أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي ماجد شبو - الزمان والمكان بين الفلسفة والمسرح الحديث (القسم الأول)















المزيد.....


الزمان والمكان بين الفلسفة والمسرح الحديث (القسم الأول)


علي ماجد شبو
(Ali M. Shabou)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 11:42
المحور: الادب والفن
    


إنشغل الفكر البشري على مدى آلاف السنين بمفاهيم الزمان والمكان، كما انشغل بعلاقتهما ببعض. هل الزمان وحدة مقتطعة من الأبدية، وهل المكان بطانة لهذا الزمان؟ هل الزمان منفصل عن المكان وهل المكان مرتبط بالزمان؟ هل يُمكن للمكان ان يكون دون الوجود الفعلي للزمان وهل العكس صحيح؟ ثم هل الاندماج الوجودي الميتافيزيقي للمفهومين بإعتبارهما "زمكان" سيعمق من فهمنا؟ يُعتبر مفهوما الزمان والمكان من أعمق الاشكاليات الفلسفية منذ بدء التاريخ، فهما يُمثلان شرطين أساسيين لإدراك الواقع الملموس وتشكيل الوعي الذاتي. حيث إن الزمان والمكان في فلسفة أفلاطون يُمثلان إنعكاسات، أو ظلال، غير حقيقية لعالم المُثل الأبدي، فالمكان، كما يراه أفلاطون موقع التغيّر والحركة في العالم الحسٌي، في الوقت الذي يرى فيه الزمان كظل متساقط لزمان أبدي مثالي. غير أن أرسطو قام بتحديد المفهومين بتعريفهما، فالمكان عنده هو السطح الباطن الملامس للجسم، اما الزمان فهو مقدار الحركة او عدد الحركة من حيث ما مضي وما سيأتي، وبهذا يربط أرسطو الزمان بالحركة الطبيعية، أي الكم المتواصل والمرتبط بالتغيير، مما يجعل الزمان قابلاً للقياس في حين يتحدّد المكان في وجوده كحاوي للأجسام أي لما هو ماديّ.
في الفلسفة الحديثة، إن المفهومين هما أشكالاً حسيّة أولية، حسب إيمانويل كانت "في نقد العقل الخالص" Critique of Pure Reason، فهو يرى "المكان" شرطاً لترتيب الظواهر خارجيا، اما "الزمان" فهو الشرط لترتيبها داخلياً، وهما شروطاً ذهنية تجعل المعرفة ممكنة. فهما عند "كانت" "ظواهر" وليسا صفات للاشياء ذاتها. ثم يأتي هنري بيرغسون معتبراً أن الزمان الحقيقي، أي الديمومة، تيّار خلاق غير قابل للقياس الرياضي (الحسابات)، أي يُدرك بالحدس وليس بالعقل، حيث ان بيرغسون يميز بين الديمومة المستمرة والزمان المكاني كما يفرضه العلم والرياضيات. الزمان النسبي، كما حدده أينشتاين بدمجه بالمكان كمفهوم موحد "الزمكان". ففي النظرية النسبية لأينشتاين إن الزمان والمكان ليسا كيانيين منفصلين، بل هما جانبان لواقع واحد رباعي الابعاد يُسمي "الزمكان" Spacetime . فليس هناك وجود مطلق، لا للزمان ولا للمكان، إنما كل شيئ نسبي يقاس بسرعة المراقب وحركته. وعليه، فإن الزمان الماضي والزمان الحاضر ليسا بأزمنة مطلقة، فالزمان الحاضر يعتمد على الثوابت النسبية كإطار مرجعي.
