علي ماجد شبو
(Ali M. Shabou)
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 11:38
المحور:
الادب والفن
لا ينفصل تاريخ الفن عن تاريخ الصراع الإنساني من أجل الحرية، فكلما استقرت بنية اجتماعية أو اقتصادية على صورة بعينها من التنظيم والسيطرة، نشأت في مواجهتها محاولات جمالية تسعى إلى إعادة اكتشاف الإنسان وتوسيع حدود تجربته. ومن هذا المنظور، يبدو الإبداع فعلاً دائماً من أفعال التأقلم مع العالم والتمرد عليه في آنٍ واحد، إذ يسعى الفنان إلى فهم شروط الواقع الذي يعيش فيه، دون الخضوع لها، بل يعمل على مساءلتها وتجاوزها وابتكار إمكانات جديدة للوجود داخلها أو خارجها.
وفي العالم المعاصر، تتخذ هذه الجدلية شكلاً أكثر تعقيداً تحت تأثير الرأسمالية بوصفها منظومة لا تقتصر على تنظيم الاقتصاد، بل تمتد إلى تشكيل الذائقة وأنماط الاستهلاك وطرق إنتاج المعنى نفسه. ومن هنا تبرز خصوصية المسرح بوصفه فناً يقوم على اللقاء الإنساني المباشر، ويجد نفسه في مواجهة مستمرة مع منطق السوق الذي يميل إلى تحويل التجارب والقيم والرموز إلى سلع قابلة للتداول. لذلك لا تقتصر الإشكالية على علاقة المسرح بالرأسمالية من حيث التمويل أو الإنتاج، بل تمتد إلى سؤال أعمق: كيف يستطيع المسرح أن يحافظ على وظيفته النقدية والإنسانية في ظل منظومة تسعى إلى إعادة صياغة الفن وفق مقتضيات الربح والاستهلاك؟ ومن هذا السؤال تنبثق الحاجة إلى فهم الآليات التي تُخضع الفعل المسرحي لمنطق السوق، كما تنبثق في الوقت نفسه، أشكال المقاومة الجمالية التي يمثل التجريب المسرحي أحد أبرز تجلياتها.
لعل الأثر الأعمق للآليات الرأسمالية في الإبداع الإنساني عموماً، وفي المسرح على وجه الخصوص، يتمثل في مفهوم «التشيؤ» Reification الذي طوّره جورج لوكاش، وجعله مفتاحاً لفهم الكيفية التي تبتلع بها الرأسمالية النشاطات الإنسانية وتحيلها إلى أشياء قابلة للتبادل والاستهلاك. فالتشيؤ لا يعني تسليع الأشياء فحسب، بل تحويل العلاقات الإنسانية والفعاليات الإبداعية إلى كيانات جامدة تخضع لقوانين السوق. وفي هذا السياق، يتسلل هذا المنطق إلى بنية المسرح بهدوء ونعومة، ناقلاً الفعل الفني من أفقه الجمالي والإنساني إلى مجال التسليع، حيث تُعاد صياغته وفق متطلبات الطلب والعرض ومقتضيات الربح. ويتجلى ذلك، على نحو خاص، في أربعة مستويات أساسية:
أولاً، الممثل: إذ لا يعود حضوره مقتصراً على كونه فناناً يسعى إلى تقديم رؤية إنسانية ونقدية للمجتمع، بل يتحول، في كثير من الأحيان، إلى أيقونه أو علامة تجارية تُسوَّق بوصفها ضمانة لجذب الجمهور وتحقيق عائد أكبر في بيع التذاكر. وهكذا ينتقل الممثل، كنجم وأسم فني، من فضاء الإبداع إلى منطق العلامة التجارية القابلة للاستهلاك.
ثانياً، النص: فبدلاً من أن يطرح رؤية فنية ونقدية قادرة على مساءلة الواقع واستشراف تحولاته، قد يُعاد تشكيله بوصفه منتجاً استهلاكياً يخضع لذائقة الجمهور السائدة. عندئذ تُصاغ الشخصيات وتُبنى الحبكة وفق حسابات السوق، لا وفق الضرورة الجمالية أو الرؤية الفكرية للعمل.
ثالثاً، الرسالة: إذ يتراجع البعد التطهيري الذي أشار إليه أرسطو، كما يضعف البعد النقدي الذي نادى به بريخت، لتحل محلهما خدمة ترفيهية سريعة الاستهلاك. وبتحوّل كهذا يغدو الإبهار البصري وسيلة لتغطية فقر المحتوى، وليس أداة لتعميق التجربة المسرحية أو توسيع أفقها الدلالي.
