أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مجلة سلاح النقد - الفلاّحون والأرض في تونس















المزيد.....



الفلاّحون والأرض في تونس


مجلة سلاح النقد

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 03:09
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


تمهيد: تمثّل مساحة الأراضي الفلاحية 62٪ من المساحة الجمليّة للبلاد التونسيّة (16.4 مليون هكتار) أي ما يفوق 10 مليون هكتار موزّعة على النحو التالي:
- المراعي الطبيعية والمروج 4.8 مليون هكتار،
- الغابات حوالي 1.6 مليون هكتار،
- المساحة المزروعة 5.25 مليون هكتارا أي ما نسبته 32٪ من المساحة الجمليّة للبلاد وأقلّ من نصف مساحة الأراضي الفلاحيّة(1) وهي مساحة محدودة جدّا، ويبدو أنّها تراجعت مقارنة بالقرن الماضي حيث كانت في أواخر الثمانينيات تقدّر بـ 5.5 مليون هكتار. في الوقت الذي شهد فيه عدد السكان تزايدا وبالتالي تزايد الطلب على الغذاء.
ويساهم القطاع الفلاحي بنسبة لا تزيد عن 9% في الناتج الداخلي الخام ويشغّل حوالي 15% فقط من مجموع النشيطين حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2020 وهو ما جعل هذا البلد الزّراعي بالأساس عاجزا عن توفير الغذاء الكافي لسكّانه الذين يقدّر عددهم بحوالي 12 مليون نسمة حسب التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024. وهذه المعطيات تعني وجود أزمة مستفحلة في هذا القطاع.

وإذ تتنوّع العوامل المفسّرة لأزمة القطاع الفلاحي، بين عوامل طبيعيّة مرتبطة بالتضاريس والمناخ والموارد المائيّة وظاهرة التصحّر وأخرى تاريخيّة واجتماعية وبشريّة مثل الزّحف العمراني وتوسّع المجال الحضري على حساب المجال الرّيفي وهيمنة النشاط الرّعوي وزراعات الحبوب منذ القدم(2)، فإنّ هنالك عوامل أخرى المسؤول الأوّل عنها هو الدّولة التي تحمّلت مسؤوليّة إدارة شؤون البلاد منذ 1956. فقد كان للسياسة الفلاحية التي اتّبعتها الدّولة منذ 1956، رغم ما تخلّلها من تغيير في العناوين والشعارات الكبرى حسب المخططات التي كانت ترسمها وتعمل على إنجازها، دورها الرّئيسي في استمرار هذه الأزمة. فبتلك السياسات حافظت الدولة التونسية على العوامل الهيكلية المولّدة لأزمة هذا القطاع بينما حاولت إيجاد بعض الحلول الظرفية والمحدودة دون أن تمسّ تلك العوامل العميقة وبالتالي لم تمتلك الإرادة لتحارب جوهر الأزمة الهيكليّة للقطاع الفلاحي.
وترتبط العوامل الهيكليّة التي تفسّر أزمة الفلاحة في تونس بوضعيّة الأرض في الرّيف التونسي، وتحديدا بملكيّتها وبعلاقة الفلاّحين بمختلف فئاتهم بالأرض وكيفيّة تطوّرها منذ ما قبل فترة الاستعمار المباشر وكيفيّة تعامل الدّولة مع هذه المسألة.

1- ملكيّة عقاريّة معقّدة ومعرقلة للاستغلال الزّراعي
تنتشر في تونس أصناف متنوّعة من الملكيّة، وهي أصناف تعود إلى ما قبل حقبة الاستعمار المباشر. حيث كانت الأراضي في الرّيف التونسي تتوزّع بين:
- الملكية العقارية الفردية (الخاصّة)، كان هذا الصنف ينتشر في مناطق الاستقرار السكّاني القديمة وهي أساسا الواجهة السّاحليّة الشّرقية وواحات الجنوب، وكذلك المساحات التي استحوذت عليها المدن من الأرياف المحيطة بها. أمّا في المناطق الدّاخلية، فقد غزت الملكية الفردية تلك الربوع مع استحواذ عناصر من المخزن (إدارة وجيش) وتجّـــار كبـــــار وعـــدول على مساحــــــات واسعـــــة ( الهنـــــــاشيــــــر) خاصة في المناطق الخصبة، مثل سهول مجردة الوسطى وباجة وماطر، إضافة إلى توسّــع تملّك العــائلة الحاكمة (البــايـــات) والإقطاعات التي كانت تُمنح لكبار موظفي المخزن)3). ومجموع مساحة هذا الصّنف من الملكية كانت تتراوح بين ثلث وربع المساحة الجمليّة الصالحة للزراعة(4).
- أراضي البايليك، وأصبح اسمها لاحقا الأراضي الدّولية حسب قانون 22 جويلية 1922 الذي قدّر مساحتها بـ 415 ألف هكتار بعد ضمّ المجال الغابي إليها منذ 1890(5).
- أراضي الأحباس، وهي تصنّف الى أحباس عمومية وأحباس الزوايا وتنتشر على مساحات واسعة في الوسط والجنوب خاصّة والشمال أيضا.
- أراضي العروش، وكان هذا الصنف الأخير يمثّل أوسع المساحات من الأراضي الفلاحيّة، إذ كانت تقدّرُ بأكثر من 3 ملايين هكتار. وقد كان أغلبها مخصصا بدرجة أولى للرّعي. تختصّ بصعوبة تدقيق مساحاتها قانونيا بسبب تداخلها مع أراضي البايليك والأحباس. وتنتشر خاصة بالوسط التونسي ثم بالشمال.

