أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الشرع ونتنياهو والقانون الدولي















المزيد.....

الشرع ونتنياهو والقانون الدولي


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 22:38
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


أُطلقت قبل أسابيع في نيويورك تصريحات مثيرة من قبل أحمد الشرع وبنيامين نتنياهو، كانت تستحق اهتماماً أكبر من حيث مضمونها، وأكثر بعد من حيث علاقتها بالهياكل السياسية والفكرية لكل من سورية الحالية وإسرائيل. الرئيس الانتقالي السوري قال إن الجولان أرض سورية، وقرارات ضمها إلى إسرائيل باطلة بحسب القانون الدولي، وذكر بالتحديد قرار مجلس الأمن رقم 497 بهذا الخصوص. رئيس الوزراء الإسرائيلي رد مخاطباً الشرع بأن اليهود في الجولان منذ زمن النبي موسى، وأحاله إلى الكتاب المقدس، يعني التوراة.
سليل القاعدة، الإرهابي السابق، السلفي الجهادي، الذي كان يصدر عن خلفية عقدية سياسية عدمية تجاه القانون والنظام الدولي، يحيل اليوم إلى القانون الدولي بخصوص مرتفعات الجولان، هذا بينما يتكلم نتنياهو الذي يصدر عن تراث صهيوني علماني ويميني عن النبي موسى والكتاب المقدس، وضمناً يرفعهما فوق القانون الدولي الذي أقام كيان إسرائيل. الأصولي الإسلامي يتكلم بلغة علمانية، والعلماني اليميني يتكلم بلغة دينية أصولية. واحد يتكلم بلغة الشرعية الدولية المقبولة من الجميع من حيث المبدأ، وليس بلغة الشريعة الإسلامية الخاصة، وواحد يتكلم بلغة "الشريعة اليهودية" إن جاز التعبير، ويستخف بالشرعية الدولية. نتنياهو يعبر عن مسالك انفصالية عن العالم، مستنداً إلى دعم أميركي وغربي لكيانه (وإن ليس حتماً له شخصياً ولسياساته)، وإلى قوة إسرائيلية فتاكة، ليس في مواجهة سورية وحدها، بل وجميع البلدان العربية ودول الشرق الأوسط. أما الانفصالي الإسلامي السابق، الذي كان معادياً لفكرة العالم وشرعيته وقوانينه، فيتبنى موقفاً "اتصالياً" وتواصلياً بالأحرى، لكن في افتقار شديد إلى القوة.
هذا مثير. كان نقد المثقفين العقلانيين العرب لسياسات الدول العربية بخصوص فلسطين إنه يستند إلى منطق الحق التاريخي لا القانون الدولي، وأنه يتكلم بلغة عاطفية غير مفهومة عالمياً، هذا بينما كان الإسرائيليون يتكلمون بلغة القانون والمصالح العقلانية، رغم أن لديهم سردياتهم كذلك بخصوص الحق التاريخي والمعاناة الحديثة والأقدم.
التحول الجاري يبدو مرتبطاً من الجهة السورية، والعربية بعامة، بالضعف الشامل، العسكري والاقتصادي والسياسي، وقد زادته الانهيارات الداخلية حدة. من الجهة الإسرائيلية هناك فائض القوة الذي يحيل الكلام على القانون الدولي إلى لغة للضعفاء والعاجزين. القوي يستبد، ونتنياهو يعرض ميلاً متطرفاً للاستبداد في مواجهة أي قوى فلسطينية أو عربية أو إقليمية، لها مطلب وتطلعات نحو حد أدنى من المساواة. تاريخ إسرائيل هو تاريخ فجور متزايد في استخدام القوة، في الانفصالية والفوقية اليهودية، في ازدراء القانون الدولي، في النزعات اليمينية والعنصرية. نتنياهو شخصياً تكثيف لكل ذلك.