قدّم الفيلسوف المتصوف إبن عربي، في القرن الثالث عشر، رؤية فلسفية وجودية تجعل الزمان والمكان نسبيين، ومتحدين، ومتجددين ووهميين بالنسبة للإدراك البشري، وهو ما يجعله يتداخل مع جوهر النظرية النسبية في نفي المطلق وتوحيد "الزمكان"، لكنه يتجه بعد ذلك إتجاهاً صوفياً موغلاً بالروحيّة. يُعد الزمان عند ابن عربي "مكاناً سائلاً"، فهومتحرك ومتجدد، وهو أمرٌمتوهمٌ (خيالياً أو وهمياً) وليس له وجود حقيقي مستقل في الخارج، بل هو نسبة أو علاقة تدركها العقول والأوهام لترتيب الأحداث والحركات. أما المكان فهو "زمان متجمد" وهونسبي ايضاً، فهو مرتبط بالأجسام والحركة، وغالباً ما يُعامل مع الزمان كثنائية وهمية. فالمكان يُعرَّف بأنه " ما تستقر عليه الأجسام " أو " ما يحيط بالشيء "، لكنه ليس موجوداً مستقلاً، بل يُتوهم من خلال الأشياء الموجودة فيه.
هذه المفاهيم الفلسفية وغيرها الكثير، خرجت عن الإطار النظري المجرد وتجسّدت دراميا في المسرح الحديث، أي مسرح القرن العشرين وما بعده. فالزمان والمكان هما من أبرز المفاهيم الفلسفية التي شكلّت أساس الفكر الإبستمولوجي والمعرفي. وقد تحوّل هذين المفهومين في المسرح الحديث الى أدوات درامية تعكس الإغتراب الإنساني والتيه الوجودي، تجسيداً لأفكار مارتن هيدغر عن الإغتراب أو جورج لوكاش عن "التشيؤ". فتصبح خشبة المسرح فضاء "زمكانياً" يفكك الوهم الدرامي. أما في مسرح ما بعد الدراما فقد تجاوز هانز تيس ليمان "الزمان الجامد" الأفقي لصالح الحدث المتعدد الأزمنة. ففي المسرح الحديث تحول الزمان والمكان من معيارين تقليديين، كما عند أرسطو حيث زمان واحد ومكان واحد وفعل واحد، الى مادتين تفكيكيتين تناهضان أزمة الانسان ويتحديان الوهم الدرامي، حيث إن هذه المفاهيم أكدّت بأن الزمان والمكان ليسا بمادتين ثابتتين، بل ديناميكيتين تعبّران عن الذاتية والتاريخية في المسرح الحديث.
المكان في المسرح الحديث ليس خلفية للدراما، بل فضاء ً رمزياً أو مادياً يُعاد تشكيله، أما الزمان فلن يكون تتابعاً أفقياً، بل ظاهرة وجودية أو نفسية لها حضورها الدرامي الثقيل. ففي المسرح الحديث يتحول الزمان والمكان الى وجود ملموس يجادل ويصارع الشخصيات الدرامية، ولتوضيح ذلك نستعيد مفهوم الزمان عند هنري بيرغسون في كتابه "التطّور الخلاق" L’évolution créatrice ، والمتمثل بـ"الديمومة الحسيّة" (durée)، والتي تعني بأن الزمان الحقيقي هو تدفق مستمر يتداخل فيه الماضي مع الحاضر، أي ان الحياة حالة من التغيير الأبدي، وهذه الرؤية تناقض المفهوم الكلاسيكي للزمان الخطي أو الأفقي، فهو يؤشر الى زمانٍ نوعي سلسٍ غير قابل للتقسيم، يختلف عن الزمان المكاني الخطي أو المتسلسل أفقياَ.
وقد أثرّت هذه الفلسفة والمفاهيم المنبثقة عنها، وخاصة مفهوم "التشيؤ" Reification لجورج لوكاش، في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي"، الذي ربط مفهوم الزمان بالوعي الطبقي، حيث إن مفهوم التشيؤ يُشير الى عملية تحويل الأفكار أو المفاهيم المجردة الى كائنات أو أشياء ملموسة، وبهذا يصبح المكان فضاءً متشيئاً يعوق التواصل الإنساني. أثرت هذه المفاهيم على حداثة المسرح عامة، وبشكل أكثر وضوحاً، على مختلف تيّارات المسرح الحديث بدءً من مسرح القسوة وإنتهاءً بمسرح ما بعد الحداثة، مروراً بمسرح اللامعقول والعبث، من خلال تصوير الزمان كدورة فارغة تعكس الاغتراب الإنساني، تأثراً بفلسفة هنري بيرغسون التي حوّلت مسرح العبث الى إشكالية معاندة وناقدة للزمان "التشيّؤي"، فحالة الإنتظار، مثلاً، ترمزٍ للدورة الإنسانية المعذبة، وهو ما يوثّق العلاقة، بشكل محكم، بين الفلسفة والدراما الوجودية.