رابعاً، الممول أو المنتج: أي صاحب رأس المال الذي يمتلك، غالباً، الكلمة الحاسمة في مسار العمل الفني. فحين تتعارض رؤية الكاتب أو المخرج مع مبدأ الربحية، تتسع سلطة التمويل على حساب الرؤية الإبداعية، ويتراجع استقلال العمل أمام شروط الإنتاج التجاري.
المنطق السلعي
وفي هذا السياق، يذهب الفيلسوف تيودور أدورنو، في كتابه «صناعة الثقافة»، إلى أنّ الفن حين ينضوي تحت المنطق السلعي يفقد شيئاً جوهرياً من طاقته النقدية وقدرته على زعزعة المألوف. ويضيف بأن فقدان الفن لوظيفته النقدية، يسمح لحالة "التشيؤ" في المسرح أن تحدث من خلال ظاهرتين كبيرتين، الأولى في الإختزال أي بإختصار التعقيد الدرامي وإعتماد حكايات وسرديات مألوفة تضمن العائد المادي، والثانية هي في المركزية الإنتاجية أي في تضخم الميزانيات لصالح الإبهار البصري على حساب العمق التجريبي.
وعلى هذا الأساس، يبدو المسرح في كليته واقعاً تحت سطوة الآليات الرأسمالية، أسيراً لبنية واسعة وراسخة تُحكم قبضتها على الفعل الفني وتضيّق إمكانات تحرره. غير أنّ تاريخ المسرح لم يخلُ يوماً من حركات تتطلع إلى الحرية وتنتفض على أشكال الأسر والامتثال؛ ففي المسرح الحديث برزت انتفاضات جمالية وفكرية متعددة، من المسرح الطليعي إلى مسرح ما بعد الحداثة. وقد اتخذت هذه الحركات من التجريب المسرحي أداتها الأبرز، إذ يتغذى التمرد فيها من الأفكار والفلسفات الحديثة، فيزداد عمقاً وقوةً في مواجهة القيود، ويتحوّل إلى رغبة خلاقة في الانفلات نحو أفق أكثر حرية واتساعاً. كما أن التجريب لا يبرز هنا بوصفه نزوة شكلية أو خروجاً عابراً على المألوف، بل بوصفه فعلاً مقاوماً يعيد إلى المسرح قدرته على مساءلة العالم، ويفتح أمامه إمكانات جديدة للوجود خارج منطق السلعة وحدود السوق.
المحرّكات الفلسفية لما بعد الحداثة
في إستعراض سريع لبعض محركات الفكر الفلسفي لما بعد الحداثة حول الرأسمالية والمسرح نجد أن عالم الاجتماع والفيلسوف جاك دريدا Jacques Derridaيركزعلى "الحضور" Présence في المسرح معتبراً أن الرأسمالية تستغل هذا الحضور لتحويل الممثل الى أيقونه او سلعة بصرية. فالمسرح الرأسمالي يقع في فخ الميتافيزيقيا لمحاولته تقديم حقيقة ثابته أو نصاً مقدساً يمكن إستهلاكه، يدعو دريدا الى تقديم مسرح يرفض السيطرة ولا يقدم "معنى نهائي" يمكن شراءه. فالرأسمالية تريد معنى واضح ومباشر ليسهل تسويقه، لذا فإن الإتساع التحريبي في المسرح يعمد الى الغموض المتعمد، كفعل مقاومة خارج حسابات السوق، والغموض هنا خيار فني واعي وليس اللُبس أو الإلتباس، المثير للإرتباك والمشتت لإنتباه المتفرج.
اما الفيلسوف بيير بورديو Pierre Bourdieu فإنه يرى بأن المسرح في ظل الرأسمالية يدعم مبدأ "الحق في التنافس"، فالمسرحيون لايتنافسون على المال فقط، وإنما على مايسميه "الرأسمال الرمزي"، أي المكانه، والإعتراف، والتقدير النقدي الفني. الإتساع التجريبي في المسرح يواجه صعوبة في الوصول الى الجماهير العريضة لإن الرأسمالية صممت أذواقاً إستهلاكية تبحث عن السهولة، هنا يصبح المسرح التجريبي، رغم هدفه في التحرر، محصوراً في فئة إجتماعية معينه، مما يعزز الفجوة الطبقية التي تكرّسها الرأسمالية.
