أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مجلة سلاح النقد - اليسار في أمريكا اللاتينية: بين حلم التحرر الاجتماعي واختبار السلطة















المزيد.....


اليسار في أمريكا اللاتينية: بين حلم التحرر الاجتماعي واختبار السلطة


مجلة سلاح النقد

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 02:47
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


لم تكن تجربة اليسار في أمريكا اللاتينية مجرد فصل من فصول الصراع السياسي بين الرأسمالية والاشتراكية، بل كانت محاولة تاريخية للإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن بناء مجتمع أكثر عدالة في قارة عانت طويلًا من التفاوت الطبقي، وتركّز الثروة، وهيمنة كبار ملاك الأراضي الاقطاعيين، والتبعية الاقتصادية للقوى الخارجية ؟
من غواتيمالا إلى تشيلي وكوبا، وصولًا إلى البرازيل وفنزويلا وبوليفيا وكولمبيا...، تعددت مسارات اليسار وتباينت نتائجه. فهناك من راهن على الإصلاح التدريجي، وهناك من اختار الثورة المسلحة، وهناك من حاول الجمع بين المشاركة الانتخابية والتحولات الاقتصادية العميقة. لكن هذه التجارب، على اختلافها، واجهت سؤالًا مشتركًا: كيف يمكن تحويل الشعارات الاجتماعية إلى واقع دون السقوط في أزمات اقتصادية أو استبداد سياسي ؟
ولعل فهم هذه التجارب يقتضي أيضًا العودة إلى التيارات والقادة الفكريين الذين أثروا في اليسار اللاتيني، مثل ماركس و لينيين وماو وغيفارا وبوليفار، ثم النظر في موقع شخصيات مثل لولا دا سيلفا من هذه التقاليد، باعتباره أحد أبرز الوجوه التي انتقلت باليسار من الحركة العمالية إلى إدارة الدولة.

1- غواتيمالا: حين اصطدم الإصلاح بمصالح القوى النافذة
شكّلت غواتيمالا إحدى المحطات المبكرة في تاريخ الإصلاح الاجتماعي بأمريكا اللاتينية. فمنذ عام 1945، شهدت البلاد إصلاحات في مجالات العمل والتعليم والحماية الاجتماعية، خلال رئاسة خوان خوسيه أريفالو. ثم جاءت حكومة ياكوبو أربينز، التي أطلقت عام 1952 إصلاحًا زراعيًا استهدف الأراضي الكبيرة غير المستغلة، سعيًا إلى الحد من التفاوت في ملكية الأراضي وتوسيع الفرص أمام الفلاحين.
غير أن هذه الإصلاحات اصطدمت بمصالح كبار ملاك الأراضي وشركات أجنبية، وفي مقدمتها شركة «يونايتد فروت»، كما تداخل الصراع الداخلي مع حسابات الإمبريالين الامريكيين .
وفي عام 1954، أُطيح بأربينز في انقلاب مدعوم أمريكيًا، لتنتهي التجربة الإصلاحية وتدخل البلاد مرحلة طويلة من الصراع والعنف السياسي.
تكشف هذه التجربة أن الإصلاح الاجتماعي لا يجري في فراغ، وأن أي محاولة لإعادة توزيع الثروة قد تواجه مقاومة شديدة عندما تمس مصالح اقتصادية وسياسية راسخة. لكنها تبيّن أيضًا أن التدخل الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يلغي ضرورة دراسة التوازنات الداخلية وطبيعة المؤسسات المحلية.