يتضح مفهوم بيرغسون عن الزمان في مسرحية "في إنتظار جودو" لصموئيل بيكيت، فالزمان يتبلور كإنتظار دوري رتيب بلا نهاية، حيث يُعاد ويتكرر اليوم ذاته دون تقدم، عاكساً "الديمومة الحسية" الزمنية كمعتقل وجودي. ولهذا فإن بيكيت يستخدم الصمت والحوار المنقطع ذو الايقاع الموسيقي المبعثر، ليكشف عن الزمان الآخر، الزمان الداخلي الجاف والمتصلّب، ذلك الزمان الذي يُجسّد فشل الوجود بفضائه، وإندحارالكينونة في الخروج من حتمية "الديمومة الحسيّة" الزمنية وفق مفهوم بيرغسون.
ففي مسرحية "في إنتظار جودو" كما في مسرحية " نهاية اللعبة" لصمؤيل بيكيت نجد أن الزمان يستبطن الانتظارفي زمان دائري راكد، زمان متجمد، لا حركة فيه، فالشخصيات تعيش حالة من الروتين الحاد بفعل تكرار الأحداث وسقوط المعاني من اللغة والحوار بشكل دوري. فهو زمان مُستل من فلسفة هنري بيرغسون، "زمان الديمومة الحسيّة"، إنه زمان معكوس ليتحول الى فخ وجودي، فالشخصيات محاصرة في الحاضر أي في "الآن" الذي يتكرر بلا نهاية، وبلا تقدم ولا تأخير حقيقي. فالإنتظار لا يحمل هدفاً ولا معنىً واضحاً، بل صورة مجسمة للزمان الدائري، حيث خيبة الوجود الإنساني في زمان ملتوي على نفسه لا يستولد الاّ الإنتظار الأبدي.
أما المكان فهو إنعكاس عن خواء الروح وإنسداد الأفق، ففي مسرحية "في إنتظارجودو" يرمز الى طريق مهجور لا يفضي الى أي إتجاه، وشجرة جافة وحيدة في أرض قاحلة، أما في مسرحية نهاية اللعبة فالمكان يبدو أكثر قسوة حيث نجد غرفة صماء مغلقة أبدياً يغيب عنها الأفق تماماً، فالمكان هنا، في المسرحيتين، يُفرض كشرط حسيّ، لكنه يتحول الى مُعتقل نفسي يُلغي الإمتداد الحر، فالمكان يتحول الى "فخ زماني" يُغذي الانتظار ويحوله من فعل رتيب وممل الى شخصية درامية فاعلة وشاخصة الحضور.
كذلك فإن الزمان والمكان، في مسرحية "الكراسي" ليوجين أونيسكو، يُعاملا بطريقة تتحدّى الترتيبات التقليدية الساكنة، مما يعكس جوهر مسرح العبث، فالزمان والمكان يرمزان للوهم والفراغ الوجودي. فالزمان لا يتحدد بتاريخ دقيق واضح، حيث إن أزمنة الحاضر والماضي والمستقبل تتداخل في ذكريات الزوجين العجوزين (الشخصيتين الرئيسيتين) بصورة متناقضة، لهذا مثلاً، يُشار الي زمنٍ مستقبلي بعيد، (على مبعدة 400 ألف سنة بعد حدوث كارثة ما)، ولكن هذا يحدث دون تسلسل زمني، بل بلغة منثورة بعبث يشّع باللامعقول. المكان في هذه المسرحية يتحدد بفضاء، ضمن جزيرة مدوٌرة، وبرج عالٍ، حيث يحيط بالجزيرة بحر راكد، والفضاء (المسرحي) معدّ بنوافذ وأبواب متناضرة توحي بأجواء المسرحية الملتبسة. يمتلئ هذا الفضاء بكراسي لضيوف غير مرئيين، مما يُحوّل ذلك الى مسرح داخل المسرح، (أو ميتا مسرح) وهو ما يُزيد من رمزية الوهم والاغتراب عن الواقع. يُحطّم أونيسكو المكان كوحدة تقليدية، ففضاء المسرح يبدو فارغاً، ولكنه مزدحم جداً بالخيال، أما الدلالات في استخدامات المكان والزمان، في هذه المسرحية، فتكشف عن عمق الفراغ الانطولوجي أي مساقات العزلة الوجودية، فالكراسي الفارغة تعكس غياب الوجود الحقيقي، والحوارات المبتورة والمتناقضة والفاقدة للتسلسل المنطقي تعكس خيبة متبادلة لعدم القدرة على التفاهم، وإنعدام التواصل الإنساني. وهو تكثيف لصراع الانسان بحثاً عن معنى لوجوده في عالم لا معقول وعبثي، ومتناثر، ومشوش، ومتناقض.
