|
|
مجلّة سلاح النقد، جوان-جويلية-اوت 2026: العــدد كــاملا
مجلة سلاح النقد
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 22:48
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
سلاحُ النّقد - عدد جوان – جويلية - أوت 2026 المحتويات: ======= * الاٍفتتاحيّة * سعيد: لينين قارئًا هيغل * سميح نقّاش: الفلاّحون والأرض في تونس * صخر: جمهورية الرّيف وعبد الكريم الخطابي في المغرب: تجربة مُبكّرة لحرب العصابات ضدّ الإمبرياليّة * ملفّ العدد: من أجل مؤتمر ماركسي لينيني ماوي عالمي - مقترح حول وحدة الحركة الشيوعية العالمية وخطها السياسي العام الحالي - حول الاقتراح المتعلّق بوحدة الحركة الشيوعية العالمية وخطها السياسي العام الحالي - ملاحظات نقدية حول "الاقتراح المتعلق بوحدة الحركة الشيوعية العالمية والخطّ السياسي العام" - حول المؤتمر الماوي العالمي الموحّد - مقاربتنا بشأن المسودّة المُقترحة - النّظرة الماويّة - ملحق ======= الاِفتتـــــــــاحيّـــــة في زمن لم تكن فيه الوسائل الرّقمية متاحة كما هي اليوم، صدرَت مجلّة «سلاحُ النّقد» باعتبارها التّعبير النظري عن الشيوعيين الماويين في تونس. يومها، كانت الكتابة تتمّ عبر الآلة الكاتبة الكلاسيكية، ثم تُنسخ المواد بالتصوير (photocopie)، في ظروف ماديّــة شديدة الصّعوبة. ولم تكن المشكلة تقنية فقط، بل فكرية أيضًا، إذ كان الوصول إلى المصادر الماركسيّة، وخاصة أدبيات المنظمات الثّــوريّــة، أمرًا معقّــدًا ومحفوفًا بالعوائق والمخاطر ولذلك لم يكن العمل النظري مجرّد نشاط ثقافي هامشي، بل كان جزءًا من الصّراع ذاته، ومحاولة لبناء وعي ثوريٍّ مستقل في مواجهة العزلة الفكرية وهيمنة الخطابات السّـــائدة. ورغم هذه الظروف، شهدت تلك المرحلة إنتاج عدد من الكراسات الفكرية المهمّة التي تراوحت بين التأليف والترجمة، مثل: المسألة الدينية، المسألة القومية، التروتسكية تيار مضاد للشيوعية، ضد التصفوية، ضد الإصلاحية، ضد الشرعوية، الداروينية والماركسية، حوار مع غونزالو، وحوار مع بارشندا. ولم تكن هذه الأعمال مجرّد نصوص نظرية معزولة، بل كانت تعبيرًا عن معركة أيديولوجية حقيقيّة. فقد خاضت الشيوعية الماوية في تونس صراعًا مزدوجًا: من جهة ضد السلطة السياسية القائمة، ومن جهة أخرى ضد تيارات داخل اليسار اُعتُبرت منحرفة عن الخطّ الثوري، سواءً عبر الإصلاحية أو التصفوية أو الشرعوية فضلا عن الصراع ضد اليمين الدّيني والقومي. كما عبّرت المجلة عن طموح فكري واسع، لم يقتصر على السياسة المباشرة، بل امتدّ إلى قضايا الدين والقومية والفلسفة والعلم، بما يعكس رغبة في بناء رؤية شاملة للعالم انطلاقًا من المادية الدّيالكتيكية والتّاريخية. فالماركسية اللينينية الماوية هنا لا تُفهم بوصفها برنامجًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها أداة لتحليل المجتمع والتاريخ والفكر والطبيعة. وقد لاقت هذه الإصدارات قبولًا في أوساط المهتمّين، إلاّ أن انتشارها بقي محدودًا بسبب ضعف الإمكانيات والظروف السياسية القائمة آنذاك. ثم جاءت انتفاضة 17 ديسمبر 2010 لتفرض واقعًا جديدًا غيّر أولويّات العمل الثّوري. فقد انتقلت الأولوية من الإنتاج النظري إلى التدخل السياسي المباشر، وهو ما تجسّد في إصدار جريدة «طريق الثورة» التي استمرّت لسنوات قبل أن يتوقّف صدورها خلال العامين الأخيرين. هذا التحول لم يكن معزولًا عن طبيعة المرحلة؛ ففي لحظات الانفجار الشعبي تصبح الحاجة إلى التعبئة والتنظيم والتوجيه السياسي أكثر إلحاحًا من النقاشات الفكرية الطويلة. غير أن التجربة نفسها أظهرت لاحقًا أن تغليب السياسي على النظري لفترة طويلة يؤدي إلى فراغ فكري وإلى ضعف القدرة على فهم التحوّلات الجديدة. ومن هنا يمكن فهم الحديث عن "انقلاب في العلاقة بين السياسي والنظري" في تونس والوطن العربي. فبعد سنوات من هيمنة العمل السياسي المباشر، عادت الحاجة بقوّة إلى إعادة بناء العمل الفكري والنظري، خاصة مع صعود أشكال متعددة من الخطابات والأيديولوجيات اليمينية، سواءً في صورة شعبوية أو فاشية جديدة أو طائفية أو نزعات عشائرية أو أشكال مختلفة من الإرهاب الدّيني والحرب الرّجعية ضدّ البروليتاريا والشعوب والأمم المضطهَـــدة. لقد أصبحت السّاحة الفكرية العربية تعيش حالة من التشوش الأيديولوجي، حيث تنتشر الأفكار بسرعة، لكن دون تمحيص نقدي حقيقي. كما ساهمت وسائل الإعلام الحديثة ومنصّات التواصل الاجتماعي في تعميم ثقافة الاستهلاك السريع للأفكار والشعارات، على حساب التحليل العميق والدراسة المنهجية. وفي ظل هذا الواقع، تصبح العودة إلى مجلة «سلاح النّقد» محاولة لإعادة الاعتبار للصّراع النّظري بوصفه جزءًا أساسيًا من أيّ مشروع تغييري. غير أن العودة إلى العمل النظري لا تعني تكرار نصوص الماضي أو الاكتفاء بإعادة إنتاج الشّعارات القديمة، بل تستوجب مواجهة الأسئلة الجديدة التي يطرحها الواقع المعاصر. ولذلك يطرح الواقع النظر في جملة من القضايا التي تستوجب الدراسة، مثل الشعبوية والفاشية في عصرنا، والحرب، والطائفية والعشائرية، والإرهاب الديني، والمسألة الفلاحية، والديمقراطية، والحركة النقابية، والمسألة النسوية، والإمبريالية المعاصرة، والديالكتيك، إضافة إلى التطورات العلمية والتقنية. إن أهمية هذه القضايا تكمن في أنّها تعكس تحولات عميقة عرفها العالم خلال العقود الأخيرة. فالرأسمالية اليوم لم تعد فقط نظامًا اقتصاديًا، بل أصبحت تنتج أنماطًا جديدة من الهيمنة الثقافية والإعلامية والتكنولوجية. كما أن صعود اليمين الشعبوي عالميًا، وتفكّك الرّوابط الاجتماعية، وتنامي النزعات الهويّاتية والطّائفية، كلّها ظواهر تفرض على الفكر الثوري أن يطوّر أدواته التحليلية وأن ينظّف مجدّدا أسلحته. سلاحُ النّقد ================================================
لينــــــــــــــين قَـــــــــــــارئًـــــــــــــــا هيـــــــــــــغل * سعيـــــد. خلال إقامته في سويسرا بين سبتمبر وديسمبر 1914، وجد لينين نفسه في وضع سياسي وفكري استثنائي فرضته ظروف الحرب العالمية الأولى وما رافقها من انهيار الأممية الاشتراكية الديمقراطية. وقد أدت هذه التطورات إلى عزلة شبه كاملة دفعته إلى التفرغ للدراسة النظرية والفلسفية بصورة مكثفة. وفي هذا السياق عاد
إلى الاهتمام بالقضايا الفلسفية التي كان قد تناولها سابقًا في كتابه المادية والمذهب النقد التجريبي (1909)، وشرع في تدوين ملاحظات واسعة في دفاتر بسيطة كتبها بالروسية والإنجليزية والفرنسية. وقد تضمنت هذه الدفاتر اقتباسات مطولة من نصوص فلسفية، ولا سيما من مؤلفات هيغل، مرفقة بتعليقات وتأملات تراوحت بين الإعجاب والنقد والسخرية، وأحيانا أخرى اتخذت شكل إشارات مقتضبة أو ملاحظات مختصرة. وقد احتلت فلسفة هيغل مكانة مركزية في هذه المرحلة من تطور فكر لينين، خاصة من خلال دراسته المعمقة لكتاب علم المنطق. وأفضت هذه القراءة إلى مراجعة عدد من المسلمات التي كانت سائدة داخل تقاليد الأممية الثانية، وفي مقدمتها الفصل التام بين المادية والمثالية. فمع محاولته فهم الأسباب العميقة للأزمة التي أصابت الحركة الاشتراكية الأوروبية، أدرك لينين أن استيعاب الماركسية على نحو كامل يقتضي فهم المنهج الجدلي الذي طوّره هيغل، باعتباره منهجا يفسر الحركة والتغير من خلال التناقضات الداخلية التي تحرك الواقع والتاريخ.
ومع أنّ لينين ظل متمسكا بالموقف المادي ورافضا للمثالية المطلقة التي تقوم عليها فلسفة هيغل، فإنه لم يرفض جدله، بل سعى إلى إعادة توظيفه ضمن إطار مادي. فبينما رأى هيغل أن تطور الواقع هو في جوهره تجلٍّ لحركة الفكرة أو الروح، اعتبر لينين أن الفكر لا يعدو أن يكون انعكاسًا للحركة الموضوعية للمادة وللعلاقات الواقعية القائمة في العالم. ومن هنا جاءت دعوته إلى قراءة هيغل قراءة مادية تستخلص القيمة المنهجية للجدل من دون تبني الأساس المثالي الذي يقوم عليه.
وقد كان لهذه العودة إلى هيغل أثر بالغ في إعادة صياغة تصور لينين للتاريخ والسياسة والثورة. فقد قادته إلى تجاوز الرؤية التطورية الخطية التي كانت شائعة في أوساط الاشتراكية الديمقراطية، وإلى التأكيد على أن التطور التاريخي لا يجري بصورة متواصلة ومتدرجة، بل يتحقق عبر أزمات حادة وانقطاعات وتحولات نوعية تنبثق من التناقضات الكامنة في الواقع نفسه. ومن ثم أصبحت الثورة، في نظره، تعبيرًا عن تلك القفزات التاريخية التي تفتح إمكانات جديدة للتغيير الاجتماعي والسياسي وتعيد تشكيل مسار التاريخ.
ومن هنا يطرح السؤال حول مدى تأثير هيغل في تشكيل فكر لينين العملي: فإذا كان المنطق هو المفتاح الأساسي لفهم نسق هيغل، فكيف أعاد لينين، باعتباره “رجل الممارسة”، توظيف هذا المنطق داخل الماركسية؟ وما التحولات التي أدخلتها “دفاتر الديالكتيك” على النظرية الماركسية مقارنة بالمنطق الهيغلي ؟
للإجابة عن ذلك، يمكن النظر أولا إلى الديالكتيك بوصفه علم وحدة الأضداد داخل المنطق الهيغلي، ثم تتبّع "الانقلاب" الذي أحدثه المنهج المادي عند لينين في قراءته لهيغل، والذي يكشف في آن واحد عن دينامية الفكر الماركسي-اللينيني وعن البنية العميقة للفكر الهيغلي. وأخيرًا، يمكن فهم هذا التطور في ضوء فكرة أن المنطق الهيغلي “يُعاد تصحيحه” داخل دفاتر لينين، وصولًا إلى امتداده العملي في وحدة النظرية والممارسة كما يتجلى لاحقًا في كتاب الدولة والثورة (1917).
1- نقد علم المنطق عند هيغل
"ما لم أكن مخطئًا، فإن في منطق هيغل قدرًا لا بأس به من الغموض والتعصب الفارغ لكن الفكرة الأساسية رائعة: فكرة الصلة الكونية، المتعددة الأطراف، الحية بين كل شيء وكل شيء آخر، وانعكاس هذه الصلة (هيغل معكوس ماديًا) في المفاهيم الإنسانية التي يجب صقلها، والعمل عليها، وأن تكون مرنة، متحركة، نسبية، مترابطة، واحدة في التناقضات، من أجل استيعاب الكون"(1).
يوجّه هيغل نقدًا جذريًا إلى المنطق الصوري التقليدي الذي يفصل بين الفكر والوجود ويجعل الحقيقة مجرد توافق خارجي بين الذات العارفة والموضوع المعروف. فالحقيقة عنده ليست معطى ثابتًا ولا نتيجة جاهزة يمكن بلوغها عبر تطبيق قواعد شكلية للتفكير، وإنما هي سيرورة حية تتطور من خلالها الروح وتتحقق في العالم. فالروح، بوصفها جوهر الواقع ومبدأ حركته، لا تكتفي بتمثل العالم أو التأمل فيه، بل تعمل على تجسيد مفهومها في التاريخ والطبيعة والثقافة، بحيث يصبح وجودها الفعلي هو التعبير عن حقيقتها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى المفهوم باعتباره بنية عقلية جامدة أو صورة ذهنية منفصلة عن الواقع، بل باعتباره قوة فاعلة تحمل في ذاتها مبدأ تطورها وتحقيقها. فالمفهوم يوجد لذاته كما يوجد للآخر، غير أن حقيقته لا تكتمل إلا عندما يصبح موضوعًا لوعي الروح بنفسها. ولهذا فإن عملية المعرفة لا تقوم على مواجهة بين ذات وموضوع مستقلين أحدهما عن الآخر، بل على حركة جدلية تكتشف فيها الروح ذاتها من خلال ما يبدو في البداية موضوعًا خارجيًا عنها. ومن ثم فإن موضوعية الشيء ليست حقيقة قائمة بذاتها ومستقلة عن الوعي، بل هي لحظة من لحظات تحقق الوعي بذاته، إذ لا يكتسب الموضوع معناه وحقيقته إلا داخل المسار الذي تتعرف الروح من خلاله على ذاتها في العالم.
وتتجلى هذه الفكرة منذ الصفحات الأولى من كتاب فينومينولوجيا الروح، حيث يبيّن هيغل أن الوعي لا يبلغ الحقيقة إلا من خلال سلسلة من التجارب التي يتجاوز فيها أشكاله المحدودة باستمرار. فكل شكل من أشكال المعرفة يكشف عن تناقضاته الداخلية، وهذه التناقضات لا تمثل نقصا أو خطأ في التفكير، كما يفترض المنطق الصوري، بل تشكل القوة المحركة لتطور الفكر وارتقائه نحو أشكال أكثر شمولًا وثراءً. وهكذا يتحول التناقض من مبدأ سلبي ينبغي استبعاده إلى مبدأ إيجابي يفسر حركة الواقع والفكر معا.
وعلى هذا الأساس، يصبح المنطق عند هيغل علمًا بالحركة الداخلية للمفاهيم وبكيفية انتقالها من التحديدات الجزئية والمجردة إلى الوحدة الشاملة التي تتصالح فيها الذات والموضوع. لذلك لا يكتفي المنطق الهيغلي بدراسة صور الفكر وقواعد الاستدلال، بل يسعى إلى الكشف عن البنية العقلانية للوجود ذاته، انطلاقًا من الاقتناع بأن "ما هو عقلي واقعي، وما هو واقعي عقلي". ومن هنا يتأسس نقد هيغل للمنطق التقليدي بوصفه نقدًا لكل تصور يجعل الفكر منفصلًا عن الواقع أو يجعل الحقيقة شيئًا ثابتًا ومكتملًا خارج حركة التاريخ وتطور الروح. فالحقيقة، في نهاية الأمر، ليست إلا هذا المسار الديالكتيكي الذي تبلغ فيه الروح وعيها التام بذاتها من خلال العالم الذي أنتجته وجسدّت فيه مفهومها. وعلى هذا النحو، يجري هيغل مقاربة جديدة بين الموضوع والوعي: "الآن، الموضوع هو ما يُمثّل الوعي، بعد أن كانت الحركة مُقسّمة سابقًا بين الموضوع والوعي. الشيء واحد، ينعكس في ذاته، هو لذاته، ولكنه أيضًا للآخر، وفي الحقيقة، هو لذاته مُغاير لما هو عليه للآخر"(2).
إنّ عملية المعرفة، أو التفكير، ليست سوى حركة مستمرة تهدف إلى التأليف بين الوعي وما يواجهه من غيرية. فالموضوع لا يغدو موضوعًا للوعي إلا بعد أن يتم استيعابه ضمن هذه الحركة التأليفية، فيتحول من معطى خارجي إلى مضمون يحتويه الوعي ويستوعبه. غير أن حقيقة هذا الوعي لا تستمد مشروعيتها من الموضوع الجزئي في ذاته، بل من الكلية أو الجوهر الذي يشكل أساس كل حقيقة. ومن هنا يمكن تصور وجود تمايز أو تعارض داخل الروح نفسها، بما أنها قادرة على أن تجعل من ذاتها موضوعًا لها، فتقف بإزاء نفسها كما تقف بإزاء موضوع آخر. لكن هذا التعارض يظل داخليًا، لأن الروح، بوصفها جوهر العالم ومبدأ وجوده، لا يمكن أن يكون لها خارج حقيقي يقف في مواجهتها. فكل ما يبدو آخرًا أو مغايرًا لها ليس إلا لحظة من لحظات تجليها الذاتي. وقد عاد هيغل إلى تأكيد هذه الفكرة وصياغتها بصورة أكثر تجريدًا داخل علم المنطق، حيث بيّن أن الفكر لا يواجه موضوعًا غريبًا عنه، بل يجد في موضوعه تعيّنًا من تعيّناته الخاصة، الأمر الذي يجعل الهوة بين الذات والموضوع، أو بين الفكر والوجود، قابلة للتجاوز في إطار الحركة الديالكتيكية للروح. يقول هيغل في هذا الغرض:" يحتوي التفكير، باعتباره فعلا في علاقته بالأشياء، على الكلّي (بوصفه نتاج لنشاطه) وعلى قيمة الشيء الجوهرية والداخلية والحقيقية"(3).
إنّ حقيقة العالم لا تقوم خارج الوعي، بل تتضمن موضوعيًا في فعل التفكير ذاته. فالحقيقة لا تظهر إلا من خلال الحركة التي يعود فيها الفكر إلى ذاته، أي من خلال استرداد الذات المُدركة لموضوعها واستيعابه ضمن بنيتها الخاصة. وفي هذا المسار يكتسب الموجود طابع الموضوعية، إذ تغدو الحقيقة في جوهرها نشاطا للفكر الموضوعي القائم على الوجود والمتحقق فيه. ومن ثمّ فإن الحقيقة الأولى التي ينطلق منها المنطق، أي مبحث الوجود، تنقض في الآن نفسه الفكرة السلبية التي تفترض إمكان وجود فكر سابق على الحركة الديالكتيكية أو متعالٍ عليها. بل إن هذه هي الخطوة التأسيسية التي يقوم عليها علم المنطق بأسره: فالوجود الخالص، بما هو وجود غير متعين وغير محدد على الإطلاق، لا يختلف عن العدم الخالص. ومن هذا التطابق تنبثق الحركة الديالكتيكية الأولى. لذلك فإن الفكر الذي يتوهم إمكان التحرر من الوجود أو الانفصال عنه، أي الذي يسعى إلى التمركز في فراغ العدم، يظل مع ذلك واقعًا ضمن أفق الوجود نفسه وخاضعًا لمفهومه. أما محاولة تجاوز الوجود الخالص تجاوزًا مطلقًا، فلا تفضي إلى نمط آخر من التفكير، بل إلى ما هو خارج دائرة الفكر ذاتها، أي إلى عزلة فارغة لا تنتج معنى ولا معرفة، لأنها تفقد الشرط الذي يجعل التفكير ممكنًا من الأصل، وهو الانتماء إلى حركة الوجود وانكشافه.
"والآن، هذا الوجود المجرد هو تجريد محض، وبالتالي هو ما هو سلبي مطلقًا، أي، إذا أخذناه مباشرةً، هو العدم"(4). وهذا أمر بالغ الأهمية لفهم ماهية هذا الفكر الخارج عن الوجود من الناحية السلبية، أي ما ليس عليه الفكر القبلي بالنسبة للتفكير أو الروح. وبما أن الفكر القبلي يقع خارج نطاق الوجود المطلق غير المحدد أو العدم، فهو مجرد فئة ثابتة ومحايدة للشيء الذي هو موضوع للحكم. يقول هيغل: "وبالتالي، فإن التصنيفات غير قادرة على تحديد المطلق، طالما أن هذا الأخير لا يُعطى في إدراك، وبالتالي فإن الفهم، أي المعرفة عن طريق التصنيفات، عاجز عن معرفة الأشياء نفسها(5).
يتجه هذا النقد الموجّه إلى كانط ومثاليته النقدية نحو أحد المقاصد الأساسية للفلسفة الهيغلية، والمتمثل في استعادة فاعلية «الشيء في ذاته» وإدماجه من جديد، أولًا في بنية الواقع ذاته، ثم في مجال المعرفة. فخلافًا للتصور الكانطي الذي يُبقي الشيء في ذاته خارج متناول الفكر، يرى هيغل أن الحقيقة لا تقوم على انفصال بين ما هو موجود وما هو قابل للمعرفة، بل على وحدة جدلية تجمعهما داخل حركة الروح والمفهوم. ومن ثمّ، لا يعود للكلّي أي خارج يحدّه أو يقف بإزائه. إذ إن كل ما يبدو غريبًا عنه أو متجاوزًا له إنما يجد مكانه ومعناه داخل حركته الذاتية. وبهذا المعنى، ينتفي إمكان الحديث عن جوهر متعالٍ أو حقيقة قائمة وراء الفكر أو خارجه، لأن فعل التجاوز نفسه لا يكون إلا لحظة من لحظات التطور الداخلي للكلية.