2- تشيلي: هل يمكن الوصول إلى الاشتراكية عبر الانتخابات ؟
مثّلت تجربة سلفادور أليندي في تشيلي، بين عامي 1970 و1973، محاولة بارزة لبناء الاشتراكية من خلال المؤسسات الديمقراطية. فقد وصل أليندي إلى الرئاسة عبر الانتخابات، مستندًا إلى تحالف الوحدة الشعبية، وطرح برنامجًا يقوم على تأميم النحاس، وتوسيع الإصلاح الزراعي، وتعزيز الخدمات الاجتماعية، وإعادة توزيع الدخل.
كانت الفكرة الأساسية أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يستلزم بالضرورة إسقاط الدولة بالقوة، بل يمكن أن يتم عبر الانتخابات والقوانين والمؤسسات القائمة.
وقد حققت الحكومة بعض المكاسب الاجتماعية، ووسعت فرص الاستفادة من الخدمات العامة، لكن التجربة واجهت صعوبات اقتصادية متفاقمة، شملت التضخم ونقص بعض السلع والاختلالات في الإنتاج والتوزيع. كما تصاعد الاستقطاب السياسي، وازدادت حدة المواجهة بين الحكومة والرجعية، في ظل انقسامات داخل اليسار نفسه.
ولا يمكن فهم نهاية التجربة من دون التطرق إلى الدور الأمريكي في التامر على حكومة أليندي وإضعافها، إلى جانب العوامل الداخلية والاقتصادية. ففي 11 سبتمبر 1973، أطاح انقلاب عسكري بقيادة أوغستو بينوشيه بالحكومة، وأعقبه حكم عسكري اتسم بالقمع وانتهاكات واسعة .
لقد كشفت تشيلي عن المعضلة التي تواجه المشاريع الإصلاحية الجذرية: الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات لا يعني امتلاك السيطرة على جميع مؤسسات الدولة، كما أن الشرعية الانتخابية وحدها لا تحسم الصراع حول اتجاه الاقتصاد والمجتمع. وكانت الصرخة : سلفادور يا سلفادور كيف نبني يا رفيقي دولة العمال في هذا الزمان تحت سقف البرلمان ؟

3- كوبا: الثورة التي أعادت بناء الدولة
على خلاف تشيلي، وصلت الثورة الكوبية إلى السلطة عبر الكفاح المسلح، عندما سقط نظام فولغينسيو باتيستا عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو. ثم اتجهت الحكومة إلى تبني الاشتراكية، وأقامت نظامًا سياسيًا ثوريا، وتحالفت مع الاتحاد السوفييتي رئيسيا وثانويا مع الصين.
أطلقت الحكومة إصلاحات واسعة في التعليم والصحة، ووسعت الخدمات العامة، ولا سيما في المناطق الريفية. كما نفذت إصلاحًا زراعيًا وتأميمات كبيرة، وأعادت تنظيم الاقتصاد على أساس الملكية العامة والتخطيط المركزي.
وكانت حملة محو الأمية عام 1961 من أبرز محطات التجربة، إلى جانب بناء نظام صحي عام أتاح خدمات طبية واسعة للسكان.

4- لا يمكن فهم اليسار في أمريكا اللاتينية من خلال تجربة واحدة أو عقيدة موحدة. فقد تأثرت حركاته بالماركسية، لكنها اختلفت في تفسيرها للواقع الاجتماعي وفي الوسائل التي اعتبرتها مناسبة للتغيير.
تنطلق الماركسية من تحليل علاقات الإنتاج والملكية والصراع الطبقي، وترى أن التفاوت الاجتماعي لا ينفصل عن بنية الاقتصاد. لكن التيارات التي استلهمتها اختلفت حول مسألة حاسمة: هل يمكن الانتقال إلى الاشتراكية عبر الانتخابات والإصلاحات، أم أن التغيير الجذري يتطلب ثورة تقطع مع النظام القائم ؟
في هذا السياق، مثّل تشي غيفارا نموذجًا للثوري الذي أعطى الكفاح المسلح وحرب العصابات مكانة مركزية في استراتيجية التحرر. فقد رأى أن النضال الثوري يمكن أن يفتح الطريق أمام تحولات اجتماعية عميقة، خصوصًا في المجتمعات التي تعاني من التبعية واللامساواة.
لكن الغيفارية لم تكن الطريق الوحيد الذي اتبعه اليسار اللاتيني. فبعض الحركات تبنّت العمل النقابي والتنظيم الجماهيري، وبعضها دخل الانتخابات، بينما اختارت جماعات أخرى العمل السري والمسلح من خلال الحروب الشعبية.
وهذا التباين ضروري لفهم الفرق بين الثورة الكوبية وتجربة أليندي، وكذلك بين التنظيمات الثورية التي ظهرت في البرازيل واليسار الذي صعد لاحقًا عبر المؤسسات الديمقراطية.