من بين كلّ هذه الأصناف، كانت الملكيات العقارية الخاصّة واضحة قانونيا، ثمّ تليها أراضي البايليك. أمّا بقيّة الأصناف فكانت تسمّى الأراضي "العربي" في تناقض مع أراضي "المِلك" للدّلالة على أنّ صبغتها القانونيّة غير واضحة، وقد سهّل هذا على الإمبرياليين الأوروبيين الشّروع في الاستعمار الزراعي للإيالة التونسية حتى قبل انفراد الإمبريالية الفرنسية بها عام 1881. فقد اشترت شركة مرسيليا للقرض ضيعة بسيدي ثابت مساحتها حوالي 5000 هك وهنشير النفيضة ومساحته 100000 هك(6) كما اشترت ضيعة بوادي الزرقاء تمسح 9000 هك.
مع الاستعمار الفرنسي، تحوّل جزء هام من أراضي كبار الملاكين التونسيين، خاصّة المقيمين منهم في الحواضر، إلى كبار الملاكين الأوروبيين الذين اشتروا أكثر من 440 ألف هكتار من الأراضي الخاصّة للعائلات الأرستقراطية، قبل الشروع في الاستعمار الزراعي بطريقة رسميّة حيث شرّعت سلطات الاحتلال عمليّة الاستحواذ على أراضي البايليك وجزء كبير من أراضي الأحباس وأراضي العروش بالاعتماد على مجموعة من القوانين والأوامر، من ذلك، أمر 4 أفريل 1890 يخصّ الاستحواذ على المجال الغابي، أمر 13 أفريل 1896 الذي خوّل الاستحواذ على جزء كبير من أراضي العروش، أمر 13 نوفمبر 1898 الذي يفرض الاستحواذ على 2000 هك سنويّا من أراضي الأحباس، الخ...
وقد تعمّقت سياسة الاستعمار الزراعي بعد الحرب العالمية الأولى لتفوق مساحة الأراضي التي تمّ لاستحواذ عليها مليون هكتار، أي أكثر من ربع (1/4) المساحات المزروعة المقدّرة آنذاك بـ 3.8 مليون هكتار. وشملت هذه السياسة الاستعماريّة الأراضي الخصبة حيث امتدّت شمال الظهرية التونسية وسهول الوطن القبلي وسهول سوق الخميس والسهول المجاورة لمدينة تونس وسهل مجاز الباب والتل العلوي وسهل النفيضة وظهير مدينة صفاقس وضيعات وواحات بالجنوب الشرقي. وهي أراضي ذات مردوديّة عالية للزراعات الموجّهة للتصدير مثل الحبوب والقوارص والكروم والزياتين والنخيل.
لقد عطّل الاستعمار الأوروبي عمليّة التحوّل الطبيعي في تونس، كما في باقي الأقطار العربية التي وقعت تحت التوسّع الاستعماري الإمبريالي، "لأنّ التدخل الإمبريالي أجهض عمليّـــة النُمــــوّ الدّاخليّــــة وثبّت عــلاقات الإنتاج الإقطاعية"(7)، لكنّه أدخل تغييرا على مستوى علاقات الإنتاج في الريف التونسي في الأراضي التي سيطر عليها. وهكذا، ظهرت علاقات الإنتاج الرّأسمالية وشبه الرأسمالية، إلى جانب العلاقات الإقطاعية، التي استجابت لمتطلبات الاقتصاد التبادلي. وبالتالي، فقد زاد الاستعمار في تنويع أصناف الملكيات العقارية وتعقيدها وفي إدخال أنماط وعلاقات إنتاجية جديدة زادت في تعميق أزمة الفلاحة والغالبيّة العظمى من الفلاّحين التونسيين.
هذا الخليط من أنماط الإنتاج وهذا التنوّع في الملكيات وترسانة القوانين التي سنّها الاستعمار خدمة لمصالحه سترثها الدّولة التونسيّة إثر اتّفاقيات 1956 ممّا جعلها غير قادرة على حلّ أغلبها، مع العلم أنّ الاستعمار الزراعي الأوروبي للأراضي التونسيّة استمرّ إلى ما بعد 1956.
بعد 1956، وفي ظلّ غياب سياسة إصلاح زراعيّ من قبل الدّولة، تمّ إصدار مجموعة من التشريعات كان الهدف منها تصفية بعض أصناف الملكيات العقاريّة. فتمّ إصدار أمر 31 ماي 1956 المتعلّق بتصفية جمعيّة الأوقاف وحلّ أراضي الأحباس العمومية وإلحاقها بأملاك الدّولة، وفي 18 جويلية 1957 تمّ إصدار أمر لحلّ الأحباس الخاصة وتوزيع أراضيها على مستحقّيها ثمّ قانون عدد 53 لسنة 1957 المؤرخ في 02/11/1957 الذي يتعلق بإلغاء نظام الأحباس الخاصة والمشتركة. لكن هذه الأوامر اصطدمت بمشكلة السكان المستقرّين على تلك الأراضي فتمّ إصدار قانون الإنزال في مارس 1974 الذي وضع شروط إثبات السكان المستغلّين وتحوّلهم إلى ملاّكين ممّا سمح بتصفية أغلبيّة هذه الأراضي.
أمّا بالنسبة لأراضي العروش، فقد اعترف قانون 4 جوان 1964 بالمجموعة (العرش) كشخصية مدنية تنطبق عليها أحكام الملكيّة مع بقاء الدّولة طرفا رئيسيّا في هياكل التصرّف تنظر في قرارات التفويت لفائدة أفراد المجموعة. لكنّ التفويت في ملكيات العروش اعترضته عديد العراقيل ارتبطت أغلبها بتجربة التعاضد (السياسة الاشتراكية الدستورية) (61-1969)، فإلى نهاية 1969 لم يفوّت منها سوى 22 ألف هك. وانطلاقا من 1971، أي إثر التخلّي عن سياسة التعاضد واعتماد سياسة اقتصادية ليبرالية مفضوحة، وقع التفويت في 817 ألف هك إلى حدود 1981، أمّا المساحة المتبقية والمقدّرة بـ 2.1 مليون هك فقد بقيت وضعيتها العقارية معقّدة جدّا رغم صدور عدد من الأوامر الرئاسيّة والقوانين ومازالت مساحات واسعة منها لم تجد طريقها إلى الحلّ إلى اليوم.
ورغم هذه الإجراءات التشريعيّة، بقي جزء كبير من المساحات الزراعيّة غير مسجّل عقاريّا، فقد بلغت المساحة المسجّلة 2.5 مليون هك سنة 1964 من مساحة جملية تقدّر بـ 7 ملايين هك، وأكثر من نصف تلك المساحة المسجّلة هو تابع للدّولة، وإلى حدود 1986 وصلت مساحة الأراضي المسجّلة 3627272 هك وهو ما يمثل 51 % فقط من المساحة الجمليّة الصّالحة للتسجيل. وتشكّل هذه الوضعية العقارية عائقا كبيرا أمام استغلال جزء مهمّ من الأراضي وعدم الانتفاع به على الوجه المطلوب بسبب ضبابيّة وضعها القانوني ويحدّ بالتالي من إمكانيات تطوير مردود تلك الأراضي خاصّة أمام صعوبة الحصول على قروض فلاحية من قبل مستغلّيها وكذلك عدم قدرة الدولة على وضع مخططات فلاحيّة دقيقة نظرا لعدم إلمامها بواقع تلك الأراضي الفلاحية وخصوصيّاتها.
يضاف إلى هذه العراقيل المرتبطة بالوضع القانوني للأراضي واختلاط أصناف الملكيات العقارية وفشل سياسات حلّ هذه الأوضاع، الانعكاسات السلبية -على الفلاّح والفلاحة- المنجرّة عن كيفيّة التعامل مع أراضي المعمّرين بعد استرجاعها ومع أراضي الدّولة وطرق التفويت فيها.

