أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - قلق وجودي: سورية والمعضلة الإسرائيلية















المزيد.....

قلق وجودي: سورية والمعضلة الإسرائيلية


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 00:34
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


لا تستطيع سورية مواجهة الطور الحالي من العدوانية الإسرائيلية بوسائل عسكرية، هي الرد الوحيد الصحيح على المعتدي لو توفرت الإمكانيات. هناك فوارق قوة هائلة بين الكيان المعتدي والبلد الضعيف المدمر على نطاق واسع. لكن لا تستطيع سورية كذلك ألا تفعل شيئاً في مواجهة التوسعية الإسرائيلية التي تحمل مخاطر وجودية تطال بقاء الكيان السوري بالذات. ما الذي ينبغي فعله إذن؟
ليس ثمة خيارات جيدة في نطاق موازين القوى القائمة، لكن يتعين اتباع المسالك الأقل سوءاً، التي يرتجى منها وقف الضرر عند حده الراهن، والتخطيط لتحسن نسبي في موقع البلد في مواجهة التحدي الإسرائيلي مع الوقت.
أول المسالك التمسك بالشرعية الدولية وتبني خطاب سلمي حيال مشكلات المنطقة عموماً، ومنها البلطجة الإسرائيلية المستمرة. الحكم السوري مدعو اليوم إلى أن يعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن، وإن تعذر ذلك من الجمعية العامة للأمم المتحدة يذكر بسورية مرتفعات الجولان ويدين التوسعات الإسرائيلية الأحدث.
ويتصل بذلك وجوب إعادة هيكلة العلاقات السورية الدولية باتجاه علاقات أحسن مع بلدان الجنوب العالمي، مع الحفاظ على أفضل علاقات ممكنة مع القوى الدولية النافذة، الأميركيين والأوربيين، وكذلك الروس والصينيين. سورية بلد ضعيف وفقير، ومكانها الدولي بين الضعفاء والفقراء، وليس بين الأغنياء والقادرين، وإن تعين دوماً تجنب معاداة القادرين على الأذى.
واليوم وفي كل وقت سورية مطالبة بالحرص على العلاقات العربية، وتفادي الدخول في استقطابات ومحاور. الشيء الصحيح مثلاً هو ألا تدخل قوات سورية في لبنان ضد حزب الله، أو ترسل إلى اليمن ضد الحوثيين، أو تنضم سورية إلى تحالف مكة. ليس ضعف سورية وحده ما يزكي تجنب هذه الدخلات الخطرة، بل حاجة البلد إلى أن يستجمع كل ما يستطيع من قوة، للدفاع عن الكيان الوطني في حال فرضت المواجهة فرضاً.
لكن ما سبق هي إجراءات تكميلية، ربما تساعد قليلاً في كسب قدر من التضامن الدولي والعربي. الجبهة الرئيسية لسياسة الضعف السورية هي الداخل السوري. والمعول عليه هنا هو ترتيب الأوضاع السورية على نحو يكفل أوسع مشاركة للسوريين في الحياة العامة، ويعالج تمزقات النسيج الاجتماعي السوري القديمة والأحدث. وأول الواجبات إخراج الحرب من الداخل السوري كلياً ونهائياً، كي تكون سورية في وضع أفضل إن استهدفت إسرائيل وجودها. الحكم الحالي في وضع سيء سلفاً من هذه الناحية، فهو يتحمل المسؤولية الأولى عن توريد الحرب إلى الداخل السوري بفشله في المعالجة السياسية لمشكلة السويداء قبل وبعد حدوثها، فضلاً عن شناعة المعالجة الأمنية للمشكلة ذاتها. هذا الفشل الكارثي أعطى الكيان العنصري دور المنقذ في السويداء، وعزز من مواقع التيار الكياني الذي يتزعمه الشيخ الهجري. صارت إسرائيل بذلك لاعباً علنياً في الداخل السوري لأول مرة.
هناك حاجة إلى مبادرة مصالحة وطنية من قبل السلطة أو من فريق محكمين وطني يمنح تفويضا كاملاً، لمعالجة تبعات مجازر الدروز والعلويين، على نحو يقلل من انقسام الداخل السوري الذي يبقي البلد في حالة وهن دائمة. وهو ما يقتضي كذلك إعادة هيكلة جذرية للنظام السياسي في اتجاه ديمقراطي يكفل التغير السياسي السلمي والمواطنة المتساوية للسوريين دون تمييز. إسرائيل كيان إثني قومي، عنصري حيال غير اليهود. وآخر ما يصلح لمواجهة كيان كهذا هو أن تصير سورية دولة إثنية قومية، تقوم منهجياً على التمييز الطائفي بين السوريين، ويكون السنيون العرب هم يهودها.
ضعف سورية الحالي نتاج تركة ثقيلة من عقود من حكم تمييزي وفاسد، ومن بيئة إقليمية ودولية قاسية وأنانية، لكنها نتاج إضعاف ذاتي راهن، مصدره الأساس هو التوجه في السياسات الداخلية والخارجية نحو إرضاء الأقوياء والنافذين. نعم، سورية لا تستطيع أن تجازف باستعداء الأقوياء الدوليين والإقليميين، لكن لا يستقيم اعتماد سياسة ضعف حيال الأقوياء وسياسة قوة وإخضاع حيال قطاعات من السوريين ألأضعف.
