أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة الأخيرة ب)















المزيد.....



تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة الأخيرة ب)


عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني

(Abdalla Elfakki Elbashir)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 00:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نحو تحرير دراسة الرسالة الثانية من الإسلام ونقدها من هيمنة أفق الرسالة الأولى ومنهج الفقهاء

"الفكر الجمهوري، فكر محاول أن ينزل السماء إلى الأرض، محاول أن يوفق أو يزاوج بين البناء التحتي والبناء الفوقي، يحاول أن يوفق بين الروح والمادة، بصورة لا تتجه إلى التعميمات، ولا تتجه إلى أخذ القضايا المسلمة، التي هي بطبيعة الحال تمشى مع العقيدة، وهي من ميراثنا.. الفكر الجمهوري بيعتقد أنه فكر ناقد، وأنه مُتهيئ ليخاطب العلماء والفلاسفة والمثقفين، من غير المسلمين، من غير الكتابيين، وأنه يستطيع أن يكون فكر إنساني، يُقنع المفكر والمثقف الإنساني".
محمود محمد طه، الأربعاء 11 ديسمبر 1974

نواصل في هذه الحلقة، التي تعقبها الحلقة الختامية، تعقيبنا على ما أثاره الدكتور أمين حامد زين العابدين من قضايا حول فكر محمود محمد طه. كنا قد أسسنا في الحلقة الماضية لمفهوم "النقد الجربندي"، وخلصنا، في ضوء الدلالات التي عرضناها، إلى استخدام هذا المصطلح لوصف ممارسة نقدية تتصدى للأفكار والنصوص والأعمال الفكرية دون إحاطة كافية بموضوعها ومصادرها، أو امتلاك الأدوات المنهجية اللازمة لفحصها. وهي ممارسة تستعيض عن المعرفة بالانطباع، وعن التحليل بالتخمين، وعن البرهان بالأحكام المسبقة والتأويلات المتعسفة. وتتجلى في اقتطاع النصوص من سياقاتها، وتحميلها ما لا تحتمل، وإطلاق الأحكام دون سند كافٍ، والإخلال بدقة التوثيق والاستدلال، وتجاهل مقتضيات النقد العلمي الرصين. وقد قلنا إن نقد الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه يقدم شاهداً دالاً على تجليات هذا النمط من النقد، كما أوضحنا في مقالاتنا السابقة. وسنعرض في هذا المقال، بجزأيه، مزيداً من نماذجه وشواهده.
وسنتوقف كذلك عند استدعاء الدكتور أمين في تعقيبه علينا لآراء الدكتور محمد محمود، الواردة في كتابه الرؤية القرآنية: قراءة تحليلية نقدية (2025)، وفي مقاله: "في التعقيب على الأستاذ خالد الحاج: مدرسة محمود محمد طه بين الترهيب الفكري والانقسام الأخلاقي"، 16 مارس 2021، وهما لم يكونا ضمن مصادر كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، لنبيّن أن التقاطع بين النقدين لا يقف عند حدود النتائج، بل يمتد إلى المنطلقات والمنهج. فكلاهما، في تقديرنا، يثير سؤالاً جوهرياً حول مدى إمكان نقد الرسالة الثانية من الإسلام انطلاقاً من أفق الرسالة الأولى من الإسلام، وبأدوات المنهج الفقهي.
وتتجلى هنا ضرورة حاجتنا إلى تحرير دراسة الرسالة الثانية من الإسلام ونقدها من أفق الرسالة الأولى من الإسلام، ومن منهج الفقهاء في النظر والتحليل، بدلاً من مقاربتها في ضوء مقولات فقهية لا تنسجم مع بنيتها الفكرية ومنطلقاتها المعرفية. ذلك أن من ينطلق في نقدها من أفق الرسالة الأولى من الإسلام، ويتبنى أدوات الفقهاء في محاكمتها، ينتهي، في الغالب، إلى إعادة إنتاج أحكامهم وخلاصاتهم، وإن اختلفت لغة النقد ومصطلحاته. وتقدم دراسات الدكتورين محمد محمود وأمين شواهد ناصعة على هذا المسار، كما هو الحال في جل الكتابات السودانية عن الرسالة الثانية من الإسلام. وفي المقابل، نجد في دراسات تناولت الرسالة الثانية من الإسلام في بلدان مختلفة حول العالم، منها على سبيل المثال، لا الحصر، الجزائر، وتونس، والمغرب، وليبيا، والعراق، وإيران، ومصر، وسوريا، ولبنان، والأردن، وغيرها، مقاربات ونتائج مغايرة، لم تنطلق من المنهج الفقهي في محاكمتها. وهذا التباين يستحق الوقوف عنده: هل يعود إلى اختلاف موضوعات البحث فحسب، أم إلى اختلاف الأفق المعرفي والمنهجي الذي انطلق منه كل فريق؟ هذا ما سنحاول تفصيله، من خلال النماذج والشواهد، في هذا المقال.

النقد الجربندي وإعادة إنتاج منهج الفقهاء وأساليبهم في محاكمة الأفكار

"إننا بالتجربة الطويلة في ممارسة حمل الدعوة، لم نجد خصومنا في الرأي يعارضون محتوى ما نقول.. على النقيض من ذلك هم يعارضون آراءً توهموا أننا قد قلناها، ولو أنهم قد إستأنوا قليلاً لكان لهم موقف آخر، فإن علم الله واسع، وإن كلماته لا تنفد".
محمود محمد طه، 1976

يقول الدكتور أمين: "وبعد اعتكاف محمود محمد طه في خلوة روحية عميقة لمدة ثلاث سنوات، ترسخ لديه الاعتقاد، بعد انتهاء فترة العزلة والاعتكاف، بأنه قد بلغ المقام المحمود ومرتبة الأصالة". وهنا يبرز سؤال منهجي جوهري: ما المصدر الذي استند إليه الدكتور أمين في نسبة هذا الاعتقاد إلى محمود محمد طه؟ وأين النص الذي صرّح فيه محمود بأنه بلغ المقام المحمود ومرتبة الأصالة؟ وهل يستند الدكتور أمين إلى وثيقة أو شهادة موثقة، أم أنه يقدم استنتاجه الخاص في صورة حقيقة ثابتة عن معتقد محمود محمد طه؟ إن هذه النسبة، في غياب أي سند نصي أو شهادة موثقة، تمثل تجاوزاً لحدود الاستدلال العلمي، وإقحاماً لتصور الباحث في تصور الشخصية التي يتناولها بالبحث. فليس من المنهج أن تُنسب إلى شخص قناعة باطنية محددة دون دليل، ثم تُبنى عليها قراءة لتجربته الفكرية والروحية. والأكثر إشكالاً أن هذا النوع من الاستنتاجات يعيد إنتاج أحكام مسبقة درج الفقهاء على إطلاقها في تناول فكر محمود محمد طه وتجربته، حيث يُستعاض عن النصوص والشواهد بتأويلات تُقدَّم كما لو كانت حقائق. وإذا لم يقدم الدكتور أمين سنداً علمياً موثقاً، فإنه يعزز ما نذهب إليه من أن جل الدراسات السودانية ظل أسيراً لمناهج الفقهاء وأدواتهم وأساليبهم في نقد فكر محمود محمد طه؛ وهو ما نحذر منه وندعو إلى تحرير دراسة فكر محمود محمد طه من تبعاته ومغالطاته وخزعبلاته.
إن اختلاق اعتقاد ونسبته إلى صاحبه ليس نقداً للفكر، بل إخلال بأبسط شروط الأمانة العلمية؛ ومحاكمة الإنسان على قناعة لم يثبت أنه تبناها ليست تحقيقاً تاريخياً، بل افتراض واتهام.
وينطبق الاعتراض ذاته على الدكتور محمد محمود، الذي نطالبه بالإجابة عن السؤال نفسه، باعتباره مرجعاً للدكتور أمين في هذه المسألة؛ إذ كتب في كتابه الرؤية القرآنية: قراءة تحليلية نقدية (2025)، عن محمود محمد طه قائلاً: "وهو الذي أعلن وصوله لمرتبة الأصالة ومقام التلقي عن الله" (ص 604). وموضوع التلقي عن الله ليس موضع السؤال هنا؛ إنما السؤال المحدد هو: أين أعلن محمود محمد طه أنه وصل إلى مرتبة الأصالة؟ وإن كان ذلك كذلك، فلماذا لا يشيران لمصدرهما؟ وعندما رجعت إلى كتاب الدكتور محمد محمود للتحقق من مصدر هذه العبارة، لم أجد إحالة إلى نص يتضمن هذا الإعلان، وإنما اكتفى بالقول في الهامش: "عن مفهوم طه للأصالة انظر رسالة الصلاة، ص 96–102". وهذه الإحالة، حتى لو تضمنت عرضاً لمفهوم الأصالة، لا تثبت بذاتها أن محمود أعلن وصوله إليها. وإذا كان لدى الدكتور أمين أو الدكتور محمد محمود ما يثبت أن طه قال إنه وصل إلى مقام الأصالة، أو بلغ المقام المحمود، كما أضاف الدكتور أمين، فليدلّانا على المصدر.