2- التناقض بين تركّز شديد وتشتت كبير للمُستغلاّت الزراعيّة هو التّناقض بين كبار الملاّكين العقاريين والفــلاّحين الكــادحين
قبل حقبة الاستعمار الفرنسي، كانت الملكيات العقارية الخاصّة بيد قلّة من كبار الملاّكين الإقطاعيين، إلى جانب أراضي الأحباس وأراضي البايليك وأراضي العروش، بينما لم يكن لعامّة الشعب ملكيّات خاصّة وإنّما كانوا يتصرّفون في الأراضي الجماعية دون امتلاكها. وبالتالي كان الملاّكون الكبار يحتكرون مساحات زراعيّة واسعة.
وخلال الحقبة الاستعمارية، أصبحت الملكيات ذات المساحات الواسعة موزعة بين كبار الملاكين التونسيين والاستعماريين الأوروبيين، بينما انحصرت المساحة التي يستغلها بقية الفلاحين التونسيين وعددهم آنذاك يقدّر بـ 480 ألف فلاّح في أقلّ من 3 ملايين هكتار، أي بمعدّل 6 هك للفلاّح الواحد، هذا مع أنّ عددا غير قليل من الفلاّحين اضطرّ إلى الاشتغال في ضيعات كبار الملاكين الاستعماريين وعدد آخر لجأ إلى التلال وإلى سفوح الجبال فيما نزح عدد آخر إلى الحواضر بسبب توسّع الاستعمار الزراعي. ومن بين الفلاحين التونسيين، كان 88% يتصرّفون في مستغلاّت لا تتجاوز مساحاتها 20 هك وهي مستغلاّت ضعيفة الخصوبة(8). ومقابل ذلك، كان متوسّط مساحة المستغلات يقدّر بـ 258 هك بالنسبة للضيعات التي أصبحت على ملك الاستعماريين الأوروبيين، وقد كانت مساحة العديد من الضّيعات تمسح أكثر من 10 آلاف هكتار.
يتمثّل التناقض الرّئيسي الذي كان يشقّ الرّيف التونسي خلال حقبة الاستعمار المباشر في التناقض بين أقليّة ثريّة من الإقطاعيين والبرجوازيين تحتكر مساحات واسعة من الأراضي الخصبة وأغلبيّة مفقّرة تتصرّف في مساحات صغيرة أو تشتغل بطرق مختلفة في ضيعات تلك الأقليّة (خماسة، ربّاعة، بالأجر، بالكراء...)، وقد زاد هذا التناقض بين التركّز الشديد للمستغلاّت الكبيرة بيد كبار الملاكين الاستعماريين والتونسيين من جهة وبين التشتت الشديد للمستغلاّت الصغيرة التي يستغلّها الفلاّحون الفقراء، زاد في استثراء طبقة كبار الملاكين الإقطاعيين والبرجوازيين وفي تفقير وإفلاس صغار الفلاحين التونسيين والدّفع بعدد كبير منهم إلى البطالة والنّزوح والتسوّل والخضوع للاستغلال من قبل كبار الملاّكين.
هذا التناقض الرّئيسي لم يتغيّر لا بعد 1956 ولا بعد 1964، بل إنّه سيحافظ على سماته الرّئيسيّة، وعوض أن تسير الدّولة التونسيّة في طريق القضاء عليه فقد واصلت السّير في طريق تجذيره تكريسا لهيمنة الطبقات الاجتماعيّة السّائدة ليس في الريف فحسب وإنّما في المدن أيضا، ولعلّ التغيير الوحيد الذي حصل هو استبدال طبقة الملاكين الاستعماريين بشريحة أخرى من الملاكين التونسيين الذين استفادوا من الإقطاعات والهبات العقـــــــــــــاريّـــة والتّفويـــــت في أراضـــي الاستعمـــــــاريين و الأراضـــــــي الدَّوْلية بأسعار رمزيّة منتهزين علاقات القرابة التي تربطهم بالعائلات الحاكمة منذ 1956 أو ولاءهم لحزب الدستور وهو ما أدّى إلى تعزيز رصيد هذه الطبقة. وهذا التفاوت يبرزه التطور اللاّمتكافئ في متوسّط مساحة كلّ صنف من الضيعات(9)، فقد تنامى متوسط مساحة الضيعات التي تفوق مساحاتها 100 هك من 284 الى 297 هك بين 1961 و1980، بينما انخفض متوسط مساحة الضيعات الصغيرة (أقل من 20 هك) من 6.4 الى 6.1 هك وكذلك بالنسبة للضيعات المتوسطة (بين 20 و50 هك) من 31 إلى 28.8 هك في نفس الفترة.