منذ نشوء كيانها، وجدت سورية نفسها أقرب إلى عالم الضعفاء الذي تنتمي إليه بالفعل. ما فعله نظام حافظ الأسد هو التصرف كقوة متجبرة تجاه الأضعف في الداخل وفي الإقليم، السوريين والفلسطينيين واللبنانيين، مع مراعاة الأقوياء في الإقليم والعالم. كان هذا حكماً بلطجياً. وكان حكم بشار حكم القوة في الداخل والمراوغة في الخارج، إلى حين احتمى بأقوياء لضمان بقائه. وفي النهاية لم يضمنوه.
فإذا كان التاريخ السوري مُحَكِّماً، فالأصح هو التصرف كبلد ضعيف يعمل على نيل عطف وتضامن أشباهه، ويحرص على شراكة وطنية تقرب بين السوريين. هذا هو موقع سورية وهو خلاصة تاريخها. القوة تستخدم فقط في حالة الدفاع الأخير عن النفس، مما لا يمكن استبعاده في مواجهة النظام الإسرائيلي، الجانح تكوينياً نحو العدوان والتوسع والإبادة. قد تفرض مواجهة واسعة في أي وقت، وستعمل إسرائيل عندها على تفتيت البلد، وليس إسقاط النظام فقط. سورية في خطر وجودي فعلاً.
والمهم بعد ذلك هو بناء استراتيجية وطنية حول هذه المسالك، تنضبط بها سياسة الدولة على مدى أطول. هل تستطيع البنية السياسة السورية الحالية حمل استراتيجية كهذه؟ لا هذه ولا غيرها. لأنها بنية غير عقلانية، قائمة على الولاء والمحاباة، وعلى استئثار الفريق الحاكم بالسلطة والموارد العامة، وتعيد إنتاج الانقسامات الوطنية. لذلك فإن أول بند في استراتيجية سورية عامة في مواجهة إسرائيل هو العمل على بناء هياكل سياسية قادرة على أن تكون لها استراتيجية وطنية.
لكن هل يترك "الحرامي" الإسرائيلي صاحب البيت السوري لو تركه هذا عند هذا الحد من سرقته؟ وعمل بعد ذلك بجد على رعاية شؤون بيته؟ هذا مستبعد كذلك اليوم. تريد إسرائيل في سورية حكماً يستخدم السلاح لمواجهة شعبه فقط مثل الحكم الأسدي. ولعل تكتيكاتها الراهنة مصممة لتكييف الحكم الحالي كي يعيد السيرة الأسدية، وفي شروط أسوأ بكثير: يسلم بما تريد إسرائيل مقابل بقائه كسلطة حارسة غير منتخبة. فإن كان للنظام القائم اليوم ألا يسلّم بالقدر الإسرائيلي، فعليه أن يتحرر من وهم الحكم الأبدي، وأن تتجه سورية إلى انتخابات تعددية وحرة قريباً. الاستراتيجية ألأنسب لمواجهة إسرائيل هي الاستراتيجية الأنسب لحكم دستوري منتخب في سورية.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مضامين الأفكار ووظيفتها وتاريخيّتها: أمثلة سورية
- التطرف الخطابي والتطرف البنيوي
- الشرع ونتنياهو والقانون الدولي
- المثقف السوري والمثقف العربي
- سورية: من الثورة إلى الثروة
- الدين والدولة والنزاع على السيادة في سورية اليوم
- من يخشى تذكُّر رزان زيتونة ورائد الفارس؟
- من يتضامن مع المعتقلين السياسيين الإيرانيين؟
- نموذج الحُكْم اليدوي: مُداخلة في شأن السلطة والمعرفة والذاتي ...
- سورية بعد ربع قرن من 11 أيلول 2001
- سورية والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي
- بخصوص الحكم بإعدام بشار الأسد
- التعذيب والأبد بين عهدين سوريين
- -أطول واحد بالحارة-: بروفايل سوري
- سورية والأزمة الوطنية الجيليّة
- قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟
- أين الخطأ في كتاب بارتوف: -إسرائيل، أين الخطأ؟-؟
- الشرعية في مجتمع مُنقسِم
- السويداء والمصالحة الوطنية السورية
- التبعية العربية والعدمية الإسلامية


المزيد.....




- مصر وليبيا تعلنان مشروعات مشتركة للغاز والنفط
- آيزنكوت يرد على عرض نتنياهو تشكيل حكومة وحدة: فك التحالف مع ...
- ترامب يأمر وزارة العدل بالتحقيق في ابتزاز الديمقراطيين
- باراك دافيد يسخر من دعوة نتنياهو لحكومة وحدة: لا تقل زيفا عن ...
- فرنسا تبني مخبأ سريا لماكرون تحسبا لاقتحام قصر الإليزيه
- ترامب يعرض على دانا وايت منصب المتحدث باسم البيت الأبيض
- موسكو: الاتحاد الأوروبي يدعم ضربات كييف للطاقة
- وسائل إعلام: نتنياهو كان يخطط لضرب إيران وواشنطن أوقفته
- روسيا تأمل أن تعيد قمة مجموعة العشرين الحوار المتكافئ
- أردوغان يدعو ترامب إلى إيجاد حل دبلوماسي للنزاع مع إيران


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - قلق وجودي: سورية والمعضلة الإسرائيلية