-4- مسارات الإنتفاضة الحالية


فلاح علوان
الحوار المتمدن - العدد: 6477 - 2020 / 1 / 30 - 20:47
المحور: ملف: الحراك الجماهيري والثوري في العالم العربي، موقف ودور القوى اليسارية والديمقراطية     

ردد المتظاهرون طيلة أشهر " نريد وطن" فردت البرجوازية الإمبريالية" نريد أقاليم.
إن شعار " نريد وطن" يستهدف، بالضرورة، تقويض نظام المحاصصة والطائفية والمكونات وتقسيم المجتمع وفق مصالح القوى الحاكمة المرتبطة بالإمبريالية مباشرة، وقد رأت تلك القوى، التي تعتاش على تقسيم المجتمع وتفتيت قواه في هذا الشعار تهديداً لدورها السياسي. وأمام هذا التهديد بادرت البرجوازية الحاكمة والمتسلطة بالتلويح مجدداً بمشروع الأقاليم الذي سبق إن طرحه جو بايدن. ويشكل دور أمريكا في تعزيز هذه النزعة للضغط على النظام العراقي، الذي طرح مسألة إخراج القوات الأمريكية من العراق وصوت عليها البرلمان، رافعة بيد القوى التي تلوح بالأقاليم مجدداً. تريد هذه القوى السياسية إدامة الحكم الطائفي القومي المحاصصاتي وتكريسه وتحويله الى أمر واقع، وهي بالتالي ترى في شعارات الإنتفاضة خطراً على مستقبلها ووجودها السياسي، إنها قوى طفيلية منفلتة مستهترة، ولكنها ذليلة أمام إغراء المال والسلطة.
إن كون البرجوازية المتسلطة هي السباقة في المبادرة السياسية بوجه مطالب الإنتفاضة، يعني إن الإنتفاضة ما زال ينقصها الكثير، وخاصة فيما يتعلق بالمنظور العام للنظام السياسي وشكل الدولة، خاصة مع تقلص شعار تغيير النظام الى تغيير رئاسة الحكومة والوزارة.
تصاعدت دعوات إقامة الإقليم السني على خارطة يجري ترسيمها، وهو بالطبع مشروع مطابق لما طرحه بايدن منذ سنوات، بإعتباره ممثلاً لسياسة الإمبريالية الأمريكية في العالم. إن الجماهير في المنطقة الغربية من العراق، يشاركون في الإنتفاضة بصورة مباشرة في ساحات الإحتجاج في بغداد ومدن أخرى، ولكن مدن المنطقة الغربية لا تشهد تجمعات وإعتصامات ليس بسبب عدم الرغبة، بل بسبب واقع سياسي وأمني من جانب، ومن جانب آخر بسبب مساعي قوى سياسية تريد تكريس أوضاع بعينها وتختلق الذرائع والمبررات لهذا الغرض. ومهما كان نوع الموانع التي تعيق تعبير جماهير المنطقة الغربية عن موقفها السياسي والإنخراط في الإنتفاضة، فإن النتيجة ستكون دعماً لتطلعات دعاة الخصوصية السياسية والثقافية وبالتالي الإقليم، بإعتبار إن الغربية تعيش واقعاً سياسياً خاصاً. وقد نظم العديد من دعاة الإقليم إجتماعات في عواصم مجاورة، وشكلوا جماعات لتولي مهام التحضير السياسي والتعبوي للاقليم السني، ووزعت الأدوار بين من يدعو مباشرة للإقليم السني، أو من يطلق عليه إقليم إداري للمنطقة الغربية تفادياً لموقف الجماهير الرافض لهذه المشاريع. ومهما يبدو الشكل العشائري المذهبي للإجتماعات الاّ أنها في الحقيقة تجسيد لمشروع إمبريالي مطروح، يطابق تصورات ومصالح القوى الساعية لإقامة الاقليم.