لقد بدأت عملية بيع الأراضي الدولية للخواص منذ 1962، وقد بيع منها 165933 هك الى حدود سنة 1980 من جملة 300 ألف معدّة للبيع مع تحديد المستفيدين من بين العمّال القارّين والمتعاضدين الصّغار والفنّيين والمهندسين الفلاحيين. وبسبب فشل هذه السياسة وقع منذ 1976 إعطاء الأولويّة لخريجي المدارس الفلاحية ثم أبناء الفلاّحــــين ثم العمال الفلاحيّــــين مع شرط الاستغـــــلال المباشر لمدة عَشرِ سنوات متتــــــالية. لكن ما لوحظ هو أنّ الضيعات الكبيرة التي بيعت استفادت منها عناصر من كبار الملاكين وخاصة من المستقرّين في المدن وهم الذين يملكون رؤوس أموال كافية وآلات عصرية لاستغلال تلك المساحات. وما حدث لأراضي الدولة حدث أيضا للأراضي الاستعمارية، حيث استفادت البرجوازية الكبيرة والإقطاعيون وخاصة التغيبيون منهم من التفويت في جزء من هذه الأراضي سواءً عن طريق الشّراء أو الكراء (222 ألف هك سنة 1985). كما وقع تخصيص 90 ألف هك للكراء على مدى طويل لفائدة شركات تنموية تونسية عربية تموّلها بنوك عربية بينما حافظت الدولة على بقية المساحات.
وبهذه السياسات، فقد كرّست الدّولة ظاهرة التركّز الشديد للمستغلات الكبيرة بيد أقليّة من الملاكين العقاريين أغلبهم لا علاقة لهم بالرّيف وبالأرض بينما حافظت على جمهور واسع من الرّيفيين يملكون مساحات ضيّقة أو لا يملكون أكثر من مساحات مساكنهم البسيطة، وزادت سياساتها الليبرالية في تفقيرهم وتفليسهم نظرا لعدم قدرتهم على منافسة كبار الملاكين خاصة في تعصير فلاحتهم بسبب ضعف إمكانياتهم وغياب دور الدّولة في هذا القطاع ممّا جعلهم ضحايا لتلك السياسات الفلاحية والاجتماعية المتعاقبة التي حافظت على ملكيات كبار الملاكين ووفّرت لهم تسهيلات مالية وإداريّة بتمكينهم من الحصول على قروض كبيرة ومنح ممّا مكّنهم من توسيع ملكياتهم بالزّحف على مساحات صغار الفلاحين ومتوسّطيهم مستغلّين عدم قدرتهم على استغلال أراضيهم نظرا لارتفاع تكاليف الإنتاج الفلاحي.
هذه السّمات العامّة لتوزّع الضّيعات الفلاحيّة حسب المساحة بين أصناف الفلاّحين والمالكين لم تتغيّر في جوهرها، وهي نتيجة طبيعيّة لتواصل اتّباع نفس السياسات.
وما يلاحظ أنّ الفلاّحين الفقراء الذين يمثّلون أغلبيّة سكّان الرّيف التونسي لا يملكون إلاّ نسبة ضعيفة جدّا من المساحة الجمليّة للأراضي، ذلك أنّ 54% من مجموع الفلاحين لا تتجاوز مساحة مستغلاّتهم 5 هك في سنة 2004–2005 والمساحة الجمليّة لهذه المستغلاّت لا تمثّل سوى 11% من المساحة الجمليّة للأراضي الزراعية. وفي المقابل يحتكر كبار الملاّكين، الذين تتجاوز مساحة مستغلاّتهم 100 هك، 22% من المساحة الزراعية الجمليّة بالبلاد بينما لا يمثّل هذا الصّنف سوى 1% من العدد الجملي للفلاحين(10).
ولا شكّ أنّ ملكيّة الأرض تتاثّر مع مرّ السنين بعامل الوراثة، حيث تقسّم تلك المساحات بين ورثة الفلاّح، وهذا العامل يؤدّي إلى الزيادة في عدد المستغلاّت، لكنّه في نفس الوقت يؤدّي إلى تقلّص متوسّط/معدّل مساحات تلك المستغلاّت. فبين سنتي 1962 و1995، ساهم هذا العامل إلى جانب عوامل أخرى (التفويت في أراضي الدولة وأراضي العروش وحلّ الأحباس) في ارتفاع عدد المستغلاّت من 326 ألف إلى 471 ألف وهو ما جعل متوسّط مساحة المستغلّة يتراجع من 16 هك إلى 11.2 هك(11). ومن البديهي أنّ هذا التراجع سيكون ملحوظا بشكل كبير في مساحات صغار ومتوسّطي الفلاّحين.

