علي ماجد شبو
(Ali M. Shabou)
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 14:10
المحور:
الادب والفن
في مسرح مابعد الحداثة، أو ما يُعرف "بمسرح مابعد الدراما" حيث يتلّبس الفن أشكالاً جديدة، يتدفق من خلالها بقوالب بصرية وحسيّة متجددة، أُعيدت صياغة المفاهيم الكلاسيكية للزمان والمكان لتفتح آفاقاً غير مسبوقة للفهم والإبداع. ففي مجال الفهم، يُعرّض الجمهور لإستكشاف أطر سردية تكسر القوالب الجاهزة، إذ لم يعد المكان مجرد حيّز جغرافي صامت، ولا الزمان تسلسلاً أفقياً يخضع لمنطق "الساعة". أما في مجال الابداع، فقد تحوّل المسرح من مجرد حالة من "التشخيص والتمثيل" الى حالة من الحضور المكثف الطاغي، والحضور الآني الساحر مستفيداً من مرونة "الزمكان" التي تمنح العرض المسرحي سيولة وحيوية ساحرة ومذهلة. فمسرح ما بعد الحداثة اذ يطرح أسئلة شاملة لا يسعى الى إجابات.
ويبرز المنظر الألماني هانس-تيس ليمان كأهم من صاغ ملامح "مسرح ما بعد الدراما" في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، حيث قدّم رؤيا فلسفية أحدثت زلزالاً في البنية التقليدية للمسرح، ويُعدّ المرجع الأساسي لفهم التحولات الجذرية للعمل الدرامي. في هذا المسرح، تراجعت هيمنة "النص" بوصفه المحور الأساسي للعمل، لتتساوى أهميته مع بقية عناصرالعمل الحيوية كالجسد والاضاءة والصوت والفضاءات والمؤثرات الصورية والرقمية التي تؤثث المشهد المسرحي. علاوة على إن الجمهور، في هذه التجربة، لم يعد مراقباً ساكناً من خلف "الجدار الرابع"، ولا هو مجرد وعاء "للتلقي"، بل أصبح كياناً منغمساً في كيمياء العرض المسرحي ومحاطاً بتدفق الاحداث المسرحية من كل جانب، الى الحدّ الذي يُسمح له أحيانا بالتدخل وإقتراح مسارات بديلة لنمو الفعل المسرحي.
إن التجربة الإنسانية، في ظل مسرح ما بعد الحداثة، أكتسبت أبعاداً أكثر إتساعاً وشمولاً بسبب تنوع الآليات السردية القصصية التي تتسم بالديناميكية والمرونة، إذ تعتمد على تعرية المكان وتفكيك الزمان، والأخذ بالبنى المبتكرة التي لا تكتفي بتقديم "الحدوته" أو القصة، بل تُغرق المتفرج في محيط من المسارات المتشعبة التي تستفز وعيه وتشركه في صياغة المعنى. مع ملاحظة إن ليمان لم يدعوا الى الغاء النص تماماً، بل الى خلعه عن عرشه ورفع العوامل "الإستتيكية" الجمالية الى منزلته، أي رفع الجماليات البصرية والسمعية والرقمية، الى ذلك العرش، ومساواة النص بها.
من المؤكد أن هانس-تيس ليمان لم يخترع مسرحاً جديداً من العدم، بل من قدرته على رصد التحولات الجذرية التي قادها مسرحيون ثاروا على الطبيعة الكلاسيكية للعمل المسرحي وإخترقوا قدسية النص الدرامي، أُشير هنا، بإختصار، الى تجربة مخرجين مهمين وأعني بيتر بروك وآريان منوشكين اللذان شكلا، مع مخرجين آخرين، القاعدة التطبيقية لما نظّر له ليمان. فعلاقة ليمان الفكرية ببروك ومنوشكين علاقة تبادلية تجسّر الهوة بين النظرية والتطبيق.