بين موقف طه المعبّر عنه في نصّه من الأصالة، وادّعاء الدكتوران الذي يجافي مقتضيات النقد العلمي

ولنضع أمام القراء والقارئات نصاً مباشراً وموثقاً لمحمود محمد طه، يوضح موقفه من مسألة الأصالة، ويتيح المقارنة بين ما قاله بنفسه وما نسبه إليه الدكتوران أمين ومحمد محمود. فقد تحدث طه في جلسة عُقدت يوم الجمعة 30 أبريل 1982 بمنزله في مدينة أم درمان، عن موضوع الأصالة والتقليد. وكان الحديث مسجلاً على أشرطة كاسيت، ثم نُشر نصه في نشرة داخلية يصدرها مكتب الإعلام للإخوان الجمهوريين، بتاريخ 21 مايو 1982، صفحة (4)، وقد قال محمود محمد طه:

"هل أنا أصيل؟ أنا تكلمت عن مبدأ الأصالة وكتبت عنه وماشي في طريقه تطبيقاً.. هل أنا أصيل؟ أنا أرجو أن أكون.. ولكني على شك.. الشك يجيء من السؤال الذي يقال في القرآن: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا)؟ [سورة مريم، الآية 78]، أنا ولا أطلعت على الغيب.. ولا عندي من الرحمن عهد".

ثم أوضح المقصود بالاطلاع على الغيب، قائلاً: "الاطلاع على الغيب هنا بيعني معرفة الله كما هو عنده (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [سورة النمل، الآية 65]. العلم هذا ليس عندي، وما عندي عهد من الله".
وبذلك نضع أمام القارئ والقارئة النصَّ الأصلي بوصفه مرجعاً مباشراً للحكم، لا التأويلات المنقولة عنه أو المنسوبة إليه. فالنقد العلمي يقتضي الاحتكام إلى النصوص الموثقة، والتمييز بين ما صرّح به صاحب الموقف وما أُسقط عليه من استنتاجات وادعاءات.

نقد الفكر بمنطق الفقهاء: ماذا ترك الدكتوران للفقهاء؟
امتحان الثمار أم ملاحقة اللافتات؟ المفكر الناقد والناقد الفقيه

فهل بعد هذا النص المباشر والواضح والصريح، الذي يعبّر فيه محمود محمد طه عن موقفه من الأصالة، يصح الاستمرار في نسبة إعلان بلوغها إليه دون تقديم دليل؟ ألا يستدعي ذلك من الدكتور أمين والدكتور محمد محمود مراجعة ما كتباه، والإقرار بخطأ هذه النسبة والاعتذار عنها؟ وماذا ترك الدكتوران للفقهاء، وقد قدّما لهم، بهذا الخلل النقدي، خدمة لم يكونوا بحاجة إلى أكثر منها؟
إن ما يكشفه هذا المثال ليس مجرد خلل في الاستنتاج، بل إخلال جوهري باستحقاقات النقد العلمي، وفي مقدمتها الوفاء للمصادر، والرجوع إلى النصوص الأصلية، والتحقق مما يُنسب إلى صاحب الفكر قبل إصدار الأحكام عليه. وهنا تتجلى إحدى صور "النقد الجربندي"، حين تُطلق الأحكام وتُبنى الاستنتاجات دون استيفاء شروط الفحص والتوثيق، ويُستعاض عن الدليل بالافتراض، وعن مواجهة النصوص الأصلية بتصورات مسبقة عنها. ولا يقتصر أثر هذا المسلك على الإخلال بالأمانة العلمية، بل يمتد إلى تشويه صورة محمود محمد طه، وتقديمه للقراء في صورة نمطية توحي بادعائه بلوغ مقامات روحية بعينها، بما يسهم في تأليب الفقهاء والمعارضين عليه، دون سند موثق يبرر هذه النسبة. وهكذا يتحول النقد من مساءلة الفكر إلى صناعة صورة ذهنية مسبقة عن صاحبه، ثم محاكمته على أساسها.
وللأسف، فإن هذا المسلك لا يمثل مجرد قصور في ممارسة النقد، بل يعيد إنتاج بعض أساليب الفقهاء في محاكمة الأفكار، من خلال تجاوز النصوص ومصادرها، وإحلال الأحكام المسبقة محل الفحص والتحقق. وهذا تحديداً ما دعونا إلى تجاوزه، وتناولناه بالنقد والتفصيل في كتبنا المشار إليها آنفاً. فبدلاً من تحرير النقد من تلك الأساليب، نجد أنفسنا أمام إعادة إنتاج لها بأدوات أكاديمية، وهو ما يجسد إحدى صور النقد الجربندي. وفي هذا السياق، تكتسب مقولة محمود محمد طه دلالتها: "نحن لا نلوم الفقهاء على عدم الفهم، ولكننا نلومهم على عدم الصدق، حتى في التزام الشريعة المرحلية".
فالنقد الذي لا يفي باستحقاقات البحث والتوثيق، ولا يحترم مصادره، لا يسيء إلى صاحب الفكر وحده، بل يسيء إلى المعرفة ذاتها، ويقوّض أسس الحوار الفكري والنقد المسؤول. وهنا يتجلى الفارق بين المفكر الناقد والناقد الفقيه: فالمفكر الناقد ينشغل بامتحان الثمار وفحصها، بينما ينشغل الناقد الفقيه بملاحقة اللافتات والأوصاف التي يرفعها الفقهاء، من قبيل: "أعلن الأصالة" أو "بلغ المقام المحمود"، بدلاً من مساءلة الأفكار واختبار نتائجها. وحين يتخلى النقد عن استحقاقات البحث والتحقق، فإنه لا يعود أداة لتحرير الفكر، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأحكام المسبقة، بما يشكّله ذلك من خطر على أمن المعرفة وأمن الفكر.