3- كيف نحــــلُّ مطلب "الأرض" ؟
لقد حافظت المسألة الفلاحيّة في تونس، إلى اليوم، على سماتها القديمة منذ عهد ما قبل الاستعمار، وأبرز هذه السّمات هو التناقض بين جماهير الفلاحين الفقراء الذين لا يملكون أرضا أو يملكون مساحات صغيرة غير قادرة على توفير الحدّ الأدنى من ضروريات عيشهم وبين قلّة من كبار الملاّكين العقاريين الذين يستحوذون على مساحــات كبيرة يشغّلون فيها أولئك المزارعين الفقراء. ولعلّ التطوّريْن الوحيديْن اللّـــذيْن حصلا طيـــلة هذه القـــرون همـــا تحوّل جزء من كبار الإقطاعيين إلى كبار برجوازيين من جهة وتحويل جزء من جماهير الفلاحين الفقراء من أقنــــــــــــان إلى أجراء، وبالتالي فقد حافظ هذا التناقض على جوهره ليظلّ جوهر الصّراع في الريف قائما بين هاتين الطّبقتين، فعلاقات التناقض هذه "تولّد نضال الفلاّحين من أجل الأرض. وتلك هي نقطة الانطلاق لنضال الفلاحين... ضد أكبر الملاكين العقاريين"(12).
وما قامت به الدّولة التونسيّة، منذ 1956، كان تسهيل استحواذ كبـــار الملاكين العقاريّـــين على الأرض سواءً الأراضي الدَّوْلية أو أراضي المستعمرين التي وقع استرجاعها أو أراضي الأحباس أو أراضي العروش التي وقع حلّها. وطبعا، لم يكن منتظرًا من هذه الدّولة غير هذه الإجراءات التي تحافظ على مصالح الطبقات الاجتماعية السّائدة، البرجوازية الكمبرادوريّة وكبار الملاكين العقاريين، أمّا كلّ من كان ينتظر منها إصلاحا زراعيا أو ثورة زراعيّة فهو واهم لانّ هذه الإجراءات ليست من مهامّ هكذا أنظمة.
لقد تنكّرت "دولة الاستقلال" لجماهير الفلاحين رغم الدّور الذي اضطلعوا به في معركة الكفاح الوطني ضدّ الاحتلال المباشر منذ 1881، وكان دورهم بارزا خاصّة في مختلف محطّات الكفاح المسلّح. فقد كانت جبال البلاد ميدانا لمعارك المقاومة الوطنية ومثّل الفلاحون الفقراء والمُعدمون أهمّ مصدر للمقاومين. وتعتبر حركة الفلاحين في القصرين(13) من أهمّ الحركات الفلاحية في تاريخ تونس المعاصر حيث انتفض الفلاحون سنة 1906 في هذه المنطقة ضدّ الملاكين الاستعماريين الذين استولوا على أراضيهم حتّى حلّ بهم البؤس والمجاعة، وتعرف هذه الانتفاضة بـ"انتفاضة الفراشيش".
إنّ الإصلاح الزراعي والثورة الزراعية هما مهمّتان لا يمكن أن تضطلع بهما دولة الكمبرادور وكبار الملاكين، سواءً في تونس أو في الوطن العربي بأكمله كما هو الشّأن بالنسبة لمختلف البلدان في المستعمرات وأشباه المستعمرات، تماما مثل ما هو الشأن بالنسبة للعالم الرّأسمالي حيث لا يمكن للأنظمة البرجوازية السّائدة أن تحقّق مطلب "الأرض لمن يفلحها". فالشرط الضروري والأساسي لتحقيق مطلب جماهير الفلاحين الكادحة في الميدان الاقتصادي والميدان الاجتماعي هو قيام ثورة سياسيّة واجتماعية تطيح بالطبقات الحاكمة وتستولي من خلالها الطبقات المضطهَدة على السلطة حتى يمكنها تحقيق هذا المطلب. فــــلا البرجوازيون الكمبرادوريون ولا البرجوازيون البيروقراطيّون ولا كبار الملاّكين ولا هذه الدّولة "القديمة" القــــــــــائمــــــة ستحـــــــرّرهم من بؤســــــــهم ومن الاضطهــــــــاد الــــــذي يرزحون تحت نيره، وإنّما تحرّرهم هو بأيديهم مثلهم مثل بقيّة الطّبقات الاجتماعية المضطهدة في المجتمع. وقد أوضح لينين في الفقرة التالية هذه الحقيقة بقوله:
"ينجم ممّا سبق أنّ الملايين وعشرات الملايين من الناس هم فريسة البؤس والجوع، وسيظلّون دائما فريسة البؤس والجوع طالما أنّ بضعة آلاف من كبار الأثرياء يملكون مثل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي. ومفهوم أنّ سلطة الدولة بدورها، أنّ الحكومة نفسها (وإن كانت الحكومة القيصرية) سترى نفسها ملزمة بان ترقص على مزمار هؤلاء الملاكين الكبار. ومفهوم أنّ الفلاحين الفقراء لن يأملوا بأن تمتد إليهم يد المساعدة من أيّ مكان ومن أيّ أحد، طالما لم يجمعوا صفوفهم بأنفسهم لكي يؤلفوا طبقة واحدة بغية خوض نضال عنيد ضارٍ ضد طبقة الملاكين العقاريين هذه"(14).