5- كارلوس ماريغيلا: اليسار البرازيلي بين الحزب الشيوعي والكفاح المسلح
كان كارلوس ماريغيلا من أبرز وجوه اليسار الثوري في البرازيل. انخرط في الحركة الشيوعية، ثم أصبح من قادة الكفاح المسلح ضد الدكتاتورية العسكرية التي استولت على السلطة عام 1964. وأسّس منظمة العمل التحريري الوطني، التي تبنّت حرب العصابات الحضرية بوصفها وسيلة لمقاومة النظام العسكري.
عبّرت تجربة ماريغيلا عن تيار رأى أن الدكتاتورية أغلقت المجال أمام التغيير السياسي السلمي، وأن مقاومة النظام تتطلب الانتقال إلى المواجهة المسلحة. غير أن هذا الخيار كان مختلفًا عن مسار الحركة النقابية التي برز فيها لولا دا سيلفا لاحقًا.
فقد صعد لولا من داخل الحركة العمالية، وقاد إضرابات عمال المعادن في أواخر السبعينيات، ثم شارك في تأسيس حزب العمال عام 1980. ولم يكن مشروعه قائمًا على حرب العصابات، بل على بناء تنظيم جماهيري يستطيع التفاوض والإضراب والمنافسة في الانتخابات.
لا توجد أدلة موثوقة كافية تثبت أن لولا كان معجبا بماريغيلا أو مرتبطًا به تنظيميًا. لذلك ينبغي النظر إليهما باعتبارهما شخصيتين من تاريخ اليسار البرازيلي، لكنهما مثّلا طريقين مختلفين: طريق الكفاح المسلح ضد الدكتاتورية، وطريق التنظيم النقابي والسياسي الذي اتجه لاحقًا إلى العمل الانتخابي.
وتكشف المقارنة بينهما عن سؤال ظل حاضرًا في تاريخ اليسار: هل يؤدي العمل داخل المؤسسات القائمة إلى تغيير تدريجي قابل للاستمرار، أم أنه يفرض تسويات قد تحد من الأهداف الاجتماعية الأصلية ؟

6- الماوية وفكر غونزالو: الثورة بوصفها حرب شعب
إلى جانب الغيفارية، أثّــرت الماوية في بعض التنظيمات الشيوعية في أمريكا اللاتينية. وقد ارتبط هذا التيار بتجربة ماو تسي تونغ في الصين، وأعطى دورًا محوريًا للفلاحين في المجتمعات الزراعية، وللحزب الشيوعي في قيادة الثورة، ولحرب الشعب طويلة الأمد.
وفي البرازيل، وُجدت تنظيمات شيوعية ماوية لم تتطابق مع حزب العمال الذي أسسه لولا. وقد اختلفت هذه التنظيمات في موقفها من الانتخابات، وفي تقديرها لطبيعة التحالفات الاجتماعية الممكنة، وفي تصورها للطريق المؤدي إلى الاشتراكية.
أمّا فكر غونزالو، المرتبط بأبيمايل غوسمان ومنظمة الدرب المضيء في بيرو، فمثّل تفسيرا جذريا للماوية، جعل حرب الشعب المسلحة محور المشروع الثوري، ومنح القيادة الحزبية دورا مركزيا.
ولا توجد أدلة موثوقة تثبت أن لولا تبنّى الماوية أو فكر غونزالو. فمساره السياسي، القائم على النقابات والانتخابات وبناء التحالفات، يختلف جوهريًا عن استراتيجية التنظيمات التي جعلت الحرب المسلحة وسيلة أساسية للوصول إلى السلطة.
وهنا يظهر فارق مهم: الاشتراك في الاهتمام بالفقراء أو نقد التفاوت الاقتصادي لا يكفي لإثبات الانتماء إلى تيار ثوري محدد. فالتشابه في بعض الأهداف لا يعني التطابق في النظرية أو التنظيم أو أساليب العمل.