قامت إسرائيل أصلاً على شكل ارتباط بالعالم وقواه الفاعلة كان إيجابياً على كيانها حتى وقت قريب. فهي مركز متقدم للحضارة الغربية في مواجهة آسيا والشرق الإسلامي المتخلف والعنيف، مثلما تصورها هرتزل في وقت مبكر من ظهور الحركة الصهيونية، وهي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط مثلما صار يقال بعد قيام كيانها، وتربطها علاقات وثيقة بالقوى الغربية وعلاقات تتحسن بغيرها، وتنال شبه إجماع بين يهود العالم على دعمها، وإن مع انتقاد بعض مسالك زعمائها أحياناً. كان هذا الشكل من الارتباط العالمي سنداً وطيداً لقوة إسرائيل وازدهارها، وهو يبدو اليوم مضعضعاً بعض الشيء، بفعل ظهور شكل من البربرية الإسرائيلية يقارن بأبشع قوى الإبادة الحديثة، واتساع رقعة الاعتراض على مسالكها عالمياً، بما في ذلك في الغرب بعد غزة (وهو ما تمثل في مقاطعة وفود نحو سبعين دولة لكلمة نتنياهو إياها)، وانقسام أوسع في الأوساط اليهودية.
شكل ارتباط العرب بالعالم المعاصر مغاير تماماً. نراه خطراً وعدوانياً، قواه الفاعلة تعادينا ولا تحترمنا. وجوارنا نفسه بين معاد وغير ودود. هذا "عالم ليس لنا" بحسب عنوان مجموع قصصية لغسان كنفاني. نشارك في المنظمات الدولية، لكن بدون روح شراكة وإرادة تطوير لها. نظرتنا إلى العالم تؤسس لارتباط غير إيجابي به، لموقف حرون وانسحابي، أو حتى لتعامل عدمي معه، وهذا مما كان أحمد الشرع بين من تربوا عليه. تنفرد عدميتنا بأنها استندت إلى عمق إسلامي، يحتكر المعنى لنفسه ويجرد منه العالم، فيحكم عليه بالدمار بوصفه عالماً كافراً.
لهذا يثير كلام الرجل على القانون الدولي أسئلة تتصل بما إذا كان الأمر يتعلق بنظرة مغايرة إلى العالم، ربما تفكر فيه كفضاء لمشكلات وتحديات كبيرة، يتعين العمل مع آخرين لمعالجتها، وبالتالي شكل ارتباط يقوم على التعاون والشراكة، ولا يستبعد الاعتراض والمخاصمة، لكنه ليس منسحباً ولا عدمياً. ليس هناك مؤشرات على ذلك. البعد الفكري للحكم الجديد ضامر، وما ينسب إليه من براغماتية هو أقرب إلى استغناء عن الأفكار منه إلى تعامل مرن معها. ليس في تراث القوم ما يقبل التعامل المرن، فإما العدمية وإما التخلي.
ثم أكثر من ذلك يثير الكلام على القانون الدولي أسئلة بخصوص البنية السياسية والقانونية للحكم الذي يقف الشرع على رأسه في سورية اليوم. وبالتحديد عما إذا كانت هذه البنية تدعم الكلام على القانون الدولي وتسنده. الإجابة متشككة. ما هو قائم في سورية اليوم ليس حكم القانون ولا يبدو سائراً في هذا الاتجاه. ما يمكن تبينه من واقع اليوم يتراوح بين مكافأة المحررين لأنفسهم على التحرير بنفاذ امتيازي على الموارد العامة، فوق الاستئثار بالسلطة، ومحاباة شاملة للأقارب وتقديم للموالين، مع مساع من بعض أوساطهم لأسلمة الحياة العامة، وهذا مع إعلان دستوري يركز السلطة في يد الشرع نفسه، وسلطة تشريع خفيفة الوزن وغير منتخبة.
كان قد أضعف سورية والبلدان العربية أن حالها لا يكف عن تكذيب مقالها المعترض على التمييز وانعدام العدالة الدولية، ذلك أنها حال تقوم على ضروب فادحة من التمييز وانعدام العدالة. ربما صارت الخطابات العربية أكثر عقلانية على مستوى المنظمات الدولية، لكن البنى الاجتماعية والسياسية العربية ليست كذلك. وهناك واقعة بنيوية مديدة توضح الفارق بين سورية وعموم الدول العربية وبين إسرائيل. دولنا سياسية حيال الخارج الدولي، قواه النافذة بخاصة، وسيادية في داخل بلدانها، تتعامل معها كـ"جبهة داخلية" ينبغي أن تكون متراصة وخالية من التعدد. تنظر دولنا إلى الداخل بعين السيادة الواحدة، وهي مثل عين ميدوزا، تحيل من