في مسرحٍٍ آخر لا يصنف ضمن "مسرح العبث"، سأدرج عدد من الأمثلة، أولها مسرحية "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" للويجي بيرانديلو، حيث الزمان والمكان يُطرحان بوصفهما فضائين غير متكاملين وغير ثابتين، غير أن هذين الفضائين يعكسان الحقيقة والوهم كفلسفة أساسية للمسرحية. فالزمان في هذه المسرحية ليس بدائرة مغلقة تمثل الماضي، والحاضر، والمستقبل، بل كزمان مركّب ومعقد ومتداخل، حيث ان الماضي يعود حاضراً من خلال ذاكرة الشخصيات، فالسردية الدرامية تقع في الماضي في حين ان الشخصيات يقومون بإحيائها في الحاضر، أي في " الآن" على المسرح، فهي حالة مربكة من إحلال الزمن بذاته.
المكان في هذه المسرحية هو خشبة المسرح ذاتها حيث تقدم المسرحية، فالمكان اذن يتحول الى ميتا مسرح " metatheater " أي مسرحة "ماهو مسرحي" في المسرح، أو مسرح داخل المسرح. فالمكان يتحول من سياقه التقليدي الى فضاء أكثر رحابة وإتساعاً ليسمح للشخصيات المسرحية بمسرحة الوقائع ضمن فضاء يناور بين الواقع والخيال. وفي نهاية الامر فإن الزمان والمكان، في هذه المسرحية، ليسا مجرد إطارين للحدث، بل يستخدمان لصوغ السؤال الفاصل بين الحقيقية والوهم. فالزمان هنا يعود من الماضي ويستقر في الحاضر، أما المكان فيتحول من سردية خيالية أو وهمية الى المسرح ذاته الذي يقدم فيه العرض المسرحي، حيث قام لويجي بيرانديلو بتحويل المسرح الى مختبر وجودي، حيث يفقد الزمان والمكان ثباتهما التقليدي وينفتحان امام الهوية المتشظية، والعبث، علاوة على إن ذلك يزيد في التّورط بصراع خفي بين الذي يروي السردية، وبين من يُروى له.
في عالم آخر هو عالم الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بينتر Harold Pinter يُعدّ مفهومي الزمان والمكان كأعمدة أساسية لمسرح الذاكرة او "مسرح التهديد"، فبينتر لا يتعامل مع هذين المفهومين كوحدات فيزيائية ثابتة، بل كأدوات سيكولوجية معقدة. فالزمان يُختزل بإجواء من التوتر النفسي، بينما يتقلص المكان الى مساحة مغلقة، ولكن بترابط هذين المفهومين في المسرح، ينشأ عالم تعسفي مغلق، ومعبأ بالإحساس بالإختناق والقمع، عالم داكن مشحون بسنوات من التوتر، ضمن سردية النص الدرامي، ليُكشف فيها عن توترات العلاقات الاجتماعية.