7- لولا دا سيلفا: جذور عمالية وتأثر رمزي بالثوار
يحتل لولا موقعًا خاصًا في تاريخ اليسار اللاتيني، لأنه انتقل من قيادة الحركة النقابية إلى تأسيس حزب جماهيري، ثم إلى رئاسة دولة ذات اقتصاد كبير ومؤسسات سياسية معقدة.
تعود جذوره السياسية إلى الحركة العمالية البرازيلية، لا إلى تنظيم ثوري مسلح. وقد نشأ حزب العمال عام 1980 كما قلنا بوصفه إطارًا واسعًا ضم نقابيين ومثقفين واشتراكيين وحركات اجتماعية وتيارات ماركسية مختلفة. لذلك لا يصح اختزال الحزب كله في أيديولوجيا واحدة، ولا افتراض أن كل تياراته تبنّت تصورات لولا نفسها.
* علاقته بالماركسية
تأثّر تاريخ حزب العمال بالماركسية، وكانت داخله تيارات ماركسية ولينينية، لكن لولا لم يُعرف بوصفه منظّرًا ماركسيًا أو قائدًا لمشروع يهدف إلى إلغاء الرأسمالية عبر الثورة.
فقد ركز على التنظيم النقابي، وتحسين الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإعادة توزيع الدخل، ثم اتجه في ممارسته الحكومية إلى إدارة اقتصاد السوق مع تدخل الدولة. وبذلك يمكن وضعه ضمن اليسار العمالي الإصلاحي والبراغماتي، مع الإقرار بأن حزب العمال أوسع من توجهه الشخصي.
* علاقته بتشي غيفارا والماوية
توجد قرينة تاريخية مهمة على إعجاب لولا ببعض الشخصيات الثورية. ففي مقابلة مع مجلة «بلاي بوي» البرازيلية عام 1979، ذكر تشي غيفارا وماو تسي تونغ ضمن شخصيات أعجب بها بسبب تفانيها في القضايا التي آمنت بها وسعيها إلى تغيير الواقع.
لكن لولا أوضح في المقابلة نفسها أن موضع إعجابه هو التفاني والإصرار، لا تبنّي أيديولوجيا تلك الشخصيات. ومن ثم، فإن الإشارة إلى غيفارا وماو تدعم القول إنه أبدى إعجابًا بخصال رآها في شخصيات تاريخية، لكنها لا تثبت أنه كان غيفاريًا أو ماويًا من الناحية الفكرية والتنظيمية.
وهذا التمييز مهم؛ فالإعجاب بشخصية ثورية لا يعني تبنّي حرب العصابات، ولا يثبت الالتزام بنظرية ماو حول الحزب والفلاحين والثورة.
* علاقته بكارلوس ماريغيلا
لا تتوافر أدلة موثوقة كافية على وجود علاقة تنظيمية مباشرة بين لولا وماريغيلا. والفارق بينهما أوضح من أي تشابه عام: ماريغيلا اختار الكفاح المسلح ضد الدكتاتورية، بينما بنى لولا نفوذه عبر الإضرابات والنقابات والعمل الحزبي.
ومن الخطأ، لذلك، اعتبار لولا امتدادًا تنظيميًا لماريغيلا لمجرد انتمائهما إلى تاريخ اليسار البرازيلي. فالأول مثّل مسارًا نقابيًا انتخابيًا، بينما مثّل الثاني تيارًا ثوريًا مسلحًا.
* علاقته بالبوليفارية وهوغو تشافيز
كانت علاقة لولا بهوغو تشافيز وثيقة على المستوى السياسي والدبلوماسي. فقد تقاربا في دعم التكامل بين دول أمريكا الجنوبية، وتعزيز استقلال القرار الإقليمي، والاعتراض على بعض السياسات الأمريكية، وتوسيع البرامج الاجتماعية.
لكن التقارب لم يعنِ تطابق المشروعين. فقد حافظ لولا على اقتصاد مختلط يجمع بين القطاع الخاص ودور الدولة، وعمل على بناء علاقات إقليمية تشمل حكومات ذات توجهات سياسية مختلفة. أما تشافيز فربط مشروعه بصورة أوضح بالبوليفارية والاشتراكية للقرن الحادي والعشرين، ووسّع دور الدولة في الاقتصاد الفنزويلي.
لذلك يمكن وصف لولا بأنه حليف سياسي لتشافيز وشريك في بعض أهداف التكامل الإقليمي، لا بأنه تبنّى المشروع البوليفاري بكامله.
* هل كان لولا غونزاليًا أو من أتباع الثورة الماويّة ؟
لا توجد أدلة موثوقة تدعم هذا الوصف. فالانتماء إلى الماوية أو فكر غونزالو يتطلب أكثر من الدفاع عن الفقراء أو نقد الإمبريالية؛ إنه يرتبط بموقف محدد من الحزب الثوري، وحرب الشعب، وطبيعة السلطة، والاستراتيجية المؤدية إلى الثورة.
وقد اتبع لولا طريقًا مختلفًا، قائمًا على العمل النقابي والانتخابات والتفاوض البرلماني. وحتى حين تبنّى سياسات اجتماعية واسعة، لم يحوّلها إلى مشروع لحرب شعب أو لإقامة نظام حزبي على نموذج الدرب المضيء.
وبهذا المعنى، فإن لولا ليس تجسيدًا للغيفارية أو الماوية أو الغونزالية، بل شخصية نشأت في فضاء يساري متعدد التيارات، ثم اختارت طريق الإصلاح الاجتماعي من داخل المؤسسات الديمقراطية.