المخرج بيتر بروك أنجز أعماله المتمردة على القواعد الكلاسيكية للمسرح قبل أن يُبلور ليمان مصطلح ما بعد الدراما. ففي كتابه "المسرح العاري" The Empty Space الذي صدر عام 1968 ، ويُعتبر من أهم النصوص النظرية في تاريخ المسرح الحديث، والذي يشرح فيه مفهومه للحد الأدنى للفعل المسرحي، فهو يؤكد بإن المسرح حين يكون خالي من أي ديكور، أي أن تكون خشبة المسرح جرداء وعارية تماماً، حينها يكفي أن يسير رجل عبر هذه المساحة العارية وفي هذه الإثناء يشاهده شخص آخر، ينتج عن ذلك ما يسميه بروك " بالفعل المسرحي"، أي ان خشبة المسرح لا تحتاج الى اقنعة ديكورية لإيهام المتفرج، على العكس، ان تجريد الخشبة يهيأ مخيلة المتفرج لاستقبال الفعل المسرحي. وإستكمالاً لمفاهيمه النظرية أصدر كتابه "نقطة تحوّل" The Shifting point عام 1987 يؤكد فيه بأن العناصر الأساسية الوحيدة للمسرح هي الفضاء، والممثل والجمهور، ويدعو الى إزالة "الضجيج المشهدي" (الديكورات والأزياء المعقدة) للتركيز على العلاقات غير المرئية بين البشر في اللحظة الآنية، أي في الحاضر، فالعرض المسرحي هو حدث جماعي لا يمكن أن يوجد الآّ إثناء مشاهدته. ويمكن تلخيص مواضيع الالتقاء بينه وبين نظرية ليمان في التالي:
أولاً. "الاختزال"، يُشير الى عملية تجريد وتعرية المسرح من العناصر الزائدة، حيث يسعى الى تبسيط الديكور، وتغيير بنية الأداء عبر تقليص أدوات التمثيل، يتوضّح ذلك في الامتناع عن المبالغة والتضخيم، والتركيز على الحضور المكثف والمباشر للممثل. في هذا السياق يُصبح الأداء أكثر صدقاً وعمقاً، حيث يبرز المشاعر الحقيقية ويرسّخ التواصل العاطفي بين الممثل والجمهور، مما يعزز من تأثير العرض المسرحي فكرياً وتعميق الوعيّ في إثراء تجربة غير تقليدية، غنية ومؤثرة.
ثانياً. يعتمد بروك على "الانثروبولوجيا"، بإعتبارها مفتاحاً يتم من خلالها تجاوز المفاهيم التقليدية للمكان والزمان، كما يتضح في عمله الشهير "المهابهاراتا"، في هذا العمل الملحمي يتم تجاوز إستخدام اللغة التقليدية الى الحضور المكثف للجسد والاشارات، مما يخلق تجربة غامرة للجمهور. يستخدم بروك هذا النهج لإبراز الأبعاد الثقافية والإنسانية العميقة، معززاً من تفاعل الجمهور مع الأحداث، إضافة الى ذلك، تمتد مدّة العرض المسرحي الى تسع ساعات متواصلة، او إحدى عشر ساعة مع إحتساب فترات الاستراحة، وهو ما يسمح للجمهور بالتفاعل مع الاحداث بشكل أعمق، ويمنحهم الفرصة لإستكشاف المعاني المتعددة التي تتضمنها سرديات الحكاية، مما يُعزز من تأثير العمل ويجعله تجربة فريدة لا تنسى.
ثالثاً. "استخدام الأسطورة" كوسيلة فنية متقدمة في أعمال بروك المسرحية، حيث تُعد رديفاً قوياً وفاعلاً لنقل الرموز والدلالات التي تحمل معاني متعددة. فالأسطورة لا تقتصر على كونها مجرد "حكايات قديمة" بل هي تُستخدم كعربة تحمل في بواطنها العواطف الإنسانية والمفاهيم العميقة دون اللجوء الى اللغة التقليدية. من خلال هذا الإستخدام تتمكن الأسطورة من تجاوز الحدود الثقافية ومعايير المجتمع السائدة، مما يُتيح للجمهورالتواصل مع التجربة المسرحية بشكل أعمق. علاوة على ذلك، فإن الأسطورة تتيح إستخدام الرموز والإشارات الجسدية لتوصيل الرسائل بشكل أكثر تأثيراً وفعّالية، حيث إن ذلك يخلق تجارب بصرية غنية تعكس التعقيدات الإنسانية. في هذا السياق تصبح الأسطورة نافذة على العالم النفسي والإجتماعي، معززةً قدرة العرض على إستكشاف قضايا الوجود والتحديات التي تواجه الإنسان بطرق تتجاوز الكلمات واللغة الشائعة، مما يجعلها تجربة فنية متكاملة تلامس عمق الروح البشرية.