وفي المقابل، يثبت الفكر ذاته بوصفه صيرورة جدلية متواصلة، لا باعتباره أداة خارجية لمعاينة الموجودات، بل باعتباره الحركة التي ينكشف من خلالها الوجود في حقيقته. وتستند هذه الصيرورة إلى السلبية الملازمة للوجود منذ تعيّنه الأول، أي منذ انفتاحه على نقيضه المباشر، العدم. فالوجود الخالص، من حيث هو تعيّن فارغ من كل مضمون، لا يلبث أن يكشف عن تلاشيه في العدم، ومن هذا التوتر الأصلي بين الوجود والعدم تنبثق الحركة الديالكتيكية التي تشكل الأساس المنطقي لكل تطور لاحق للمفهوم. ولهذا يضيف هيغل: "على العكس، فإن العدم، بقدر ما هو هذا الشيء المباشر المتطابق مع ذاته، ليس أقل من الوجود. فحقيقة الوجود والعدم هي وحدتهما، وهذه الوحدة هي الصيرورة"(6).
تؤكد هذه الفقرة من جديد الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المنطق الهيغلي، وهي أن حركة الفكر ذاتها لا تنفصل عن البنية الديالكتيكية للوجود. فالتفكير، بوصفه جدلًا، ينبثق من الوحدة الأصلية التي تجمع بين الوجود المطلق غير المتعين والعدم، ومن هذا التوتر الأول تتولد جميع تعينات الواقع والمعرفة. لذلك لا يمكن فهم المعرفة الديالكتيكية باعتبارها نشاطًا ذاتيًا مستقلًا عن الوجود، بل إن حقيقتها كامنة في الوجود نفسه منذ لحظته الأولى وفي أبسط أشكاله. ومن ثمّ، لا توجد حقيقة خارج هذا التحديد الأصلي الذي يشكل الأساس الذي تنبثق منه كل تعينات الفكر والواقع معًا.
وبما أن الحقيقة تنبثق من الغيرية الكامنة في الذات ذاتها، أو من الاختلاف الذي يحمله الكل في داخله، فإن كل تصور يجعل المعرفة خارجية عن الواقع يصبح باطلًا. فالمعرفة ليست علاقة بين ذات وموضوع منفصلين، بل هي الحركة التي يعود فيها الوجود إلى ذاته عبر الفكر. ومن هنا تتحدد المبادئ الأساسية للمنطق الهيغلي في ثلاث قضايا مترابطة:
1) أن الروح أو التفكير يشكل جوهر العالم وحقيقته.
2) أن تصور فكر سابق على الديالكتيك أو منفصل عنه أمر مستحيل.
3) أن كل تفكير هو بالضرورة تفكير جدلي، لأنه ينبثق من التناقضات الأولية التي تتأسس عليها بنية الوجود ذاته.
هذه هي الحجج التي ناقشها لينين وانتقدها في «الدفاتر الفلسفية». فالفكرة القائلة بأن الروح، أو الحركة المتجسدة للفكر، تشكل الضامن الأخير للحقيقة، تندرج في نظره ضمن ما سماه ماركس من قبل "القشرة الصوفية" التي تغلف فلسفة هيغل. ولذلك لم يكن من الممكن لفيلسوف مادي مثل لينين أن يتبنى هذا البناء الميتافيزيقي أو أن يمنحه قيمة تفسيرية حقيقية. غير أن رفضه لهذا البعد المثالي لم ينته إلى رفض الديالكتيكية الهيغلية برمتها، بل دفعه إلى القيام بعملية انتقاء نقدي دقيقة، سعى من خلالها إلى الاحتفاظ بما اعتبره جوهرها العقلاني والتخلي عما رآه عناصر ميتافيزيقية أو صوفية. ومن ثم تبرز مهمة فهم الكيفية التي أنجز بها لينين هذا الانتقاء، والكشف عما استرعى اهتمامه في الديالكتيك التأملي الهيغلي، خاصة إذا استحضرنا هاجسه الفكري والسياسي المتمثل في البحث عن الأسس النظرية القادرة على إرساء علم للثورة. وفي هذا السياق تكتسب ملاحظاته على "تصوّر الوجود" أهميتها الخاصة، إذ تكشف عن سعيه إلى إعادة توظيف المنهج الديالكتيكي في إطار مادي يربط الفكر بحركة الواقع والتاريخ، حيث يقول: "ليس هناك شيء في السماء، ولا في الطبيعة، ولا في الروح، ولا في أي مكان آخر لا يحتوي في آنٍ واحد على ما هو مباشر ووسيط: 1. السماء – الطبيعة – الروح. فلتسقط السماء: المادية.
2. كل شيء "وسيط". فلتسقط السماء: قوانين كل شيء (العملية) في الكون(7).
ينطلق لينين، في قراءته لمنطق هيغل، من تأكيد الطابع المباشر للوجود واستقلاله النسبي عن كل إحالة إلى وعي مطلق أو روح كلية. فالوجود، ليس سوى مجرد مفهوم "في علاقته بذاته"(8)، غير أن هذا التأكيد لا يعني اعتبار الوجود معطى بسيطا أو ثابتًا، لأن الوجود، وفق المنطق الديالكتيكي نفسه، هو نتاج سيرورة من الوسائط والتناقضات التي أنتجته. وهنا يبرز الإشكال: إذا كان الوجود قد تشكل من خلال حركة جدلية، فكيف يمكن الحفاظ على هذه الحركة مع التخلي عن الكلية التي يمنحها لها هيغل في إطار الروح المطلق ؟
إنّ الشعار الذي يعبر عنه لينين بعبارة "فلتسقط السماء" لا ينبغي فهمه بوصفه رفضًا للجدل أو لفعل المعرفة، بل باعتباره رفضًا للأساس الميتافيزيقي الذي يجعل من الروح أو الجوهر المطلق الضامن الأخير لوحدة الحقيقة. فالمقصود ليس إنكار القوانين التي تحكم تطور الواقع والمعرفة، وإنما نزع صفتها الماهوية وإلغاء فكرة انتمائها إلى حقيقة مطلقة تتجاوز العالم. وبهذا المعنى يحتفظ لينين بالحركة الديالكتيكية ذاتها، لكنه يحررها من الإطار المثالي الذي كانت تندرج فيه عند هيغل.
غير أن هذا التحول ليست له نتائج نظرية بسيطة. فبإلغاء الروح باعتبارها لحظة اكتمال العملية الديالكتيكية ووحدة جميع تعيناتها، تفقد القوانين ذلك السند الذي كانت تستمد منه وحدتها الشاملة. ولم تعد الحقيقة تُفهم بوصفها وعي الروح بذاتها، بل أصبحت مرتبطة بالواقع الموضوعي نفسه. ومن هنا تعود، بصورة ما، الثنائية بين الذات والموضوع، غير أن لينين لا يمنح الذات دورًا تأسيسيًا في إنتاج الحقيقة، بل يجعل الحقيقة كامنة في حركة الوجود ذاته، مستقلة عن الوعي الفردي الذي يدركها.
لذلك يستمر نقد الكانطية وفكرة "الشيء في ذاته" حتى بعد التخلي عن الجوهر الهيغلي. فحقيقة الوجود لا تبقى قائمة خلف حدود المعرفة الإنسانية، بل تنكشف من خلال تطوره الداخلي ومن خلال التناقضات التي يحملها في صميمه. إن الوجود لا يحتاج إلى مرجعية خارجية تمنحه معناه، لأن حقيقته تتولد من مسار تشكله الذاتي ومن الطريقة التي يتجاوز بها تناقضاته الخاصة. وهكذا تنتقل الحقيقة من مستوى الوعي الكلي أو الروح المطلقة إلى مستوى الواقع نفسه، بحيث يصبح المطلوب هو الكشف عن المعنى الكامن في حركة الوجود لا البحث عن ضمانة ميتافيزيقية تتعالى عليه. ومن هذا المنظور يواصل لينين قراءته لمذهب الوجود، ساعيًا إلى إبراز الحقيقة بوصفها خاصية للواقع الديالكتيكي الموضوعي لا بوصفها لحظة من لحظات وعي مطلق بذاته.
"إن الشيء المفترض بحدّه الكامن كتناقض مع ذاته يدفعه إلى ما وراء ذاته هو المحدود." (إنّ الشيء، إذا نُظر إليه من منظور حدّه الداخلي - من منظور تناقضه الداخلي الذي يدفعه إلى ما وراء ذاته - فهو محدود.) عندما نقول إنّ الأشياء محدودة، فإننا بذلك نُقرّ بأنّ عدم وجودها هو طبيعتها ("عدم الوجود هو وجودها")(9).
"هذه الأشياء موجودة، ولكن حقيقة هذا الوجود هي غايتها». يا له من تحليل ثاقب وبصير! يُحلّل هيغل مفاهيم تبدو عادةً جامدة، ويُبيّن أنّ هناك حركةً داخلها - هل انتهت؟ إذن، هي تتحرك نحو النهاية! هل هي شيء؟ إذن، ليست هذه، بل هي شيء آخر. هل هي الوجود بشكل عام؟ إذن، هي غير مُحدّدة لدرجة أنّ الوجود = العدم. المرونة الكونية للمفاهيم، المرونة التي تُؤدّي إلى هوية التناقضات - هذا هو جوهر المسألة. هذه المرونة الفكرية، إذا طُبّقت ذاتيًا، تُصبح انتقائيةً ومغالطة. أما إذا طُبّقت موضوعيًا، أي إذا عكست عالمية العملية المادية ووحدتها، فهي جدلية، وهي الانعكاس الحقيقي للتطور الأبدي للكون"(10).
تُثير محاولة لينين إضفاء طابع مادي على المنطق الهيغلي صعوبة نظرية أساسية. فالحقيقة الكامنة في الوجود، بحسب المنطق الهيغلي، لا تكمن في المعطى المباشر، بل في صيرورته. أي في علاقته بالغيرية التي يتحدد من خلالها والتي تنبثق عنها حقيقته. غير أن لينين، وهو يسعى إلى إبراز البعد الثوري في فلسفة هيغل، يجد نفسه مضطرًا، بصورة انعكاسية، إلى إعادة تأويل النص الهيغلي باعتباره سردًا مجازيًا وعلميًا لمسار الثورة. ومن هنا تتشكل نظرة متعددة المستويات. فعندما يتجاوز الموضوع تناقضاته الداخلية، لا يصبح عنصر الوجود مقتصرًا على المجال الطبيعي أو المادي، بل يشمل في الوقت نفسه المادة بوصفها موضوعًا للميكانيكا، والواقع الإنساني بوصفه مجالًا للفعل السياسي والتاريخي. وهكذا يغدو الوجود إطارًا عامًا للمادية في مختلف تجلياتها، حيث لا تجد التحديدات المتنوعة حلّ تناقضاتها إلا من خلال مقولة العلاقة. إلا أنه ثمة فرقًا جوهريًا بين المادة والإنسان: فإذا كانت تناقضات المادة تخضع لمنطق الضرورة والآليات الميكانيكية، فإن الإنسان لا ينتمي كليًا إلى هذا المستوى من الحتمية، لأنه يدرك واقعه الخارجي في صورة وعي، ويدرك ذاته في صورة وعي ذاتي. وعند هذه النقطة تظهر السمات الخاصة بالروح كما يصوغها هيغل، أي ذلك الكائن الذي يعرف حقيقته من خلال الوعي الذاتي، ومن خلال علاقته بنفسه بوصفه موضوعًا للتفكير. ومن ثم فإن الغائية التي تتخلل الوجود عبر وساطة الجوهر لا تتمثل إلا في تحقق الوجود لذاته، أي في بلوغه غايته التي تتكشف لاحقًا، في مذهب المفهوم، بوصفها مضمونًا غنيًا ومحددًا. وعلى هذا الأساس، فإن غاية الوجود الإنساني تتمثل في الحل الواعي للتناقضات الموضوعية الكامنة في الكلية التي ينتمي إليها الفرد ويندمج فيها. وهذا ما يعبّر عنه هيغل بقوله إن الشيء، إذا نُظر إليه من زاوية حده الباطني ومن زاوية التناقض الذي يدفعه إلى تجاوز ذاته، فإنه يظهر بوصفه محدودًا. في هذا الجانب تحديدًا وجد لينين ما كان يبحث عنه في فلسفة هيغل: القوة الإيجابية للجدل التأملي وقدرته على حل التناقضات. ذلك «العلم» الذي كان قد تعلّمه من ماركس، ورأى في قراءة هيغل وسيلة لفهم أصوله النظرية العميقة. ولعل إدراكه لدقة العمل الفلسفي الذي أنجزه ماركس كان أحد أهم الدوافع التي جعلته يعود إلى هيغل في خضم انشغاله الثوري. غير أن الأهمية الحاسمة بالنسبة إلينا لا تكمن في هذا الوجه الإيجابي للجدل فحسب، بل أيضًا في الوجه السلبي الذي تنتهي إليه الفقرة، والذي يفتح أفقًا آخر للتفكير في حدود التناقض وإمكانات تجاوزه.
لا يمكن للديالكتيك، بما أنه علم يتعلّق بالجوهر ذاته، أن يكون إلا موضوعيا. ذلك أنّ نفي موضوعيته يفضي إلى نفي وجوده من الأساس. ومن ثمّ، فإذا كانت "المرونة الكونية للمفاهيم" التي يتحدث عنها لينين تشير إلى الحركة الدائمة للجوهر، مستندة في ذلك إلى الإرث الهيراقليطي الذي يشكّل أحد الأسس العميقة للجدل الهيغلي، فإنّ هذه الحركة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تقلبًا اعتباطيا أو غير عقلي. فحين يربط لينين الاستخدام الذاتي للجدلية بالانتقائية والمغالطة، فإنه لا يقصد الإقرار بحرية غير مقيدة للمفاهيم، بل ينتقد على العكس من ذلك كل توظيف ذاتي يعزل التناقض عن أساسه الموضوعي. وليس من قبيل المصادفة أن يستعمل هنا مفهوم "الانتقائية" ذاته الذي جعله محورًا لنقده المتواصل لأرنست ماخ في كتابه المادية والمذهب النقد التجريبي. فالانتقائية، في نظره، ليست سوى عجز عن إدراك الأولوية الأنطولوجية للوجود، أي عن الاعتراف بالمادة باعتبارها الواقع الجوهري الذي تستند إليه جميع التحديدات الفكرية. ولهذا يغدو الاستخدام الذاتي للديالكتيك، الذي يساوي بين المتناقضات على نحو شكلي أو يتعامل بوصفها صفات منفصلة عن حركتها الواقعية، شكلًا من أشكال المغالطة الفكرية التي تفقد الديالكتيك طابعه العلمي والموضوعي. ومن هنا فإنّ نقد لينين للانتقائية ليس غرضه الدفاع عن جمود المفاهيم، بل يسعى إلى تأكيد أنّ حركتها لا تكون مشروعة إلا بقدر ما تعكس الحركة الموضوعية للواقع نفسه، أي الصيرورة المادية التي تشكّل أساس كل معرفة حقيقية. يقتضي الموقف الموضوعي التعامل مع الديالكتيك بوصفه تعبيرًا عن التناقضات الكامنة في الواقع المادي نفسه، لا باعتباره مجرد أداة ذهنية أو منهجا للتفكير. وهنا يمكن ملاحظة أن لينين، في بعض صياغاته، يقترب من تصور يكاد يستعيد بعض ملامح المثالية الهيغلية، وخاصة عندما يتحدث عن التطور الكوني بوصفه حركة ضرورية وشاملة تتجه وفق منطق جدلي محدد. فبينما يرفض لينين فكرة الروح المطلقة عند هيغل بوصفها الضامن الميتافيزيقي للحقيقة ولصيرورة التاريخ، فإنه يظل مطالبًا بتفسير الكيفية التي تكتسب بها الديالكتيكية المادية مشروعيتها وحقيقتها من دون هذا الضامن. ومن هنا يبرز الإشكال الفلسفي الأساسي: إذا كانت الديالكتيكية المادية تقوم على قوانين موضوعية تحكم تطور الواقع وتوجهه نحو غايات معينة، فما المجال المتبقي لحرية الفعل الإنساني؟ وما موقع الذات الثورية داخل مسار يبدو محكومًا سلفًا بضرورات التاريخ ؟
إنّ السؤال لا يتعلق فقط بطبيعة الحقيقة في الديالكتيك المادي، بل يمتد إلى العلاقة المعقدة بين الضرورة والحرية، بين الحتمية التاريخية والممارسة الثورية، بحيث يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الفاعل الثوري يصنع التاريخ فعلًا أم أنه لا يفعل سوى تحقيق ما تفرضه قوانين التطور الموضوعية. هكذا يكشف النص عن التوتر القائم داخل الفكر الماركسي بين الإقرار بموضوعية القوانين التاريخية من جهة، والدفاع عن الدور الخلاق والحر للإنسان في صنع التاريخ من جهة أخرى.
2- الحرية والإرادة
بيّنا في الصفحات السابقة، كيف أن لينين تبنّى، إلى حدّ بعيد، بعض المرتكزات الأساسية لفلسفة هيغل، وفق الصيغة التي حاولنا تحديد معالمها بأكبر قدر من الدقة. ويبدو الأثر الهيغلي في الماركسية جليًا في اعتبار الديالكتيك حركة سلبية تكشف التناقضات الداخلية الكامنة في الواقع وتدفعها نحو تجاوز ذاتها. ومن هذا المنظور، تُفهم تناقضات النظام الرأسمالي بوصفها عناصر بنيوية تؤدي، عبر تطورها الخاص، إلى تفككه التاريخي. غير أنّ هذا التصوّر يثير إشكالًا نظريا أساسيا يتعلق بكيفية عمل الديالكتيك داخل إطار مادي. فهل ينبغي النظر إليه باعتباره قانونا حتميا يعمل بصورة آلية، بحيث تقود التناقضات إلى حلّ نفسها تلقائيا؟ أم أن الديالكتيك يشير إلى مسار أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الشروط الموضوعية مع الفعل الإنساني والتاريخي ؟
لقد انتبه أنجلز مبكرًا إلى مزالق الفهم الميكانيكي للماركسية، وهو الفهم الذي يحوّل الديالكتيك إلى ضرب من الحتمية الصارمة، وكأن التناقضات التاريخية تُزال من تلقاء نفسها بمجرد وجودها. ولهذا سعى إلى تصحيح هذا التأويل، مؤكدًا في رسالته إلى بلوخ مؤرخة في 21 سبتمبر 1890 أن العلاقة بين العوامل المادية والتاريخية أكثر تعقيدًا من أي اختزال سببي مباشر، وأن تطور التاريخ لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة آلية لقوانين تعمل بمعزل عن النشاط البشري والصراع الاجتماعي. يقول في هذا الصدد:
"إن الوضع الاقتصادي هو الأساس، لكن العناصر المختلفة للبنية الفوقية - كالأشكال السياسية للصراع الطبقي، والدساتير التي تُسنّ بعد انتصار الطبقات المنتصرة، والأشكال القانونية، وحتى انعكاس هذه الصراعات الحقيقية في أفكار المشاركين، والنظريات السياسية والقانونية والفلسفية، والمفاهيم الدينية، وتطورها اللاحق إلى أنظمة عقائدية - تُؤثر أيضاً على الصراعات التاريخية، وفي كثير من الحالات، تُحدد شكلها بشكل أساسي"(11).
يمكن فهم هذه المشكلة، من وجهة نظر لينين، بالعودة إلى تصوره للسياسة باعتبارها مجالًا للصراع العملي لا للتأمل الفلسفي المجرد. فالسياسة عنده ليست نسقا نظريا مغلقا، بل هي مواجهة مستمرة بين قوى اجتماعية متعارضة، شبيهة بلعبة شطرنج تُقابل فيها كل حركة موقفًا واقعيًا محددًا وتستدعي ردًا مضادًا. ومن هنا، فإن قيمة النظرية لا تُقاس بمدى اتساقها المنطقي فحسب، بل بقدرتها على توجيه الفعل الثوري داخل شروط تاريخية ملموسة. ومن المعروف أن لينين كان من أكثر الماركسيين استيعابًا لهذا الدرس الذي استخلصه من أنجلز، وهو ما يظهر بوضوح في كتابه ما العمل؟، الذي ألفه قبل القطيعة التي ستفصله عن بليخانوف سنة 1903. فالكتاب بأكمله يتمحور حول نقد ما عُرف آنذاك بالنزعة "الاقتصادية"، أي النزعة التي كانت تميل إلى حصر نضال الطبقة العاملة في المطالب الاقتصادية المباشرة وتهميش البعد السياسي والتنظيمي للصراع. وقد اكتسب هذا الديالكتيك أهمية حاسمة لاحقًا، إذ شكّل أحد المحاور الأساسية للخلاف الأيديولوجي بين البلاشفة والمناشفة.
لهذا السبب، يبدو من الصعب القول إن لينين كان خاضعًا لتأثير هيغل بصورة سلبية أو أنه كان واقعا تحت تأثير فلسفته بصفة دغمائية. وحتى عندما عاد لاحقًا إلى قراءته ومنح الديالكتيك الهيغلي مكانة مهمة في تفكيره، فإنه قد تعامل معه باعتباره أداة لفهم الواقع المادي والحركة التاريخية، لا باعتباره مبدأً ميتافيزيقيًا مستقلًا عن الممارسة السياسية. ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى تأثر لينين بهيغل، بل بكيفية توظيفه للعناصر الديالكتيكية داخل مشروع ثوري ظل موجَّهًا، في المقام الأول، نحو تحليل موازين القوى والتدخل في مجرى الصراع الاجتماعي.