في حين أن الفيلسوف جيل دولوز Gilles Deleuze لا يعتبر الرأسمالية كخصم أيديولوجي تقليدي فحسب وإنما كنظام شامل لإستعمار الحياة، لهذا فإن مفهوم التفكيك عنده يبتعد عن مفهوم جاك دريدا المعني بتحليل وتفكيك النصوص، فالتفكيك عند دولوز هو تفكيك للواقع بإعتباره إستراتيجية تهدف الى خلخلة البنيات الصلبة التي تفرضها الرأسمالية على رغباتنا وعقولنا وأجسادنا.
ففي كتابه المشترك مع فيليكس غوتاري Félix Guattari المعنون الأنتي أوديب Anti-Oedipus يؤكد دولوز بإن الرأسمالية لا تتوقف عند تشيئ الإبداع، ولكنها تمتد لتستعمر الرغبة. ويذكر دولوز بأن الإبداع المسرحي في النظام الرأسمالي لا يُنتج تغييراً حقيقياً، وإنما تدفقات يمتصّها السوق، فالمسرح بالنسبة اليه لا يحاول ان يقول الحقيقة أو يصدر نقداً إنما مسرحا يفككك الواقع، أي أن يفتح مسارات جديدة للرغبة لا تخضع لمنطق الربح أو العرض والطلب.
وإذا كانت الرأسمالية تميل إلى تحويل المسرح إلى سلعة مغلّفة بالإبهار، تُضعف وعي المتفرج وتستدرجه إلى الاستهلاك العاطفي السريع، فإن المسرح الطليعي، ولا سيما المسرح الملحمي عند برتولت بريخت Bertolt Brecht، يقف في الجهة المقابلة لهذا المنطق. فقد عارض بريخت مفهوم التشيؤ من داخل الفعل المسرحي ذاته، وسعى إلى تحويل الخشبة من مساحة للتلقي السلبي إلى مختبر للوعي والمساءلة. ففي مقابل المسرح المتشيئ، الأسير لمنطق الرأسمالية، والذي يقوم على مبدأ التماهي، عبر إدماج المتفرج وجدانياً في مصائر الشخصيات وعزله عن واقعه المعاش، يطرح بريخت استراتيجية "التغريب" بوصفها أداة لكسر هذا الاندماج، وإعادة المسافة النقدية بين المتفرج وما يراه. فحين تبدو الأحداث غريبة أو غير مألوفة، لا يعود المتفرج مستسلماً للانفعال وحده، بل يُدفع إلى مساءلة الواقع السياسي والإقتصادي، والتفكير في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تصنع الحدث المسرحي وتتشابك مع الواقع اليومي. لأن المسرح ينبغي أن يكشف آليات الإستغلال والهيمنة الطبقية.
وفي سياق استراتيجيات المواجهة ضد التغوّل الرأسمالي، والسعي إلى تحرير المتفرج من أسر التماهي الانفعالي والعاطفي، يعمد بريخت إلى تقويض الجدار الرابع الذي يفصل الجمهور عمّا يجري على الخشبة، وذلك عبر توجيه أداء الممثلين بما يكسر وهم المحاكاة ويوقظ المسافة النقدية. ومن هنا لا يقدّم بريخت أجوبة عاطفية جاهزة، بل يفتح فضاءً للأسئلة، ويجعل من المسرح فعلاً نقدياً يحفّز التأمل ويقاوم طمأنينة المتفرج المعتادة.
وفي مواصلة هذا المسار، اتجهت تيارات ما بعد الحداثة إلى تفكيك هذه الآليات وتقويض سلطتها، من خلال إنجاز مشاريع مسرحية أكثر اتساعاً وانفتاحاً على الثقافات العالمية الأخرى، بما يجعلها عصية على الاحتواء السهل أو الاختزال في منطق السلعة. فالتجريب المسرحي هو إستراتيجية مقاومة وتمرّد في مواجهة نزعة الرأسمالية إلى تنميط ونمذجة العروض المسرحية وإخضاعها لقواعد صناعة الترفيه، بما يتوافق مع أذواق الجمهور الاستهلاكية.
المقاومة في الإتساع التجريبي
لمواجهة هذه الآليات وعدم الإستسلام لها، دعت مدارس ما بعد الحداثة الى "إتساع التجربة لتشمل أبعاداً ثقافية ذات هوية كونية، بحيث لا تستطيع الرأسمالية إحتواءها بسهولة. وعلى هذا النحو سارت التيارات المسرحية المتمرّدة في الحداثة وما بعدها، ولا سيما في تجارب بيتر بروك وآريان منوشكين، حيث تحوّل المسرح إلى فضاء مفتوح للتجريب، وإلى ممارسة جمالية وفكرية تقاوم الامتثال والنمذجة وتعيد بناء العلاقة بين العرض المسرحي والمتفرج على أساس المشاركة والوعي لا الاستهلاك السلبي.