رابعاً "إسقاط الجدار الرابع" وتحويل العرض المسرحي الى طقس تشاركي يُلغي المسافة الجمالية التقليدية، حيث إن تفكيك الفواصل بين الممثلين والجمهور يعكس تحدي المفاهيم التقليدية للعرض المسرحي، مما يستدعي الإستفاقة التامة من الوهم والإندماج مع أحداث العرض. ذلك يساهم في تعميق التفكير النقدي لدى الجمهور الذي يشعر، بأنه جزء من الحدث، على إمتداد العرض المسرحي.
أما "المكان" عند بروك فهو لايمثل الفضاء بأبعاده الجغرافية، بل الفضاء الفارغ، حيث إن المسرح يبدأ من نقطة الصفر، لهذا فهو يرى أن أي فضاء عادي يمكن أن يتحول الى مسرح. وبهذا فإن خشبة المسرح الخالية هي دعوة لإستفزاز مخيلة المتفرج، كما حدث في مسرحية "المهابهاراتا"، حيث تمّ استخدام بعض الرموز والدلالات المكانية كالرمال والشجيرات وغيرها، تسمح بالانتقال بالمشهد المسرحي من مكان بعينه الى آخر يناقضه، الغابة مثلاً تتحول الى القصر، أو بالعكس، بالإعتماد على مخيلة المتفرج التي تغذيها عناصر مكثفة على الخشبة.
الزمان عند بروك هو الزمان المتداخل، حيث يدمج الزمان التاريخي بالمعاصر، والاسطوري بالواقعي في لحظة واحدة، فهو زمان مكثف أو هو الزمان الجوهري، وهو زمان يسعى بروك من خلاله الى الوصول الى " اللحظة الآنية" وهي اللحظة الصافية التي لا تمثل مدة العرض، بل تكثيف للحياة في لحظة الحاضر، هذه اللحظة مرهونة أيضاً بطاقة الأداء التمثيلي فهي التي تجعل المتفرج يشعر بإن الزمان يتمدد أو يتقلص، لكنه غير معني بالزمان بمقاسات "الساعة"، بل بتكثيف اللحظة الراهنة في الحاضر.
وبذات السياق لم تكن المخرجة الطليعية أريان منوشكين مهمومةً بتقديم عروضاً مسرحية تقليدية، بل خلقت عوالم بصرية جذّابة وساحرة، فالعرض المسرحي، عند تكامله، يكون بالنسبة الى منوشكين بمثابة قصيدة شعرية بصرية أخّاذة. إبتدأت منوشكين رحلتها المتمردة في المسرح منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، متأثرة بالاساطير والموروثات الشرقية، وبشكل خاص، بالمسرح الياباني التقليدي، كمسرح الكيباكي ومسرح النو، وصاغت عوالم مسرحها بآفاق ساهمت في تشكيل الإطار النظري لهانس- تيس ليمان في نظريته للمسرح ما بعد الدراما. ويمكن تلخيص أهم الأسس المشتركة، التي عملت عليها منوشكين، وشكلّت فيما بعد، جوهر نظرية ما بعد الدراما.
أولاً. المسرح داخل المسرح، أو الميتا مسرح، في هذا الإطار، تختفي حدود الزمان والمكان دراميا. تكشف منوشكين كواليس العرض، فتتركها مفتوحة لتمكين الجمهور من مشاهدة الممثلين خلال عملية المكياج او تحضير الآلات الموسيقية وماشابه. بهذه الطريقة تُلغي الايهام تماما وتكسر حاجز الجدار الرابع، مما يعزز من تفاعل الجمهور مع الاحداث.