يقول لينين بصدد ذلك: "كل ما هو إنساني يتجاوز حدوده (الغريزة، الألم، إلخ)، والعقل، انظر إلى ذلك، "يُفترض أنه عاجز عن تجاوز الحد"! لكن بالطبع، ليس كل تجاوز للحدود تحررًا حقيقيًا منها! لو كان للمغناطيس وعي، لاعتبر اتجاهه نحو الشمال حراً (لايبنتز). – كلا، لأنه كان سيعرف جميع الاتجاهات الأصلية، ولن يعتبر إلا نقطة واحدة كحد لحريته، كقيد، إلخ(12).
إنّ التمييز الذي أقامه لينين بين الوجود المادي والوجود الإنساني، بوصفهما مستويين أو انعطافين للواقع نفسه، لا يهدف إلى إعادة إنتاج النسق الهيغلي، بل إلى بيان الأسلوب الذي يقرأ به لينين هيغل داخل أفق المادية. فالعالم عند لينين يشكل كلية مادية واحدة، غير أن هذه الكلية لا تلغي خصوصية الإنسان، إذ يبقى الوعي سمة تميّزه عن باقي أشكال الوجود المادي. كما أن هذا الوعي لا يمثل خروجًا من المادة أو تجاوزًا لها، بل هو أحد تجلياتها التاريخية الأكثر تعقيدًا.
ومن ثم فإن الفرد، بوصفه كائنًا واعيًا بذاته، لا يكتشف نفسه إلا من خلال علاقته بما هو خارج عنه. فالوعي لا ينشأ في عزلة، بل يتكون داخل شبكة من العلاقات الموضوعية التي تربطه بالآخرين وبالعالم. وهذه العلاقات ليست علاقات مجردة أو فكرية فحسب، وإنما هي قبل كل شيء علاقات مادية، أي علاقات إنتاج بالمعنى الذي بلوره ماركس. لذلك فإن وعي الذات يتخذ منذ البداية شكل إدراك لنوع من الضرورة أو الحتمية التي تفرضها البنية المادية للعلاقات الاجتماعية.
وهنا يتجلى أحد أهم مواضع التقاطع بين هيغل وماركس. ففي منطق هيغل، وتحديدًا في مبحث الجوهر، تظهر مقولة العلاقة باعتبارها الوسيط الذي لا يتحدد الشيء من خلاله بذاته فقط، بل أيضا من خلال ما يقابله ويغايره. فالوجود لا يكتسب معناه إلا عبر الإحالة إلى الآخر. غير أن ماركس يعيد صياغة هذا المنطق الديالكتيكي على أرضية مادية: فبدل أن تكون العلاقة بين الوعي وموضوعه أو بين المفهوم وتعيناته، تصبح العلاقة بين الأفراد داخل شروط إنتاجهم المادية. وهكذا تغدو الغيرية التي تحدث عنها هيغل واقعًا اجتماعيًا وتاريخيًا ملموسًا، حيث لا يدرك الإنسان ذاته إلا عبر موقعه داخل شبكة العلاقات الإنتاجية التي تشكل وجوده الفعلي. بهذا المعنى، لا يكون الوعي انعكاسًا سلبيًا لعالم جاهز، ولا جوهرًا مستقلًا عن المادة، بل لحظة من لحظات الحركة الكلية للواقع المادي نفسه، لحظة يصبح فيها الوجود قادرًا على أن يعي شروطه الموضوعية وأن يتخذ منها موضوعًا للفكر والممارسة.
"ما هو واحد ومتطابق في العلاقة، أي العلاقة مع الذات المعطاة فيها، هي بالتالي علاقة سلبية مباشرة مع ذاتها، وهذه، بوصفها الوساطة التي بموجبها تكون العلاقة مع ذاتها، السلبية مباشرة، هي التي تدفع نفسها، كانعكاس في ذاتها، لتصبح اختلافًا، وتضع نفسها كانعكاس موجود في آخر، وبالعكس تختزل هذا الانعكاس في آخر إلى العلاقة مع ذاتها وإلى اللامبالاة - القوة وتجسيدها الخارجي"(13).
يمكن فهم النقد الذي يوجهه لينين إلى النزعة الاقتصادية على أنه نقد متصل، لأنه ينتهي إلى إلغاء الفاعلية السياسية للذات الثورية. فحين تفترض النزعة الاقتصادية أن التناقضات الداخلية للرأسمالية ستقود بالضرورة إلى تجاوزها، فإنها تختزل الحركة التاريخية إلى عملية موضوعية مغلقة على ذاتها، لا يبقى فيها للسياسة سوى دور ثانوي أو عرضي. ومن هنا يتهمها لينين أولًا بالواحدية الهيغلية، بمعنى أنها تذيب جميع التحديدات والاختلافات في حركة كلية واحدة، بحيث تصبح الصيرورة التاريخية تعبيرًا عن منطق ضروري يعمل من تلقاء نفسه. وبهذا المعنى، لا يعود الصراع السياسي لحظة حاسمة في إنتاج التاريخ، بل مجرد مظهر خارجي لمسار سبق أن تقرر موضوعيًا. إلاّ أن هذا الموقف يقود، بصورة مفارقة، إلى شكل من الذاتية الكانطية. فإذا كانت الضرورة التاريخية كافية بذاتها لإنتاج الاشتراكية، فإن الوعي الثوري لا يكون سوى متأمل لحركة الواقع. وهنا ينفصل الوعي عن العالم الفعلي كما ينفصل عند كانط عالم الظواهر عن الفاعلية الحرة للذات. فالذات، بدل أن تكون عنصرًا مكونًا للحركة التاريخية، تصبح مجرد شاهد عليها أو مفسر لها. ومن ثم فإن النزعة الاقتصادية، التي تدّعي الدفاع عن الموضوعية الخالصة، تنتهي في الواقع إلى تجريد الوعي من قدرته العملية وإلى حصره في موقف تأملي.
ولهذا يرفض لينين اعتبار التناقضات الاقتصادية كافية بذاتها لحسم مصير الرأسمالية. فالتناقض لا يحل نفسه سياسيًا كما تحل القوى الفيزيائية تناقضاتها وفق قوانين الطبيعة. صحيح أن التناقضات الموضوعية تخلق شروط الفعل، لكنها لا تنتج الفعل ذاته. إن الانتقال من الإمكان التاريخي إلى التحقيق الفعلي يمر دائمًا عبر الممارسة الواعية والتنظيم والصراع. ومن هنا تكتسب السياسة مكانتها الخاصة بوصفها شكلًا من أشكال حل التناقضات الإنسانية. فهي ليست مجرد انعكاس للضرورة، بل الكيفية التي تتحول بها الضرورة إلى حرية.
في هذا الإطار يصبح "التنظيم" أو الحسم الثوري مفهوما مركزيا. فالحسم ليس قرارًا اعتباطيًا يفرض نفسه على الواقع من الخارج، بل هو الشكل الذي تتعين فيه الحرية داخل شبكة من العلاقات الموضوعية. وكما أن المغناطيس لا يملك خصائصه إلا من خلال علاقته بالأقطاب الأخرى، كذلك لا تتحدد الحرية السياسية إلا من خلال موقعها داخل التناقضات الاجتماعية القائمة. لذلك فإن الحسم الثوري ليس نفيًا للضرورة، بل تعيينًا لها في مستوى الممارسة الواعية. إنه اللحظة التي تتحول فيها الشروط الموضوعية إلى فعل تاريخي.
ومن هذا المنظور، لا يكون نقد لينين للنزعة الاقتصادية مجرد خلاف تكتيكي حول دور الحزب أو الوعي، بل اعتراضًا فلسفيًا أعمق على كل تصور يجعل التاريخ يتحرك بقوة منطقه الداخلي وحده. فالتاريخ لا يُختزل إلى آلية اقتصادية ذاتية الحركة، لأن التناقضات الاجتماعية لا تبلغ حقيقتها إلا عندما تُعاش وتُحسم من قبل ذوات واعية. وهكذا تصبح السياسة، لا الاقتصاد، هي المجال الذي تتجلى فيه حرية الإنسان داخل الضرورة التاريخية، والمجال الذي يتحول فيه الجوهر الموضوعي للعلاقات الاجتماعية إلى ممارسة قادرة على تغيير العالم.
3- نقد الواحدية الهيغلية
في قراءته لهيغل، يحرص لينين باستمرار على تخليص الديالكتيك من كل بقايا المثالية التي ما تزال عالقة به. فهو لا يتعامل مع نصوص هيغل بوصفها بناءً ميتافيزيقيا قائما على أولوية الفكرة أو الروح، بل يسعى إلى إعادة تأويلها من داخل أفق مادي يجعل الحركة الواقعية للعالم هي أساس الفكر لا العكس. ومن ثمّ، فإن قراءته للنصوص الهيغلية الأكثر تجريدًا وتأملًا تدفعه إلى اتخاذ موقف نقدي صارم من كل تفسير يبقي على استقلال الروح أو يمنحها دورًا مؤسسًا للتاريخ. فبالنسبة إليه، لا يمكن فهم ما يسميه هيغل "الروح التاريخية" إلا باعتبارها تعبيرًا نظريًا عن الحركة الفعلية للمجتمع ولعلاقاته المادية. لذلك ينتهي إلى اعتبار أن ما يظهر عند هيغل في صورة تطور للروح ليس في حقيقته سوى انعكاس لمسار العالم الموضوعي ذاته، أي لمسار التاريخ الواقعي الذي تصنعه القوى الاجتماعية والمادية. ومن هذا المنطلق يخلص إلى أن الديالكتيك الهيغلي لا يكتسب قيمته العلمية إلا بعد قلبه على قدميه، أي بعد تحريره من إطاره المثالي وردّ حركته إلى الواقع المادي الذي يشكّل أساس كل تطور تاريخي. هذه "الروح الداخلية" - انظر... بليخانوف - هو اقتراح مثالي، صوفي، ولكنه عميق للغاية حول الأسباب التاريخية للأحداث. يدمج هيغل التاريخ بالكامل تحت السببية ويفهم السببية بعمق وثراء يفوقان ألف مرة ما يفهمه العديد من "الباحثين" المعاصرين(14).
لا تخلو هذه الاشادة بهيغل من نقد موجّه ضمنيا إلى بليخانوف. فالنص ينبغي أن يُقرأ بوصفه ردًا نقديًا على المقال الذي كتبه بليخانوف بمناسبة الذكرى الستين لوفاة هيغل، حيث عرض فيه الخطوط العامة لفلسفته في التاريخ. غير أن النزعة المثالية التي ينسبها لينين إلى بليخانوف لا تتجلى في ذلك المقال فحسب، بل تظهر بصورة أوضح في دراسته الشهيرة حول " تطور المفهوم الأحادي للتاريخ"(1895). ففي هذا النص، يسعى بليخانوف إلى الدفاع عن المادية التاريخية من خلال إبراز وحدة العملية التاريخية وخضوعها لقوانين موضوعية، لكنه ينتهي، في نظر لينين، إلى منح التاريخ منطقًا داخليًا يكاد يكتسب استقلالًا عن الممارسة البشرية الملموسة. وهكذا تتحول الضرورة التاريخية تدريجيا إلى مبدأ تفسيري شامل، الأمر الذي يهدد بإعادة إدخال عناصر من المثالية إلى قلب النظرية المادية نفسها. ومن هذا المنظور، لا يقتصر نقد لينين على بعض الصياغات النظرية المعزولة، بل يستهدف تصورًا كاملًا للتاريخ يرى في تطوره تحقيقًا متدرجًا لمنطق كامن فيه، بدل أن يفهمه بوصفه سيرورة مادية متناقضة تتحدد من خلال الصراع والممارسة الثورية: "لا شك لدينا في أن العديد من القراء، حتى من يميلون إلى وجهة نظرنا، سيستحضرون عند قراءة هذه السطور أمثلة كثيرة، وكمًا هائلًا من الحقائق التاريخية التي تبدو غير قابلة للتفسير من وجهة نظرنا، وسيشعرون برغبة ملحة في إخبارنا: "أنتم على حق، ولكن ليس تمامًا، وأولئك الذين يحملون الرأي المخالف على حق أيضًا، ولكن ليس تمامًا، فهم وأنتم لا تدركون إلا نصف الحقيقة". قليل من الصبر، أيها القارئ!". لا تسعَ إلى الخلاص في الانتقائية دون محاولة استخلاص جميع الدروس التي يمكن أن يقدمها المفهوم الأحادي الحديث، أي المادي، للتاريخ(15).
ومن أجل تعميق هذا النقد، يصبح من الضروري العودة إلى الديالكتيك الذي طرحه لينين في كتاب ما العمل؟ بخصوص مسألة العلاقة بين الوعي الاقتصادي والحركة العمالية، حيث كان يرفض التصور القائل بتلقائية تطور الوعي الثوري من داخل النضالات النقابية وحدها. ففي السياق السياسي لعام 1901، كان يرى أن الثورة لا تُختزل في تطور اقتصادي حتمي، بل تتطلب تدخلًا واعيًا ومنظمًا من قبل حزب ثوري قادر على نقل الوعي الاشتراكي إلى الطبقة العاملة وتنظيمه في أفق سياسي شامل.
وبهذا المعنى، يميّز لينين بين وعي اقتصادي محدود يقتصر على تحسين شروط العمل داخل النظام القائم، وبين وعي سياسي ثوري يتجاوز هذه المطالب الجزئية نحو هدف تغيير البنية الاجتماعية جذريًا. ومن ثمّ فإن اللحظة الثورية عنده لا تُفهم كتتويج ميكانيكي لتراكم اقتصادي، بل كتقاطع بين تعمّق التناقضات الطبقية ووجود تنظيم سياسي قادر على تحويل الأزمة إلى فعل ثوري حاسم.
"في ظل هذه الظروف، ينبغي على أي إنسان قادر على النظر إلى مجمل نضالنا، دون أن يشتت انتباهه كل "منعطف" في التاريخ، أن يدرك أن شعارنا في هذا الوقت لا يمكن أن يكون "إلى الهجوم!". بل بالأحرى "دعونا نشن حصارًا شاملاً على حصن العدو!" بعبارة أخرى، لا يمكن أن يكون الهدف المباشر لحزبنا هو استدعاء جميع القوات المتاحة له لشن هجوم الآن، بل الدعوة إلى إنشاء منظمة ثورية قادرة على توحيد جميع القوى وأن تكون قائدة ليس فقط بالاسم، ولكن في الواقع، للحركة - أي منظمة مستعدة دائمًا لدعم كل احتجاج وكل انتفاضة، واستخدامها لزيادة وتحصين جيش قادر على خوض المعركة الحاسمة"(16).
ينتقد هذا الاتجاه الاقتصاديين، خصوصًا لعدم تبنيهم نهجًا طويل النفس في التنظيم والتحضير للنضال السياسي، ولتركيزهم بدلًا من ذلك على أولوية “النضال الاقتصادي". لذلك يتساءل لينين: "ما هو، بحسب تعبير مارتينوف(17)، المعنى الحقيقي والملموس للمهمة التي يُسندها إلى الديمقراطية الاجتماعية: "إضفاء طابع سياسي على النضال الاقتصادي نفسه" ؟ النضال الاقتصادي هو نضال جماعي للعمال ضد أصحاب العمل، لبيع قوة عملهم بربح، ولتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم. [...] وهكذا، فإن العبارة الزائفة "إضفاء طابع سياسي على النضال الاقتصادي نفسه"، تخفي وراء مظهرها "العميق" والثوري، النزعة التقليدية لاختزال السياسة الديمقراطية الاجتماعية إلى مستوى السياسة النقابية! تحت ستار تصحيح ضيق أفق "إيسكرا"، التي تُفضل -كما ترون- "تغيير النظرية جذريًا بدلًا من تغيير الحياة جذريًا"، يُقدَّم لنا النضال من أجل الإصلاحات الاقتصادية على أنه شيء جديد. إنّ كل خطوة للأمام، وكل تقدم حقيقي، لهو أهم من عشرات البرامج، وهو فعل ينطبق على حالة الفوضى الحالية لحركتنا، والتي سبق أن وصفناها أعلاه. وهي في جوهرها ببساطة الترجمة الروسية لعبارة برنشتاين الشهيرة "الحركة هي كل شيء، والغاية النهائية لا شيء"(18).
يكمن العيب الأساسي في هذا الصراع الاقتصادي في ميله إلى الانزلاق نحو الإصلاحية البرجوازية، وإلى إضعاف القضية الثورية الجوهرية، وإلى الاستسلام في نهاية الأمر لأفكار برنشتاين واعتقاده بإصلاحية مستقلة للرأسمالية بعد المرحلة العنيفة من بداياتها. إلا أن هذا النقص يبقى ثانويًا في ضوء ما يلي:
"يشترك الاقتصاديون والإرهابيون اليوم في فكرة واحدة، ألا وهي عبادة العفوية. [...] قد يبدو قولنا متناقضًا للوهلة الأولى، نظرًا للاختلاف الكبير الظاهر بين أولئك الذين يُعطون الأولوية لـ"النضال اليومي الخفي" وأولئك الذين يدعون الفرد المنعزل إلى القتال بأقصى درجات الإيثار. لكن هذا ليس تناقضًا. فالاقتصاديون والإرهابيون ينحنيان أمام قطبين متناقضين من نزعة العفوية: الاقتصاديون، أمام عفوية "حركة العمال الخالصة"، الإرهابيون، في مواجهة عفوية أشد غضب المثقفين الذين لا يعرفون أو لا يستطيعون الجمع بين العمل الثوري وحركة العمال"(19).
إن هذا الاعتقاد بالعفوية، في نظر لينين، هو اعتراف بالضعف، والكسل في غياب برنامج عمل نظري: فبقبولهم أن الحركات الثورية (أو حتى حركات الإصلاح البسيطة !) تحدث تلقائيًا، يعيد الاقتصاديون التواصل مع "المبدأ الداخلي" لبليخانوف، ومع فلسفة هيغل للتاريخ وفقًا لتفسير حتميّ - أي مع طريقة تفكير تخلت جذريًا عن الطبيعة العلمية للعمل الثوري. بتخليه عن العمل الثوري، يتخلى بليخانوف عن فكرة الثورة نفسها. وبتمسكهم بهذه القراءة الحتمية للتاريخ كعملية، يفشل الاقتصاديون في التمييز الذي اقترحناه في الوجود، وبهذا المعنى يختزلون صيرورة الإنسان إلى ضرورة المادة، أي إلى الميكانيكا. تصبح الحرية المحددة حرية حتمية، أو غياب الحرية - أي غياب السياسة، وغياب الوعي الذاتي. ومن هنا، يظهر فكر لينين أكثر مرونة، لأنه يدمج بين المعطى الموضوعي والشرط الذاتي للعمل الثوري، حيث لا يتحقق التغيير الاجتماعي إلا عبر تفاعل التناقضات الاقتصادية مع التنظيم السياسي الواعي، مما يعيد الاعتبار إلى النضال السياسي بوصفه مجالًا فعّالًا لا مجرد انعكاس لحتميات اقتصادية. وهذا ما يخبرنا به هنري لوفيفر ونوربرت غوترمان تحديدًا في مقدمتهما لكتاب "دفاتر الديالكتيك":
"يتجاوز الوعي، بوصفه تجاوزًا فاعلًا متجذرًا في الفعل، كل الحتميات، وذلك تحديدًا بمعرفتها، وبالتالي باستخدامها وإتقانها. [...] الوعي السياسي، باعتباره إدراكًا وإتقانًا عمليًا للحتمية الاقتصادية والاجتماعية، هو لحظة حرية تمامًا كالوعي العلمي (وهذا صحيح بشكل خاص اليوم). في المقابل، يدخل الوعي السياسي والنشاط الثوري في الحتمية ويهيئان قفزة، انتقالًا من الحتمية إلى الحرية (أنجلز). الحرية الثورية تستوعب كل الحتميات وتحولها إلى حرية الفرد الواعي بطبيعته الإنسانية والذي "استوعب" الطبيعة الخارجية والاجتماعية"(20).
وهكذا يتضح عند لينين وجود تلازم وثيق بين الحرية والسياسة، كما هو الحال عند هيغل، حيث لا يمكن تصور الحرية إلا داخل إطار التحديد والواقع المعيّن. غير أنّ الحرية، في معناها الفعلي، لا تتحقق إلا بوصفها نشاطًا واعيًا يعمل على تحقيق صيرورتها عبر تجاوز التناقضات وحلّها عمليًا. ومن ثمّ، يصبح من الضروري البحث عن تحقق الحرية داخل الوجود نفسه، إذ إنها تظلّ غير مكتملة في ذاتها، وتسعى من خلال هذه الوساطة إلى التوفيق مع التناقض القائم عبر تجاوزه.
ولذلك، تكمن صعوبة المسألة برمتها في الاستخدام المحدد لهذه الحرية. فإذا كانت هذه الحرية هي استخدام الممكن، فإنها بدورها تطرح مشكلة الاستخدام الأمثل لهذه الحرية: أي عدم ارتكاب خطأ سياسي. وهذه المشكلة الثانية، وهي الممارسة العلمية للسياسة في مواجهة الذاتية بوصفها استجابة موضوعية لوضع موضوعي، يجب فهمها على أنها الجزء الثاني من النقد اللينيني للاقتصاديين: "إن المهمة التي حددناها في العدد 47 من مجلة الاشتراكية الديمقراطية مهمة جسيمة. لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال سلسلة طويلة من الصراعات الطبقية الكبرى بين البروليتاريا والبرجوازية. ولكن ليس نفاد صبرنا، ولا رغباتنا، بل الظروف الموضوعية التي أفرزتها الحرب الإمبريالية هي التي أوصلت البشرية جمعاء إلى طريق مسدود ووضعتها أمام معضلة: إما أن ندع ملايين آخرين يهلكون وندمر الحضارة الأوروبية بأكملها، أو أن ننقل السلطة في جميع البلدان المتحضرة إلى البروليتاريا الثورية وننفذ الثورة الاشتراكية"(21).