في التجريب والحداثة يقف بيتر بروك Peter Brook مقابل أزمة التسليع الجمالي في المسرح الحديث متمرداً ومقاوماً، حيث ينطلق في كتابه التنظيري الأساسي "الفضاء العاري" The Empty Space من مقولته الأنطولوجية الشهيرة حول تجريد وتعرية خشبة المسرح وإعادتها الى بساطتها البدائية. ينظر بروك الى الظاهرة المسرحية برمتها، ويعيد تصنيفها تاريخيا ونقدياً كالتالي:
• "المسرح المميت" The Deadly Theater وهو المسرح الخاضع بشكل مباشر للسلعية الرأسمالية أي المسرح التجاري السائد في المدن الكبرى الذي لا يقدم سوى المتعة البليدة والملل المُشرعن باسم الثقافة البرجوازية، ولمقاومة هذا الموت الجمالي يقدم بروك:
• "المسرح الخشن" The Rough Theater الذي يستمد حيويته من الشارع والإرتجال وعفوية الأداء، دون تجهيزات معقدة أو ديكورات ضخمة وباهضة. وقد تأثر بروك في صياغة هذا المفهوم بالعروض الإرتجالية التي أقيمت وسط الأنقاض المدمّرة لدار أوبرا همبورج بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تجلى المسرح في أنقى صوره بعيداً عن البيروقراطية المؤسساتية. ثم هناك أيضاً
• "المسرح الفوري" The Immediate Theater وهو الآلية التي يسعى بروك من خلالها الى دمج التقليد بالإبتكار وتجاوز الحدود المادية للمبنى المسرحي. يتطلب هذا الإتساع التجريبي خلق فضاء عارٍ مشترك يتقاسمه الممثل والجمهور على حد سواء.
هناك أيضاً تجربة أخرى ذكر بروك سردياتها في إحدى الجامعات البريطانية حين وجد نفسه أمام منصة معزولة تفصلها حفرة مظلمة عن الجمهور، مما دفعه الى كسر هذا الحاجز وخلق تماس مباشر مع الجمهور، كشف له سحر الفضاء المشترك. حضيت هذه التجربة والمفهوم التطبيقي الذي تبلور عنها بإهتمام المسرحيين الأفارفة في أحياء الصفيح الفقيرة في سويتو بمدينة جوهانسبورج بجنوب أفريقيا إبان نظام الأبارتايد حيث وجدوا في هذا المفهوم أداة مثالية للمقاومة والإبتكار بأبسط الوسائل المادية المتاحة. وتتمركز تجربة بروك في تأسيسه للمركز الدولي للبحث المسرحي في باريس عام 1971 والمركز معني بشكل أساسي بالتجريب المستمر الذي أتخذ من مسرح "بوف دو نور" Bouffes du Nord في شمال باريس مقراً لتجاربه العابرة للـقارات.
ومع ذلك فإن مشاريع بيتر بروك الكبرى مثل "المهابهاراتا" لم تخل من النقد، وأحيانا النقد القاسي، إذ يرى بعض المنظرين أن هذا الإتساع التجريبي الكوني قد يقع أحياناً في مطب "الإستـشراق الجمالي" وتسهيل تسويق وإستهلاك الثقافات غير الغربية ضمن سوق المهرجانات النيو ليبرالية الكبرى.
النموذج الآخر في التجريب والحداثة هو مسرح الشمس، آريان منوشكين Ariane Mnouckine حيث تقدم صيغة راديكالية للتأقلم والمقاومة الجمالية والإقتصادية داخل المنظومة الرأسمالية. واجهت منوشكين في بداياتها شكوكاً من نقابة الممثلين الفرنسية حيث أخبرتها بلهجة حاسمة "إذا لم يكن لديك مال، فلا تصنعي مسرحاً" غير أن منوشكين وفرقتها تحدّت هذا المنطق التجاري عبر تأسيس بنية إنتاجية ديموقراطية بديلة تقوم على مبدأ " الإبتكار الجمالي" كأداة سياسية وجمالية لمناهضة الهيمنة البرجوازية والفكر الفاشي وعبادة الشخصية.