ثانياَ. تلاشي الفردانية، وذلك بإلغاء دور البطل التقليدي في العمل المسرحي من خلال الاحتفال بالأداء الجماعي، حيث يتم التركيز على الكورال والكتل البشرية. ولتعزيز هذا المفهوم يتم استخدام الأقنعة والمؤثرات البصرية المتنوعة لتحوّيل التركيز من التشخيص الفردي الى الأداء الجماعي، بعيداً عن مفهوم التمثيل عند ستانسلافيسكي.
ثالثاً. تطويع الجغرافية درامياً، أي القدرة على تحويل المساحات المفتوحة، مثل الساحات العامة أو المستودعات، الى خشبات مسرحية نابضة بالحياة، من خلال هذا التحويل يمكن خلق فضاءات درامية جديدة تتجاوز الأبعاد التقليدية المتعارف عليها في المسرح، مما يسمح للجمهور بالتنقل بين الممثلين والتفاعل معهم بشكل مباشر. هذه الديناميكية لا تعزز فقط من تجربة المشاهدة، بل تُضفي عمقاً على الاحداث الدرامية، حيث يتمكن الجمهورمن الشعور بوجوده في قلب الأحداث، كما أن هذا الأسلوب يساهم في كسر الحواجز بين العرض المسرحي والجمهور، مما يخلق بيئة تفاعلية تجعله جزء من التجربة المسرحية، ويعزز من إنغماس الجمهور في السرديات الدرامية والأداء.
رابعاً. تهميش النص، أو الغاء العلو والتراتبية بينه وبين بقية عناصر العرض، أي التعامل مع النص كعنصر ثانوي وكمادة خام لاتمتلك أولوية على بقية عناصر العرض المسرحي. فغالباً ما تعتمد منوشكين على الجسد، كحضور مكثف على خشبة المسرح، مدعوماً بشكل متوازي، بعناصر العمل الدرامي، من الإضاءة والمؤثرات الصوتية والبصرية والرقمية المختلفة، إضافة الى الموسيقى الحيّة، واللغة الشاعرية ليكتمل العرض المسرحي.
"المكان" عند أريان منوشكين هو الفضاء الملحمي الذي يجعل المسرح "كوطن"، لأنه المكان الشامل الذي يفرز نموذجآً مغايراَ يعتمد على الكورال والجماعيّة الاحتفالية في المسرح. المكان هنا لا يتخصص بسرد الحكايات والغوص في الأوهام، إنما هو الفضاء الذي تُكشف فيه التجارب الإنسانية ويُشرك بها الجمهور. فالعرض المسرحي لا يبدأ من رفع الستارة عن الخشبة (كما في العروض التقليدية) إنما يبدأ من لحظة دخول الجمهور للمسرح (وخاصة في أماكن المستودعات القديمة التي تحولت الى "مسرح الشمس" الذي تديره منوشكين) حيث يكتشف (الجمهور) وجود الممثلين، بين زوايا المسرح، وهم يتحدثون فيما بينهم، ويضعوا المكياج، والموسيقيون وهم يوزيعون آلاتهم في الأماكن المخصصة، وغير ذلك. فالمكان عند منوشكين ليس بفضاء جغرافي صامت، إنما مساحة ديناميكية لبث نبض التجارب الإنسانية، والكشف عن المعاناة الإنسانية إقتصادياً وسياسياً، إضافة الى مشاعر التحريض على المقاومة والتمرد على الإستبداد والظلم.
الزمان عند منوشكين يصبح زماناً طقسياً يستحضر التاريخ لا بإعتباره سردية مقتطعة من التراكم الإنساني، إنما يستحضره كخامة صماء ليعيد قراءته على ضوء الحاضر بالإعتماد على التواجد الجماعي للممثلين على المسرح، والإيقاع الحركي، والموسيقى الحية لتوليد زمان اللحظة الراهنة، وهو زمان العرض المسرحي الذي يُوقظ الوعي ويُحفز الذاكرة الجمعية. فالزمان يأخذ شكلاً "إحتفالياً" قد يمتد زمان العرض المسرحي لعدة ساعات طويلة، على النقيض من سرعة ومحدودية الزمان في المسرح "التقليدي".