الادعاء بتغيير محمود محمد طه إجابته بشأن "محمد رسول الرسالتين": قراءة نقدية في الاستدلال وإعادة إنتاج منهج الفقهاء في محاكمة الأفكار

"والحق أن كثيراً ممن يعترضون على دعوتنا إلى الرسالة الثانية من الإسلام لا يعترضون على محتوى هذه الدعوة، بل إنهم قد لا يعيرون محتوى الدعوة كبير اعتبار.. وإنما هم يعترضون على الشكل.. هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة، تقتضي رسولاً، يقتضي نبـوة، وقد ختمت النبـوة، بصريح نص، لا مرية فيه.. وإنه لحق أن النبـوة قد ختمت، ولكنه ليس حـقاً أن الرسالة قد ختمت".
محمود محمد طه، 1967

استدعى الدكتور أمين، في تعقيبه على تعقيبنا، بعض آراء الدكتور محمد محمود الواردة في كتابه الرؤية القرآنية: قراءة تحليلية نقدية، وهو كتاب لم يكن ضمن المراجع التي اعتمد عليها الدكتور أمين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة. فقد أورد ضمن مصادره مرجعين للدكتور محمد محمود، هما:
Quest for Divinity: A Critical Examination of the Thought of Mahmoud Mohamed Taha (2007).
مقال بعنوان "في نقد الشريعة: حد السرقة"، مجلة العقلاني، العدد السادس، يوليو 2016، لندن.
غير أن الدكتور أمين عاد في تعقيبه ليستند إلى ما ورد في كتاب الدكتور محمد محمود الأحدث، مستدعياً بعض آرائه المتصلة بمسائل جوهرية في فكر محمود محمد طه، ومنها مسألة رسول الرسالة الثانية من الإسلام، وغيرها. فقد نقل الدكتور أمين عن الدكتور محمد محمود قوله: "وفي إجابته عن سؤال عمن هو رسول الرسالة الثانية قال طه إن محمداً هو رسول الرسالتين مع تفصيل الأولى وإجمال الثانية، وهي إجابة ما لبث أن غيّرها ليقول: "إنه رجل آتاه الله الفهم عنه من القرآن وأذن له في الكلام" (محمد محمود، ص 602، 2025).
وهنا نواجه ادعاءً يحتاج إلى فحص النصوص ومقارنة سياقاتها، لا الاكتفاء بتكراره أو التسليم به. فالقول إن محمود محمد طه غيّر إجابته يفترض وجود تناقض بين عبارتين أو تراجع عن موقف سابق، وهو ما ينبغي إثباته بتحليل مضمون العبارتين، وتحديد دلالتهما وسياقهما الفكري، لا بمجرد وضع إحداهما في مقابل الأخرى. وقبل مناقشة هذا الادعاء، تجدر الإشارة إلى أن الصيغة التي أوردها الدكتور محمد محمود، ونقلها الدكتور أمين، سبق أن وردت في حديث البروفيسور عبد الإله كنه، الذي قدّم، في تقديري، نقداً لفكر محمود محمد طه مترسّماً فيه منهج الفقهاء وأساليبهم في محاكمة الأفكار. وجاءت العبارة في حديث البروفيسور كنه في لقاء تلفزيوني حول كتابه الرسالة الثانية من الإسلام: رؤية نقدية تحليلية، ضمن برنامج "الوراق"، على تلفزيون سودانية 24، الموسم السادس، في حوار أجراه غسان علي عثمان، بتاريخ 22 أغسطس 2022 (الدقيقة 18 وما بعدها). رابط اللقاء: https://www.youtube.com/watch?v=G8RtNYMRd5o
وقد راجعت الموضع الذي أورد فيه الدكتور محمد محمود هذه المقولة في كتابه، ولم أجد فيه إشارة إلى البروفيسور عبد الإله كنه، وبالطبع، فإن تشابه العبارات أو توافق الاستنتاجات لا يكفي وحده لإثبات الاقتباس أو الأخذ، ولا نزعم هنا وجود ذلك؛ لكن هذا التشابه يطرح سؤالاً منهجياً مشروعاً حول مصادر الاستنتاجات، والتحقق من أصولها، ولا سيما حين يتعلق الأمر بنسبة تغيير موقف فكري إلى صاحبه. فهل نحن أمام تحليل مستقل للنصوص، أم أمام إعادة إنتاج لاستنتاج نقدي سابق دون إعادة فحص كافية لأدلته ومصادره؟ وهذا سؤال يدخل في صميم استحقاقات النقد العلمي.

أولاً: هل غيّر محمود محمد طه إجابته بالفعل؟

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي الرجوع إلى النصوص الأصلية لمحمود محمد طه، ومقارنة العبارتين اللتين استند إليهما الدكتوران أمين ومحمد محمود. كتب محمود محمد طه في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام:
"إن محمداً رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلاً، وأجمل الرسالة الثانية إجمالاً، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهماً جديداً للقرآن". ثم كتب طه في مقدمة الطبعة الرابعة من الكتاب، متسائلاً: "من رسول الرسالة الثانية؟»، وأجاب: "هو رجل آتاه الله الفهم عنه من القرآن، وأذن له في الكلام". فأين التغيير في الإجابة؟ وأين التناقض بين النصين؟
إن قراءة العبارتين في سياقهما الفكري تكشف أن طه يتحدث عن مستويين مختلفين، لا عن إجابتين متناقضتين. ففي العبارة الأولى يقرر أن محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الرسالتين، وأنه قد فصّل الرسالة الأولى وأجمل الرسالة الثانية. أما العبارة الثانية فتتصل بالسؤال عن الشخص الذي يتولى تفصيل الرسالة الثانية، أي بيانها وإظهار ما أجمله القرآن منها، وهو الرجل الذي آتاه الله الفهم عنه من القرآن وأذن له في الكلام. وبذلك، فإن الانتقال من الحديث عن محمد بوصفه رسول الرسالتين، إلى الحديث عن الرجل المأذون له في تفصيل الرسالة الثانية، لا يمثل تغييراً في الإجابة، وإنما يمثل انتقالاً من تقرير أصل الرسالة ومصدرها إلى بيان كيفية تفصيلها، ومن هو المأذون له في الحديث عن أسرار القرآن بالقدر الذي وعى عنه.

ثانياً: ختم النبوة لا يعني ختم الرسالة

ولفهم هذا التفريق، لا بد من العودة إلى أحد المرتكزات الأساسية في فكر محمود محمد طه، وهو التمييز بين ختم النبوة وختم الرسالة. فقد قرر طه أن النبوة قد ختمت بنص القرآن الكريم، لكنه لا يرى أن ذلك يعني ختم الرسالة، وهو ما عبّر عنه بقوله: "وإنه لحق أن النبوة قد ختمت، ولكنه ليس حقاً أن الرسالة قد ختمت". واستدل بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: الآية 40). وفي كتابه الرسالة الثانية من الإسلام، تناول طه سؤالاً أساسياً: لماذا ختمت النبوة؟ وأجاب: "أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبوة لم تختم حتى استقر، في الأرض، كل ما أرادت السماء أن توحيه، إلى أهل الأرض، من الأمر". وأضاف، في معرض حديثه عن نزول الوحي بحسب حكم الوقت: "وقد ظل هذا الأمر يتنزل على أقساط، بحسب حكم الوقت، من لدن آدم وإلى محمد.. ذلك الأمر هو القرآن.. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة.. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك، جبريل، أن يتلقوا عن الله كفاحاً".
ويرى طه أن القرآن جاء بمنهاج شريعته، ومنهاج طريقته، وبأدبه في كليهما، بما يتيح للإنسان أن يتحرر من الران ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)﴾ (سورة المطففين: الآيات 14- 15). ويرتفع في الفهم حتى يعقل عن الله ما يحدثه به القرآن. وفي هذا السياق، يقرر: "فإذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذوناً له في الحديث عن أسرار القرآن، بالقدر الذي وعى عن الله". ومن هنا يتضح أن الحديث عن الرجل المأذون له في تفصيل الرسالة الثانية من الإسلام لا يعني، في تصور طه، إنشاء رسالة مستقلة عن رسالة محمد، ولا إسناد نبوة جديدة إليه، وإنما يتصل بمسألة الفهم والتفصيل والإذن في الحديث عن أسرار القرآن. وهذا هو السياق الذي ينبغي أن تُقرأ فيه العبارة التي استند إليها الدكتور محمد محمود، والدكتور أمين، لا أن تُقتطع منه وتُقدّم باعتبارها دليلاً على تغيير طه لإجابته.