وفي موقع آخر، يقول لينين في دحضه لأوهام ضيّقي الأفق حول هذه المسألة في روسيا: "فهل ينجم من هنا أنّه يتعيّن على الماركسيّـــــين أن يتخلّـــــــــوا كليّـــــــا عن فكـــــرة الثّـــــورة الزراعية الفلاحيّة ؟ كلاّ. فإنّ مثل هذا الاستنتاج لن يكون جديرا إلاّ بمـــــن تشكّل عقيــــــدتهم محاكــــاة ســــــاخرة ليبرالية للماركسيّــــــة. وممّــــا قيــــل ينجُمُ فقط، أوّلا، أنّه لا يُـمكن للماركسية أن تربط مصائر الاشتراكية في روسيا بمآل الانقلاب البرجوازي-الديمقراطي، ثانيا، انه يجب على الماركسية أن تأخذ بالحسبان إمكانيّتيْ التطور الرأسمالي للزراعة في روسيا وأن تبيّن بوضوح للشعب شروط وأهمية كل من الإمكانيتين، ثالثا، انه يجب على الماركسية أن تناضل بحزم ضد النظرة الزّاعمة أنّه يمكن قيام انقلاب زراعي جذري في روسيا بدون انقلاب سياسي جذري".(15). إنّ الشرط الأوّل، حسب لينين، هو الانقلاب السياسي الجذري حتى يتحقق الشرط الثاني وهو الانقلاب الزراعي الجذري.
إنّ دولة الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الجديدة، التي تكون قد حقّقت تحرّرها الوطني الفعلي بحلّ التناقض بين الاستعمار الجديد (الإمبريالية) وأعوانها ومختلف طبقات الشعب الثورية وأنجزت في نفس الوقت مطلب "الأرض لمن يفلحها" بحلّ التناقض بين كبار الملاكين العقاريين وجماهير الكادحين في الرّيف، هي التي يمكنها، في تونس والوطن العربي وعالم المستعمرات وأشباه المستعمرات أن تقوم بهذه المهمّة. وقد أثبتت التجارب التاريخيّة أنّ الثورة الاشتراكية وثورة الديمقراطية الجديدة هما الكفيلتان بتحقيق الإصلاح الزراعي والثورة الزراعية وحلّ التناقض السائد في الرّيف، ويمكن هنا العودة إلى ما تحقّق في الاتّحاد السّوفياتي زمن لينين وستالين وفي جمهورية الصين الشعبية زمن ماوتسي تونغ.
وبعبارة أخرى، لا يمكن للأحزاب الممثلة للبرجوازية الكمبرادورية ولكبار الملاكين العقاريين أن تحقّق هذا المطلب لأنّه مطلب أعدائها الطبقيين، وهذا يعني أنّ هذه المهمّة موكولة إلى الماركسيين اللينينيين الماويين، ويجب أن تكون لا فقط في برنامج حزبهم وإنّما على جدول أعمالهم اليومي تكتيكا واستراتيجيا ونظرا وممارسة. إنّ طبيعة علاقات الإنتاج السّائدة التي أفرزت جمهورا واسعا من المضطهَدين في الريف يمثلون أغلبيّة المجتمع تجعل من هذه الجماهير المضطهَدة جيش الثّورة الأوّل في حزب الطبقة العاملة الذي تقوده البروليتاريا، وتجعل من الرّيف والحواضر الصّغرى الميدان الأوّل للثورة حيث تكون منطلقا لمحاصرة المدن الكبرى.
في تونس، وفي الوطن العربي بشكل عامّ، بقيت جماهير الفلاحين الكادحة خارج دائرة الفعل السياسي وخاصّة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ تحقيق الاستقـلالات الشّكليّة، فغابت جماهير الفلاحين عن حركة الاحتجاجات الكبرى وعن الانتفاضات التي شهدتها بعض الأقطار العربيّة، ومنها انتفاضات "الربيع العربي". لكن هذا الغياب لا ينفي قيام الفلاحين ببعض الاحتجاجات المحدودة في الزمان وفي المكان أو مشاركتها فيها، مثل المشاركة في انتفاضة الإتاوة في تونس والاحتجاج على ترفيع أسعار الأعلاف...الخ. ويعود السبب الرّئيسي في هذا الغياب إلى عدم تنظّم هذه الجماهير في أحزاب ثوريّة، ولا يعود عدم تنظّمها لرفض هذه الجماهير التنظّم وإنّما لعدم انغراس الأحزاب الثورية في أوساط الفلاّحين. فجماهير الفلاحين تفتقد لمرشد يوجّهها إلى طريق الثّورة لذلك بقيت خارج حقل الفعل السياسي رغم جوهريّة قضيّتها ورغم وزنها الاجتماعي.
طرح ماوتسي تونغ، في مارس 1927، أي قبل 99 سنة، مجموعة من التساؤلات حول كيفيّة تعامل الحزب مع مسألة الفلاحين، قائلا: "أمّا الأحزاب الثورية والرفاق الثوريون فإنّهم سيجدون أنفسهم جميعا أمام اختبار الفلاحين الذين سيقرّرون قبولهم أو رفضهم. أ تسير على رأس الفلاحين وتقودهم ؟ أم تقف وراء ظهورهم معيبـــــا لـــــهم ؟ أم تقف في وجوههم تناهضهم ؟"(16).
وبعد هذه التساؤلات، قدّم ماو شرحا لتقريره الشهير حول التحقيق الذي أجراه في خونان حول أوضاع الفلاحين وطبقاتهم وفئات كلّ طبقة وقضايا كلّ طبقة منهم وقدّم إجابات حول طرق تنظيم صفوف الفلاحين المتوسطين والفقراء في اتّحادات مستقلّة عن كبار ملاّك الأراضي، وكيفيّة السير معهم في طريق الثورة. فحرّض رفاقه على ضرورة التوجّه إلى الرّيف ورفد قوّة العمّال بقوّة الفلاحين وتحويلها إلى طاقة ثوريّة للإطاحة بكبار الملاّكين: "إنّ الثّورة ليست مأدبة ولا كتابة مقال ولا رسم صورة ولا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللّباقة والوداعة والرقّة، أو ذلك الهدوء واللّطف والأدب والتّسامح وضبط النّفس. إنّ الثّورة انتفاضة وعمل عنف تلجأ إليه إحدى الطّبقات للإطاحة بطبقة أخرى. وثورة الريف هي ثورة تطيح بها طبقة الفلاّحين بسلطة طبقة الملاّكين الإقطاعيين. فغذا لم يستخدم الفلاّحون قوّة هائلة لا يمكنهم أبدا أن يطيحوا بسلطة ملاّك الأراضي التي تعمّقت جذورها مدى آلاف السّنين. ولا بدّ من مدّ ثوريّ عاتٍ في المناطق الرّيفيّة لانّ هذا هو الشّيء الوحيد الذي يقدر على استنهاض ملايين النّاس ليصبحوا قوّة هائلة"(17).