يمكننا، في ضوء ما سبق من تحليل، أن نلاحظ كيف تتخذ قراءة لينين للجدل الهيغلي موقعًا نقديًا معقدًا ومركّبًا تجاه فلسفة التاريخ عند هيغل. فمحاولة هيغل فهم الحركة العامة للتاريخ انطلاقًا من التناقضات الكامنة في الواقع ذاته، لا من مبدأ خارجي مفروض عليه، تُستقبل بوصفها خطوة مهمة نحو تأسيس فهم عقلاني وعلمي لمسار التاريخ. غير أن لينين يعارض هذا الإرث الهيغلي من زاوية براغماتية، معتبرًا أن فكرة “الحركة التلقائية” ما تزال تحمل أثرًا مثاليًا داخل الديالكتيك، وهو الأثر الذي أشار إليه ألتوسير بوصفه بقايا مثالية تعيق تحقق المادية الديالكتيكية في صورتها الفعالة. لذلك لا يكتفي لينين بكشف هذا البعد المثالي، بل يتجه أيضا إلى نقد إبستمولوجي أعمق يهدف إلى تطهير الديالكتيك المادي من أي نزعة ذاتية أو تأملية قد تعيد إنتاج المثالية في ثوب مادي. -------------------- 1. Hegel, Phénoménologie de l’Esprit, t.1, Paris : Aubier, 1999, p. 102. 2. Hegel, Phénoménologie de l’Esprit, t.1, Paris : Aubier, 1999, p. 102. 3. Hegel, Science de la logique, §21 in Encyclopédie des sciences philosophiques, Paris : Gallimard, 1970, p. 96. 4. نفس المصدر السابق، ص 144. 5. نفسه، ص 109. 6. نفسه، ص 145. 7. Lénine, Les cahiers sur la dialectique de Hegel, Paris : Gallimard, 1967, p. 60. 8. Hegel, Science de la logique, op. cit. §84, p. 142. 9. Lénine, Les cahiers sur la dialectique de Hegel, op.cit, p 137. 10. نفس المصدر السابق، ص 166. 11. Lettre d’Engels à Bloch du 21 septembre 1890, in Marx et Engels, Études philosophiques, Paris : Éditions sociales, 1961. 12. Lénine, Les cahiers sur la dialectique de Hegel, op. cit. p. 168. 13. Hegel, Science de la logique, §136 in Encyclopédie des sciences philosophiques, op. cit. p. 174. 14. نفس المصدر السابق، ص 243. 15. Plekhanov, Essai sur le développement de la conception moniste de l’histoire, Éd. Du Sandre. [Paris] 2008, p 213. 16. Lénine, Par où Commencer ? in Que faire ? traduction des Œuvres complètes [op. cit.], Paris : Sciences Marxiste, 2004, p. 36. 17. كان ألكسندر مارتينوف في البداية عضواً في حزب نارودنايا فوليا قبل انضمامه إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي، حيث كان أحد أبرز الشخصيات الاقتصادية. وانضم فيما بعد إلى بليخانوف والمناشفة سنة 1903. 18. نفس المصدر السابق، ص 104. 19. نفسه، ص 119. 20. Henri Lefebvre et Norbert Guterman, Introduction in Cahiers de la dialectique sur Hegel, op. cit. pp. 84-85. 21. Lénine, Œuvres complètes, op. cit. t. 23, p. 400. ================================================ الفلاّحون والأرض في تـــونس * سميح نقّــاش تمهيد: تمثّل مساحة الأراضي الفلاحية 62٪ من المساحة الجمليّة للبلاد التونسيّة (16.4 مليون هكتار) أي ما يفوق 10 مليون هكتار موزّعة على النحو التالي: - المراعي الطبيعية والمروج 4.8 مليون هكتار، - الغابات حوالي 1.6 مليون هكتار، - المساحة المزروعة 5.25 مليون هكتارا أي ما نسبته 32٪ من المساحة الجمليّة للبلاد وأقلّ من نصف مساحة الأراضي الفلاحيّة(1) وهي مساحة محدودة جدّا، ويبدو أنّها تراجعت مقارنة بالقرن الماضي حيث كانت في أواخر الثمانينيات تقدّر بـ 5.5 مليون هكتار. في الوقت الذي شهد فيه عدد السكان تزايدا وبالتالي تزايد الطلب على الغذاء. ويساهم القطاع الفلاحي بنسبة لا تزيد عن 9% في الناتج الداخلي الخام ويشغّل حوالي 15% فقط من مجموع النشيطين حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2020 وهو ما جعل هذا البلد الزّراعي بالأساس عاجزا عن توفير الغذاء الكافي لسكّانه الذين يقدّر عددهم بحوالي 12 مليون نسمة حسب التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024. وهذه المعطيات تعني وجود أزمة مستفحلة في هذا القطاع. وإذ تتنوّع العوامل المفسّرة لأزمة القطاع الفلاحي، بين عوامل طبيعيّة مرتبطة بالتضاريس والمناخ والموارد المائيّة وظاهرة التصحّر وأخرى تاريخيّة واجتماعية وبشريّة مثل الزّحف العمراني وتوسّع المجال الحضري على حساب المجال الرّيفي وهيمنة النشاط الرّعوي وزراعات الحبوب منذ القدم(2)، فإنّ هنالك عوامل أخرى المسؤول الأوّل عنها هو الدّولة التي تحمّلت مسؤوليّة إدارة شؤون البلاد منذ 1956. فقد كان للسياسة الفلاحية التي اتّبعتها الدّولة منذ 1956، رغم ما تخلّلها من تغيير في العناوين والشعارات الكبرى حسب المخططات التي كانت ترسمها وتعمل على إنجازها، دورها الرّئيسي في استمرار هذه الأزمة. فبتلك السياسات حافظت الدولة التونسية على العوامل الهيكلية المولّدة لأزمة هذا القطاع بينما حاولت إيجاد بعض الحلول الظرفية والمحدودة دون أن تمسّ تلك العوامل العميقة وبالتالي لم تمتلك الإرادة لتحارب جوهر الأزمة الهيكليّة للقطاع الفلاحي. وترتبط العوامل الهيكليّة التي تفسّر أزمة الفلاحة في تونس بوضعيّة الأرض في الرّيف التونسي، وتحديدا بملكيّتها وبعلاقة الفلاّحين بمختلف فئاتهم بالأرض وكيفيّة تطوّرها منذ ما قبل فترة الاستعمار المباشر وكيفيّة تعامل الدّولة مع هذه المسألة. 1- ملكيّة عقاريّة معقّدة ومعرقلة للاستغلال الزّراعي تنتشر في تونس أصناف متنوّعة من الملكيّة، وهي أصناف تعود إلى ما قبل حقبة الاستعمار المباشر. حيث كانت الأراضي في الرّيف التونسي تتوزّع بين: - الملكية العقارية الفردية (الخاصّة)، كان هذا الصنف ينتشر في مناطق الاستقرار السكّاني القديمة وهي أساسا الواجهة السّاحليّة الشّرقية وواحات الجنوب، وكذلك المساحات التي استحوذت عليها المدن من الأرياف المحيطة بها. أمّا في المناطق الدّاخلية، فقد غزت الملكية الفردية تلك الربوع مع استحواذ عناصر من المخزن (إدارة وجيش) وتجّـــار كبـــــار وعـــدول على مساحــــــات واسعـــــة ( الهنـــــــاشيــــــر) خاصة في المناطق الخصبة، مثل سهول مجردة الوسطى وباجة وماطر، إضافة إلى توسّــع تملّك العــائلة الحــاكمــــــــــــــة (البــايـــات) والإقطاعات التي كانت تُمنح لكبار موظفي المخزن)3). ومجموع مساحة هذا الصّنف من الملكية كانت تتراوح بين ثلث وربع المساحة الجمليّة الصالحة للزراعة(4). - أراضي البايليك، وأصبح اسمها لاحقا الأراضي الدّولية حسب قانون 22 جويلية 1922 الذي قدّر مساحتها بـ 415 ألف هكتار بعد ضمّ المجال الغابي إليها منذ 1890(5). - أراضي الأحباس، وهي تصنّف الى أحباس عمومية وأحباس الزوايا وتنتشر على مساحات واسعة في الوسط والجنوب خاصّة والشمال أيضا. - أراضي العروش، وكان هذا الصنف الأخير يمثّل أوسع المساحات من الأراضي الفلاحيّة، إذ كانت تقدّرُ بأكثر من 3 ملايين هكتار. وقد كان أغلبها مخصصا بدرجة أولى للرّعي. تختصّ بصعوبة تدقيق مساحاتها قانونيا بسبب تداخلها مع أراضي البايليك والأحباس. وتنتشر خاصة بالوسط التونسي ثم بالشمال. من بين كلّ هذه الأصناف، كانت الملكيات العقارية الخاصّة واضحة قانونيا، ثمّ تليها أراضي البايليك. أمّا بقيّة الأصناف فكانت تسمّى الأراضي "العربي" في تناقض مع أراضي "المِلك" للدّلالة على أنّ صبغتها القانونيّة غير واضحة، وقد سهّل هذا على الإمبرياليين الأوروبيين الشّروع في الاستعمار الزراعي للإيالة التونسية حتى قبل انفراد الإمبريالية الفرنسية بها عام 1881. فقد اشترت شركة مرسيليا للقرض ضيعة بسيدي ثابت مساحتها حوالي 5000 هك وهنشير النفيضة ومساحته 100000 هك(6) كما اشترت ضيعة بوادي الزرقاء تمسح 9000 هك. مع الاستعمار الفرنسي، تحوّل جزء هام من أراضي كبار الملاكين التونسيين، خاصّة المقيمين منهم في الحواضر، إلى كبار الملاكين الأوروبيين الذين اشتروا أكثر من 440 ألف هكتار من الأراضي الخاصّة للعائلات الأرستقراطية، قبل الشروع في الاستعمار الزراعي بطريقة رسميّة حيث شرّعت سلطات الاحتلال عمليّة الاستحواذ على أراضي البايليك وجزء كبير من أراضي الأحباس وأراضي العروش بالاعتماد على مجموعة من القوانين والأوامر، من ذلك، أمر 4 أفريل 1890 يخصّ الاستحواذ على المجال الغابي، أمر 13 أفريل 1896 الذي خوّل الاستحواذ على جزء كبير من أراضي العروش، أمر 13 نوفمبر 1898 الذي يفرض الاستحواذ على 2000 هك سنويّا من أراضي الأحباس، الخ... وقد تعمّقت سياسة الاستعمار الزراعي بعد الحرب العالمية الأولى لتفوق مساحة الأراضي التي تمّ لاستحواذ عليها مليون هكتار، أي أكثر من ربع (1/4) المساحات المزروعة المقدّرة آنذاك بـ 3.8 مليون هكتار. وشملت هذه السياسة الاستعماريّة الأراضي الخصبة حيث امتدّت شمال الظهرية التونسية وسهول الوطن القبلي وسهول سوق الخميس والسهول المجاورة لمدينة تونس وسهل مجاز الباب والتل العلوي وسهل النفيضة وظهير مدينة صفاقس وضيعات وواحات بالجنوب الشرقي. وهي أراضي ذات مردوديّة عالية للزراعات الموجّهة للتصدير مثل الحبوب والقوارص والكروم والزياتين والنخيل. لقد عطّل الاستعمار الأوروبي عمليّة التحوّل الطبيعي في تونس، كما في باقي الأقطار العربية التي وقعت تحت التوسّع الاستعماري الإمبريالي، "لأنّ التدخل الإمبريالي أجهض عمليّـــة النُمــــوّ الدّاخليّــــة وثبّــــت عــلاقــــات الإنتــــــــــــــــاج الإقطاعية"(7)، لكنّه أدخل تغييرا على مستوى علاقات الإنتاج في الريف التونسي في الأراضي التي سيطر عليها. وهكذا، ظهرت علاقات الإنتاج الرّأسمالية وشبه الرأسمالية، إلى جانب العلاقات الإقطاعية، التي استجابت لمتطلبات الاقتصاد التبادلي. وبالتالي، فقد زاد الاستعمار في تنويع أصناف الملكيات العقارية وتعقيدها وفي إدخال أنماط وعلاقات إنتاجية جديدة زادت في تعميق أزمة الفلاحة والغالبيّة العظمى من الفلاّحين التونسيين. هذا الخليط من أنماط الإنتاج وهذا التنوّع في الملكيات وترسانة القوانين التي سنّها الاستعمار خدمة لمصالحه سترثها الدّولة التونسيّة إثر اتّفاقيات 1956 ممّا جعلها غير قادرة على حلّ أغلبها، مع العلم أنّ الاستعمار الزراعي الأوروبي للأراضي التونسيّة استمرّ إلى ما بعد 1956. بعد 1956، وفي ظلّ غياب سياسة إصلاح زراعيّ من قبل الدّولة، تمّ إصدار مجموعة من التشريعات كان الهدف منها تصفية بعض أصناف الملكيات العقاريّة. فتمّ إصدار أمر 31 ماي 1956 المتعلّق بتصفية جمعيّة الأوقاف وحلّ أراضي الأحباس العمومية وإلحاقها بأملاك الدّولة، وفي 18 جويلية 1957 تمّ إصدار أمر لحلّ الأحباس الخاصة وتوزيع أراضيها على مستحقّيها ثمّ قانون عدد 53 لسنة 1957 المؤرخ في 02/11/1957 الذي يتعلق بإلغاء نظام الأحباس الخاصة والمشتركة. لكن هذه الأوامر اصطدمت بمشكلة السكان المستقرّين على تلك الأراضي فتمّ إصدار قانون الإنزال في مارس 1974 الذي وضع شروط إثبات السكان المستغلّين وتحوّلهم إلى ملاّكين ممّا سمح بتصفية أغلبيّة هذه الأراضي. أمّا بالنسبة لأراضي العروش، فقد اعترف قانون 4 جوان 1964 بالمجموعة (العرش) كشخصية مدنية تنطبق عليها أحكام الملكيّة مع بقاء الدّولة طرفا رئيسيّا في هياكل التصرّف تنظر في قرارات التفويت لفائدة أفراد المجموعة. لكنّ التفويت في ملكيات العروش اعترضته عديد العراقيل ارتبطت أغلبها بتجربة التعاضد (السياسة الاشتراكية الدستورية) (61-1969)، فإلى نهاية 1969 لم يفوّت منها سوى 22 ألف هك. وانطلاقا من 1971، أي إثر التخلّي عن سياسة التعاضد واعتماد سياسة اقتصادية ليبرالية مفضوحة، وقع التفويت في 817 ألف هك إلى حدود 1981، أمّا المساحة المتبقية والمقدّرة بـ 2.1 مليون هك فقد بقيت وضعيتها العقارية معقّدة جدّا رغم صدور عدد من الأوامر الرئاسيّة والقوانين ومازالت مساحات واسعة منها لم تجد طريقها إلى الحلّ إلى اليوم. ورغم هذه الإجراءات التشريعيّة، بقي جزء كبير من المساحات الزراعيّة غير مسجّل عقاريّا، فقد بلغت المساحة المسجّلة 2.5 مليون هك سنة 1964 من مساحة جملية تقدّر بـ 7 ملايين هك، وأكثر من نصف تلك المساحة المسجّلة هو تابع للدّولة، وإلى حدود 1986 وصلت مساحة الأراضي المسجّلة 3627272 هك وهو ما يمثل 51 % فقط من المساحة الجمليّة الصّالحة للتسجيل. وتشكّل هذه الوضعية العقارية عائقا كبيرا أمام استغلال جزء مهمّ من الأراضي وعدم الانتفاع به على الوجه المطلوب بسبب ضبابيّة وضعها القانوني ويحدّ بالتالي من إمكانيات تطوير مردود تلك الأراضي خاصّة أمام صعوبة الحصول على قروض فلاحية من قبل مستغلّيها وكذلك عدم قدرة الدولة على وضع مخططات فلاحيّة دقيقة نظرا لعدم إلمامها بواقع تلك الأراضي الفلاحية وخصوصيّاتها. يضاف إلى هذه العراقيل المرتبطة بالوضع القانوني للأراضي واختلاط أصناف الملكيات العقارية وفشل سياسات حلّ هذه الأوضاع، الانعكاسات السلبية -على الفلاّح والفلاحة- المنجرّة عن كيفيّة التعامل مع أراضي المعمّرين بعد استرجاعها ومع أراضي الدّولة وطرق التفويت فيها. 2- التناقض بين تركّز شديد وتشتت كبير للمُستغلاّت الزراعيّة هو التّناقض بين كبار الملاّكين العقاريين والفــلاّحين الكــادحين قبل حقبة الاستعمار الفرنسي، كانت الملكيات العقارية الخاصّة بيد قلّة من كبار الملاّكين الإقطاعيين، إلى جانب أراضي الأحباس وأراضي البايليك وأراضي العروش، بينما لم يكن لعامّة الشعب ملكيّات خاصّة وإنّما كانوا يتصرّفون في الأراضي الجماعية دون امتلاكها. وبالتالي كان الملاّكون الكبار يحتكرون مساحات زراعيّة واسعة. وخلال الحقبة الاستعمارية، أصبحت الملكيات ذات المساحات الواسعة موزعة بين كبار الملاكين التونسيين والاستعماريين الأوروبيين، بينما انحصرت المساحة التي يستغلها بقية الفلاحين التونسيين وعددهم آنذاك يقدّر بـ 480 ألف فلاّح في أقلّ من 3 ملايين هكتار، أي بمعدّل 6 هك للفلاّح الواحد، هذا مع أنّ عددا غير قليل من الفلاّحين اضطرّ إلى الاشتغال في ضيعات كبار الملاكين الاستعماريين وعدد آخر لجأ إلى التلال وإلى سفوح الجبال فيما نزح عدد آخر إلى الحواضر بسبب توسّع الاستعمار الزراعي. ومن بين الفلاحين التونسيين، كان 88% يتصرّفون في مستغلاّت لا تتجاوز مساحاتها 20 هك وهي مستغلاّت ضعيفة الخصوبة(8). ومقابل ذلك، كان متوسّط مساحة المستغلات يقدّر بـ 258 هك بالنسبة للضيعات التي أصبحت على ملك الاستعماريين الأوروبيين، وقد كانت مساحة العديد من الضّيعات تمسح أكثر من 10 آلاف هكتار. يتمثّل التناقض الرّئيسي الذي كان يشقّ الرّيف التونسي خلال حقبة الاستعمار المباشر في التناقض بين أقليّة ثريّة من الإقطاعيين والبرجوازيين تحتكر مساحات واسعة من الأراضي الخصبة وأغلبيّة مفقّرة تتصرّف في مساحات صغيرة أو تشتغل بطرق مختلفة في ضيعات تلك الأقليّة (خماسة، ربّاعة، بالأجر، بالكراء...)، وقد زاد هذا التناقض بين التركّز الشديد للمستغلاّت الكبيرة بيد كبار الملاكين الاستعماريين والتونسيين من جهة وبين التشتت الشديد للمستغلاّت الصغيرة التي يستغلّها الفلاّحون الفقراء، زاد في استثراء طبقة كبار الملاكين الإقطاعيين والبرجوازيين وفي تفقير وإفلاس صغار الفلاحين التونسيين والدّفع بعدد كبير منهم إلى البطالة والنّزوح والتسوّل والخضوع للاستغلال من قبل كبار الملاّكين. هذا التناقض الرّئيسي لم يتغيّر لا بعد 1956 ولا بعد 1964، بل إنّه سيحافظ على سماته الرّئيسيّة، وعوض أن تسير الدّولة التونسيّة في طريق القضاء عليه فقد واصلت السّير في طريق تجذيره تكريسا لهيمنة الطبقات الاجتماعيّة السّائدة ليس في الريف فحسب وإنّما في المدن أيضا، ولعلّ التغيير الوحيد الذي حصل هو استبدال طبقة الملاكين الاستعماريين بشريحة أخرى من الملاكين التونسيين الذين استفادوا من الإقطاعات والهبات العقـــــــــــــاريّـــة والتّفويـــــت في أراضـــي الاستعمـــــــاريين و الأراضـــــــي الدَّوْلية بأسعار رمزيّة منتهزين علاقات القرابة التي تربطهم بالعائلات الحاكمة منذ 1956 أو ولاءهم لحزب الدستور وهو ما أدّى إلى تعزيز رصيد هذه الطبقة. وهذا التفاوت يبرزه التطور اللاّمتكافئ في متوسّط مساحة كلّ صنف من الضيعات(9)، فقد تنامى متوسط مساحة الضيعات التي تفوق مساحاتها 100 هك من 284 الى 297 هك بين 1961 و1980، بينما انخفض متوسط مساحة الضيعات الصغيرة (أقل من 20 هك) من 6.4 الى 6.1 هك وكذلك بالنسبة للضيعات المتوسطة (بين 20 و50 هك) من 31 إلى 28.8 هك في نفس الفترة. لقد بدأت عملية بيع الأراضي الدولية للخواص منذ 1962، وقد بيع منها 165933 هك الى حدود سنة 1980 من جملة 300 ألف معدّة للبيع مع تحديد المستفيدين من بين العمّال القارّين والمتعاضدين الصّغار والفنّيين والمهندسين الفلاحيين. وبسبب فشل هذه السياسة وقع منذ 1976 إعطاء الأولويّة لخريجي المدارس الفلاحية ثم أبناء الفلاّحــــين ثم العمال الفلاحيّــــين مع شرط الاستغـــــلال االمباشر لمدة عَشرِ سنوات متتــــــالية. لكن ما لوحظ هو أنّ الضيعات الكبيرة التي بيعت استفادت منها عناصر من كبار الملاكين وخاصة من المستقرّين في المدن وهم الذين يملكون رؤوس أموال كافية وآلات عصرية لاستغلال تلك المساحات. وما حدث لأراضي الدولة حدث أيضا للأراضي الاستعمارية، حيث استفادت البرجوازية الكبيرة والإقطاعيون وخاصة التغيبيون منهم من التفويت في جزء من هذه الأراضي سواءً عن طريق الشّراء أو الكراء (222 ألف هك سنة 1985). كما وقع تخصيص 90 ألف هك للكراء على مدى طويل لفائدة شركات تنموية تونسية عربية تموّلها بنوك عربية بينما حافظت الدولة على بقية المساحات. وبهذه السياسات، فقد كرّست الدّولة ظاهرة التركّز الشديد للمستغلات الكبيرة بيد أقليّة من الملاكين العقاريين أغلبهم لا علاقة لهم بالرّيف وبالأرض بينما حافظت على جمهور واسع من الرّيفيين يملكون مساحات ضيّقة أو لا يملكون أكثر من مساحات مساكنهم البسيطة، وزادت سياساتها الليبرالية في تفقيرهم وتفليسهم نظرا لعدم قدرتهم على منافسة كبار الملاكين خاصة في تعصير فلاحتهم بسبب ضعف إمكانياتهم وغياب دور الدّولة في هذا القطاع ممّا جعلهم ضحايا لتلك السياسات الفلاحية والاجتماعية المتعاقبة التي حافظت على ملكيات كبار الملاكين ووفّرت لهم تسهيلات مالية وإداريّة بتمكينهم من الحصول على قروض كبيرة ومنح ممّا مكّنهم من توسيع ملكياتهم بالزّحف على مساحات صغار الفلاحين ومتوسّطيهم مستغلّين عدم قدرتهم على استغلال أراضيهم نظرا لارتفاع تكاليف الإنتاج الفلاحي. هذه السّمات العامّة لتوزّع الضّيعات الفلاحيّة حسب المساحة بين أصناف الفلاّحين والمالكين لم تتغيّر في جوهرها، وهي نتيجة طبيعيّة لتواصل اتّباع نفس السياسات. وما يلاحظ أنّ الفلاّحين الفقراء الذين يمثّلون أغلبيّة سكّان الرّيف التونسي لا يملكون إلاّ نسبة ضعيفة جدّا من المساحة الجمليّة للأراضي، ذلك أنّ 54% من مجموع الفلاحين لا تتجاوز مساحة مستغلاّتهم 5 هك في سنة 2004–2005 والمساحة الجمليّة لهذه المستغلاّت لا تمثّل سوى 11% من المساحة الجمليّة للأراضي الزراعية. وفي المقابل يحتكر كبار الملاّكين، الذين تتجاوز مساحة مستغلاّتهم 100 هك، 22% من المساحة الزراعية الجمليّة بالبلاد بينما لا يمثّل هذا الصّنف سوى 1% من العدد الجملي للفلاحين(10). ولا شكّ أنّ ملكيّة الأرض تتاثّر مع مرّ السنين بعامل الوراثة، حيث تقسّم تلك المساحات بين ورثة الفلاّح، وهذا العامل يؤدّي إلى الزيادة في عدد المستغلاّت، لكنّه في نفس الوقت يؤدّي إلى تقلّص متوسّط/معدّل مساحات تلك المستغلاّت. فبين سنتي 1962 و1995، ساهم هذا العامل إلى جانب عوامل أخرى (التفويت في أراضي الدولة وأراضي العروش وحلّ الأحباس) في ارتفاع عدد المستغلاّت من 326 ألف إلى 471 ألف وهو ما جعل متوسّط مساحة المستغلّة يتراجع من 16 هك إلى 11.2 هك(11). ومن البديهي أنّ هذا التراجع سيكون ملحوظا بشكل كبير في مساحات صغار ومتوسّطي الفلاّحين.