في مسرح الشمس لا يوجد جدار رابع، فالجمهور جزء من اللعبة، يجلس أحياناً على الأرض، أو يتجول بين الممثلين. هذا الكسر للحدود يخلق نوعاً من الإتساع الوجودي حيث إن المتفرج لم يعد متلقيّاً سلبياً إنما شريكاً في خلق المعنى. فالتأقلم ليس ضعفاً وإنما قوة، والإتساع ليس تشتتاً، بل غنى. في عالم يعاني من الإنغلاق والهويات الجامدة تعمل منوشكين لان يكون المسرح جسراً لا جداراً. فخشبة المسرح تتسع لكل الأصوات، ولكل الأجساد ولكل الثقافات.
إن مسرح الشمس الذي أسسته آريان منوشكين يتخذ مقره في ثكنة عسكرية قديمة ومصنع مهجور لصناعة الأسلحة والذخائر في غابة فينسان شرق باريس. إن تحويل هذا الفضاء المرتبط تاريخياً بأدوات الموت والإنتاج الصناعي الرأسمالي العسكري الى ملاذ إنساني وفردوس شعبي لتقديم الفن والحياة يحمل رمزية سياسية هائلة. ففي هذا المسرح يتم تنظيم العمل كجمعية تعاونية متساوية، تحارب صناعة النجم، وتذوب فيها الفوارق بين التخصصات، حيث يشارك الممثلون ذوو الجنسيات المتعددة في المهام الإدارية والتقنية والخدمية ضمن رؤية منوشكين التي ترى في المسرح صرخة لرفض خطايا الواقع وإستنهاض إنسانية الإنسان.
غير أنه من المناسب ملاحظة ان ذوبان الفوارق بين التخصصات سمح فقط لنجم آريان منوشكين أن يبرز عالمياً بإعتبارها العقل الإبداعي والفني الذي يدير مسرح الشمس. من خلال إستغلال هذا المكان العسكري المهجور إستطاعت منوشكين كسر إحتكار المسارح الرسمية التي تديرها الدولة أو القطاع الخاص. لذلك فإن إعادة تأهيل المكان المهجور هنا، هو بحد ذاته فعل سياسي ضد تحويل المسرح الى عقار مربح. تتبّى منوشكين آليات وجماليات المسرح الآسيوي، الياباني المتمثل في الكابوكي Kabuki والهندي في الكاثاكالي Kathakaliلتوسيع أفاق الجمهور من خلال التمازج الثقافي، وهو أيضاً رد على "العولمة الرأسمالية" التي تسعى الى توحيد الأذواق في حين تسعى منوشكين لتوسيع الإدراك عبر التعددية.
إن التأقلم والإتساع التجريبي عند بروك ومنوشكين لا يتوقفا في أن يكونا مجرد تقنيات فنية إنما يصبح التأقلم "إستراتيجية بقاء"، والإتساع التجريبي أداة مقاومة. فالمسرح في عصر الرأسمالية ينجو بقدر ما يرفض أن يكون "سلعة"، وبقدر ما ينجح في فتح فضاءات للتفكير لا يمكن للرأسمالية تحويلها الى أرقام ربحية، أن الإتساع التجريبي هو محاولة دائمة لمد حدود الفن والإبداع لتمس جوهر الإنسان، بعيداً عن سجون الأيديولوجيا العقائدية. فمسرح بروك ومنوشكين ليس نصاً، ولا خشبة، ولا إضاءة بقدر ما هو لقاء بين إنسان وإنسان آخر، وهذه اللحظة حين تكون حقيقية تتسع لتشمل الكون كله.
لعل تجارب بيتر بروك وآريان منوشكين، على أهميتها، تمنح شرعيةً للتساؤل عن المنابع المالية والماديّة لهذه المسارح، وعن قدرتها على مقاومة آليات الرأسمالية مع الاستمرار في الإنتاج والإبداع التجريبي. فبحسب تقارير وزارة الثقافة الفرنسية، يتلقى مسرح بروك – المركز الدولي للأبحاث – دعماً سنوياً يتراوح بين مليون ونصف ومليوني يورو، إضافة إلى مئات آلاف اليوروات من صناديق داعمة متنوعة، وذلك قبل احتساب عائدات التذاكر. وينطبق الأمر نفسه على مسرح الشمس، الذي يحظى بدعم سنوي يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين يورو، فضلاً عن مساعدات أخرى بمئات الآلاف من صناديق داعمة، ودون إحتساب أرباح التذاكر.