وهكذا يتضح من إعادة صوغ مفاهيم الزمان والمكان، في أعمال بيتر بروك وآريان منوشكين، عن عمق وتعقيد السرد في المسرح. فكما في مسرح ما بعد الحداثة، يصبح الزمان عندهما سائل ومرن والمكان يتحول عندهما الى عنصرمتحرك وديناميكي. أي بدمج مرونة الزمان بديناميكية المكان يكون المسرح حيّاً يتنفس اللحظة الحاضرة، علاوة على تهميش النص وإلغاء علوه وتخفيض تراتيبيته ليتساوى، من حيث الأهمية، مع بقية العناصر البصرية والصوتية والرقمية، إضافة الى تغيير موقع ومكانة ووظيفة الجمهور، وذلك بإتاحة الفرصة له في ان يدخل بتجارب غامرة تعزز الاتصال الواعي والنقدي بالاحداث الجارية على الخشبة.
الختام:
في ختام هذه الرحلة بين مدارات الزمان وأبعاد المكان، ندرك أنهما لم يكونا يوماً مجرد خلفيتين ساكنتين وراء الحدث، إنما هما النبض الحيّ والنسيج الوجودي الذي يتنفس به المسرح، إذ هما المادة الخام التي يُعاد بها تشكيل الوعي الإنساني. لقد أسهمت الفلسفات المتعددة، بدءًا من عقلانية التنوير مروراً بقلق الوجودية وصولًا إلى شظايا ما بعد الحداثة، في تعميق فهمنا لهذا الإشتباك الإنساني، مما أضفى على المسرح القدرة المذهلة على سبر أغوار الذات ومآلاتها في هذا الكون الفسيح. محوّلاً الخشبة من "مرآة تعكس الواقع" الى مختبر يُفكك يقينياته. هنا عند هذا المنعطف المعرفي، تتصافح فلسفة وإشراقات إبن عربي الصوفية عن إندماج رخو المكان بسيولة الزمان مع نسبية أينشتاين، التي أسقطت الأبعاد التقليدية وثبتت "الزمكان" بأبعاده الواقعية الأربعة، وتتكامل رؤى بروك ومنوشكين في تطهير الفضاء، مع صمت بيكيت الصاخب وعبثية أونسكو التي تبعثر اللغة لتكشف عجزها، ليولد من هذا المزيج مسرح متفرد لا يعترف بالتخوم، ولا يهادن الغموض والإلتباس، بل يجتذب الجمهور الى عين العاصفة ليكون هو المركز والغاية، وشريكاً في إنتاج المعنى لا مجرد مستهلك له. إن المسرح الحديث والمعاصر ليس الاّ دعوةً شجاعة لإعادة إختراع الذات، ومساحة تلتهم الخشبة فيها الراهن والمألوف، لتصبح كل لحظة عليها ولادة متجددة لزمان ومكان نُعيد صياغتهما بأنفسنا خارج قيود التاريخ وحتمية الجغرافيا.