ثالثاً: استحقاقات النقد ومشكلة الاستنتاج المسبق

إن الإشكال في معالجة الدكتور أمين لهذه المسألة لا يقف عند تبنيه استنتاج الدكتور محمد محمود، وإنما يتصل أيضاً بالطريقة التي عُرض بها هذا الاستنتاج، وكأنه حقيقة ثابتة، دون أن يُقدَّم للقارئ تحليل يثبت وجود التناقض بين النصين. فمجرد اختلاف صياغة الإجابة، أو الانتقال من مستوى فكري إلى مستوى آخر في الشرح والتفصيل، لا يثبت تغيير الموقف، ما لم يُبيّن الناقد موضع التناقض ودلالته، ويضع النصوص في سياقاتها التي تفسرها. وهنا تتجلى إحدى صور "النقد الجربندي": استدعاء حكم نقدي سابق، وإعادة إنتاجه، ثم تقديمه بوصفه نتيجة علمية، دون استيفاء شروط الفحص والتحقق، أو الوفاء باستحقاقات النقد تجاه المصادر والنصوص الأصلية. فالنقد العلمي لا يقوم على ترديد الاستنتاجات، ولا على اقتطاع العبارات من سياقاتها، وإنما يقتضي العودة إلى المصادر، وفحص النصوص، ومقارنة دلالاتها، وإقامة الدليل على ما يُنسب إلى صاحب الفكر. وإذا كان الدكتور أمين يرى أن محمود محمد طه غيّر إجابته، فإن عليه أن يبيّن للقارئ أين يقع التناقض تحديداً، وكيف يتعارض القول بأن محمداً رسول الرسالتين مع القول بأن رجلاً مأذوناً له من الله يتولى تفصيل الرسالة الثانية. أما الاكتفاء بإيراد العبارتين ثم إعلان حدوث التغيير، فهو مصادرة على المطلوب، وليس تحليلاً نقدياً يفي بأبسط استحقاقات البحث العلمي.
إن محاكمة فكر محمود محمد طه بهذه الطريقة تعيد إنتاج الأساليب التي طالما استخدمها الفقهاء في الاعتراض على دعوته؛ إذ يجري التعامل مع العبارات بمعزل عن بنائها الفكري ومقاصدها، وتُستبدل دراسة الفكرة بتكوين حكم مسبق عليها، ثم البحث عما يؤيده من شواهد مجتزأة. وهذا تحديداً ما ينبغي أن يتجاوزه النقد العلمي، لا أن يعيد إنتاجه تحت مسميات أكاديمية.

تجليات الخطر على أمن المعرفة وأمن الفكر
أولاً: عودة لإقحام مفردة "للأبد" واستدعاء القصد والنية لتبرير موقف الناقد

سبق أن بيّنا للدكتور أمين أن إقحامه مفردة "للأبد" في قوله: "ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد" (ص 188)، إقحام لا يسنده أي نص من كتابات محمود محمد طه أو أحاديثه. فلم يرد عنه، على الإطلاق، أن الرسالة الثانية من الإسلام ستظل الرسالة الأصل "للأبد". بل إن هذا الإطلاق الزمني يتعارض مع المنطق الفكري للرسالة الثانية من الإسلام، القائم على تطور التشريع واستيعابه لمستويات تطور المجتمع الإنساني.
ولم يقف أثر هذا الإقحام عند حدود الوصف غير الدقيق، بل اتخذه الدكتور أمين أساساً لمقارنة بين محمود محمد طه والإمام بدر الدين الزركشي (1344م-1392م)، في كتابه البرهان في علوم القرآن، ج2، مقارنة أفضت إلى تصوير موقف الرجلين على نحو مضلل، وإقامة مفارقة فكرية لا تستند إلى حقيقة موقف محمود محمد طه. فقد كتب الدكتور أمين:
"ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، تختلف عن رأي الزركشي الذي أعتقد أن آيات الإكراه والقتال المدنية هي الأصل وتظل سارية المفعول ما دامت المجتمعات الإسلامية في وضع أقوى، كما يمكن تأجيلها في حالة الضعف وتفعيل آيات التسامح إلى أن تتم استعادة القوة حين يسمح الوقت بعودة أحكام الجهاد والقتال مرة أخرى" (ص 189).
وقد أوضحنا في مقالاتنا السابقة أن هذه المقارنة مختلة من أساسها؛ إذ إن مفردة "للأبد" التي أقحمها الدكتور أمين على تصور محمود محمد طه هي التي صنعت المفارقة المزعومة مع الزركشي، الذي يتحدث عن التأجيل واحتمال العودة إلى أحكام القتال متى تغيرت الظروف. وهكذا بنى الدكتور أمين مقارنة على مقدمة لم يقل بها محمود محمد طه، ثم اتخذ من نتائجها مدخلاً لنقد فكرته. وكان المنتظر، وفق مقتضيات الأمانة العلمية، أن يقر الدكتور أمين بعدم دقة هذه الإضافة، وأن يصححها، أو على الأقل يتعهد بمراجعتها في الطبعة الثانية من كتابه. لكنه، بدلاً من ذلك، عاد في تعقيبه علينا ليستدعي قصده ونيته المزعومة مبرراً لإقحام المفردة، حيث كتب:
"وكان القصد عندما افترضنا أن محمود طه يعتقد أن الرسالة الثانية للإسلام التي تدعو للتسامح أبدية، بحكم أن القيم الفاضلة مثل التسامح والكرامة والحرية جديرة بالبقاء إلى نهاية الحياة الدنيا، أن نجَنِّبه المأزق الذي وقع فيه الزركشي الذي ستكون نتيجة مقولته أن آيات الإسماح مؤقتة لاحتمال العودة للعمل بآيات المسايفة والعنف حينما يستعيد المسلمون قوتهم".
وهنا تتجلى المفارقة النقدية بوضوح: فبدلاً من مراجعة العبارة في ضوء النصوص الأصلية، يستبدل الدكتور أمين الدليل على موقف محمود محمد طه بتفسيره الشخصي لما ينبغي أن يكون عليه ذلك الموقف، ثم يجعل من حسن قصده المفترض مسوغاً لإسناد قول لم يقله صاحب الفكرة. غير أن النوايا، مهما حسنت، لا تمنح الناقد حق التصرف في أفكار الآخرين، ولا تحوّل التأويل الشخصي إلى حقيقة نصية. فالمعيار العلمي ليس ما أراد الناقد أن ينسبه إلى المفكر، وإنما ما قاله المفكر بالفعل. ثم يمضي الدكتور أمين إلى توظيف هذا الافتراض في استدعاء نقد محمد محمود المتعلق بصورة الإله وعلاقة الإرادة الإلهية بالتاريخ وتطور الأحكام، وكأن الإشكال الذي أثاره الدكتور أمين بنفسه في المقارنة مع الزركشي يتيح له الانتقال إلى مساءلة أصول الفكرة الجمهورية. تابع الدكتور أمين، قائلاً:
"... قبول صورة لإله يتصف بصفتين: انه إله منقسم تختلف ارادته عن رضاه مما يجعله يأمر بشئ يكون غير راضياً عنه وانه ليس فعال لما يريد وانما أسير التاريخ إذ تتغير أحكامه وفق اعتبارات الظروف وضغوطها" حسبما جادل محمد محمود في سياق نقد زعم محمود محمد ان نسخ آيات الإسماح الأصلية قد تم نسخها لصالح آيات الفروع لاعتبارات تاريخية. (محمد محمود،6، 2021)".
وأضاف الدكتور أمين، قائلاً: "وقال محمد محمود في تعليقه علي مفاهيم الاسماح والوقت جوهر فكرة الرسالة الثانية للإسلام "ان آيات مكة تعكس اوضاع محمد فيها ولا علاقة لها بمفهوم الاسماح الذي يروج له المفكرون الاسلاميون المحدثون، ان الإسماح يقتضي ان يكون الاسلام في وضع قوة، ولم يكن هذا واقع الحال في مكة...ان القرآن لا يحتوي تلك الثنائية المصطنعة بين آيات أصول وآيات فروع وانما يعكس واقعه التاريخي المتغير عبر مسيرته في مكة ثم المدينة. "(محمد محمود ،2021،10)".
ولنا عودة في الحلقة القادمة إلى مناقشة آراء الدكتور محمد محمود التي استدعاها الدكتور أمين، ولا سيما مسألة الإسماح وما تقتضيه من أسس وشروط معرفية ومنهجية، إلى جانب الوقوف عند قوله الوارد في كتابه: الرؤية القرآنية: قراءة تحليلية نقدية "ومنهج طه يعتمد اعتماداً شبه كلي على الرجوع للقرآن، مع اقتباس القليل من الأحاديث والنزر اليسير من أقوال الصوفية، ومع استبعاد المادة التفسيرية" (محمد محمود، 2025، ص 602–603).
وسنعمد إلى تحليل هذا القول في ضوء دلالاته المنهجية والمعرفية، وما يثيره من تساؤلات حول طبيعة المنهج الذي اعتمده محمود محمد طه في التعامل مع النص القرآني ومصادر المعرفة الدينية، وكيفية فهم القرآن في إطار هذا المنهج. كما ستقودنا هذه المناقشة إلى تناول المسألة التي ظل الدكتور أمين يستحضرها ويبحث فيها، وهي "تحدي الحداثة"، من خلال التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها دراسة الحداثة في ضوء طرح محمود محمد طه، وعن طبيعة المدخل الذي يتيحه هذا الطرح لفهم إشكالات الحداثة وأسئلتها، ولا سيما من خلال منهجه في التعامل مع القرآن.
ونشير، في هذا الإطار، إلى أن ما أورده الدكتور أمين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، وما تضمنه تعقيبه علينا بشأن فكر محمود محمد طه، لا ينهض، في تقديرنا، إلى مستوى دراسة الحداثة في ضوء طرح طه، ولا يقترب من تقديم معالجة للأسس الفكرية والمنهجية التي يمكن أن تؤسس لمثل هذه الدراسة. وهو ما يستدعي التمييز بين مجرد استحضار فكر طه في سياق الحديث عن الحداثة، وبين اتخاذ طرحه موضوعاً للدراسة والتحليل من منظور إشكالات الحداثة وأسئلتها.