3- كيف نحــــلُّ مطلب "الأرض" ؟ لقد حافظت المسألة الفلاحيّة في تونس، إلى اليوم، على سماتها القديمة منذ عهد ما قبل الاستعمار، وأبرز هذه السّمات هو التناقض بين جماهير الفلاحين الفقراء الذين لا يملكون أرضا أو يملكون مساحات صغيرة غير قادرة على توفير الحدّ الأدنى من ضروريات عيشهم وبين قلّة من كبار الملاّكين العقاريين الذين يستحوذون على مساحــات كبيرة يشغّلون فيها أولئك المزارعين الفقراء. ولعلّ التطوّريْن الوحيديْن اللّـــذيْن حصلا طيـــلة هذه القـــرون همـــا تحــــــــــــوّل جزء من كبار الإقطاعيين إلى كبار برجوازيين من جهة وتحويل جزء من جماهير الفلاحين الفقراء من أقنــــــــــــان إلى أجراء، وبالتالي فقد حافظ هذا التناقض على جوهره ليظلّ جوهر الصّراع في الريف قائما بين هاتين الطّبقتين، فعلاقات التناقض هذه "تولّد نضال الفلاّحين من أجل الأرض. وتلك هي نقطة الانطلاق لنضال الفلاحين... ضد أكبر الملاكين العقاريين"(12). وما قامت به الدّولة التونسيّة، منذ 1956، كان تسهيل استحواذ كبـــار الملاكين العقاريّـــين على الأرض سواءً الأراضي الدَّوْلية أو أراضي المستعمرين التي وقع استرجاعها أو أراضي الأحباس أو أراضي العروش التي وقع حلّها. وطبعا، لم يكن منتظرًا من هذه الدّولة غير هذه الإجراءات التي تحافظ على مصالح الطبقات الاجتماعية السّائدة، البرجوازية الكمبرادوريّة وكبار الملاكين العقاريين، أمّا كلّ من كان ينتظر منها إصلاحا زراعيا أو ثورة زراعيّة فهو واهم لانّ هذه الإجراءات ليست من مهامّ هكذا أنظمة. لقد تنكّرت "دولة الاستقلال" لجماهير الفلاحين رغم الدّور الذي اضطلعوا به في معركة الكفاح الوطني ضدّ الاحتلال المباشر منذ 1881، وكان دورهم بارزا خاصّة في مختلف محطّات الكفاح المسلّح. فقد كانت جبال البلاد ميدانا لمعارك المقاومة الوطنية ومثّل الفلاحون الفقراء والمُعدمون أهمّ مصدر للمقاومين. وتعتبر حركة الفلاحين في القصرين(13) من أهمّ الحركات الفلاحية في تاريخ تونس المعاصر حيث انتفض الفلاحون سنة 1906 في هذه المنطقة ضدّ الملاكين الاستعماريين الذين استولوا على أراضيهم حتّى حلّ بهم البؤس والمجاعة، وتعرف هذه الانتفاضة بـ"انتفاضة الفراشيش". إنّ الإصلاح الزراعي والثورة الزراعية هما مهمّتان لا يمكن أن تضطلع بهما دولة الكمبرادور وكبار الملاكين، سواءً في تونس أو في الوطن العربي بأكمله كما هو الشّأن بالنسبة لمختلف البلدان في المستعمرات وأشباه المستعمرات، تماما مثل ما هو الشأن بالنسبة للعالم الرّأسمالي حيث لا يمكن للأنظمة البرجوازية السّائدة أن تحقّق مطلب "الأرض لمن يفلحها". فالشرط الضروري والأساسي لتحقيق مطلب جماهير الفلاحين الكادحة في الميدان الاقتصادي والميدان الاجتماعي هو قيام ثورة سياسيّة واجتماعية تطيح بالطبقات الحاكمة وتستولي من خلالها الطبقات المضطهَدة على السلطة حتى يمكنها تحقيق هذا المطلب. فــــلا البرجوازيون الكمبرادوريون ولا البرجوازيون البيروقراطيّون ولا كبار الملاّكين ولا هذه الدّولة "القديمة" القــــــــــائمــــــة ستحـــــــرّرهم من بؤســــــــهم ومن الاضطهــــــــاد الــــــذي يرزحون تحت نيره، وإنّما تحرّرهم هو بأيديهم مثلهم مثل بقيّة الطّبقات الاجتماعية المضطهدة في المجتمع. وقد أوضح لينين في الفقرة التالية هذه الحقيقة بقوله: "ينجم ممّا سبق أنّ الملايين وعشرات الملايين من الناس هم فريسة البؤس والجوع، وسيظلّون دائما فريسة البؤس والجوع طالما أنّ بضعة آلاف من كبار الأثرياء يملكون مثل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي. ومفهوم أنّ سلطة الدولة بدورها، أنّ الحكومة نفسها (وإن كانت الحكومة القيصرية) سترى نفسها ملزمة بان ترقص على مزمار هؤلاء الملاكين الكبار. ومفهوم أنّ الفلاحين الفقراء لن يأملوا بأن تمتد إليهم يد المساعدة من أيّ مكان ومن أيّ أحد، طالما لم يجمعوا صفوفهم بأنفسهم لكي يؤلفوا طبقة واحدة بغية خوض نضال عنيد ضارٍ ضد طبقة الملاكين العقاريين هذه"(14). وفي موقع آخر، يقول لينين في دحضه لأوهام ضيّقي الأفق حول هذه المسألة في روسيا: "فهل ينجم من هنا أنّه يتعيّن على الماركسيّـــــين أن يتخلّـــــــــوا كليّـــــــا عن فكـــــرة الثّـــــورة الزراعية الفلاحيّة ؟ كلاّ. فإنّ مثل هذا الاستنتاج لن يكون جديرا إلاّ بمـــــن تشكّل عقيــــــدتهم محاكــــاة ســــــاخرة ليبرالية للماركسيّــــــة. وممّــــا قيــــل ينجُــــمُ فقــــط، أوّلا، أنّـــــــه لا يُــــــــــــــمكن للماركسية أن تربط مصائر الاشتراكية في روسيا بمآل الانقلاب البرجوازي-الديمقراطي، ثانيا، انه يجب على الماركسية أن تأخذ بالحسبان إمكانيّتيْ التطور الرأسمالي للزراعة في روسيا وأن تبيّن بوضوح للشعب شروط وأهمية كل من الإمكانيتين، ثالثا، انه يجب على الماركسية أن تناضل بحزم ضد النظرة الزّاعمة أنّه يمكن قيام انقلاب زراعي جذري في روسيا بدون انقلاب سياسي جذري".(15). إنّ الشرط الأوّل، حسب لينين، هو الانقلاب السياسي الجذري حتى يتحقق الشرط الثاني وهو الانقلاب الزراعي الجذري. إنّ دولة الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الجديدة، التي تكون قد حقّقت تحرّرها الوطني الفعلي بحلّ التناقض بين الاستعمار الجديد (الإمبريالية) وأعوانها ومختلف طبقات الشعب الثورية وأنجزت في نفس الوقت مطلب "الأرض لمن يفلحها" بحلّ التناقض بين كبار الملاكين العقاريين وجماهير الكادحين في الرّيف، هي التي يمكنها، في تونس والوطن العربي وعالم المستعمرات وأشباه المستعمرات أن تقوم بهذه المهمّة. وقد أثبتت التجارب التاريخيّة أنّ الثورة الاشتراكية وثورة الديمقراطية الجديدة هما الكفيلتان بتحقيق الإصلاح الزراعي والثورة الزراعية وحلّ التناقض السائد في الرّيف، ويمكن هنا العودة إلى ما تحقّق في الاتّحاد السّوفياتي زمن لينين وستالين وفي جمهورية الصين الشعبية زمن ماوتسي تونغ. وبعبارة أخرى، لا يمكن للأحزاب الممثلة للبرجوازية الكمبرادورية ولكبار الملاكين العقاريين أن تحقّق هذا المطلب لأنّه مطلب أعدائها الطبقيين، وهذا يعني أنّ هذه المهمّة موكولة إلى الماركسيين اللينينيين الماويين، ويجب أن تكون لا فقط في برنامج حزبهم وإنّما على جدول أعمالهم اليومي تكتيكا واستراتيجيا ونظرا وممارسة. إنّ طبيعة علاقات الإنتاج السّائدة التي أفرزت جمهورا واسعا من المضطهَدين في الريف يمثلون أغلبيّة المجتمع تجعل من هذه الجماهير المضطهَدة جيش الثّورة الأوّل في حزب الطبقة العاملة الذي تقوده البروليتاريا، وتجعل من الرّيف والحواضر الصّغرى الميدان الأوّل للثورة حيث تكون منطلقا لمحاصرة المدن الكبرى. في تونس، وفي الوطن العربي بشكل عامّ، بقيت جماهير الفلاحين الكادحة خارج دائرة الفعل السياسي وخاصّة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ تحقيق الاستقـلالات الشّكليّة، فغابت جماهير الفلاحين عن حركة الاحتجاجات الكبرى وعن الانتفاضات التي شهدتها بعض الأقطار العربيّة، ومنها انتفاضات "الربيع العربي". لكن هذا الغياب لا ينفي قيام الفلاحين ببعض الاحتجاجات المحدودة في الزمان وفي المكان أو مشاركتها فيها، مثل المشاركة في انتفاضة الإتاوة في تونس والاحتجاج على ترفيع أسعار الأعلاف...الخ. ويعود السبب الرّئيسي في هذا الغياب إلى عدم تنظّم هذه الجماهير في أحزاب ثوريّة، ولا يعود عدم تنظّمها لرفض هذه الجماهير التنظّم وإنّما لعدم انغراس الأحزاب الثورية في أوساط الفلاّحين. فجماهير الفلاحين تفتقد لمرشد يوجّهها إلى طريق الثّورة لذلك بقيت خارج حقل الفعل السياسي رغم جوهريّة قضيّتها ورغم وزنها الاجتماعي. طرح ماوتسي تونغ، في مارس 1927، أي قبل 99 سنة، مجموعة من التساؤلات حول كيفيّة تعامل الحزب مع مسألة الفلاحين، قائلا: "أمّا الأحزاب الثورية والرفاق الثوريون فإنّهم سيجدون أنفسهم جميعا أمام اختبار الفلاحين الذين سيقرّرون قبولهم أو رفضهم. أ تسير على رأس الفلاحين وتقودهم ؟ أم تقف وراء ظهورهم معيبـــــا لـــــهم ؟ أم تقف في وجوههم تناهضهم ؟"(16). وبعد هذه التساؤلات، قدّم ماو شرحا لتقريره الشهير حول التحقيق الذي أجراه في خونان حول أوضاع الفلاحين وطبقاتهم وفئات كلّ طبقة وقضايا كلّ طبقة منهم وقدّم إجابات حول طرق تنظيم صفوف الفلاحين المتوسطين والفقراء في اتّحادات مستقلّة عن كبار ملاّك الأراضي، وكيفيّة السير معهم في طريق الثورة. فحرّض رفاقه على ضرورة التوجّه إلى الرّيف ورفد قوّة العمّال بقوّة الفلاحين وتحويلها إلى طاقة ثوريّة للإطاحة بكبار الملاّكين: "إنّ الثّورة ليست مأدبة ولا كتابة مقال ولا رسم صورة ولا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللّباقة والوداعة والرقّة، أو ذلك الهدوء واللّطف والأدب والتّسامح وضبط النّفس. إنّ الثّورة انتفاضة وعمل عنف تلجأ إليه إحدى الطّبقات للإطاحة بطبقة أخرى. وثورة الريف هي ثورة تطيح بها طبقة الفلاّحين بسلطة طبقة الملاّكين الإقطاعيين. فغذا لم يستخدم الفلاّحون قوّة هائلة لا يمكنهم أبدا أن يطيحوا بسلطة ملاّك الأراضي التي تعمّقت جذورها مدى آلاف السّنين. ولا بدّ من مدّ ثوريّ عاتٍ في المناطق الرّيفيّة لانّ هذا هو الشّيء الوحيد الذي يقدر على استنهاض ملايين النّاس ليصبحوا قوّة هائلة"(17). ولم يكتف ماوتسي تونغ بتقديم هذا التقرير، بل جعل منه برنامج عمل انطلق منه ليحقّق التحالف بين جماهير العمّال والفلاّحين ويشرع في إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة بعد المذابح التي تلقّاها الحزب الشيوعي الصيني من قبل شيانغ كاي شاك. لقد درس ماو الواقع الملموس في الصين دراسة ملموسة ودقيقة وتمكّن من اكتشاف الطّاقة الثورية الكامنة في الريف وفي صفوف الفلاّحين وهو ما مكّنه من قلب موازين القوى في صراع الشعب ضدّ الإمبريالية وضدّ الإقطاعيين. لقد استجاب ماوتسي تونغ لدعوة فريدريك انجلز التي صاغها عام 1894: "إنّ الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل الحزب الاشتراكي سيتمّ في مستقبل قريب. بيد أنّه ينبغي على هذا الحزب، كي يستولي على السلطة السياسية، أن ينتقل من المدينة إلى الريف، أن يتحوّل إلى قوّة في الأرياف". وقد سار ماو أيضا على خطى لينين الذي يعتبر حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي "حزب العمّال والفلاّحين" وفي ذلك تأكيد لضرورة تحالف العمّال مع الجماهير الكادحة في الرّيف، والذي درس المسألة الزراعية في روسيا دراسة دقيقة مكنته من تجسيد هذا التحالف الطبقي المتين وإنجاح الثورة الاشتراكية. واليوم، قد تبدو الظروف مختلفة من بلد إلى آخر ومن عصر إلى آخـــر، وهــذا ليـــــس بالخـــطــــأ، فلكــــلّ بــــلد خصــــائصه ولذلك وجب التعامل مع هذه الخصائص وفق ما تتطلبّه الثورة المنشودة، مع أنّ ذلك لا يعني التخلّي عن الخطوط العامّة للماركسية اللينينية الماوية التي تظلّ مرشدنا في النظرية وفي الممارسة. إنّ حلّ التناقض القائم في الرّيف لفائدة الجماهير الفلاحية الكادحة، هو الكفيل بالقضاء على بقيّة العراقيل التي تعاني منها الفلاحة في تونس، فحلّ هذا التناقض المرتبط بملكيّة الأرض هو الحلّ الجذري للمسالة الفلاحية، وإذا تحقّق ذلك تصبح معالجة بقيّة العوامل والعوائق والقضاء عليها أمرا يسيرا. وإذا كان الحلّ الجذري للمسألة الزراعيّة يتطلّب إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة التي ستقضي على اضطهاد جماهير الكادحين في الريف وتوفّر لهم الأرض بعد مصادرتها من كبار الملاّكين، فإنّ الماركسيين اللينينيين الماويين يناضلون من أجل تحسين أوضاع الفلاحين الفقراء والمتوسّطين وبمشاركتهم من خلال العمل على إلغاء أعمال السخرة وكل أشكال الاستغلال الإقطاعية، وفسخ ديون الفلاحين الفقراء وتحريضهم على رفض تسديدها وإلغاء الضرائب والمكوس المرهقة لهم ومنع انتزاع أراضي الفلاحين الصغار ومصادرة المحاصيل أو رهن قوت الفلاحين لدى البنوك والاحتكارات الاستعمارية وتمكينهم من الحصول على القروض المُيسّرة والأسمدة اللازمة والآلات الفلاحية بأسعار منخفضة، والعمل على تمكين العاطلين والمعطّلين عن العمل من ضيعات من الأراضي الدّولية والأراضي غير المستغلَّة وتقديم الدّعم المادي لهم لتيسير استغلالها، والنضال من أجل تعميم شبكات الريّ وتعديل المقابل النقدي حسب الأوضاع المادية وتسهيل تسويق المنتوجات دون وسطاء وطفيليين وضمان أسعار بيع مناسبة لمنتوجاتهم داخل البلاد وخارجها تضمن استقرارهم واستمرارهم في القيام بنشاطهم الفلاحي، وتوفير الخدمات الضروريّة في المناطق الريفية بتعبيد الطرقات والاعتناء بالمسالك الفلاحية وتعميم التمتّع بالماء الصالح للشراب والنور الكهربائي، ومقاومة أسباب النّزوح الرّيفي والعزوف عن النشاط الزراعي، وضمان الحقوق السياسية والنقابية من ذلك حق التجمع في اتحادات فلاحية ممثلة ومستقلة عن اتحادات كبار الفلاحين والملاكين العقاريين وحق التعبير والتنظّم. كما ينبغي على الشيوعيين الماويين أن يولوا اهتماما خاصّا بما تعانيه المرأة الرّيفيّة من نظرة دونيّة لموقعها في المجتمع ومن استغلال واضطهاد. ---------- (1)- التقرير السنوي لأداء مهمة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لسنة 2020، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، أكتوبر 2021، ص.4. (2)- فلنزي (لوسات)، المغرب العربي قبل احتلال الجزائر (1790-1830)، سراس للنشر، 1994، ص.54. (3)- Kassab (ahmed), L’évolution de la vie rurale dans les régions de la Moyenne Medjerda et de Béja-Mateur, publications de l’Université de Tunis, 1979, p.71. (4)-الشريف (عبد الله)، "الملكية واستغلال الأرض في الزراعة"، في العجز الغذائي في تونس الخضراء، سراس للنشر، 1990، ص. 74. (5)-Ajeri (M. Saleh), Evolution du Mouvement National Tunisien, m.t.d., 1974, p. 69. (6)- هذا الهنشير كان على ملك عرش أولاد سعيد وقد صادره منهم احمد باي سنة 1850 عقابا لهم وسنة 1873 منحه محمد الصادق باي لوزيره خير الدين الذي قام بعد مغادرته الوزارة ببيعه لشركة استعمارية فرنسية. (7)- رفيق (حاتم رفيق)، مشروع برنامج سياسي للماركسيين اللينينيين الماويين في الوطن العربي، منشور في موقع الحوار المتمدّن، 18 فيفري 2010. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=204225)) (8)-الشريف (عبد الله)، "الملكية واستغلال..."، ن. م.، ص.79. (9)- الشريف (عبد الله)، "الملكية..."، ن. م.، ص. ص. 102-103. (10)-عايب (حبيب)، في بناء التبعيّة الغذائية في تونس، ديسمبر 2019، ص. 10. (دراسة منشورة على الانترنات). (11)- Elloumi (Med), «L’agriculture tunisienne dans un contexte de libéralisation», in Région et Développement n° 23-2006, p.133. (12)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلد الثالث، دار التقدم، 1976، ص. 142. (13)- اُنظر التيمومي (هادي)، انتفاضة القصرين، تالة 1906، دار محمد علي للنشر، 1993. (14)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلّد الثاني، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو، 1979، ص. 289. (إلى الفلاّحين الفقراء) (15)- لينين (ف.ا.)، المختارات، المجلد الثالث، دار التقدم، 1976، ص. 297. (16)- تونغ (ماوتسي)، مؤلفات ماوتسي تونغ المختارة، المجلّد الأوّل، دار النشر باللغات الأجنبية، بيكين، 1968، ص. 30. (تقرير عن تحقيقات في حركة الفلاحين في خونان). (17)- تونغ (ماوتسي)، مؤلفات ماوتسي..، ن.م.، ص. 37.