لذلك فإن دراسة هذين المفهومين في المسرح ليست مجرد تمرين أكاديمي نظري، إنما نافذة مشرعة على صراع الإنسان الأزلي للقبض على معنى الكينونة في عالم لا يتوقف عن التغيير. فلم يعد تأثيرهما على بنية وهيكلية العرض المسرحي حبيس رؤية المخرج الصارمة أو حدود النص المغلق، بل تحول الى ملحمة حيّة تستولد الحكايا من شتات الأفكار، وتصهر مجاميع الممثلين لتخلق مسرحاً تفاعلياً يتنفس بالجمهور ومعهم. هكذا، يغدو كل عرض مسرحي كوناً مصغّراً، تتلاشى فيه الجدران والحدود الوهمية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ليصبح "الزمان والمكان" أشبه بظلالٍ تتراقص على جدران الوعي، تتشكّل مع كل مشهد وتنبض مع كل كلمة. إنه "ميتا وجود" Meta-Exsistance (أي الوجود المرجعي الذي يستقي حالة الوجود نفسها موضوعاً له) يتأمّل نفسه محاولآً تكثيف الأزل في لحظة، وإختزال اللامتناهي في بقعة ضوء. فالمسرح، في جوهره، ليس سوى محاولة الإنسان لترويض "الزمان" الهارب واحتواء "المكان" المنزلق. هناك، حيث يغدو الزمان حلماً دائرياً، لا بداية له ولا نهاية، والمكان متاهة من الرموز، تتسع وتضيق على إيقاع مخيال المبدع ووعي المتفرج.
المراجع:
- إيمانويل كانت، نقد العقل المحض، ترجمة: إلياس فركوح وحنان شرايخة، الناشر: المركزالثقافي العربي بيروت/الدار البيضاء 2005
- إبن عربي، فصوص الحكم، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت،2000
- إيان الموند، التصوف والتفكيك: درس مقارن بين ابن عربي ودريدا، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011
- الدكتور مصطفى النشار، إفلاطون رائد المثالية، الناشر: الدار العربية للكتاب، القاهرة 2018
- أرسطو، مجموعة أعمال مختارة، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، الناشر: دار القلم، 1980
- ألبرت أينشتاين، نسق الفكر العلمي، الناشر: دار الفكر، دمشق، 2003
- جورج لوكاش، نظرية الرواية وتطورها، ترجمة محمد عبد الله، الناشر: دار وطن للنشر والتوزيع، بغداد 2022
- جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشاعر، الناشر: دار الأندلس، بيروت 1982
- هانس تيس ليمان، مسرح ما بعد الدراما، ترجمة مروة مهدي عبيدو، الناشر: المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2023
- صموئيل بيكيت، في إنتظار غودو، ترجمة بول شاوول، الناشر: دار الجمل، بيروت، 2012
- صموئيل بيكيت، مسرحيات قصيرة، يتضمن مسرحية "اللعبة"، ترجمة د. بكر عباس، الناشر: وزارة الاعلام، سلسلة المسرح العالمي( 233) الكويت، 1989
- يوجين أونيسكو، الكراسي، ترجمة عبد الله أبو هيف، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت، 1973
- لويجي بيراندللو، مسرحية "ستة أشخاص يبحثون عن مؤلف"، ترجمة الدكتور سهيل إدريس. مجلة الاداب. رقم العدد (10 ) ، بيروت، الأول من أكتوبر 1953
- هارولد بينتر، الغرفة، ترجمة محمد عناني، الناشر: دارالشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989
- هارولد بينتر، الخيانة، ترجمةعادل صالح، الناشر: دار المدى، دمشق، 1996
- برتولت بريخت، الاعمال المختارة، الام شجاعة والسيد بنتيلا وخادمه ماتي، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، سلسلة من المسرح العالمي، وزارة الاعلام، الكويت 1978
- أنتونين آرتو، المسرح وقرينه، ترجمة الدكتورة سامية أسعد، الناشر: دار النهضة العربية، القاهرة، 1973
- Henry Bergson, œuvres complètes Éditions Arvensa, Kindle, 2014
- Lukács, György, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, MIT Press, 1971.
- Bertolt Brecht, Écrits sur le theatre, Edition : Gallimard, Paris 2000
- Peter Brook, The Empty Space, edition : Nick Hern Books, London, Kindle, 2019
- Peter Brook, The Shifting Point, Bloomsbury Academic, London, Kindle, 2018
- Garry O’Connor, The Mahabharata, Peter Brook,s Epic in the making, Edition : Lume Books, Kindle, 2018
- Béatrice Picon-Vallin, Ariane Mnouchkine, choix et présentation des textes, Édition : Actes Sud, Kindle, 2018
#علي_ماجد_شبو (هاشتاغ)
Ali_M._Shabou#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