ولم يكتف ماوتسي تونغ بتقديم هذا التقرير، بل جعل منه برنامج عمل انطلق منه ليحقّق التحالف بين جماهير العمّال والفلاّحين ويشرع في إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة بعد المذابح التي تلقّاها الحزب الشيوعي الصيني من قبل شيانغ كاي شاك. لقد درس ماو الواقع الملموس في الصين دراسة ملموسة ودقيقة وتمكّن من اكتشاف الطّاقة الثورية الكامنة في الريف وفي صفوف الفلاّحين وهو ما مكّنه من قلب موازين القوى في صراع الشعب ضدّ الإمبريالية وضدّ الإقطاعيين.
لقد استجاب ماوتسي تونغ لدعوة فريدريك انجلز التي صاغها عام 1894: "إنّ الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل الحزب الاشتراكي سيتمّ في مستقبل قريب. بيد أنّه ينبغي على هذا الحزب، كي يستولي على السلطة السياسية، أن ينتقل من المدينة إلى الريف، أن يتحوّل إلى قوّة في الأرياف". وقد سار ماو أيضا على خطى لينين الذي يعتبر حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي "حزب العمّال والفلاّحين" وفي ذلك تأكيد لضرورة تحالف العمّال مع الجماهير الكادحة في الرّيف، والذي درس المسألة الزراعية في روسيا دراسة دقيقة مكنته من تجسيد هذا التحالف الطبقي المتين وإنجاح الثورة الاشتراكية. واليوم، قد تبدو الظروف مختلفة من بلد إلى آخر ومن عصر إلى آخـــر، وهــذا ليـــــس بالخـــطــــأ، فلكــــلّ بــــلد خصــــائصه ولذلك وجب التعامل مع هذه الخصائص وفق ما تتطلبّه الثورة المنشودة، مع أنّ ذلك لا يعني التخلّي عن الخطوط العامّة للماركسية اللينينية الماوية التي تظلّ مرشدنا في النظرية وفي الممارسة.
إنّ حلّ التناقض القائم في الرّيف لفائدة الجماهير الفلاحية الكادحة، هو الكفيل بالقضاء على بقيّة العراقيل التي تعاني منها الفلاحة في تونس، فحلّ هذا التناقض المرتبط بملكيّة الأرض هو الحلّ الجذري للمسالة الفلاحية، وإذا تحقّق ذلك تصبح معالجة بقيّة العوامل والعوائق والقضاء عليها أمرا يسيرا.
وإذا كان الحلّ الجذري للمسألة الزراعيّة يتطلّب إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة التي ستقضي على اضطهاد جماهير الكادحين في الريف وتوفّر لهم الأرض بعد مصادرتها من كبار الملاّكين، فإنّ الماركسيين اللينينيين الماويين يناضلون من أجل تحسين أوضاع الفلاحين الفقراء والمتوسّطين وبمشاركتهم من خلال العمل على إلغاء أعمال السخرة وكل أشكال الاستغلال الإقطاعية، وفسخ ديون الفلاحين الفقراء وتحريضهم على رفض تسديدها وإلغاء الضرائب والمكوس المرهقة لهم ومنع انتزاع أراضي الفلاحين الصغار ومصادرة المحاصيل أو رهن قوت الفلاحين لدى البنوك والاحتكارات الاستعمارية وتمكينهم من الحصول على القروض المُيسّرة والأسمدة اللازمة والآلات الفلاحية بأسعار منخفضة، والعمل على تمكين العاطلين والمعطّلين عن العمل من ضيعات من الأراضي الدّولية والأراضي غير المستغلَّة وتقديم الدّعم المادي لهم لتيسير استغلالها، والنضال من أجل تعميم شبكات الريّ وتعديل المقابل النقدي حسب الأوضاع المادية وتسهيل تسويق المنتوجات دون وسطاء وطفيليين وضمان أسعار بيع مناسبة لمنتوجاتهم داخل البلاد وخارجها تضمن استقرارهم واستمرارهم في القيام بنشاطهم الفلاحي، وتوفير الخدمات الضروريّة في المناطق الريفية بتعبيد الطرقات والاعتناء بالمسالك الفلاحية وتعميم التمتّع بالماء الصالح للشراب والنور الكهربائي، ومقاومة أسباب النّزوح الرّيفي والعزوف عن النشاط الزراعي، وضمان الحقوق السياسية والنقابية من ذلك حق التجمع في اتحادات فلاحية ممثلة ومستقلة عن اتحادات كبار الفلاحين والملاكين العقاريين وحق التعبير والتنظّم. كما ينبغي على الشيوعيين الماويين أن يولوا اهتماما خاصّا بما تعانيه المرأة الرّيفيّة من نظرة دونيّة لموقعها في المجتمع ومن استغلال واضطهاد.