ولتوضيح مفهومي الزمان والمكان في السياق الدرامي لبينتر، لننظر أولا الى المكان بحدوده الخانقة كما في معظم مسرحياته، فالمكان غالباً ما يكون غرفة واحدة صغيرة وضيقة، لأن المكان لا يُشكّل خلفية مجرّدة للاحداث، بل هو شخصية درامية بحدّ ذاتها. لذلك فالغرفة تُمثل عالماً داخلياً آمناً تحاول شخصيات المسرحية حمايته من تهديدات العالم الخارجي المجهول، فالمكان هنا يتحول الى ملجأ أو أرض خارج المعركة الخارجية المجهولة. المكان يتخذ أيضا ادواراً أخرى مختلفة، فيتحول الى أداة للسلطة، حيث إن السيطرة على المكان تعني السيطرة على الحقيقة. فالشخصية التي تملك الحق في الجلوس على الكرسي او السماح بالدخول او حتى فتح النافذة هي الشخصية التي تفرض سلطتها الدرامية، أي الشخصية التي غالبا ما تزيد من الإحساس القسري بالاختناق بسبب ممارساتها التعسفية الاضطهادية. ولكن المكان، نفسه، عند بينتر يدعوالى الرهاب Claustrophobia فهولا يحمل "آمان حقيقي" حيث ان المكان "الداخلي" يتم اختراقه وتجاوزه دائماً عبر زوار غرباء مما يُحوّل الملجأ الى معتقل والى ساحة إستجواب.
أما مفهوم الزمان فلسفياً عند بينتر فهو يتأثر بفكرة إن الماضي ليس حدثاً إنتهى، بل هو قوة فاعلة تُشكّل الحاضر، أي إن الزمان رخو وسائل، وبهذا فإن الذاكرة تصبح إنتقائية. لعل ذلك ما دعى بينتر الى إستخدام التسلسل الزمني العكسي، أي أن يبدأ من النهاية ويعود الى الماضي كما في مسرحيته "الخيانة" Betrayal ليثبت بأن معرفتنا بالنتائج تغير فهمنا للأسباب التي أفضت لها، فالذاكرة تصبح أداة تضليل حيث إن الزمان عند بينتر ليس موضوعياً، بل "ذاتيّ". فالشخصيات تتذكر أحداِثاً متناقضة عن نفس اللحظة الزمنية، بإعتبار إن الزمان لا يُمثل مرجعاً صادقاً ونهائياً للحقيقة، بل يتحول الى منصة للصراع الشخصي، حيث تُعيد كل شخصية، من شخصيات المسرحية، صياغة ماضيها ليناسب إحتياجاتها الآنية. كذلك فإن بينتر يستخدم الصمت والتعثر او الوقفات في الكلام كلحظات يتوقف فيها الزمان الخارجي ليتيح للمتفرج سماع دويّ الصراعات الداخلية تحت السطح. ولهذا يتضح بإن المكان والزمان يرتبطان بشكل وثيق ليخلقا حالة من الشك واللايقين، وبإيجاز تام، فإن المكان عند بينتر هو الحدود التي ندافع عنها، اما الزمان فهو المادة الخام التي نعيد تشكيلها للهرب من الحقيقة او لمواجهتها، فالمكان دائماً ضيّق ومحاصر، في حين ان الزمان رخو، وسائل وغير موثوق.
في المسرح الملحمي لبرتولت بريخت، يُعتبر مفهومي "الزمان والمكان" من الأسس الجوهرية التي أعاد صياغتها بريخت إنطلاقاً من الفلسفة الماركسية الجدلية التي تهدف الى تغيير العالم وليس محاكاته، وهكذا يصبح كلّ من الزمان والمكان أدوات أيديولوجية، ولكن تجريدية لتفكيك الوعي البورجوازي وإعادة تشكيله. وبهذا فقد إبتعد عن الرؤيا الارسطية لمفهومي " الزمان والمكان" اللذان يُفضيان الى "الإيهام" في المسرح، حيث جعل من هذين المفهومين أدوات للنقد والتحليل. فالزمان والمكان عند بريخت ليسا مجرد خلفية للسردية الدرامية، بل هما سياق إجتماعي وإقتصادي، وبهذا يكون "الإنسان" في السردية البريختية إبن ظروفه الزمنية والمكانية وهو يشدد على إمكانية تغيير هذه الظروف.