8- الموجة اليسارية الجديدة: الإصلاح من داخل النظام
مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، عادت قوى اليسار إلى الحكم في عدد من دول أمريكا اللاتينية، لكن هذه المرة عبر الانتخابات في معظم الحالات. وشملت هذه الموجة البرازيل في عهد لولا دا سيلفا، وفنزويلا في عهد هوغو تشافيز، وبوليفيا في عهد إيفو موراليس.
لم يكن هذا اليسار نسخة واحدة من الاشتراكية التقليدية، بل ضم تيارات متباينة في علاقتها بالرأسمالية والدولة والديمقراطية.
في البرازيل، وسّعت حكومات لولا برامج مكافحة الفقر، وعززت الحماية الاجتماعية، ورفعت الحد الأدنى للأجور، مع الإبقاء على اقتصاد السوق والقطاع الخاص. وقد ساهمت هذه السياسات في تحسين أوضاع قطاعات من السكان، لكنها لم تُلغِ التفاوتات البنيوية، وظلت الحكومة تعمل ضمن قيود مالية وبرلمانية وتحالفات سياسية معقدة.
أمّا في فنزويلا، فقد تبنى هوغو تشافيز مشروعًا أكثر راديكالية في خطابه الاقتصادي والسياسي. ووسعت حكومته دور الدولة في الاقتصاد، وعززت الإنفاق الاجتماعي مستفيدة من عائدات النفط. غير أن البلاد واجهت لاحقًا أزمة اقتصادية عميقة، ارتبطت بعوامل متعددة، من بينها تراجع إنتاج النفط، والاختلالات الاقتصادية والسياسات الحكومية، والعقوبات الخارجية التي فُرضت في مراحل لاحقة..
وفي بوليفيا، عزز إيفو موراليس دور الدولة في قطاع الغاز، ووسّع بعض البرامج الاجتماعية، ورفع مستوى تمثيل السكان الأصليين في الحياة السياسية. وقد مثّلت تجربته تحولًا مهمًا في بلد عانى تاريخيًا من تفاوت اجتماعي وعرقي عميق، وإن واجهت حكومته بدورها خلافات سياسية ومؤسسية.
توضّح هذه الحالات أن الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات لم يُنهِ التحديات التي واجهت اليسار سابقًا، بل غيّر طبيعتها. فلم يعد الصراع مقتصرًا على مواجهة الأنظمة ارجعية، بل أصبح يشمل أيضًا كيفية إدارة الاقتصاد، والحفاظ على التحالفات الاجتماعية، وضمان استقلال المؤسسات، والتعامل مع المعارضة.