غير أن هذه الأموال تصل إلى المسارح المذكورة مقترنةً بشروط من وزارة الثقافة وبلدية باريس والصناديق الداعمة، وهي شروط – في أحسن الأحوال – تكبل شيئاً من استقلالية هذه المسارح، مما يجعل مقاومة آليات رأس المال، أحياناً، تنحني أمام شروط غير مرغوب فيها. وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف بيير بورديو أن هذا الاتساع التجريبي هو محاولة لخلق "اقتصاد مضاد" يرمي إلى زيادة رأس المال الرمزي. لكن الرأسمالية تظل قادرة على استيعاب هذا التمرد، فعندما يحقق عرض تجريبي نجاحاً نقدياً، يتحول هذا التميّز إلى "سلعة" في سوق الثقافة النخبوية، مما يفرغه من مضمونه الراديكالي مع مرور الزمن.
وفي الختام، فإن المسرح التجريبي يتجلّى بإعتباره "الشق" الذي يتسرب منه الضوء في جدار الرأسمالية الأصم. إن هذا المسرح بجمالياته المتوقدة يقف في مواجهة "الهيمنة" التي حذر منها بورديو، رافضاً أن يُختزل الإبداع في "رأسمال رمزي" قابل للمزايدة والبيع، إنه مسرح يتبنى إستراتيجية "التشتيت" لجاك دريدا، حيث لا يُسمح للمعنى أن يستقر أو يتجمد في قالب إستهلاكي جاهز، بل يظل في حالة صيرورة أبدية تهدف الى "الخلخلة". هنا يتحول الإتساع التجريبي الى "ملاذ آمن للذات" الإنسانية لا يطالها التنميط، والنمذجة، ولا حسابات الربح والخسارة.
فالمسرح هو نموذج للعالم الذي نريد، عالم يتسع للجميع، ويتأقلم مع كل جديد، دون إن يفقد هويته، أو القدرة على المساءلة فهو يعيد تفكيك الواقع ليتواصل مع الحلم الجمعي للإنسان. ويبقى المسرح التجريبي هو البوصلة التي تشير دوماً الى الإنسان، ذلك الكائن الذي يقف في قلب العاصفة الرأسمالية، لكنه بفضل فن المسرح، يواصل القدرة على أن يحلم، وأن يثور، وأن يظلّ، رغم كل شيء، حرّاً ومبدعاً ومستقلاً، بما يكفي لإحتواء كل ما هو جميل، وإنساني، وغير قابل للإختزال.
المراجع:
1. جاك دريدا، الصوت والظاهرة، مدخل الى مسألة العلامة في فينومينولوجيا هوسرل، ترجمة: د. فتحي أنقزو، الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2005
2. جاك دريدا، الكتابة والإختلاف، ترجمة: كاظم جهاد، الناشر: دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 2000 .
3. جيل دولوز، الإختلاف والتكرار، ترجمة: وفاء شعبان، الناشر: المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009 .
4. بيير بورديو، بؤس العالم، ترجمة: محمد صبح، الناشر: دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الآعلامية، دمشق، 2010 .
5. بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، الناشر: دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2007 .
1. Lukács, György, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, MIT Press, 1971.
2. Brook, Peter, The Empty Space, Nick Hern Books, Kindle, 2019
3. Adorno,Theodor W. The Culture Industry, Selected Essays on Mass Culture, Routledge, 1991.
4. Deleuze, Gilles & Guattari, Félix, Anti-Œdipe, Capitalisme et Schizophrénie, Les Editions de Minuit, 1972.
5. Garry O’Connor, The Mahabharata, Peter Brook’s Epic in the making, Published by. Lume Books, UK, Kindle 2018.
6. Béatrice Picon-Vallin, Ariane Mnouchkine, Choix et Présentation des textes, Edition : Actes Sud, Kindle, 2018
7. Pour Le Théâtre du Soleil, Les votes de subventions de fonctionnement de la Ville de Paris ou les rapports d’attribution budgétaire confirment l’importance de l’enveloppe publique global aux alentours de 3 millions d’euros en incluant les aides exceptionnelles à la création, les coproductions et le soutien de l’État.
8. Pour le Théâtre des Bouffes du Nord de Peter Brook, Les subventions public combinées (Ètat, Île-de-France et Ville de Paris) positionnent structurellement son budget de base autour d’1,5 à 2 millions d’euros pour garantir sa mission de service public culturel et de diffusion.
#علي_ماجد_شبو (هاشتاغ)
Ali_M._Shabou#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