الزمان عند بريخت زمان منقطع أي غير متدفق وغير مستمر، فهو ينتقل بقفزات زمنية في سرديته، كما في مسرحية "الام الشجاعة"، هذا الانقطاع يُلغي الوهم عند المشاهد ويجعله يتسائل حول مصيرالشخصية، داخل السردية الدرامية، ويحلٌل مالذي أنتجته السنوات (في زمن المسرحية)، مع ملاحظة أن بريخت غالباً ما يضع "لافتات أو شخصية الراوي" في بداية المشهد للكشف عن نتائج الحدث مما يجعل الجمهور متيقظاً ومشاركاً في الاحداث التي تهدف الى عرض ونقد الحاضر السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أما المكان عند بريخت فهو بمثابة "مختبر سوسيولوجي" أي إقصاء الديكور الواقعي وجمالياته. فمثلاً بدلا من بناء غرفة واقعية كاملة يكتفي بريخت بوضع إطار لنافذة أو باب أو ببساطة وضع لافتة تصف مضمون الديكور، فهو لا يلتزم بمكان واحد في مسرحياته كما في الام الشجاعة، فالشخصيات تتنقل بين الأماكن إشارة الى عدم إستقرار الانسان في ظل الأنظمة الإستغلالية. كذلك يُبرز بريخت المكان "كقوة قاهرة" وكعنصر ضغط على الشخصيات، مثل ساحة الحرب والقتال، ليكـشف عن كيفية تأثير المحيط المادي على وعي الانسان وسلوكه.
إن حالتي الزمان والمكان عند بريخت ينزعان الالفة من المتفرج، ويؤثرا بشكل مباشر وملموس على تشكيل حالة "الاغتراب" التي يتحسسها طيلة مدة العرض المسرحي، حيث لا يندمج المتفرج بأحداث المسرحية لا زماناً ولا مكاناً، بل يبقى يقظاً واعياً محاولا فهم وتفسير الاحداث، علاوة على أن التلاعب بالزمان والمكان يمنع الإندماج والتوحد مع أبطال المسرحية، فالمتفرج لا يتيه في زمان او مكان شخصيات المسرحية ويبقى نبهاً ومراقباً، من الخارج، يحلّل وينقد الأوضاع الاجتماعية، وصيغ الصراع الطبقي التي تفرزها سردية العمل.
أما الكاتب والمخرج والمنظّر أنتونين آرتو، وهو واحد من أكثر المتمردين تأثيراً في تاريخ المسرح والفلسفة، فيقصي تماما مفهومي الزمان والمكان عن الفهم التقليدي معتبراً المسرح "فضاءً جسدياً" خالصاً، حيث لم يعد المكان حيزاً جغرافياً، إنما أصبح إمتداداً عضوياً للجسد وللصرخة الغاضبة العنيفة، أما الزمان عنده فقد تحوّل الى " لحظة وحشية متفجرة " تأبى المنطق المتسلسل، مستلهماً من بيرغسون مفهوم " الديمومة الحسيّة " سعياً الى إيقاظ وإستنهاظ اللاوعي عبر الأصوات والصراخ وزخم التشكيل والصور، متجاوزاً عقم الكلمات وجمود اللغة، حينها يستحيل العرض المسرحي الى طقس بدائي يُعيد صياغة الوجود فيغدوالمكان جسداً جماعياً يتلوى تحت سوط الزمان الآني وعنفه. إنه "مسرح القسوة" الذي أراد به آرتو تحطيم الرؤية النمطية للعالم وتفتيت الادراك الحسّي السائد لدى المتفرج.
لم يقف آرتو عند حدود المكان كإطار مادي بارد، إنما جعل منه أداة لإستحضار القوى الكامنة التي تستنهض الوعي المتمرد، لذا فقد قاد ثورة على "مسرح العلبة" وخشباته التقليدية التي تبني جدران العزلة بين الممثل والجمهور، مقترحاً فضاءً أكثر رحابة وشمولاً. لقد دعا آرتو الى الغاء المسافات الفاصلة، جاعلاً الجمهور في قلب الحدث، ليكون محاصراً بفيض "مسرحي" ينهمر عليه من كل جانب. ثم يتحول المكان من مساحة للعرض الى فضاء ميتافيزيقي يبتلع الحواس. فالفضاء المسرحي عند آرتو لم يعد مجرد ديكوراً صامتاً، إنما أصبح كائناً حيّاً ينبض بالضوء والصرخات مؤثثاً الفراغ ليكون أداة لتطهير الروح، أو ربما آلية متقدمة للتعذيب عبر نكهات الألم، وبجماليات لا ترتكن الى معايير المجتمع. ولأن اللغة المنطقوقة قاصرة عن بلوغ رؤياه، فقد إستبدلها بلغة الفضاء الحر، الفضاء الخام، حيث الحركة والايماءة والرقص الفطري هي التي تمنح المكان معناه المادي الوجودي عبر إشارات وحركات تعبيرية تخاطب الوجدان دون حاجة لوساطة الكلمة المكتوبة.