ثانياً: الإصرار على رفض الحق مقروناً بالتعالي المعرفي: الجرأة في توظيف التأويلات لتجنيب طه مأزق الزركشي

إن ما يثير الاستغراب في تعقيب الدكتور أمين ليس مجرد تمسكه بمفردة "للأبد" رغم بيان مخالفتها للنصوص، بل انتقاله إلى تبرير هذا الإقحام بأنه كان يقصد، من خلاله، تجنيب محمود محمد طه مأزقاً فكرياً وقع فيه الزركشي. وهنا يبلغ التعقيب مفارقته الأشد: إذ ينصّب الناقد نفسه في موقع من يتولى حماية صاحب الفكرة من مأزق متوهم، بينما كان الأجدر به أن يحمي النص من الإضافة التي أدخلها عليه، وأن يراجع المقارنة التي أقامها على تلك الإضافة. إن تقديم هذا التدخل بوصفه خدمة فكرية لا يغيّر من حقيقته المنهجية؛ فالناقد لا يملك أن ينسب إلى المفكر ما لم يقله، ثم يتذرع بأنه فعل ذلك لمصلحته. وليس من مقتضيات النقد العلمي أن يعيد الناقد تشكيل أفكار المفكرين كي تبدو أكثر اتساقاً مع تصوره الخاص، وإنما أن يعرضها كما هي، ثم يناقشها بالحجة والبرهان. والأشد دلالة أن الدكتور أمين، بدلاً من مواجهة الاعتراض في جوهره، يتمسك بموقفه ويعيد إنتاج المبرر ذاته، وكأن استدعاء النية يغني عن تصحيح الخطأ، وكأن ادعاء تقديم الخدمة يعفي من المساءلة العلمية. وهذا ليس دفاعاً عن موقف نقدي بقدر ما هو إصرار على تحصين موقف قابل للنقد من النقد نفسه.
هذا أمر عجيب، ونقد أعجب؛ إذ لا يبدو أن المشكلة تكمن هنا في اختلاف وجهات النظر بقدر ما تكمن في العجز عن التمييز بين النص وتأويل الناقد له، وبين الحقيقة الموضوعية والنية التي يستدعيها صاحب التأويل لتسويغ موقفه. وهو تعالٍ معرفي لا يتسع لسماع صوت الآخر، بل لا يكاد يسمع إلا صدى صوته، حتى حين يكون الحق المقابل واضحاً وجلياً. وهذه الواقعة تكشف عن إشكال أعمق في تكويننا المعرفي، سواء أسميناه التكوين المعرفي السوداني أم الإسلامي أم كليهما؛ إشكال يتجلى في تقديم المكابرة على المراجعة، والتمسك بالموقف على حساب الحقيقة، والتعامل مع الاعتراف بالخطأ وكأنه انتقاص من مكانة الناقد، لا فضيلة من فضائل العلم. فالرجوع إلى الحق ليس هزيمة نقدية، بل فضيلة علمية وأخلاقية؛ وكما قيل: "إن الحق قديم، وإن الحق لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".

تجليات النقد الفقهي: الادعاء بإلغاء قانون العلية
النقد الجربندي: قصور الإحاطة بالمصادر واستكمال النقص المعرفي بالافتراضات والتخيَّل

ذهب الدكتور أمين، ضمن جملة من الأحكام التي نناقش أسسها العلمية، أن محمود محمد طه أنكر قانون العلية وألغاه، أو أبطل قانون السببية. وقد سبق أن كتبت في الحلقة الثانية من هذا التعقيب: "ولنا عودة إلى عبارة الدكتور أمين: (إنكاره قانون العلية/ السببية)، لنفحص هذا الادعاء ونسأل: هل أنكر محمود محمد طه بالفعل قانون العلية وألغاه، أم أن الدكتور أمين قدّم موقفه على نحو لا يسنده الفحص الدقيق لنصوص طه؟".
إن قول الدكتور أمين بأن محمود محمد طه ألغى قانون العلية أو أبطل قانون السببية، يندرج ضمن نمط نقدي يتكرر في تعامله مع مصادر فكر طه، في ظل قصور واضح في الإحاطة بمصادر فكر طه، على استكمال النقص المعرفي بالافتراضات والتخيّل. فهو قد استند على نص في كتاب محمود محمد طه، القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري، 1971، ولم يكن أميناً في نقل النص، كما سيرد التفصيل. وإذا كان هذا الأسلوب قد وجد له مجالاً في السابق، ولا يزال يمارسه بعض الفقهاء والمثقفين في السودان وفي بعض أرجاء الفضاء الإسلامي، فإن شروط البحث العلمي اليوم لم تعد تسمح بتمرير مثل هذه الأحكام دون سند نصي ومعرفي. ففكر محمود محمد طه تتكشف أبعاده مع اتساع الاطلاع على مصادره، كما أن جهود تفكيك السردية التكفيرية التي نسجها الفقهاء ومن يسمون برجال الدين، بكسل العقول وتناسل الجهل، قد قطعت شوطاً بعيداً. ولذلك أخذت كثير من تلك الأحكام تتهاوى أمام الفحص والتمحيص، فتبخرت ناحية السماء، شأنها شأن النقد الذي يقدمه الدكتور أمين.
قبل مناقشة موقف محمود محمد طه من العلية والسببية، نقدم بعض الشواهد على قولنا إن قول الدكتور أمين عن هذا الموضوع، وهو قول بلا سند، يتسق مع منهجه النقدي. ونقدم بعض النماذج على ذلك، حتى نبين المدى الذي بلغه النقد الجربندي: الحديث عن قضايا مركزية في فكر محمود محمد طه دون اطلاع كافٍ على مصادرها، ودون حد أدنى من المعرفة بتفاصيلها ومفاهيمها.
1. مفهوم الإنسان: بكل جرأة يتحدث الدكتور أمين عن الإنسان عند محمود محمد طه، وأنه غاية في ذاته، مشيراً إلى أنه أخذ الفكرة من الفلسفة الأخلاقية لكانط، ولم يقدم جملة واحدة عن مفهوم الإنسان عند طه بالمقارنة مع كانط. ومما ينبغي معرفته أن الحديث عن مفهوم الإنسان عند طه يتطلب الاطلاع على كتابه: رسالة الصلاة، 1966، حيث تناول طه فيه موضوع الإنسان.. الإنسان ما هو؟ ومن هو، والمرحلة الأولى من نشأة الإنسان، والمرحلة الثانية من نشأة الإنسان، والمرحلة الثالثة من نشأة الإنسان، والنبوة الأولى - خلافة الأرض، ونشأة العقـل، وما هي الحاسة السادسة؟ وما هي الحاسة السابعة؟ والمرحلة الرابعة من نشأة الإنسان، وعودة للمرحلة الثالثة من نشأة الإنسان. ومما تجدر الإشارة إليه، أن كتاب رسالة الصلاة ليس بين مصادر الدكتور أمين.
2. الفكر: يتحدث الدكتور أمين عن الفكر عند محمود محمد طه، بلا معرفة عن مفهوم الفكر عند محمود محمد طه، كما رفض القول إن "السنة هي الفكر". وينظر الدكتور أمين للكثير مما يطرحه طه بأنه مأخوذ من مفاهيم الحداثة، والثقافة الغربية، كما أوردنا آنفاً. ما أود أن ألفت الانتباه إليه هو إن دراسة الفكر عند محمود محمد طه، لا يمكن أن تستقيم لأي باحث ما لم يدرس على الأقل كتب طه، الآتية: رسالة الصلاة، 1966؛ ولا إله إلا الله، 1969؛ والثورة الثقافية، 1972؛ وتعلموا كيف تصلون، 1972، والماركسية في الميزان، 1973؛ والإسلام والفنون، 1974، وأسئلة وأجوبة: الكتاب الأول، 1970. وليس من بين هذه الكتب كتاب واحد ضمن مصادر الدكتور أمين، سواء مصادر كتابه أو تعقيبه علينا، فكيف يمكن الحديث عن مفهوم الفكر عند محمود محمد طه دون الاطلاع على المصادر؟
3. الاشتراكية: بنفس القدر يقول الدكتور أمين إن طه أخذ الاشتراكية من ماركس، دون أن يقدم شيئاً يوضح مفهوم الاشتراكية عند طه بالمقارنة مع ماركس. والسؤال الذي يدفع بنفسه هنا كيف يمكن لدارس أن يتحدث عن الاشتراكية عند محمود محمد طه دون دراسة حديثه عن الاشتراكية في كتابه الماركسية في الميزان، 1973، وهو الكتاب الذي لم يكن من بين مصادر الدكتور أمين.
هذه مجرد نماذج مختصرة، ومثلها كثير، مع حديث موجز يكشف طرفاً من منهج الدكتور أمين.