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- جمهورية الرّيف وعبد الكريم الخطابي في المغرب: صخر تجربة مُبكّرة لحرب العصابات ضدّ الإمبرياليّة مقدّمة يمرّ هذا العام قــرن على هزيمة جمهورية الريف، تلك الجمهورية التي كانت واحدة من أبرز التجارب السياسية والعسكرية في تاريخ المغرب العربي خلال القرن العشرين، إذ مثّلت محاولة مبكّرة لبناء كيان سياسي مستقل في مواجهة التوسع الاستعماري الأوروبي. وقد ارتبطت باسم قائدها محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882-1963)، الذي قاد المقاومة الريفية ضدّ الاحتلال الإسباني ثم الفرنسي، واستطاع أن يؤسس نموذجًا فريدًا جمع بين الكفاح المسلّح والتنظيم السياسي الحديث في مرحلة كانت معظم أقطار المغرب العربي ترزح تحت السيطرة الإمبرياليّة. I. نشأة عبد الكريم وتبلور الوعي الوطني 1- النشأة والتكوين العلمي وُلد محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1882 في أجدير بمنطقة الريف شمال المغرب. تلقّى تعليمًا متنوعًا جمع بين التكوين التقليدي والتعليم العصري؛ فبعد دراسته الأولى في الكتاتيب والمدارس الدينية، حصل على البكالوريا الإسبانية بمدينة مليلية، كما تابع دراساته بجامعة القرويين بفاس، ودرس القانون في إحدى الجامعات الإسبانية لمدة ثلاث سنوات. وقد عمل في مجالات متعددة شملت التدريس والترجمة والصحافة والقضاء، وهو ما مكّنه من الاطّــلاع على أوضاع المغرب السياسية والاجتماعية وعلى طبيعة النظام الاستعماري الذي كانت تفرضه كلّ من إسبانيا وفرنسا. 2- تبلور الوعي الوطني وبدايات المقاومة تطوّر وعي الخطابي السياسي تدريجيًا مع احتكاكه المباشر بالوجود الاستعماري في المغرب. وقد دفعه هذا الوعي إلى انتقاد السياسات الاستعمارية، الأمر الذي أثار شكوك السلطات الفرنسية التي اِتّهمته خلال الحرب العالمية الأولى بالتعاطف مع ألمانيا. وتحت ضغط فرنسي اعتقلته السّلطات الإسبانية، وقضى قرابة أحد عشر شهرًا في السجن، حاول خلالها الفرار أكثر من مرة، وتعرّض لكسر في ساقه أثناء إحدى المحاولات. وساهمت هذه التجربة في تعزيز قناعته بضرورة مقاومة الاستعمار، قبل أن يعود إلى ممارسة مهامّــه في القضاء. 3- انطلاق المقاومة المسلّحة عقب نهاية الحرب العالمية الأولى كثفت إسبانيا وجودها العسكري في منطقة الريف، حيث نشرت عشرات الآلاف من الجنود بهدف بسط سيطرتها على المنطقة. وقد أثار هذا التوسع استياء القبائل الريفية وقادتها، وفي مقدمتهم القاضي عبد الكريم الخطابي، والد محمد بن عبد الكريم. كان الأب أوّل من شرع في تنظيم المقاومة الريفية سنة 1920 بمساعدة ابنيه محمد وأمْحمد. وعندما عيّن الجنرال الإسباني مانويل فرنانديث سيلفستري حاكمًا عسكريًا للمنطقة، اتّخذ سياسة توسعية اعتمدت بشكل أساسي على القوّة العسكرية، ممّا زاد من حدّة التوتّر بين السلطات الاستعمارية والقبائل الريفية. باشر عبد الكريم الأب تعبئة القبائل وتنظيم المقاومة، وقاد عمليات ضد المواقع الإسبانية قبل وفاته سنة 1920، لتنتقل القيادة الفعلية للمقاومة إلى ابنه محمد بن عبد الكريم الخطابي. وترجّح بعض المصادر أنّ الوفاة كانت بسبب دسّ السمّ. II . حرب الريف ومسار المواجهة مع القوى الاستعمارية 1- مرحلة المقاومة المحليّة (1920-1921) بدأت المواجهات العسكرية مع القوات الإسبانية في جبال الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي وأخيه امْحمد. واعتمدت المقاومة الريفية على حرب العصابات، مستفيدة من الطبيعة الجبلية للمنطقة ومن معرفة المقاتلين الدقيقة بالتضاريس المحلية. كما ركّزت العمليات العسكرية على مهاجمة المواقع المعزولة وخطوط الإمداد الإسبانية بهدف استنزاف القوات المحتلة وإضعاف قدرتها على التوسع. 2- معركة أنوال والانتصار التاريخي (يوليو 1921) تمثّـــل معركة أنوال أهمّ محطات الحرب الشعبية في الريف. فقد تقدّمت القوات الإسبانية بقيادة الجنرال مانويل فرنانديث سيلفستري داخل المناطق الريفية دون تأمين كافٍ لخطوط الاتصال والإمداد، الأمر الذي مكّن القوات الريفية من تنفيذ هجمات متتالية أدّت إلى انهيار الجيش الإسباني وانسحابه بصورة كارثية. أسفرت المعركة عن مقتل الآلاف من الجنود الإسبان والاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وأصبحت الهزيمة تُعرف في التاريخ الإسباني باسم "كارثة أنوال". وقد اعتبر كثير من المؤرخين هذا الانتصار واحدًا من أكبر الهزائم التي تعرّض لها جيش أوروبي في سياق الحروب الاستعمارية خلال القرن العشرين. .III تأسيس جمهورية الريف وتوسيع نفوذها (1922-1924) بعد الانتصارات العسكرية المتتالية تمكن الخطابي من توطيد سلطته السياسية والعسكرية وإرساء مؤسسات جمهورية الريف. فتمّ إنشاء إدارة مركزية وجيش أكثر تنظيمًا، كما وضعت أسس للقضاء والجباية والإدارة المحلية. وفي هذه المرحلة نجحت القوات الريفية في مواصلة الضغط على المواقع الإسبانية، ممّا أجبر إسبانيا على التراجع نحو عدد من المراكز الساحلية المحصّنة. 1- نشأة جمهورية الريف وأسسها السياسية نشأت جمهورية الريف في سياق تصاعد المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال الإسباني لشمال المغرب. وقد أُعلن عنها سنة 1921 عقب الانتصار الكبير الذي حققته القوات الريفية في معركة أنوال، وهي المعركة التي شكّلت نقطة تحول حاسمة في تاريخ المنطقة. استفاد الخطابي من هذا الانتصار لتوحيد القبائل الريفية تحت سلطة مركزية، وسعى إلى تجاوز البنية القبلية التقليدية نحو إقامة مؤسسات حديثة قادرة على إدارة المجتمع وتنظيم المقاومة. وقد تمثلت الأهداف الأساسية للجمهورية في بناء سلطة سياسية مركزية، ومواصلة الكفاح الثوري ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، وإنشاء مؤسسات إدارية وقضائية وعسكرية حديثة. ومن هذا المنظور، تُعتبر جمهورية الريف من أوائل التجارب السياسية في المغرب العربي التي سعت إلى الربط بين التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة. 2- الحرب ضد التحالف الفرنسي الإسباني (1925-1926) أثار اتّساع نفوذ جمهورية الريف مخاوف السلطات الفرنسية في المغرب، خاصة بعد انتقال بعض العمليات العسكرية إلى مناطق النفوذ الفرنسي. ونتيجة لذلك تدخلت فرنسا عسكريًا سنة 1925 إلى جانب إسبانيا، فتحولت الحرب إلى مواجهة غير متكافئة بين الجمهورية الريفية من جهة وتحالف استعماري واسع من جهة أخرى. شهدت هذه المرحلة تعبئة مئات الآلاف من الجنود، وتنفيذ عمليات إنزال بحري واسعة النطاق، كان أبرزها إنزال الحسيمة سنة 1925، بالإضافة إلى استخدام الطيران الحربي بصورة مكثفة. كما تؤكد العديد من الدراسات التاريخية استعمال القوات الإسبانية للأسلحة الكيميائية، وخاصة غاز الخردل، ضد مناطق مدنية وعسكرية في الريف. أمام التفوّق الكبير في العدد والعتاد والحصار البحري والجوي، بدأت قوات الريف تفقد مواقعها تدريجيًا. وفي مايو/أيار 1926 سلّم عبد الكريم الخطابي نفسه للقوات الفرنسية تفاديًا لمزيد من الدمار الذي كان يهدد المنطقة وسكانها. VI. الخطابي وجمهوريته: المصير.. والصّدى والمستقبل 1- أسباب الانتصار الأول وأسباب الهزيمة النهائية يمكن تفسير النجاحات الأولى للمقاومة الريفية بعدة عوامل، أهمها معرفة المقاتلين بطبيعة الأرض، ووحدة القبائل حول قيادة الخطابي، واعتماد أساليب فعالة في حرب العصابات، فضلاً عن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها القيادة الإسبانية، وIIالاستفادة من الأسلحة التي غنمها الريفيون بعد معركة أنوال. في المقابل، تعود الهزيمة النهائية إلى افتقار تجربة الريف الى حزب بروليتاري ثوري وجبهة وطنية متحدة وجيش تحرير شعبي على الصعيد الذاتي أما على الصعيد الموضوعي فقد كان لتدخل فرنسا بثقلها العسكري إلى جانب إسبانيا، والتفوق الكبير للتحالف الاستعماري في الموارد البشرية والتقنية، إضافة إلى الحصار البحري والقصف الجوي واستخدام الأسلحة الكيميائية، تأثيره البالغ. ومن المهم هنا المقارنة بين التجارب الثورية الظافرة في الصين وفيتنام وتجربة جمهورية الريف وطرح سؤال لماذا انتصر ماوتسي تونغ وهوشي منه مثلا بينما انهزم محمد بن عبد الكريم الخطابي ؟ 2- التأثير العالمي لتجربة الريف لم تقتصر أهمية حرب الريف على بعدها المحلي أو المغاربي، بل امتد تأثيرها إلى العديد من حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. فقد أثبتت تجربة الخطابي إمكانية إلحاق الهزيمة بقوة استعمارية أوروبية من خلال حرب العصابات. ويُجمع عدد من المؤرخين على أن انتصار الريفيين في أنوال جذب اهتمام الثوار والمناضلين المناهضين للامبريالية في مختلف أنحاء العالم. غير أن مسألة التأثير المباشر على بعض القادة الآسيويين، مثل ماو تسي تونغ وهو تشي منه، ما تزال محل نقاش أكاديمي. فلا توجد أدلة قاطعة تثبت أن ماو استلهم أفكاره مباشرة من الخطابي عند صياغة وممارسة أفكاره في الحرب الشعبية، كما لا تتوافر نصوص موثقة تؤكد إعجاب هو تشي منه بالخطابي بصورة مباشرة. ومع ذلك، تشير دراسات عديدة إلى أن حرب الريف أصبحت نموذجًا مبكرًا لحرب التحرير الوطنية، وأن تكتيكاتها كانت معروفة لدى الأوساط الثورية والعسكرية في آسيا وأفريقيا. أمّا التأثير الأكثر وضوحًا فقد ظهر في حركات التحرر العربية والمغاربية، وخاصة الثورة الجزائرية، كما ارتبط اسم الخطابي بعدد من الشخصيات الثورية العالمية مثل أحمد بن بلة وتشي جيفارا. 3- عبد الكريم الخطابي بعد سقوط الجمهورية بعد استسلامه سنة 1926، نُفي عبد الكريم الخطابي إلى جزيرة ريونيون في المحيط الهندي، حيث قضى نحو واحد وعشرين عامًا تحت الرقابة الفرنسية. وفي سنة 1947، أي بعد الحرب العالمية الثانية وأثناء نقله إلى فرنسا، تمكّن من الانتقال إلى القاهرة التي أصبحت مركزًا لنشاطه السياسي. وهناك أسّس لجنة تحرير المغرب العربي، التي هدفت إلى تنسيق جهود الحركات الوطنية في المغرب والجزائر وتونس ضد الاستعمار. تميزّ الخطابي داخل اللجنة بدعوته الصريحة إلى الكفاح المسلّح باعتباره السبيل الأكثر فعالية لتحقيق الاستقلال، وهو ما أدّى إلى خلافات مع بعض القيادات الوطنية التي كانت تفضّل الحلول التفاوضية والإصلاحية. خــــــــــــاتمة تمثّل جمهورية الريف تجربة تاريخية فريدة في مسار حركات التحرر الوطني في العالم. فقد جمعت بين المقاومة المسلحة وبناء مؤسسات سياسية حديثة في ظل ظروف استعمارية معقدة. وعلى الرغم من سقوطها سنة 1926، فإنها تركت أثرًا عميقًا في الوعي الوطني المغربي والمغاربي والعربي، وأصبحت رمزًا مبكّرًا للكفاح ضد الإمبريالية. على صعيد العالم قاطبة. كما أن تجربة عبد الكريم الخطابي تجاوزت حدود المغرب لتتحول إلى مرجع مهم في تاريخ حروب التحرر الوطنية، الأمر الذي يفسّر استمرار الاهتمام الثوري بها حتى اليوم بوصفها إحدى أهم التجارب المناهضة للإمبريالية في القرن العشرين. المراجع: 1. Woolman, David S. Rebels in the Rif: Abd el Krim and the Rif Rebellion. Stanford University Press, 1968. 2. Pennell, C. R. A Country with a Government and a Flag: The Rif War in Morocco, 1921–1926. Middle East & North African Studies Press, 1986. 3. Pennell, C. R. Morocco Since 1830: A History. New York University Press, 2000. 4. Roger-Mathieu, J. Mémoires d Abd el-Krim. Paris, 1927. 5. Ayache, Germain. Les Origines de la Guerre du Rif. Rabat, 1981. 6. Balfour, Sebastian. Deadly Embrace: Morocco and the Road to the Spanish Civil War. Oxford University Press, 2002. 7. Abdelkrim et la République du Rif. Paris: L Harmattan, 2000. --------------------- وثيقة تاريخية: ننشر فيما يلي مقالة للشيوعي السينغالي لامين سينغور، الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي، ومحرّرا في جريدة "Le Paria" إلى جانب هو تشي منه. وقد نقلنا ذلك عن مجلة Partisan ، العدد 27 جوان 2026، الناطقة باسم منظمة الطريق البروليتاري الفرنسية. الريفيون ليسوا وحدهم ! إنّهم مع عالم المضطهَدين ! إنّ حركة التحرر التي يخوضها الشعب الريفي ليست حدثًا محليًا. إنها ظاهرة اجتماعية تظهر في الصين كما في المغرب، وتنعكس على كل عالم المضطهدين، سواء في شنغهاي أو تطوان. ولهذا، فإن شعوب المستعمرات فيل أنحاء الأرض ترى في انتصار عبد الكريم النجمة التي ستقودها نحو الخلاص. إن الإسلام، بشكل خاص، يوجه نظره إلى المعركة التي تدور بين هذا الشعب الريفي الصغير الشجاع والعسكرية الفرنسية الهائلة؛ والإسلام كله، وقد غمره الحماس، يراقب هذا المسار المنتصر نحو الاستقلال. وهكذا، فإن الرأسمالية الفرنسية، التي تضطهد عشرات الملايين من المسلمين، تصرخ يأسًا وغضبًا. وبنفاقها المعتاد، تقدم النجاح الريفي على أنه مقدمة لحرب صليبية إسلامية ضد الشعوب المسيحية. ويُوصف الإسلام، الذي يمثله 300 مليون من العبيد الخاضعين لهيمنة الإمبراطوريات الأوروبية، بـ"الهمجية"، بينما تُسمى الرأسمالية الأوروبية "الحضارة الغربية". ولكن ماذا ! ألا تتذكر الإمبريالية الفرنسية أنها هي نفسها التي بنت مسجدًا في باريس، بطلب منها، في محاولة لاحتواء القوة الروحية للإسلام وجذب "أنصار" تحت راية علمها ؟ والآن تشتاط غضبًا من "همجية" المسلمين ؟ إنها تعلم جيدًا أن هذه الحركة ليست حربًا دينية، حرب الهلال ضد الصليب، بل هي حرب المضطهَدين ضد الاضطهاد. قد يُوصف عبد الكريم من قبل الصحافة الرأسمالية الفرنسية بأنه لص أو متمرد أو مغامر، كما وُصف من قبله عبد القادر (الجزائري) وكمال باشا (اتاتورك) وزغلول (سعد) وسون يات سن (الصين). وهذه الإهانات نفسها هي أفضل ما يدفع الشعوب المستعمَرة إلى الالتفاف حول أبطالها الوطنيين. وقد نشأت حركات تضامن مماثلة في الهند ومصر لدعم الجمهورية التركية الفتية، وأجبرت الحكومة البريطانية على التراجع. وبشكل تلقائي، دعمت شعوب المسلمين مصر والهند عند دخولهما في النضال من أجل الاستقلال، واليوم يظهر نفس التعاطف تجاه الشعب الريفي الذي يقاتل للحفاظ على حريته. يمكن للدبلوماسية الفرنسية أن تحرك دمى وخونة من السلاطين أو الخونة لإظهار ولائهم، لكن لا أحد من السكان الأصليين ينخدع بهذه الدعاية الساذجة. إن الشعور الحقيقي للمسلمين يمكن قراءته في الصحافة التركية والمصرية والتونسية والسورية؛ ويمكن رؤيته في رسائل التضامن الموجهة إلى عبد الكريم من جمعية علماء مصر، وفي إنشاء "لجان إغاثة للجرحى الريفيين"، وفي إرسال المساعدات من الهند وفلسطين وسوريا. في مصر، شكّل الأمير عمر طوسون لجنة لمساعدة الريفيين، وبعد تبادل الرسائل مع عبد الكريم، قرر إرسال وفد إلى الريف، ودعت جريدة "المقتبس" في دمشق المسلمين إلى تقليد هذا الفعل. "إن الإنسانية، كما يقول، لها حقوق تعلو فوق الاعتبارات العسكرية أو الاتفاقات بين الدول المتحاربة." وفي تونس والجزائر، تسود أجواء من التعاطف الشعبي رغم كل وسائل القمع الاستعماري الفرنسي. وإذا كانت السفارة الفرنسية في مصر قد اشتكت فقط من لهجة الصحافة العربية المؤيدة للريفيين، فإن حكومتها في شمال إفريقيا تملك سلطات واسعة. ففي تونس تُغلق الصحافة المحلية تعسفيًا، بينما تُنفذ في تونس والجزائر والمغرب المحتل عمليات تفتيش واعتقالات جماعية دون أن تنجح في إخماد العداء المتزايد ضد حرب المغرب. وخلال مناقشات قضية الريف، أعلن بانلوفيه في البرلمان أن جنودًا من السكان الأصليين تمردوا وقيدوا ضباطهم، وأبدى دهشته من هذه الأفعال، رغم اعترافه بأن أكثر من ثلاثة أخماس القوات المستخدمة ضد الريفيين هم من المسلمين. وفي الوقت الذي تزعم فيه الصحافة الفرنسية أن المغاربة "الخاضعين" يصلّون في المساجد من أجل ليوتاي، كانت قبائل يُفترض أنها "مخلصة" تثور وتنضم إلى قوات عبد الكريم. لقد وحّدت حرب الريف، بسبب جشع الرأسمالية الفرنسية ووحشية جيشها، المسلمين، ومعهم جميع المضطهدين في نضالهم من أجل الاستقلال. وفي عروض السلام التي يقدمها عبد الكريم، رئيس جمهورية الريف المؤقت، يطالب بشكل حازم بالاعتراف باستقلال الريف. وسيبذل الريفيون آخر قطرة من دمائهم للحفاظ على استقلالهم. وكل عالم المضطهدين، مسلمين وغير مسلمين، وكل من يناضل للتحرر من هيمنة الإمبريالية الأوروبية، يقف مع الريفيين للمطالبة بالاعتراف باستقلال الريف. لامين سينغور – يوليو 1925 [1] تخليدًا لذكرى المسلمين الذين قُتلوا في خدمة فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، قررت الدولة الفرنسية بناء مسجد في باريس، وتم افتتاحه سنة 1926.
