية ومعضلة تأصيل الهوية الوطنية
- عن الربيع والموسيقى والقراءة


المزيد.....




- يوتيوب.. 100 فيلم مجاني من إنتاج هوليوود
- وفاة المسرحي اللبناني زياد أبو عبسي
- -القصة القديمة-.. مسلسل ينقل تل أبيب إلى عمّان ويثير سخط الأ ...
- أميرة أردنية تتعلم اللغة التركية في عمان
- العثور على قطعة فنية ثمينة عمرها 1600 عام بعد 4 عقود على سرق ...
- ما تبعات حرب اليمن على التراث الثقافي؟
- الفنان بانكسي المعروف والمجهول
- فنانة خليجية تضع مولودتها الاولى من زوجها الأمريكي واسمها غر ...
- معرض الكتاب الكويتي يلفظ مدونا إسرائيليا ويؤكد عروبة القدس
- مشروع القانون المالي على طاولة مجلس المستشارين


المزيد.....

- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - أنا وحماري لخوان رامون خيمينث: بلاتيرو في العالم