الادعاء بإلغاء محمود محمد طه لقانون العلية/السببية؟

نأتي الآن إلى الادعاء الذي أطلقه الدكتور أمين بشأن إنكار محمود محمد طه لقانون العلية أو ابطال قانون السببية. وهو ادعاء لا يقل غرابة عن النماذج السابقة، من حيث افتقاره إلى التأسيس المعرفي والنصي، فضلاً عن استناده على نص لم يكن أميناً في نقله، كما وردت الإشارة آنفاً.

ملاحظات حول أمانة نقل النص والتدخل فيه والاستدلال به عند الدكتور أمين

من المسائل المنهجية التي تستحق الوقوف عندها في مناقشة الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه، طريقة نقله للنصوص والاستشهاد بها، ومدى التزامه بأمانة النقل والمحافظة على سياق النص الأصلي، فضلاً عن التمييز بين كلام صاحب النص وما يضيفه الناقد من تفسير واستنتاج. وفي معرض حديثه عن موقف محمود محمد طه من الصفات الإلهية والعلية والسببية، يقول الدكتور أمين:
"كما اعتقد محمود طه أن الصفات الإلهية من قدرة وإرادة ومشيئة زائدة على الذات الإلهية، وينعكس ذلك في أفعاله المؤثرة في الكون، مما أدى إلى سلب فعالية الإنسان وإبطال قانون السببية، بحجة عدم الحاجة للبحث عن أسباب حدوث الظواهر الطبيعية مثل الزلازل والبراكين وغيرها؛ لأن الفعالية في مجال الطبيعة تكون نتيجة للمشيئة والقدرة والفعل الإلهي فقط. وأنكر وجود قوانين طبيعية بقوله".
ثم يسوق اقتباساً ينسبه إلى محمود محمد طه من كتابه القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري للإسلام، الصفحتين 68 و69، طبعة 1971.
غير أن مقابلة هذا الاقتباس بالنص الأصلي تكشف عن وجود فروق وحذوفات تستحق التنبيه، ولا سيما أن بعضها يتصل مباشرة بالسياق الذي عرض فيه محمود محمد طه فكرته.
ففي النص الذي أورده الدكتور أمين، نقرأ:
"هذه ليست قوانين وإنما هي مجرد ترتيب أسباب، وإنما القانون العقل الكلي، وإذا أراد العقل الكلي للأسباب أن لا تتأدى إلى نتائجها فإنها تتخلف، فالجاذبية لا تفعل فعلها في الأجسام، والنار لا تحرق ما تسلط عليه الأشياء ... التوحيد يقول إن ما نسميه أسباباً في مفهوم عقولنا العادي وننتظر منه نتائج، ليس في حقيقته أسباباً تؤدي إلى نتائج، وإنما هو ترتيب للمحل ليستعد لتلقي الفيض الإلهي في كل لحظة... ثم إن لم ينبعث الإذن من الله لا تكون النتيجة التي يقوم في عقولنا أنها لا تتخلف... إن كل الذي فعلناه نحن بإعداد النار هو أن المكان قد استعد لتلقي الإذن الإلهي بالإحراق، فإن لم ينبعث الإذن لم يقع الإحراق، بغير سبب نعرفه عن مألوف عادتها عندنا، مثل قصة النمرود وإبراهيم". (محمود طه، القرآن ومصطفى محمود، 1971، 68- 69).
أما النص الأصلي لمحمود محمد طه فيورد تفصيلاً أوسع، إذ يقول:
"ان التوحيد يقول: أن هذه ليست قوانين، وإنما هي مجرد ترتيب أسباب، وإنما القانون هو العقل الكلي.. وإذا أراد العقل الكلي للأسباب ألا تتأتى إلى نتائجها فإنها تتخلف – فالجاذبية لا تفعل فعلها في الأجسام، والنار لا تحرق ما تسلط عليه من الأشياء-... التوحيد يقول: إن ما نسميه أسباباً في مفهوم عقولنا العادي، وننتظر منه نتائج، ليس، في حقيقته، أسباباً تؤدي إلى نتائج، وإنما هو ترتيب للمحل ليستعد لتلقي الفيض الإلهي، في كل لحظة، فتكون بذلك النتيجة المرجوة.. فكأن المحل قد يترتب، أو قل الأسباب قد تتخذ بإتقان تام، ثم، إن لم ينبعث الإذن من الله، لا تكون النتيجة التي يقوم في عقولنا أنها لا تتخلف.. فنحن قد نعد النار على أحسن ما تكون، ونستيقن أنها ستشوي اللحم الذي نعرضه لها، ولا يقوم في مألوف علمنا أنها قد تتخلف، ولكن التوحيد يقول: إن كل الذي فعلناه نحن بإعداد النار على خير ما تكون للإحراق هو أن المكان استعد لتلقي الإذن الإلهي بالإحراق، فإن لم ينبعث الإذن لا يقع الإحراق، وتتخلف النار، بغير سبب نعرفه، عن مألوف عادتها عندنا.. أكثر من هذا، فإن التوحيد يقول: من ظن أن النار تحرق، ولا تتخلف عن الإحراق، بعد أن أعددناها نحن، على خير ما نعلم، فإنه مشرك بالله.. أو ضعيف في توحيده، على أحسن حالاته..
أما النمرود، صاحب إبراهيم الخليل، فقد ظن أنه سيكيد لإبراهيم كيداً لا قبل له به حين سفه آلهته ...".
ومن خلال المقابلة بين النصين، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

أولاً: الحذف دون الإشارة إليه

حذف الدكتور أمين أجزاء من النص الأصلي دون أن يضع علامات حذف واضحة في جميع مواضع الاختصار، أو يبين للقارئ أن الاقتباس ليس نقلاً كاملاً. ومن أبرز ذلك حذفه العبارة التي يشرح فيها محمود محمد طه إعداد النار على أحسن وجه، والاعتقاد المعتاد بأنها ستحرق اللحم المعرض لها، وهي عبارة تمثل حلقة تفسيرية مهمة في بناء الفكرة.
كما حذف العبارة التي يقول فيها محمود محمد طه:
"من ظن أن النار تحرق، ولا تتخلف عن الإحراق، بعد أن أعددناها نحن، على خير ما نعلم، فإنه مشرك بالله.. أو ضعيف في توحيده، على أحسن حالاته".
وهذا الحذف مهم؛ لأنه يتضمن حكماً عقدياً صريحاً يوضح الأساس الذي ينطلق منه المؤلف في مناقشة استقلال الأسباب الطبيعية.

