بصدد الحوار الدائر حول الريع والقيمة -2-


فلاح علوان
الحوار المتمدن - العدد: 6627 - 2020 / 7 / 25 - 17:03
المحور: الادارة و الاقتصاد     

إن موضوعة الريع والقيمة قد جرى نقاشها تاريخياً وتم تعريفها حسب وظيفتها وموقعها في الانتاج الاجتماعي، والاحرى الانتاج والتوزيع، كون الريع لا يشكل انتاجاً ملموساً بل هو نصيب فئة من الملاكين خلال عملية التوزيع. وعليه لسنا هنا بصدد إعادة تعريف نصوص أصبحت جزءاً من المفاهيم العامة في الاقتصاد، ولكننا سنستعين بالتحليلات الكلاسية للرد على تصورات تبتعد عن المفهوم الاصلي عند شرحها للاقتصاد المعاصر على ضوء النظرية التي نحن بصددها.
سنعتمد شرح كارل ماركس للريع وتحديداً من خلال ما جاء في الكتاب الثالث الذي يشكل عرضاً ناضجاَ جداَ وتفصيلياَ.
في الفصل التاسع والاربعون ص 964 من الكتاب الثالث رأس المال ترجمة فالح عبد الجبار – دار الفارابي يرد التعبير التالي " ما الربح ( ربح صاحب المشروع زائداً الفائدة) والريع سوى شكلين مميزين يرتديهما جزآن منفردان من فائض قيمة السلع، وإن مقدار فائض القيمة هو حد المقدار العام للاجزاء التي يمكن أن ينقسم اليها." انتهى الاقتباس. هنا إشارة واضحة الى ان الريع هو قسم من فائض القيمة يستولي عليه مؤجر الأرض أي صاحب الارض. وعليه فإن هذا يتناقض مع ما أورده السيد عبد الحسين سلمان حيث أورد المقطع التالي الذي يبدو انه مستقطع وغير تام، والّا فإن المعنى لا يستقيم مع مايؤكد عليه كارل ماركس.
" أن هناك ثلاثة أخطاء رئيسية يجب تجنبها عند تحليل ودراسة الريع العقاري , ومن هذه الأخطاء , أعتبار أن كل ريع عقاري هو فائض قيمة , .منتوج عمل فائض". http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=681658
ومن خلال سياق ما شرحه ماركس عن أصل الريع، يمكن الاستنتاج بوضوح إن مصدرالريع هو الفائض المتحقق بمستوى أعلى من المعدل الوسطي السائد عند السعر الناظم للسوق، أي سعر الانتاج بمستوى التكاليف السائدة ، وبالتالي بمستوى قانون القيمة. والقول "بأن من الخطأ إعتبار إن كل ريع عقاري هو فائض قيمة، منتوج عمل فائض" لا يعني ان الريع يتحقق خارج علاقات القيمة، بل العكس، فان إحتساب معدلات ونسب الريع قد جرى على أساس إنتاجية الأرض وفرق الانتاج عن الارض الأسوأ.
يرد في ص 872 الفصل الخامس والاربعون " الريع العقاري المطلق" : " انطلقنا في تحليل الريع التفاضلي من فرضية إن الأرض الأسوأ لاتحمل أي ريع عقاري، أو بتعبير أكثر عمومية، إن الأرض التي تحمل ريعاَ عقارياً هي تلك التي يكون سعر الانتاج الفردي فيها أدنى من سعر الانتاج الناظم للسوق، بحيث ينشأ بهذه الطريقة ربح فائض يتحول الى ريع".
وسعر الانتاج العام الناظم للسوق هو السعر الذي يدفع لقاء رأس المال الثابت ورأس المال المتغير زائداً الربح الوسطي. وبتعبير آخر ليس هناك مصدر للربح الزائد خارج تكاليف الانتاج وفائض القيمة. وفي حال تحقق ربح أعلى من أرض أكثر خصوبة، أي بدون زيادة تكاليف الانتاج، فان الفارق بين ما تحققه الارض الاكثر خصوبة مقارنة بالارض الاقل خصوبة سيشكل ريع الأرض الفرقي أو التفاضلي، الذي يكسبه المالك العقاري. ونفس الطريقة تنطبق على ريع المناجم، فالارض الاقل إنتاجاَ أو التي تنتج بمستوى سعر الانتاج الناظم للسوق، هي التي يقاس على أساسها الريع المتحقق في الارض التي تدر إنتاجاَ أعلى. ويزداد الريع بالتناسب مع الفرق مع السعر الناظم للسوق.
وفي حالة الاراضي البعيدة عن مراكز التسوق والتبادل، والتي تقل أسعارها أو مقابل إيجارها بكثير عن الاسعار وسط مراكز المدن، فانها بمقدار ما تساهم بحكم موقعها في زيادة المبيعات فان ذلك يشكل ريعا بالمقارنة مع الاراضي الواقعة بعيداً عن المراكز التجارية. وبمقدار ما تقترب الاسواق من الاراضي البعيدة بمقدار ما يرتفع ريعها.
إن المحاججة في النصوص وفي المقولات الكلاسية، لا يقدم الحوار في أي إتجاه، الاّ اذا كان هناك خلاف حول الفلسفة المعنية نفسها، ومن غير المثمر المحاججة حول نصوص ومفاهيم يتفق الكل حولها، وليس ثمة استنتاج جديد من الخوض في هذا الاتجاه بالذات. ولكن مصدر الحوار هو، برأيي أبعد من مسألة الخلاف حول المفاهيم، لقد كان المنطلق هو إستخدام هذه الادوات النظرية في التصدي لموضوعة طبيعة الاقتصاد في العراق، وكونه إقتصاد ريعي وليس فيه طبقات ..الخ. وهذه ليست مسألة إختلاف مفاهيم، إنها تصور سياسي بذاته، وعلى هذا التصور أن يثبت نفسه بتحليل ظواهر الاقتصاد في العراق وليس الاكتفاء بإستخدام المفهوم الماركسي للريع، والذي قام ماركس بالبرهنة عليه بإستخدام مئات والاف الوثائق والدراسات. ولكن الاكتفاء بترديد ما قاله ماركس لا يثبت أطروحة الإقتصاد الريعي في العراق مهما تعددت الامثلة والاستعارات.
أي بإختصار يتطلب تحليل طبيعة الإقتصاد في العراق، كما تتطلب دراسة أي ظاهرة أخرى، إستخدام المنهج الماركسي، وليس تعميم النصوص. وهذا هو منطلق الاختلاف السياسي أو النظري، إذ يمكن تواجد أناس يستشهدون بنفس النص ولكنهم يستنتجون استنتاجات متناقضة، أو حتى متناحرة. إذن فإن استخدام نصوص ماركس لا يعفي من الوقوع في استنتاجات بعيدة كل البعد عن التحليل الماركسي. وفي هذا الصدد فالمنطلق الأساس في الجدال كان "عدم وجود طبقات في العراق"، وهذا الاطلاق بحاجة الى أدلة وبراهين وليس مجرد التشبيه وتوصيف طبيعة الريع.