******************************************************* ملفّ العـــــــدد: من أجل مؤتمر ماركسي لينيني ماوي عالمي ترجمة لمجموعة من النصوص من ملفّ العدد الأوّل من مجلّة "صراع الخطّين"، 2022. ******************************************************** النصّ الأوّل: مقترح حول وحدة الحركة الشيوعية العالمية وخطها السياسي العام الحالي اللجنة التنسيقية للمؤتمر العالمي الموحد للماويين (CUMIC) I - المقدّمـــــــة: بصفتنا شيوعيين، نحن أبناء وبنات طبقة واحدة في العالم، هي البروليتاريا العالمية، التي يرتبط مصيرها ارتباطًا وثيقًا بالشيوعية والتي إمّا أن يدخلها الجميع أو لا يدخلها أحد. ولذلك، نُخضع أنفسنا بحزم للأممية البروليتارية كمبدأ أساسي للحركة الشيوعية العالمية، ونكشف عن مبدئنا القوي والخالد الذي أرساه ماركس وإنجلز في بيان الحزب الشيوعي: "يا عُمّال العالم، اتحدوا !" الشيوعية هي الهدف الذي لا مفرّ منه في التاريخ، والبشرية تسير نحوه، وهذا الهدف الذي لا يتراجع سوف يتم الوصول إليه بغض النظر عن التقلبات التي نواجهها اليوم. المهمّة الرئيسية للشيوعيين هي التكيّف وتطوير أنفسهم كحزب شيوعي ماركسي لينيني ماوي، لبدء حرب شعبية وتطويرها من أجل الاستيلاء على السلطة - التي يجب أن نطورّها وفقًا لخصوصية كل بلد- خدمةً للثورة البروليتارية العالمية لتحقيق هدفنا النهائي: الشيوعية. إن وجود حزب شيوعي أمرٌ حاسمٌ لإحداث الثورة البروليتارية في العصر الجديد الذي نتطور فيه. فبدون حزب شيوعي ماركسي لينيني ماوي، لا يمكن للثورة أن تتحقق، ولا يمكن للثورة أن تتطور من تلقاء نفسها للاستيلاء على السلطة الجديدة والدفاع عنها. إنّ الحركة الشيوعية العالمية هي طليعة البروليتاريا العالمية. مشكلتها الرئيسية اليوم هي تشتت القوى، والخطر الرئيسي لا يزال التحريفية. وحدتها مبنية على أساس وتوجيه الماركسية -الماركسية اللينينية الماوية اليوم، وبالأخص الماوية- وتطبيقها على الممارسة العملية للثورة في كل بلد وعلى مسار الثورة العالمية. قال لنا الرئيس ماو: "يُظهر لنا تاريخ الحركة الشيوعية العالمية أن الوحدة البروليتارية تتعزز وتتطور في النضال ضد الانتهازية والتحريفية والانقسامية". نشأ التشتت الحالي مع عودة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، وتفاقم بظهور الخط الانتهازي اليميني، التحريفي والاستسلامي في بيرو، والخيانة التحريفية "البراشندية" في نيبال، والتحريفية التصفوية "الأفاكيانية" في الحركة الأممية الثورية (RIM)، من بين مظاهر أخرى للتحريفية الجديدة في مختلف الأحزاب والمنظمات. كان الانقسام والتشتت الذي تلاه نتيجة خيانة التحريفية الجديدة للمبادئ الأساسية للماركسية في الحركة البروليتارية. إن الخط الفاصل بين الماركسية والتحريفية الجديدة يتمثل في: 1) الاعتراف أو عدم الاعتراف بالماوية باعتبارها المرحلة الثالثة الجديدة والمتفوقة للماركسية وضرورة مكافحة التحريفية وكل أشكال الانتهازية؛ 2) الاعتراف أو عدم الاعتراف بضرورة العنف الثوري -كحرب الشعب - لإحداث ثورة في أيّ بلد؛ 3) الاعتراف أو عدم الاعتراف بضرورة هدم جهاز الدولة القديم واستبدال دكتاتورية البرجوازية بدكتاتورية البروليتاريا؛ 4) الاعتراف أو عدم الاعتراف بضرورة الحزب الثوري للبروليتاريا. لا يمكن للحركة الشيوعية العالمية أن تخطو خطوة واحدة نحو إعادة توحيدها دون مكافحة التحريفية وجميع أشكال الانتهازية، بكل حزم وثبات، عن طريق النضال ضد الإمبريالية وجميع أشكال الرجعية. ولذلك، ننطلق من مبدأ "الصّراع بين الخطّين كقوة دافعة لتطور الحزب"، وهو مبدأ حاسم لصياغة الخط البروليتاري الأحمر والدفاع عنه، ومواجهة الخطوط الأخرى غير البروليتارية، أي الحفاظ على الحزب أحمر. إن الهجوم الشامل المضادّ للثورة الذي شُنّ في مطلع تسعينيات القرن الماضي، والذي قادته الإمبريالية الأمريكية بشكل رئيسي، يُهزم الآن على يد الهجوم المضاد الثوري الماركسي اللينيني الماوي، من خلال حروب الشعب، ونضالات التحرير الوطني، ونضالات البروليتاريا والشعوب المضطهدة في العالم. نُحيّي حروب الشعب البطولية في الهند وبيرو وتركيا والفلبين، والكفاح المسلّح من أجل تحرير الدول التي تحتلّها الإمبريالية. إنّ الصّراع الطبقي في عصر الثورة البروليتارية العالمية والأزمة العامة للإمبريالية واجتياحها، العصر الذي نطوّر فيه أنفسنا، يتبع منطق الشعب الذي أسّسه الرئيس ماو تسي تونغ، والذي يقضي بأنه لا هزيمة حاسمة للبروليتاريا. وبالتالي، فإن عمليات استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي (1956) وفي الصين (1976) لا يمكن أن توقف المسيرة الثورية للبروليتاريا العالمية في طريقها إلى السّيطرة في نهاية المطاف على السلطة. هذه الهزائم ليست سوى لحظات في تطوّر التناقض بين الثورة والثورة المضادة، والتي نستخلص منها دروسًا لمنع عمليات الاستعادة في المستقبل. لقد أنتجت العقود القليلة من دكتاتورية البروليتاريا - التي بدأت بناء الاشتراكية في أكثر من ثلث العالم - أعظم الإنجازات الاجتماعية للجماهير في تاريخ البشرية، والتي لم يتم تحقيقها من قبل. لم يُمثّل انهيار الاتحاد السوفياتي الإمبريالي الاشتراكي في بداية التسعينيات هزيمةً للماركسية ولا فشلاً للاشتراكية، بل إفلاسًا للتحريفية المتحللة والإمبريالية الاشتراكية. الماركسية - الماركسية اللينينية الماوية اليوم، وبالأخص الماوية - هي المذهب الأكمل والأكثر تقدمية وعقلانية في تاريخ البشرية بأسره؛ فهي تُمثّل الجديد لأنها تُمثّل رؤية العالم، وأيديولوجيا الطبقة الأخيرة والأكثر تقدمًا في التاريخ: البروليتاريا؛ الطبقة التي تُدرك دورها التاريخي في دفن الرأسمالية، وبالتالي، المجتمع الطبقي بأكمله. تُعارض الماوية جميع الأيديولوجيات البرجوازية المنحطة والبالية وانحرافاتها التحريفية. على مدى أكثر من 170 عامًا، بدءًا من بيان الحزب الشيوعي عام 1848، نشأت أيديولوجيا البروليتاريا وتطورت في بوتقة الصراع الطبقي على ثلاث مراحل: 1) الماركسية، 2) الماركسية اللينينية، 3) الماركسية اللينينية الماوية. الماوية هي الأيديولوجيا العلمية القائدة للبروليتاريا العالمية، وهي قيادية لأنها صحيحة؛ وهي المرحلة الثالثة الجديدة والمتفوقة من الماركسية؛ الماركسية الحالية التي نتمسك بها وندافع عنها ونطبقها أساسًا. تعمل التحريفية الجديدة لحزب العمال الثوري في بيرو، وكذلك "البراشندية" و"الأفاكيانية"، إلخ، ضمن الحركة البروليتارية العالمية كجزء من الهجوم المضاد للثورة، كتيار مضاد مناهض للماويين يسعى إلى قمع الثورة البروليتارية العالمية. تُنكر التحريفية الجديدة الماركسية والحزب والاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا. إلا أن محور هجماتها يتركز في نفي حرب الشعب كمسألة جوهرية في الماوية - مسألة لا تنفصل عنها. أساس الماوية هو السلطة، أي سلطة البروليتاريا، سلطة دكتاتورية البروليتاريا، السلطة القائمة على قوة مسلحة يقودها الحزب الشيوعي. ومن أبرزها: ١) سلطة بقيادة البروليتاريا في الثورة الديمقراطية؛ ٢) سلطة دكتاتورية البروليتاريا في الثورة الاشتراكية والثورات الثقافية اللاحقة؛ ٣) سلطة قائمة على قوة مسلحة يقودها الحزب الشيوعي، تُنتزع وتُدافع عنها حرب الشعب. وضع الرئيس ماو استراتيجية الثورة العالمية وتكتيكاتها. إنّ تطوير الثورة العالمية هو العامل الرئيسي لمنع الحرب الإمبريالية العالمية، وإذا اندلعت، فعلينا نحن الشيوعيين مواجهتها بحرب شعبية عالمية. وهذا يتطلب منا قيادة حرب شعبية لمواجهة حروب العدوان الإمبريالية ضد الدول المضطهَدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وحتى في أوروبا نفسها. وحتى بدون العدوان الإمبريالي، يجب علينا قيادة حرب شعبية لإحداث ثورة في جميع أنواع البلدان، في مختلف البلدان والقارات، حتى نتقدم نحو حرب شعبية عالمية، والتي سنسحق بها الإمبريالية والرجعية من على وجه الأرض. وبالتالي، فإنّ هذا يتوافق مع قيامنا بثورة عالمية من خلال حرب شعبية، وأساسها هو الأمم المضطهَدة. لذا، فإن الجانب الأساسي للماوية هو السلطة. حرب الشعب وسلطة الطبقة جزءٌ أساسيٌّ منها، وجزءٌ لا يتجزأ منها، ألا وهو المفهوم السياسي والعسكري للبروليتاريا: سلطةٌ تُنتزع وتُدافع عنها القوة المسلحة بقيادة الحزب الشيوعي. يُعبّر الحزب عن الاستراتيجيا السياسية والعسكرية والبناءة للبروليتاريا وفقًا لأنواع الثورة الثلاثة. حربُ الشّعب هي الشّكل الأسمى للنضال، الذي تُحل من خلاله المشكلات الأساسية للثورة، وينبع منها كل خير للشعب؛ وهي الاستراتيجيا العسكرية التي تتوافق مع الاستراتيجيا السياسية (الاستيلاء على السلطة) لتحويل المجتمع لصالح الطبقة والشعب؛ وهي الشكل الرئيسي للنضال، وجيش الشعب هو الشكل الرئيسي للتنظيم، جيش من نوع جديد يُقاتل ويحشد ويُسيّس ويُنظم ويُسلح الجماهير ويُنتج. حرب الشعب هي حرب جماهيرية يقودها الحزب الشيوعي لانتزاع السلطة الجديدة، التي تتجسد في اللجان الشعبية وقواعدها للاستيلاء على السلطة في جميع أنحاء البلاد. لخوض حرب الشعب، لا بدّ من مراعاة أربع مسائل أساسية: ١) تطبيق أيديولوجيا البروليتاريا، الماركسية اللينينية الماوية، على الممارسة العملية وخصوصيات الثورة في كل بلد، سواءً أكانت بلدانًا مضطهَدة أم بلدانًا إمبريالية؛ ٢) ضرورة وجود حزب شيوعي يقود حرب الشعب؛ ٣) تحديد الاستراتيجيا السياسية للثورة الديمقراطية أو الاشتراكية ومسارها؛ ٤) قواعد الاشتباك. تُشكل القوة الجديدة، أو الجبهة-الدولة الجديدة التي تتشكل في قواعد الاشتباك، جوهر حرب الشعب. من أجل إنشاء قواعد عسكرية، وضع الرئيس ماو ثلاثة شروط أساسية: ١) امتلاك قوات مسلحة، ٢) دحر العدو، ٣) تعبئة الجماهير. أي تطوير حرب العصابات، التي تعني القضاء على القوى الحية للعدو، وبالتالي خلق فراغ في السلطة، من أجل إقامة وبناء والدفاع عن السلطة الجديدة، وتدمير علاقات الإنتاج الاجتماعية القديمة وبناء علاقات جديدة. ومن هنا، يتطور التناقض بين السلطة الجديدة/الدولة الجديدة والدولة القديمة، من خلال مراحل إعادة التأسيس وإعادة التأسيس المضادة، وفقًا لسيولة الحرب. الإمبريالية هي المرحلة العليا والأخيرة من الرأسمالية، وهي احتكارية وطفيلية ومتحللة ومُعذبة. إنها تمر بأزمة عامة وأخيرة، ونتيجةً لهذا الوضع، تُعاني من أزماتها الدورية الحتمية التي تتفاقم وتتعمق أكثر فأكثر. ولذلك، عليها أن تسعى دائمًا للتعافي من ظروف أسوأ، لتجرفها الثورة العالمية. الإمبريالية هي الميل نحو الرجعية والحرب بكل أشكالها. ستنهار الإمبريالية والرجعية العالمية في خضم سلسلة من الحروب المتنوعة، وستُمحى من على وجه الأرض بحرب الشعب، وستظهر الاشتراكية. أكّد الرئيس ماو أن "الإمبريالية الأمريكية عملاقٌ ذو أقدامٍ طينية" وأنّ "الإمبريالية نمرٌ من ورق، يجب احتقاره استراتيجيًا وأخذه في الاعتبار تكتيكيًا". إنّ عملية الثورة البروليتارية العالمية التي نتطور فيها تندرج ضمن إطار "خمسين إلى مئة عام" التي ستُمحى خلالها الإمبريالية والرجعية العالمية من على وجه الأرض، كما تنبأ الرئيس ماو. وهكذا، أصبحت الثورة هي التوجه الرئيسي تاريخيًا وسياسيًا في عالمنا اليوم. تتفاقم جميع التناقضات الأساسية في هذا العصر، وأهمها التناقض بين الأمم المضطهَدة والإمبريالية. لم تكن الظروف الموضوعية قط ناضجة للثورة. يتقدم تطور الظروف الذاتية، محطمًا بذلك الهجوم المضاد العام المتراجع، ومحطمًا التشاؤم والاستسلام اللذين ينشرهما التحريفيون. تزداد الظروف يومًا بعد يوم ملاءمةً للثورة. يتطلب تطوير الثورة البروليتارية العالمية المزيد من حروب الشعب. ومن الضروري تشكيل أو إعادة تشكيل أحزاب شيوعية - حسب الحالة - في كل بلد لتطوير حروب شعبية جديدة. بتطبيق تعاليم لينين، "نتعمق في أعماق الجماهير"، و"نربيها على ممارسة العنف الثوري"، و"نتخلص من كومة النفايات الهائلة التي تحارب بلا هوادة الانتهازية والتحريفية". ومن خلال تطبيق الماركسية اللينينية الماوية على الممارسة الملموسة للثورة في كل بلد والثورة العالمية، فإننا نشير إلى الأسس التالية لإقامة وتطوير المؤتمر العام: II- أسس الخطّ العام للحركة الشيوعية العالمية: 1. العصر الجديد مع ظهور الإمبريالية، انقسم العالم بين حفنة من الدّول المضطهِدة من جهة، وعدد كبير من الدّول المضطهَدة من جهة أخرى، مما أنضج الظروف للثورة العالمية. مثّل انتصار الثورة الاشتراكية الكبرى في أكتوبر 1917، بقيادة لينين العظيم والحزب البلشفي، إنجازًا استثنائيًا في التاريخ العالمي، إذ أنهى الثورة البرجوازية العالمية، وافتتح عصرًا جديدًا، عصر الثورة البروليتارية العالمية، ودكتاتورية البروليتاريا. سبقت ثورة أكتوبر الكبرى ثورات عديدة، قدّمت كل منها دفعة جديدة للمجتمع. إلا أن هذه الثورات اكتفت باستبدال نظام استغلالي بنظام آخر. كانت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى أول ثورة خُلقت ونُفِّذت لإقامة مجتمع خالٍ من الاستغلال والقمع - مجتمع بلا طبقات. مثّلت ثورة أكتوبر الاشتراكية نقطة تحول جذرية في تاريخ البشرية، إذ فتحت عهدًا جديدًا على الطريق المضيء والطويل المؤدي إلى الاشتراكية والشيوعية. عززت حكومة جمهورية روسيا الاشتراكية السوفياتية العنف الثوري كسلاح لا غنى عنه لتغيير العالم أجمع. قال لينين: "في ثورة أكتوبر... حقق العنف الثوري نجاحًا باهرًا". لقد تبنّى لينين المبدأ الماركسي للعنف الثوري كقانون عالمي. نؤكد مجددًا على ما أرساه الرئيس ماو من أن "القوة تنبثق من فوهة البندقية" وأننا "نؤيد نظرية القوة المطلقة للحرب الثورية". من أجل تقييم العالم في هذا العصر الجديد نرى أن هناك أربعة تناقضات أساسية يتم التعبير عنها: 1) التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية - التناقض بين النظامين المختلفين جذريًا سيستغرق هذه الفترة بأكملها وسيكون أحد آخر التناقضات التي سيتم حلها، وسيستمر حتى بعد الاستيلاء على السلطة؛ 2) التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا - إنه التناقض بين طبقتين متعارضتين وسيبقى أيضًا بعد الاستيلاء على السلطة، ويتجلى في أشكال أيديولوجية وسياسية واقتصادية مختلفة حتى حله عندما ندخل الشيوعية؛ 3) التناقضات الإمبريالية المؤقتة - هذه هي التناقضات بين الإمبرياليين من أجل الهيمنة العالمية، وهي تحدث بين القوى العظمى، وبين القوى العظمى والقوى الإمبريالية وبين القوى الإمبريالية، وسيتم حل هذا التناقض في فترة من 50 إلى 100 عام؛ 4) التناقض بين الأمم المضطهدة والإمبريالية - إنه النضال من أجل تحرير الأمم المضطهدة من أجل تدمير الإمبريالية والرجعية، وحله مدرج أيضًا في غضون 50 إلى 100 عام، وهو التناقض الرئيسي تاريخيًا خلال هذه الفترة الزمنية بأكملها؛ ومع ذلك، يمكن لأي من التناقضات الأساسية الأربعة أن يصبح التناقض الرئيسي وفقًا للظروف الخاصة للصراع الطبقي، مؤقتًا، أو في بلدان معينة، ولكن التناقض الرئيسي تاريخيًا سيعبر عن نفسه مرة أخرى على هذا النحو حتى حله النهائي. "نحن الماركسيون اللينينيون الماويون، علينا أن ننفّذ ثلاثة أنواع من الثورة من أجل تحقيق هدفنا النهائي، الشيوعية: 1) الثورة الديمقراطية - الثورة البرجوازية من نوع جديد، التي تقودها البروليتاريا في البلدان المتخلّفة، وهي تنشئ دكتاتورية مشتركة للبروليتاريا والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، و(في ظل ظروف معينة) البرجوازية المتوسطة، وكل ذلك تحت هيمنة البروليتاريا من خلال حزبها الشيوعي؛ 2) الثورة الاشتراكية - في البلدان الإمبريالية، والتي تنشئ دكتاتورية البروليتاريا؛ 3) الثورات الثقافية - يتم تنفيذها من أجل مواصلة الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا، وإخضاع والقضاء على جيل الرأسمالية بأكمله والنضال ضد محاولات استعادة الرأسمالية، وهي تعمل على تعزيز دكتاتورية البروليتاريا والسير نحو الشيوعية. علّمنا الرئيس ماو أن "استبدال القديم بالجديد قانونٌ عامٌ أبديٌّ لا مفرّ منه". إنه قانونٌ تاريخيٌّ لا يمكن للطبقات، في نضالها من أجل إرساء نظامٍ اجتماعيٍّ جديد، أن تفرض نفسها دفعةً واحدةً، ولا يمكن أن يختلف الأمر مع البروليتاريا. تُعدّ عودة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي (1956) وفي الصين (1976) جزءًا من التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية - أي النضال التاريخي من أجل استبدال القديم بالجديد. حذّر لينين من أن الطبقات المُستغِلّة لن تستسلم أبدًا بعد هزيمتها ومصادرة ممتلكاتها. سيتضاعف حقدها وجهودها لإعادة الرأسمالية أضعافًا مضاعفة بهزيمتها. لذلك، يجب إخضاعها بحزم لدكتاتورية البروليتاريا لتهيئة الظروف لزوال الطبقات. أعلن لينين: "إن القضاء على الرأسمالية وآثارها، وإرساء مبادئ النظام الشيوعي، يُشكّلان جوهر العصر الجديد في تاريخ العالم أجمع الذي بدأ الآن". لقد أشار لينين بهذه الطريقة إلى أن هذه المهمة سوف تستغرق وقتا طويلا، وأنه من أجل القضاء على الطبقات بشكل كامل فإنه من الضروري ليس فقط القضاء على الطبقات المستغلة، بل أيضا إزالة الفوارق بين المدينة والريف، والعمال والفلاحين، والعمل اليدوي والعمل الفكري وغيرها. لن يُحَلَّ هذا التناقض إلا من خلال عملية طويلة ومعقدة من الاستعادة والاستعادة المضادة، حتى تتوطد دكتاتورية البروليتاريا والاشتراكية في العالم أجمع، ممهدةً الطريق لزوال جميع الطبقات الاجتماعية، ومعها تتلاشى الدولة، وتدخل البشرية في الشيوعية الذهبية المتألقة دائمًا. علَّم الرئيس ماو أن: "الاشتراكية ستحل في النهاية محل النظام الرأسمالي؛ وهذا قانون موضوعي، مستقل عن إرادة الإنسان. ومهما حاول الرجعيون إيقاف عجلة التاريخ، فإن الثورة ستحدث عاجلًا أم آجلًا، وستنتصر بلا شك". 