ثانياً: اختزال السياق التفسيري

لم يقتصر الاختصار على حذف بعض العبارات، بل أدى إلى تقليص السياق الذي شرح فيه محمود محمد طه فكرته، ولا سيما التمييز الذي يعرضه بين اتخاذ الأسباب وإعدادها من جهة، وبين تحقق نتائجها من جهة أخرى.
فالنص الأصلي يوضح أن الإنسان قد يتخذ الأسباب بإتقان تام، وأن النتيجة المتوقعة قد لا تتحقق وفق التصور المعتاد، إذا لم يتحقق الإذن الإلهي. وهذا التفصيل جزء من الحجة التي يعرضها المؤلف، وليس مجرد استطراد يمكن الاستغناء عنه دون بيان.

ثالثاً: الخلط بين النص المنقول واستنتاجات الناقد

الأمر الأكثر أهمية أن الدكتور أمين لم يكتف بعرض النص، وإنما أحاطه بمجموعة من الأحكام والاستنتاجات، منها أن اعتقاد محمود محمد طه في الصفات الإلهية أدى إلى سلب فعالية الإنسان وإبطال قانون السببية، وأنه يترتب عليه عدم الحاجة إلى البحث عن أسباب الظواهر الطبيعية، كالزلازل والبراكين.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
ما يقوله محمود محمد طه في النص المنقول بشأن عدم استقلال الأسباب الطبيعية في إحداث نتائجها.
التفسير الذي يقدمه الدكتور أمين لهذا التصور، باعتباره إلغاءً للسببية.
الاستنتاج الإضافي بأن هذا الموقف يؤدي إلى تعطيل البحث العلمي في أسباب الظواهر الطبيعية وسلب الإنسان فعاليته.
فهذه المستويات ليست شيئاً واحداً، ولا يصح تقديمها للقارئ وكأنها جميعاً نصوص صريحة لمحمود محمد طه. فالقول بأن الأسباب لا تستقل بالتأثير لا يثبت، بمجرده، أن صاحب هذا القول ينكر وجود انتظامات طبيعية أو يرفض البحث في أسباب الظواهر. وإثبات ذلك يحتاج إلى شواهد أخرى من كتاباته، أو إلى تحليل يوضح الصلة المنطقية بين مقدماته والنتائج المنسوبة إليه.

رابعاً: ضرورة التمييز بين نقد الفكرة ونقلها

ليس المقصود من هذه الملاحظات الدفاع عن تصور محمود محمد طه أو التسليم بصحته، وإنما التأكيد على أن نقد الأفكار يقتضي أولاً عرضها بأمانة، ثم مناقشتها في سياقها، وفصل النص الأصلي عن تفسير الناقد واستنتاجاته.
فمن حق الدكتور أمين أن ينتقد موقف محمود محمد طه من السببية، وأن يرى فيه إشكالاً فلسفياً أو عقدياً، لكن من مقتضيات المنهج العلمي أن يورد النص كاملاً، أو يشير بوضوح إلى مواضع الحذف، وألا يدمج عباراته التفسيرية مع الاقتباس بطريقة قد توهم القارئ بأن جميع الأحكام الواردة هي من كلام صاحب النص.

خلاصة المقارنة بين النصين

إن المقارنة بين النص الذي أورده الدكتور أمين والنص الأصلي لمحمود محمد طه تكشف عن اختصار وحذف لعبارات ذات أهمية في فهم السياق، كما تكشف عن تداخل بين النص المنقول واستنتاجات الناقد بشأن إبطال السببية وسلب فعالية الإنسان وتعطيل البحث في أسباب الظواهر الطبيعية.
وهذا يثير سؤالاً منهجياً مشروعاً حول مدى دقة النقل، ومدى سلامة الاستدلال المبني عليه. فالنقد العلمي لا يُقاس فقط بمدى قوة الاعتراض على الفكرة، وإنما أيضاً بمدى دقة عرضها قبل الاعتراض عليها. وأمانة النقل ليست مسألة شكلية أو تفصيلاً ثانوياً، بل هي شرط أساسي لسلامة المناقشة وعدالة الحكم على أفكار الآخرين.