وبهذا يصبح الزمان عمودي وطقسيّ، ينسلّ من رحم الحلم أو الغيبوبة، ليجرد المتفرج من قيود الزمان المألوف الذي تقيسه عقارب الساعة، لهذا فإن الزمان عند آرتو لم يعد مجرد لحظة مغتصبة، إنما هو يسعى للتشبع التام في "الآن" المطلق، تلك اللحظة اللانهائية التي شبهها آرتو "بالطاعون"، بإعتبار أن كليهما (الزمان والطاعون) يُوقف المسار الرتيب للحياة، ويُجبر البشر على مواجهة مصائرهم وحقائقهم العارية، في ومضة عنيفة وخاطفة من الزمان.
بمعنى آخر فإن الزمان هو رحلة عودة الى الينابيع الأولى، الى الزمان الإسطوري الذي تذوب فيه الحواجز بين الروح والمادة، ويستعيد فيه الإنسان إتصاله المفقود بالقوى الخفية للكون. أي إنها لحظة مكاشفة جريئة تسعى لإختراق حجب الميتافيزيقيا والغوص في غيبوبة اللحظة الآنية. في دراما آرتو يتحول الزمان الى إيقاع صوتي، ونبض صرخات تسحق التدفق التقليدي للأحداث، محطمة الوعي الزائف لتمنح المتفرج حالة من "النشوة" الكفيلة بإعادة صياغة كينونته من جديد.
(يتبع القسم الثاني والأخير)



#علي_ماجد_شبو (هاشتاغ)       Ali_M._Shabou#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية المسرح التجريبي وآليات التحكّم الرأسمالية
- بحثاً عن المسرح العربي
- الديموقراطية وقرصنة السيادة الوطنية
- التجريب في المسرح .. التجريب في المجتمع
- كلام متأخر عن زياد الرحباني
- مفاهيم الحرية في فلسفة ما بعد الحداثة وإنعكاسها على المسرح
- المرجعيات المركزية الإجتماعية ومفهوم التجريب
- الإمتداد المسرحي في التهجين الثقافي
- الاغتراب الثقافي ودلالاته في المسرح
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية
- الجغرافية الثقافية وفنون الأداء
- الإيستاتيك، وجمال القبح في المسرح
- المحتوى في المسرح
- أريان منوشكين ومسرحية -الجزيرة الذهبية-
- المسرح والجمهور .. و-المتلقي-.
- الظاهراتية والمسرح
- الحرية والإبداع
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية
- -عبث- البير كامو و -الثورة المُهانة- في الربيع العربي
- قضية مؤلمة


المزيد.....




- مسرح ماياكوفسكي يحتفل بمرور 104 أعوام على تأسيسه بأمسية شعري ...
- أمريكا.. الشرطة تغلق التحقيق في وفاة الممثلة هايدن بانيتير
- ذكرى رحيل حسن يوسف الثانية: مسيرة ستة عقود بين التمثيل والإخ ...
- جيسيكا بيل: ابني سيلاس لن يدخل التمثيل من باب شهرة والديه
- سويلم يشارك في الجلسة الفنية “الحوار التفاعلي الثالث ” الميا ...
- التعليم العالي: كلية التجارة بجامعة المنوفية تحصل على الاعتم ...
- كلاكيت: السينما تكتشف بطولة الإنسان اليومي
- «التنمية الثقافية وصناعة الكتاب» في جلسة حوارية مشتركة
- الترجمة الأدبية .. المشكلات والتحديات في محاضرة للمترجم الدك ...
- المغرب يصدر أول ترجمة رسمية وعلمية لمعاني القرآن الكريم بالل ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي ماجد شبو - الزمان والمكان بين الفلسفة والمسرح الحديث (القسم الأول)