يرى نظرتها إلى حجر. بينما تنظر إلى المجال الدولي بعين السياسة التعددية القابلة للحلول الوسط والتسويات والمساومات. فهي بذلك دول مقلوبة، تسوس حيث ينبغي أن تسود، وتسود حيث ينبغي أن تسوس. إسرائيل، بالمقابل، تنظر إلى داخلها اليهودي بعين السياسة التعددية، وإلى خارجها الدولي بعين السيادة الواحدية فلا تقبل الدخل في شؤونها الداخلية، وإلى المحيط العربي بعين ما فوق السيادة إن جاز التعبير، أي عين الاستثناء الدائم، فلا ترتضي منه غير الرضوخ والتبعية، وإلى الشعب الفلسطيني كموضوع للمحو والإزالة.
واقع سورية كدولة مقلوبة هو ما يجب أن يتغير إن كان لها أن تستطيع تحمل الطور الحالي من العدوانية الإسرائيلية الفائقة، وإن كان للكلام على القانون الدولي أن يكون شيئاً آخر غير تمسح به بفعل الضعف.
كانت سورية بلا عالم طوال سنوات ما بعد الثورة، مجتمعاً منكشفاً تركت قطاعات منه للإبادة دون حماية من العالم الذي هو جزء منه. اليوم سورية بلا عالم داخلي، عالم جامع للسوريين يرتكز إليه طلبهم بأن يكونوا محميين على قدم المساواة. أي أن تكون لهم الحقوق نفسها لأن لهم "الحق في الحقوق" كمواطنين، ليس بينهم من هو ضيف عند أحد أو لاجئ عند أحد. هذا ما يسند الإهابة بالقانون الدولي كأساس للحق السوري في مرتفعات الجولان، لإنه قبل ذلك يجعل سورية دولة عامة والسوريين أمة مواطنين.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف السوري والمثقف العربي
- سورية: من الثورة إلى الثروة
- الدين والدولة والنزاع على السيادة في سورية اليوم
- من يخشى تذكُّر رزان زيتونة ورائد الفارس؟
- من يتضامن مع المعتقلين السياسيين الإيرانيين؟
- نموذج الحُكْم اليدوي: مُداخلة في شأن السلطة والمعرفة والذاتي ...
- سورية بعد ربع قرن من 11 أيلول 2001
- سورية والحاجة إلى آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي
- بخصوص الحكم بإعدام بشار الأسد
- التعذيب والأبد بين عهدين سوريين
- -أطول واحد بالحارة-: بروفايل سوري
- سورية والأزمة الوطنية الجيليّة
- قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟
- أين الخطأ في كتاب بارتوف: -إسرائيل، أين الخطأ؟-؟
- الشرعية في مجتمع مُنقسِم
- السويداء والمصالحة الوطنية السورية
- التبعية العربية والعدمية الإسلامية
- لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!
- خواطر في المسألة العربية
- الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم


المزيد.....




- النص الكامل لنداء محمد بن راشد لأبناء الخليج
- أحدث ظهور للزعيم الكوري الشمالي بعد مزاعم -النزيف الدماغي وا ...
- القوات الجوية الأمركية تطلب تمويلا لتعويض تأخرها عن روسيا في ...
- مباشر - فرنسا: حظر تجول ليلي يدخل حيز التنفيذ في عدة مدن بين ...
- بيونغيانغ تهدد بنشر مزيد من الأسلحة واستئناف الدعاية ضد سول ...
- أزمة أوكرانيا.. تصعيد في الانتقادات بين ترامب وزيلينسكي
- بعد تراجع المساعدات..  مخاوف جديدة تؤرق عائلات غزة
- عراقجي: التعاون بين طهران وموسكو في أعلى مستوياته التاريخية ...
- العثور على أكثر من 100 بكتيريا غير معروفة للعلم في التربة ال ...
- من ويتشيتا إلى باريس.. ترامب يرسم -سيناريو الكابوس- ويحذر ال ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الشرع ونتنياهو والقانون الدولي