9- لماذا نجحت بعض التجارب في جوانب وأخفقت في أخرى ؟
لا يمكن اختزال تاريخ اليسار في أمريكا اللاتينية في ثنائية بسيطة بين النجاح والفشل. فكل تجربة عملت في ظروف اقتصادية وسياسية مختلفة، وواجهت موازين قوى داخلية وضغوطًا خارجية متباينة.
أولًا، تظل مسألة إعادة توزيع الثروة مركزية. فقد تمكنت بعض الحكومات من تحسين الدخل وتوسيع الخدمات الاجتماعية، لكن دوام هذه المكاسب تحتاج إلى اقتصاد منتج، وإدارة مالية فعالة، ومؤسسات قادرة على ضمان استمرار السياسات بعد تغير الحكومات.
ثانيًا، لا يجوز إغفال أثر التدخل الخارجي. فقد لعبت الولايات المتحدة دورًا موثقًا في تقويض بعض الحكومات اليسارية، وبلغ ذلك اوجه مؤخرا في فنزويلا . لكن تفسير كل أزمة داخلية بالتدخل الخارجي وحده يحجب مسؤولية الحكومات عن قراراتها الاقتصادية والسياسية، كما يحجب أثر الصراعات الداخلية وضعف المؤسسات.
وأخيرًا، تبرز أهمية طبيعة التنظيم السياسي نفسه. فالحركات التي تصل إلى السلطة تحتاج إلى أكثر من خطاب تعبوي؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات فعالة، وقدرة على بناء توافقات، وسياسات اقتصادية قابلة للاستمرار، وآليات تسمح بتصحيح الأخطاء ومحاسبة المسؤولين.