هل ألغى محمود محمد طه قانون العلية/السببية؟

إن قول الدكتور أمين إن محمود محمد طه ألغى قانون العلية أو أنكر السببية، يكذّبه نص طه نفسه "عن مفهوم السببية" في كتابه أسئلة وأجوبة: الكتاب الأول (1970)، الذي خلت منه مصادر الدكتور أمين، ومن الواضح أنه لم يطلع عليه. فقد تحدث طه عن مفهوم السببية وفصل في ذلك. كما أنه لم ينكر السببية، وإنما قدم تصوراً لمفهوم السببية في الإسلام، إذ يقوم على التمييز بين مستويين: مستوى الشريعة ومستوى الحقيقة. ففي مستوى الشريعة، يقرر طه أن الأسباب قائمة، وأن على الإنسان الأخذ بها، والاجتهاد في تحصيل معاشه وتدبير شؤون حياته.
ويضرب طه لذلك أمثلة بالزراعة والماء وبذر البذور وتعهدها حتى الحصاد، مؤكداً أن الحياة تمضي بالأسباب المشتركة بين الإنسان والله. يقول طه: "فالله هو الذي أوجد التربة الصالحة للزراعة، والله هو الذي أنزل الماء على الأرض في موسم الإنبات فأحياها بعد موتها.. هذه كلها أسباب ضرورية، وبقي سبب، أو أسباب أخرى على الإنسان الأخذ بها، وهي بذر البذرة في التربة، وتعهدها حتى تستحصد". ويستشهد طه بآيات سورة الواقعة (57–74)، التي تتناول نشأة الإنسان، والزراعة، والماء، والنار، وتلفت النظر إلى العلاقة بين فعل الإنسان والقدرة الإلهية، ومن بينها قوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة: 64)، وقوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69). ومن خلال هذه الآيات، يبين طه أن للإنسان فعله وأسبابه التي يتعين عليه الأخذ بها، وأن لله القدرة والإحاطة والفاعلية العليا. ويشرح دلالة هذه الآيات بقوله: "فهذه آيات كلها تظهر لنا قدرته، ورحمته، وتنشئ الصلة، بيننا وبينه، بمقارنة أسبابنا إلى أسبابه، وإظهار قوة أسبابه هو، وضعف أسبابنا نحن، وإحاطته بأسبابنا، حتى لو شاء لجعلها لا جدوى منها". ثم يضيف موضحاً الفرق بين ظاهر نظام الأسباب وحقيقته في التصور التوحيدي: "الآيات تعطينا سلسلة من الأسباب المؤدية إلى أسباب.. هذا في ظاهر الأمر، وهو ما عليه الشريعة.. ولكن، في حقيقة الدين، ليس هناك سبب يؤدي إلى سبب، إطلاقاً، وإنما الأسباب سلسلة من استعداد المحل بالقابلية لتلقي الحركة المقبلة عن الله".
أما في مستوى الحقيقة، فيعيد النظر في التصور الذي يجعل الأسباب مستقلة بإحداث نتائجها. فهو لا ينفي وجود الأسباب في نظام الظواهر، وإنما ينفي استقلالها بالفاعلية وإحداث النتائج، ويرى أنها استعداد المحل لتلقي الحركة المقبلة عن الله. وعليه، فإن النار، مثلاً، ليست مستقلة بالإحراق، وإنما يقع الإحراق بإذن الله. ويقول "ليس من التوحيد أن تظن أن سبب الإحراق النار، فإن وجدت، وجد الإحراق، حتماً مقضياً". وهذا تمييز بين السبب الظاهر ومسبب الأسباب، وليس إلغاءً للعلاقة السببية أو إنكاراً لوجود الأسباب. ويؤكد طه هذا المعنى حين يشرح انتقال الصوفي من الأخذ بالأسباب في مقام الشريعة إلى إسقاطها في مقام الحقيقة. ثم عودته إلى الأخذ بها في مقام الاستواء، حيث يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويتعاطى الأسباب دون أن يغيب عن مسبب الأسباب.
ويشدد طه على أن إسقاط الأسباب ليس مقاماً يدعيه صاحب الشريعة، ولا يجوز أن يتحول إلى ذريعة للإهمال والسلبية. بل إن مقام الاستواء يقتضي إتقان الأسباب، والأخذ بها باعتدال واقتصاد، مع الرضا بما تؤول إليه النتائج. ويستشهد طه بحديث تأبير النخل، ليوضح أن أمور الدنيا تجري وفق نظام الأسباب، وأن الأخذ بها ضرورة في حياة الناس. وختم طه، قائلاً:
"وصاحب الحقيقة، حين يسقط الأسباب، يكون في حالة فناء، وهي مرحلة سلوكية، فإذا جودها السالك خرج منها إلى مقام البقاء، وجمع يومئذ بين الشريعة والحقيقة، فيأخذ في الأسباب في اعتدال، واقتصاد.. ولا يعني هذا الإهمال في توخيها، ولا السلبية في النظر إليها، وإنما يعني إتقانها، كل الإتقان، ثم الرضا عما يبديه الله له من فشل.. إذا كان الفشل.. فإذا كان النجاح، فلا يجب أن يستخفه الفرح، ولا أن يذهب بوقار نفسه، ولا اعتدال أخلاقه.. فإن الله لا يحب الفرحين، خفاف الأحلام".
ونلاحظ من نص محمود محمد طه الذي تناول فيه مفهوم السببية أنه لا يلغي السببية، كما ذهب إلى ذلك الدكتور أمين، وإنما يقدم تصوراً لها يقوم على التمييز بين ثلاثة مقامات في التعامل مع الأسباب: (1) مقام الشريعة، ويقوم على الأخذ بالأسباب والعمل بمقتضاها؛ (2) مقام الحقيقة، ويقوم على شهود الفاعلية الإلهية وعدم الاعتقاد باستقلال الأسباب في إحداث نتائجها؛ و(3) مقام الاستواء، ويقوم على الجمع بين الشريعة والحقيقة، من خلال الأخذ بالأسباب وإتقانها، مع عدم الغفلة عن مسبب الأسباب.
في ضوء هذا التفصيل، يثور السؤال عن مدى صحة نسبة إلغاء السببية إلى محمود محمد طه. إن الدكتور أمين لم يُتح لنفسه فرصة الإحاطة بمصادر محمود محمد طه، لكنه لم يتردد في إطلاق أحكام فلسفية كبيرة على فكره. وهنا تتجلى المفارقة: فطه يناقش السببية، ويفصل في مستوياتها ومراتب التعامل معها، ويؤكد ضرورة الأخذ بالأسباب وإتقانها في مقام الشريعة والاستواء، بينما ينسب إليه الدكتور أمين إلغاءها وإنكارها! إن هذا ليس مجرد خطأ في التأويل، وإنما خلط بين نفي استقلال الأسباب ونفي وجودها، وبين نفي استقلالها بالفاعلية وإنكار مبدأ السببية ذاته.
إن إطلاق حكم كهذا دون الرجوع إلى النص الذي تناول المسألة مباشرة يكشف عن خلل يتجاوز حدود الاختلاف في التفسير إلى خلل في منهج البحث والاستدلال. فكيف يستقيم أن يتحدث ناقد عن موقف مفكر من قضية مركزية، دون أن يقرأ النص الذي خصصه ذلك المفكر لمناقشتها؟ حين يغيب الاطلاع على المصادر، يحل الافتراض محل المعرفة، وحين تتقدم الأحكام على القراءة، يتحول النقد إلى تخيّل. وذلك هو النقد الجربندي في أوضح تجلياته.

خلاصة: بين قصور المعرفة واضطراب الاستدلال

يتضح مما تقدم أن الادعاء بأن محمود محمد طه أنكر قانون العلية وألغى السببية لا يستند إلى إحاطة كافية بمصادر فكره، ولا إلى قراءة متكاملة للنصوص التي تناول فيها هذه المسألة. فقد استند الدكتور أمين إلى نص من كتاب القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري للإسلام، نقله مختصراً، وحذف منه عبارات ذات دلالة في سياقه، ثم مزج بين النص المنقول واستنتاجاته الخاصة، دون أن يميز بوضوح بين ما قاله محمود محمد طه وما أراد الدكتور أمين أن يستخلصه من كلامه.
والأهم من ذلك أن مناقشة المسألة لا تستقيم بتجاهل ما أورده محمود محمد طه في كتاب أسئلة وأجوبة: الكتاب الأول، حيث تناول مفهوم السببية بصورة مباشرة، وميز بين مقام الشريعة ومقام الحقيقة ومقام الاستواء، وأكد ضرورة الأخذ بالأسباب وإتقانها، ونفى أن يكون تجاوز الاستقلال السببي مبرراً للإهمال أو السلبية. إن الخلط بين نفي استقلال الأسباب ونفي وجودها، وبين شهود الفاعلية الإلهية وإلغاء الفعل الإنساني، هو الذي أفضى إلى النتيجة التي انتهى إليها الدكتور أمين. وهي نتيجة لا يكفي لإثباتها اقتطاع نص من سياقه، أو الاستناد إلى قراءة جزئية، بل تتطلب الإحاطة بمصادر المسألة وتحليل مستوياتها ومفاهيمها.
وهكذا تتكشف المشكلة في مستويين متداخلين: قصور في استكمال المادة المصدرية، واضطراب في توظيف النصوص والاستدلال بها. وحين يحل الافتراض محل القراءة، وتسبق النتيجةُ فحصَ الدليل، يصبح النقد عرضة لأن ينسب إلى المفكر ما لا تثبته مجمل نصوصه. وهذا، في تقديري، أحد أبرز تجليات ما أسميه "النقد الجربندي".
نلتقي في الحلقة القادمة، وهي الأخيرة.



#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)       Abdalla_Elfakki_Elbashir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردّنا ...
- تقديم لكتاب المفكر الإيزيدي الدكتور خليل جندي، الشخصية الإيز ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- الحلقة الخاتمة- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...


المزيد.....




- رئاسة الشئون الدينية بالحرمين: استهداف الحوثيين مكة والمدينة ...
- ميرتس: على المسلمين الذين يرفضون الاعتراف بمسؤولية ألمانيا ع ...
- كينيا: السجن 200 عام لزعيم طائفة حرض 190 طفلا على تجويع أنفس ...
- الأوقاف الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يغلق الحرم الإبراهيم ...
- عاجل | آيزنكوت: من شروط الانضمام للحكومة الاعتراف بيهودية دو ...
- دراسة: تراجع نسبة المسيحيين بالقدس من 25 إلى 1.56 بالمئة خلا ...
- 70 ألفا يؤدون الجمعة في المسجد الأقصى
- إسرائيل تستعد لموجة هجرة يهودية أمريكية
- -كانوا جيراننا-... متحف -شماش- في بغداد يستحضر ذاكرة يهود ال ...
- فرانكفورت تشهد افتتاح أول أكاديمية يهودية من نوعها في أوروبا ...


المزيد.....

- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ... / عبدالله الفكي البشير
- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة الأخيرة ب)