* بقلم سميح نقّـــاش
--------------------------------------------------------------
(1)- التقرير السنوي لأداء مهمة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لسنة 2020، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، أكتوبر 2021، ص.4.
(2)- فلنزي (لوسات)، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر (1790-1830)، سراس للنشر، 1994، ص.54.
(3)- Kassab (ahmed), L’évolution de la vie rurale dans les régions de la Moyenne Medjerda et de Béja-Mateur, publications de l’Université de Tunis, 1979, p.71.
(4)-الشريف (عبد الله)، "الملكية واستغلال الأرض في الزراعة"، في العجز الغذائي في تونس الخضراء، سراس للنشر، 1990، ص. 74.
(5)-Ajeri (M. Saleh), Evolution du Mouvement National Tunisien, m.t.d., 1974, p. 69.
(6)- هذا الهنشير كان على ملك عرش أولاد سعيد وقد صادره منهم احمد باي سنة 1850 عقابا لهم وسنة 1873 منحه محمد الصادق باي لوزيره خير الدين الذي قام بعد مغادرته الوزارة ببيعه لشركة استعمارية فرنسية.
(7)- رفيق (حاتم رفيق)، مشروع برنامج سياسي للماركسيين اللينينيين الماويين في الوطن العربي، منشور في موقع الحوار المتمدّن، 18 فيفري 2010. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=204225))
(8)-الشريف (عبد الله)، "الملكية واستغلال..."، ن. م.، ص.79.
(9)- الشريف (عبد الله)، "الملكية..."، ن. م.، ص. ص. 102-103.
(10)-عايب (حبيب)، في بناء التبعيّة الغذائية في تونس، ديسمبر 2019، ص. 10. (دراسة منشورة على الانترنات).
(11)- Elloumi (Med), «L’agriculture tunisienne dans un contexte de libéralisation», in Région et Développement n° 23-2006, p.133.
(12)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلد الثالث، دار التقدم، 1976، ص. 142.
(13)- اُنظر التيمومي (هادي)، انتفاضة القصرين، تالة 1906، دار محمد علي للنشر، 1993.
(14)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلّد الثاني، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو، 1979، ص. 289. (إلى الفلاّحين الفقراء)
(15)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلد الثالث، دار التقدم، 1976، ص. 297.
(16)- تونغ (ماوتسي)، مؤلفات ماوتسي تونغ المختارة، المجلّد الأوّل، دار النشر باللغات الأجنبية، بيكين، 1968، ص. 30. (تقرير عن تحقيقات في حركة الفلاحين في خونان).
(17)- تونغ (ماوتسي)، مؤلفات ماوتسي..، ن.م.، ص. 37.
==================================================
مجلّة سلاح النّقد، عدد جوان-جويلية-أوت 2026






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجلّة سلاحُ النّقد، عدد جوان-جويلية-أوت، *الاِفتتاحيّة*


المزيد.....




- جونسون: الشيوعية تمثل خطرا كبيرا في الانتخابات الأمريكية
- جونسون يحذر من وصول -الشيوعيين- إلى السلطة ويصف الديمقراطيين ...
- مذكرة التفاهم من أربع عشرة نقطة بين النظام الإسلامي والولايا ...
- Boston’s AI Weapons Technology Development-advent Connection ...
- No Holiday for the Indentured
- A Triumph for Democratic Socialism in the Nation’s Capital
- Out of Control
- Laboratory Politics: Monoculture Down Under
- Sudan’s Proxy War: Gulf Rivalries, Resource Extraction, and ...
- The United States at 250: an Ode or Goad?


المزيد.....

- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مجلة سلاح النقد - الفلاّحون والأرض في تونس