كان من النتائج التي أفرزتها الأوضاع السياسية الناجمة عن تطورات الإنتفاضة وتعمق أزمة النظام، لحد الساعة، هي كون الإنفصال السياسي لإقليم كردستان أصبح أشد وضوحاً، ليس على صعيد إنفصال سلطة الإقليم عن المركز، بل على صعيد المجتمع. وكذلك تعززت العلاقات الخارجية الخاصة لحكومة الإقليم بمعزل عن الحكومة المركزية، بل بالتضاد والتعارض معها. وأعلن بارزاني لأمريكا بعد تصويت البرلمان على خروج القوات الأمريكية من العراق، بأن هذا القرار غير ملزم للإقليم وإن أبواب الإقليم مفتوحة أمام القوات الأجنبية.
يشارك العديد من جماهير كردستان وسكان بغداد والمحافظات من الكرد في الاعتصامات منذ أيامها الاولى، في حين لا تشهد مدن كردستان إعتصامات وتجمعات احتجاجية، رغم الأوضاع المعاشية الصعبة التي يعيشها سكان الإقليم ورغم الفساد وسيطرة حكم العائلات. وإذا ما أخذنا بنظر الإعتبار التقييد والقمع السياسي الشديد وخاصة في أربيل ودهوك، الذي يمكن أن يشكل عاملاً أساسياً يمنع قيام حركة شعبية، فإن هذا بحد ذاته كان يتطلب النضال بوجهه في ظروف تصاعد الاحتجاجات العامة اليوم. أن الجماهير تتطلع للمشاركة في الإنتفاضة، ولكن المنع والتضييق الذي تقوم به القوى المهيمنة هو العائق وليس الخصوصية الثقافية والسياسية.
إن هذه المخاطر تنجم عن إنحصار الإنتفاضة في بغداد ومدن الجنوب، وعدم إتساعها لتصبح ثورة شاملة.
لخص المتظاهرون بـعبارة "نريد وطن" مجمل ما يخص العدالة وكرامة الإنسان الذي يحس بالضياغ والإغتراب والفقر والإذلال والتسلط والمستقبل المجهول. أرادوا بهذا الشعار إختصار مطالب الإنسان الذي يريد تأمين العمل والعيش والكرامة والتعبير عن مصيره السياسي والحياتي.
وحيث أن شعار "وطن" هو تعبير عام مفتوح، فسيمكن لأي سياسي إستخدامه بطريقته. بل الأحرى إن الحكومات البرجوازية والقوى السياسية البرجوازية، لم تكن تستخدم غير تعبير الوطن لتبرير ما تقوم به وللتعبئة تجاه ماتريده، ليس في العراق فقط بل في العالم أجمع. حيث تقوم بتبرير إستغلال الإنسان بحجة هذا إبن وطنك الصناعي أو التاجر أو صاحب الأراضي، وذاك إبن وطنك القائد العسكري حاميك وحامي الوطن، وهو الذي يعدم الجنود في الجبهة إذا رفضوا الإنصياع لأمره، أو رفضوا قتل الناس على الحدود المقابلة. أو يقولون له هذا باني وطنك الملك الفلاني الذي يحكم لنصف قرن ليخلفه إبنه. يقولون للمواطن نريد كرامة وطنك حين يزجونه في حرب طاحنة، لينام في الخنادق سنوات.
لقد إستخدمت البرجوازية شعار الوطن بصورة موجهة طبقياً وفق مصالحها، في حين يرفع المتظاهرون شعارهم بصورة عمومية غير محددة الاتجاه وبالتالي شعبوية، رغم النوايا الإنسانية المخلصة.
لم يستطع خطاب الإنتفاضة تعريف مستلزمات بناء هذا الوطن المقصود، وبقي شعار " نريد وطن" يحمل زخماً عاطفياً تعبوياً، ولكنه لا يجنب من إمكانية إستغلاله من قبل القوى الحاكمة أو المتنفذة أو المعارضة المتطلعة للصعود، لتحرفه عن المعنى الذي يقصده المتظاهرون. يمكن للحث الأخلاقي والتحفيز العاطفي إدامة الإعتصامات والتظاهرات لمدد أطول، ورفع الإستعداد للتضحية درجات أعلى، وتصعيد الحراك هنا وهناك، ولكنه لا يكفي لتقويض نظام المحاصصة والطائفية والمكونات، وبناء المجتمع الذي ينشده دعاة شعار " نريد وطن".
يتبع -