10- بين الثورة والإصلاح: ماذا تُعلّمنا أمريكا اللاتينية ؟
تقدّم أمريكا اللاتينية مختبرًا تاريخيًا غنيًا لفهم العلاقة بين الفكر اليساري وممارسة السلطة. فقد أظهرت غواتيمالا حدود الإصلاح عندما يصطدم بمصالح قوية وتدخل خارجي، وكشفت تشيلي صعوبة الانتقال الديمقراطي إلى الاشتراكية في ظل انقسام مؤسسات الدولة والمجتمع. وأثبتت كوبا قدرة الثورة على إعادة تشكيل البنية الاجتماعية، لكنها أظهرت أيضًا مخاطر احتكار السلطة والقيود الاقتصادية. أما البرازيل وفنزويلا وبوليفيا، فقد بيّنت أن اليسار الانتخابي نفسه ليس نموذجًا موحدًا، وأن نتائجه تختلف باختلاف السياسات والمؤسسات والظروف الاقتصادية.
وتكشف سيرة لولا بدورها عن تحول مهم داخل اليسار اللاتيني: من مركزية الثورة بوصفها طريقًا للتغيير، إلى محاولة بناء قوة جماهيرية قادرة على الوصول إلى الحكم عبر الانتخابات وإدارة الدولة. ولم يكن هذا التحول دليلًا على اختفاء الماركسية أو التيارات الثورية، بل على أن اليسار أصبح أكثر تنوعًا في استراتيجياته، وأكثر انقسامًا حول العلاقة بين الإصلاح والرأسمالية.
فبين ماريغيلا الذي اختار الكفاح المسلح، وغيفارا الذي أعطى حرب العصابات مكانة محورية، والماويين الذين ركزوا على حرب الشعب، وأليندي الذي راهن على الانتقال الديمقراطي إلى الاشتراكية، ولولا الذي تبنّى الإصلاح من داخل المؤسسات، تتضح تعددية المسارات التي سلكتها الحركات اليسارية في القارة.
أمّا العلاقة بتشافيز والبوليفارية، فتبيّن أن التقارب بين الحكومات اليسارية لا يعني بالضرورة وحدة أيديولوجية كاملة. فقد يجتمع قادة على ملفات السيادة الوطنية والتعاون الإقليمي ومكافحة الفقر، بينما يختلفون في الاقتصاد والمؤسسات السياسية وطبيعة التحول الاجتماعي.
والدرس الأهم أن هوية الحكومة الأيديولوجية لا تكفي وحدها للحكم على تجربتها. فلا يكفي وصف نظام بأنه اشتراكي أو يساري لمعرفة ما إذا كان قد حقق العدالة الاجتماعية، كما لا يكفي وصفه بالديمقراطي لضمان أن ثماره الاقتصادية توزعت بصورة عادلة.
إن المعيار الأكثر جدوى هو النظر إلى النتائج الفعلية: هل تحسنت حياة الكادحين؟ هل توسعت فرص التعليم والصحة والعمل؟ هل أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على تلبية حاجات السكان؟ وهل بقيت المؤسسات السياسية مفتوحة للمساءلة والتعددية ؟
بهذا المعنى، لا تروي تجربة اليسار في أمريكا اللاتينية قصة انتصار نهائي أو هزيمة نهائية، بل تاريخًا من المحاولات والتحولات والتناقضات. وهو تاريخ يذكّرنا بأن تحقيق العدالة الاجتماعية ليس مجرد إعلان سياسي، بل عملية طويلة تتطلب توازنًا بين الطموح الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية، وبين تغيير بنية المجتمع وصون الاستقلال الوطني والعدل والحرية.



#مجلة_سلاح_النقد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة الكهرباء في تونس: الأسباب والمظاهر والحلول
- جيل زاد: من هو ؟ وما دلالة حركاته الاحتجاجية ؟
- عشر ملاحظات حول الحرب بين الأمس واليوم
- مجلّة سلاحُ النّقد، عدد سبتمبر-أكتوبر-نوفمبر 2026، *الاِفتتا ...
- مذبحة إمبرياليّة على أرض المغرب
- مجلّة سلاح النقد، جوان-جويلية-اوت 2026: العــدد كــاملا
- جمهورية الرّيف وعبد الكريم الخطابي في المغرب: تجربة مُبكّرة ...
- لينين قَارئا هيغل
- الفلاّحون والأرض في تونس
- مجلّة سلاحُ النّقد، عدد جوان-جويلية-أوت، *الاِفتتاحيّة*


المزيد.....




- في بيان مشترك.. دمشق وعمان تتفقان على -تشكيل لجنة أمنية- للت ...
- بوتين يحذر من استبعاد روسيا من سوق الغاز
- شراكة سودانية روسية في سياق متغير
- عون: متمسكون ببقاء اليونيفيل
- الانتخابات الإسرائيلية: من هو غادي أيزنكوت الساعي للإطاحة بن ...
- شاهد.. نتنياهو يستجدي أنصاره بمكبرات الصوت قبيل إغلاق صناديق ...
- أرقام قياسية جديدة تسجلها الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي
- لجنة التحقيق تعاين أضرار قصف المجمع الرئاسي بمعاشيق في عدن و ...
- تحليل: نتنياهو يفقد أغلبيته.. لكن طريق آيزنكوت نحو النصر -مح ...
- الأحزاب العربية تحتفل بعد مؤشرات على تحقيق تمثيل -قياسي- في ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مجلة سلاح النقد - اليسار في أمريكا اللاتينية: بين حلم التحرر الاجتماعي واختبار السلطة