2. مســـار الثّــــورة العــــــالميّة: هناك قوّتان تعملان في الحركة الثورية في العالم أجمع: الحركة الشيوعية العالمية وحركة التحرر الوطني، الأولى هي المرشدة والثانية هي القاعدة. حركة التحرر الوطني هي القوّة الفاعلة داخل الأمم التي اضطهدتها الإمبريالية والرجعية. في عقد 1910، أولى لينين اهتمامًا بالغًا للنضال في الهند والصين وبلاد فارس، مؤكدًا أنّ الثّـورة الاشتراكيّـة لن تقتصر على البروليتاريا ضدّ برجوازيتها، بل ستشمل جميع المستعمرات ضد مضطهديها. وأشار إلى وجود اندماج للقوى: الحركة البروليتارية العالمية الناشطة في جميع أنحاء العالم، وحركة التحرر الوطني للأمم المضطهَدة، وبما أنّ جماهير الأمم المضطهَدة تُشكّل غالبية سكان العالم، فسيكون لها وزن حاسم في الثورة العالمية. ويخلص إلى أن الثورة تتجه نحو الأمم المضطهدة، لكنها لا تُنكر الثورة في الدول الإمبريالية، بل يُظهر أن دولة اشتراكية - كما كان الاتحاد السوفياتي - يمكن أن تتطوّر في خضمّ الحصار الإمبريالي. وهكذا يعمل قانون التطور غير المتكافئ للثورة في العالم. في سياق تطويره لماركس، وضع لينين أسس استراتيجيا الثورة العالمية لتقويض الإمبريالية، ودمج نضال التحرر الوطني مع نضالات الحركة البروليتارية العالمية، وتطوير الثورة. ورغم أن شعار الشيوعيين هو "يا عمّال العالم، اتّحدوا !"، إلا أنه طرح شعارًا يُوجِّه نضال القوتين: "يا عمّال جميع بلدان وشعوب العالم، اتحدوا !". وهذا الشعار الأخير يُوحِّد الحركة البروليتارية لبناء الاشتراكية في البلدان الإمبريالية مع نضالات التحرر الوطني في البلدان المستعمَرة وشبه المستعمَرة، وهو شعار تبنته الأممية الشيوعية. وضع الرئيس ماو استراتيجيا وتكتيكات الثورة العالمية، وحدّد هذه المعضلة وفقًا للمهام آنذاك: "أيها الماركسيون اللينينيون في جميع البلدان، اتحدوا ! يا شعوب العالم الثائرة، اتحدوا؛ أسقطوا الإمبريالية والتحريفية المعاصرة وجميع الرجعيين في مختلف البلدان !". وهكذا دمج حركة التحرر الوطني مع الحركة الشيوعية العالمية، وهاتان القوتان تدفعان تطور التاريخ العالمي. الحركة البروليتارية العالمية هي نظرية وممارسة البروليتاريا العالمية. تناضل البروليتاريا في ثلاثة مجالات - أيديولوجية وسياسية واقتصادية - وبما أنها تظهر [لأول مرة] في التاريخ على أنها الطبقة الأخيرة، فإنها تفعل ذلك. تبرز الإنجازات التالية: 1848، عندما وضع البيان الشيوعي الذي كتبه ماركس وإنجلز الأساس وبرنامج البروليتاريا؛ 1871، كومونة باريس، حيث استولت البروليتاريا على السلطة لأول مرة؛ 1905، بروفة عامة للثورة؛ 1917، انتصار ثورة أكتوبر في روسيا، حيث أقامت الطبقة دكتاتورية البروليتاريا وفتحت حقبة جديدة؛ 1949، انتصار الثورة الصينية، وحلت الدكتاتورية المشتركة للطبقات الثورية بقيادة البروليتاريا والخطوة المتواصلة نحو الثورة الاشتراكية، وتغير موازين القوى في العالم؛ وفي الستينيات، مع الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى بقيادة الرئيس ماو تسي تونغ، استمرت الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا في صراع حاد بين الاستعادة والاستعادة المضادّة. يجب أن نطوّر النّضـــال من أجل المطالب التي تخدم الاستيلاء على السلطة. تُنشئ البروليتاريا النقابات العمالية وتنفّذ الإضراب في إطار نضالها من أجل المطالب، اللذين ليسا مجرد أدوات للنضال من أجلها، بل "يُشكّلان الطبقة للمعارك الكبرى القادمة". الإضراب هو الأداة الرئيسية للنضال من أجل المطالب، والإضراب العام مُكمّل للانتفاضة. تُنشئ البروليتاريا جهازًا سياسيًا: الحزب الشيوعي، المُنافِس تمامًا والمُختلف عن الأحزاب الأخرى، والذي يهدف إلى الاستيلاء على السلطة السياسية، كما عرّفه ماركس. أرسى لينين طابعًا جديدًا للحزب بمُكافحته التأثير المُعيق للنزعة التحريفية القديمة، التي ولّدت أحزابًا عمالية برجوازية قائمة على أرستقراطية العمال وبيروقراطية النقابات والجمود البرلماني، والتي تكيفت مع النظام القديم. لقد طوّر الرئيس ماو تسي تونغ بناء الحزب حول البندقية وطرح البناء المترابط للأدوات الثلاث: الحزب الشيوعي، والجيش من نوع جديد، والجبهة المتحدة الثورية، ويمثّل الحزب الشيوعي الأداة المركزيّة. إنّ البروليتاريا تنتج الإيديولوجيات: الماركسية - اللينينية - الماوية، وخاصة الماوية، من أجل الثورة البروليتارية العالمية. أسّس ماركس الماركسية أساسًا. جمع ماركس وإنجلز أفضل ما أنتجته البشرية: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، والاقتصاد السياسي الإنجليزي، والاشتراكية الفرنسية، لتأسيس أيديولوجية البروليتاريا. لم تتقدم الماركسية خطوة واحدة في حياتها دون أن تكافح ضد المواقف الخاطئة. لذا، عليها أن تواجه برودون والفوضوية، والانحرافات اليمينية، وما يُفترض أنها تطورات إبداعية لدوهرينغ، والمواقف الانتهازية التي ظهرت داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. لقد أظهر مؤسسانا الخالدان، ماركس وإنجلز، من خلال التحليل العلمي، انهيار الرأسمالية وتحولها الحتمي إلى الشيوعية، حيث لن يكون هناك استغلال للإنسان. وقد أرسيا مهمة البروليتاريا في جميع البلدان: النهوض في نضال ثوري ضد الرأسمالية، وجمع جميع العمال والمستغَلّين في هذا النضال. ستتطور التحريفية القديمة بعد وفاة إنجلز - مع برنشتاين وكاوتسكي - وسيحاربها لينين ويهزمها. باختصار، ستؤسس الماركسية الفلسفة الماركسية، أو المادية الديالكتيكية، والاشتراكية العلمية. طوّر لينين الماركسية ورفعها إلى مرحلتها الثانية، الماركسية اللينينية. وقد حقق ذلك في صراعٍ شرس ضد التحريفية القديمة، التي أنكرت الفلسفة الماركسية بدعوى التأسيس على الكانطية الجديدة، وهي مثالية وليست مادية جدلية. في الاقتصاد السياسي، أنكروا التفقير المتزايد، وبالتالي أكدوا على الإمبريالية والرأسمالية، وتجاهلوا مطالب البروليتاريا؛ وأنكروا القيمة المضافة والإمبريالية. وفي الاشتراكية العلمية، عارضوا الصراع الطبقي والعنف الثوري، ونظّروا للسّلمية والقمامة البرلمانية. علّم لينين أن السياسة الثورية للبروليتاريا تُصنع من خلال حزبها الطليعي. فبدون هيئة أركانها العامة، الحزب الشيوعي، لا تستطيع البروليتاريا أداء دورها الرئيسي في تغيير العالم. وبفضل وجود حزب ثوري من طراز جديد، أسسه وقاده لينين، استطاعت البروليتاريا الروسية استغلال الوضع الثوري والرد على الحرب الإمبريالية بحرب أهلية ثورية. قال الرئيس ماو: "مع نشوء أحزاب ثورية من هذا النوع، تغيرت ملامح الثورة العالمية". التحريفية هي إعادة النظر في المبادئ الماركسية باستحضار ظروف جديدة. قال لينين إن التحريفية هي امتداد للبرجوازية في صفوف البروليتاريا، وإن النضال ضد الإمبريالية يتطلب النضال ضد التحريفية لأنهما وجهان لعملة واحدة. وأكد لينين أن التحريفية تسعى إلى تقسيم الحركة النقابية والحركة السياسية للبروليتاريا، وتؤدي إلى انقسام الحركة الاشتراكية. علاوة على ذلك، وفي إطار هذا النضال الدؤوب ضد التحريفية، طرح لينين فكرة تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب ثورية في سياق الحرب العالمية الأولى، كاشفًا بذلك النقابيين القدامى عن كونهم وطنيين اجتماعيين وشوفينيين اجتماعيين؛ وأكّد أنه في أوقات الثورة، من الضروري بناء منظمات جديدة لأنّ الرجـــــــــــــــعيّـــة تهاجم المنظّمــــات الشرعيّــــــة، ويجب عليــنــــــــا تجميع أجهزة سرية، شاملة للعمل الجماهيري. ثم حقّق ثورة أكتوبر من خلال الانتفاضة وبقيادة الحزب الشيوعي. سيواصل الرفيق ستالين مسيرة لينين، وفي مسيرة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، سيناضل ضد الانتهازية وخيانة تروتسكي وزينوفييف وكامينيف وبوخارين. لقد طوّر ستالين هذا النضال لمدة 13 عامًا، ومن الباطل أنه حلّ الأمور إداريًا. خلال الحرب العالمية الثانية، اضطر الاتحاد السوفياتي بقيادة الرفيق ستالين إلى استخدام الأرض المحروقة للدفاع عن أراضيه، وقد كلّف الدفاع عن الوطن الاشتراكي 25 مليون روح. في خضم وضع معقد وصعب، وتحت قيادة الرفيق ستالين، ترسخت دكتاتورية البروليتاريا وانتصار الاشتراكية. أدت الخطط الخمسية التي طُبقت على مدى خمسة وعشرين عامًا إلى أكبر تحول في علاقات الإنتاج، وإلى أقوى تطور لقوى الإنتاج في التاريخ حتى الآن. نحن نؤمن بموقف الرئيس ماو من دور الرفيق ستالين، إذ كان ماركسيًا عظيمًا. علاوة على ذلك، آخذين في الاعتبار أنه هو من عرّف اللينينية ببراعة. تقع على عاتقنا نحن الشيوعيين اليوم مهمة إجراء تحليل وافٍ للحرب العالمية الثانية، وتقييم الأممية الشيوعية، وخاصةً دراسة مؤتمرها السابع دراسةً وافية، وفي هذا السياق، دور الرفيق ستالين، ونشاط التحريفية في فرنسا وإيطاليا، إلخ. في إطار تطويره للماركسية اللينينية، ارتقى الرئيس ماو تسي تونغ بالماركسية إلى أعلى مستوياتها، محولاً نظرية البروليتاريا إلى ماركسية لينينية ماوية. وقد أنجز هذه المهمة في خضم نضال دؤوب ومتواصل، مُحطماً بذلك الخطوط الانتهازية اليمينية داخل الحزب الشيوعي الصيني -ونُسلط الضوء هنا على تحطيم الخطوط التحريفية لليو شاو تشي وذنغ سياو بينغ؛ وعلى الصعيد العالمي، قاد النضال وهزم تحريفية خروتشوف المعاصرة. وقد ساهم ذلك في الثورة الديمقراطية في الصين، والتحول المستمر نحو الثورة الاشتراكية، والثورة الثقافية البروليتارية الكبرى. إنّ الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى هي الجانب الأكثر تطويرا للماركسية اللينينية، من منظور تاريخي، والذي قام به الرئيس ماو؛ وهو الحل للمشكلة الكبيرة المعلقة المتمثلة في استمرار الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا؛ "إنه يمثل مرحلة جديدة، أعمق وأوسع، في تطور الثورة الاشتراكية". دعونا نسلّط الضوء على سؤالين: 1) الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى تمثل إنجازًا في تطوير دكتاتورية البروليتاريا نحو تجذير البروليتاريا في السلطة، وهو ما تم تحقيقه مع اللجان الثورية؛ و2) استعادة الرأسمالية في الصين، بعد الانقلاب المضاد للثورة في عام 1976، فهي ليست نفيًا للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ولكنها ببساطة جزء من الصراع بين الاستعادة ومكافحة الاستعادة، وعلى العكس من كونها نفيًا، فإنها تُظهر لنا الأهمية التاريخية المتعالية التي تتمتع بها الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في المسيرة الحتمية للبشرية نحو الشيوعية. في ظل هذه الظروف، تم إنتاج أكبر عملية سياسية هزت الأرض وأكبر تعبئة جماهيرية شهدتها الأرض على الإطلاق، والتي حدد الرئيس ماو أهدافها على النحو التالي: "إن الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى الحالية ضرورية تمامًا ومناسبة جدًا لتعزيز دكتاتورية البروليتاريا، ومنع استعادة الرأسمالية وبناء الاشتراكية". أكّد الرئيس ماو أن عدم وجود وجهة نظر أيديولوجية سياسية صحيحة يتوافق مع عدم وجود روح، وأن الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى هي ثورة عظيمة هدفها تغيير روح الشعب، أي النظرة العالمية والأيديولوجية، وشحذ البروليتاريا والجماهير العريضة للنضال من أجل السلطة، والدفاع عن دكتاتورية البروليتاريا والثورة العالمية والشيوعية. وهكذا، فإننا، نحن الشيوعيون، لدينا ثلاثة سيوف عظيمة: مؤسسنا ماركس، ولينين العظيم، والرئيس ماو تسي تونغ، ومهمتنا العظيمة هي الدفاع عن الماركسية اللينينية الماوية، وخاصة الماوية، وتطبيقها، ووضعها تحت قيادة وتوجيه الثورة العالمية. بتطبيق قانون التناقض على عملية الثورة العالمية، عملية إزالة الإمبريالية من على وجه الأرض، هناك ثلاث لحظات - لأن التناقض يسود كل شيء وكل تناقض له جانبان متصارعان، في هذه الحالة، الثورة والثورة المضادة. هذه اللحظات هي: 1 الدفاع الاستراتيجي؛ 2 التوازن الاستراتيجي؛ و3 الهجوم الاستراتيجي للثورة العالمية. الدفاع الاستراتيجي للثورة العالمية، الذي يعارض هجوم الثورة المضادة، ينسحب منذ عام 1871 مع كومونة باريس وينتهي في الحرب العالمية الثانية؛ يحدث التوازن الاستراتيجي مع انتصار الثورة الصينية حتى الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى وتطور حركة التحرر الوطني القوية؛ وبعد ذلك تدخل الثورة في الهجوم الاستراتيجي للثورة العالمية، وستكون تلك اللحظة حوالي عقد الثمانينيات حيث نشهد الحرب في إيران والعراق وأفغانستان ونيكاراغوا وبداية حرب الشعب في بيرو، وهي تتصدى للهجوم المضاد الثوري ذي الطابع العام، في العصر الذي يمتد إلى "50 إلى 100 سنة قادمة"؛ ومن هناك سيتطور التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية - التي سيقودنا حلها إلى الشيوعية. علّمنا الرئيس ماو أن الطريق شاق، لكن آفاقه مشرقة. رسّخ الرئيس ماو أن الإمبريالية "تُثير المشاكل، ثم تفشل، ثم تُثير المشاكل مجددًا، ثم تفشل مجددًا... حتى تُهلك؛ هذا هو منطق الإمبرياليين"، كما أن منطق الشعب هو "الكفاح، ثم الفشل، ثم الكفاح مجددًا، ثم الفشل مجددًا، ثم الكفاح مجددًا... حتى النصر؛ هذا هو منطق الشعب". ستنتصر الثورة في العالم أجمع، وستُشرق الشيوعية على الأرض عاجلًا غير آجل، رهنًا بعمل الشيوعيين. 3. الـــوضع الـــعـــــــــالميّ انطلاقًا من أطروحة لينين، يُقدَّر أن العلاقات الاقتصادية للإمبريالية تُشكِّل أساس الوضع العالمي الراهن. وطوال القرن العشرين، تبلورت هذه المرحلة الجديدة من الرأسمالية، مرحلتها العليا والأخيرة، بشكل كامل. ويُعَدُّ تقسيم العالم إلى دول مُضطهَدة ودول مُضطهِدة سمةً مُميِّزة للإمبريالية. لذا، لفهم الوضع الراهن، لا يُمكننا الانطلاق من التناقض الأساسي للرأسمالية، لأننا في مرحلتها العليا والأخيرة، الإمبريالية. هناك ثلاثة تناقضات أساسية في عالم اليوم: التناقض الأول: بين الأمم المضطهَدة من جهة، والقوى العظمى والقوى الإمبريالية من جهة أخرى. هذا هو التناقض الرئيسي في الوقت الراهن، وفي الوقت نفسه، التناقض الرئيسي للعصر. العالم منقسم، في جزء يوجد عدد كبير من الأمم المضطهَدة، وهي دول مستعمَرة أو شبه مستعمرة، وهذه الأخيرة لا تتمتع إلا بسيادة أو استقلال شكلي، وهي خاضعة اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا للإمبريالية؛ وفي الجزء الآخر، هناك حفنة من القوى الإمبريالية، أو القوى العظمى، وفي كلتا الحالتين هي دول مضطهِدة. من جانب القوى الإمبريالية، الإمبريالية الأمريكية هي القوة العظمى المهيمنة الوحيدة، ولا تزال روسيا قوة عظمى ذرية وهناك حفنة من القوى الإمبريالية من الدرجة الثانية. الإمبريالية الأمريكية هي أكبر مُصدّر لرأس المال في العالم، وهو ما يتجلى في اختلال هائل في اقتصادها. وللحفاظ على هيمنتها، تُضطر الإمبريالية إلى خوض حروب عديدة في آن واحد، رغم وجودها العسكري في جميع القارات. وهذا يُؤدي إلى تكاليف اقتصادية باهظة للحفاظ على آلياتها العسكرية الضخمة وتجسسها، وتكاليف ائتمانات الحروب السابقة والحالية، ودعم قدامى المحاربين؛ ناهيك عن التكلفة الاجتماعية الباهظة التي تُسببها على أرضها، واحتقارها لحياة وكرامة جماهير الدول المُضطهَدة (العالم الثالث)، والإبادة الجماعية التي تُمارسها لإخضاعهم، مما يُغذي الكراهية الطبقية لدى جميع شعوب العالم. إنّ دول العالم الثالث تستضيف أكبر عدد من السكان وأفقرهم، وهم عرضة للاضطهاد الإمبريالي، ويعيشون في ظروف لا تتناسب مع مستوى التنمية الذي وصلت إليه البشرية، ويعانون من زوال ظروف معيشتهم والبيئة الطبيعية، ويعانون من حروب النهب الممنهجة التي تشنها الإمبريالية وعملاؤها المحليون. تتطور الرأسمالية البيروقراطية في تلك البلدان (المضطهَدة) على أساس شبه إقطاعي وشبه استعماري. وهي تُولّد الأنماط السياسية والأيديولوجية المناسبة، وتعيق التنمية الوطنية بشكل منهجي، وتستغل البروليتاريا والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، وتحدّ من نفوذ البرجوازية المتوسطة. إنّ عدم الاعتراف بالطابع شبه الإقطاعي للبلدان المضطهدة، وبالتالي ضرورة الحرب الزراعية لحلها، يؤدي إلى إنكار ضرورة الثورة الديمقراطية في تلك البلدان، وضرورة تطوير حرب الشعب كحرب موحدة، حيث الريف هو الرئيسي والمدينة هي المكمل الضروري، لإنهاء الإمبريالية والرأسمالية البيروقراطية وشبه الإقطاع. ستستمر الأزمة العالمية في إلحاق الأذى بالدول المضطهَدة، وما دامت هذه الحالة قائمة، فستظل غنائم إعادة التقسيم الإمبريالية. سياسة الإمبريالية هي المزيد من الاستغلال والعنف ضد الدول المضطهدة، سعيًا لمزيد من إخضاعها لحروب النهب والسلب. خطة الإمبرياليين هي تقسيم الدول في إعادة التقسيم الجديدة، استنادًا إلى موازين القوة العسكرية والتقدم في احتلال المواقع الاستراتيجية. ما يسعون إليه ليس السلام، بل إخضاع الشعوب عبر الاستسلام بـ"اتفاقيات سلام"، لا تُضفي طابعًا رسميًا إلا على ما حققوه في ساحة المعركة. إن دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما أشار الرئيس ماو، هي مناطق العواصف الثورية وقاعدة الثورة البروليتارية العالمية. ومن الضروري التأكيد على أن العالم الثالث يمتد حتى إلى أوروبا نفسها. نؤكد مجدداً أن تقرير المصير الوطني الحقيقي لا يتحقق إلاّ من خلال ثورة ديمقراطية جديدة أو ثورة اشتراكية، حسب كل حالة، من خلال تطوير حرب الشعب، والتي تتطلب، في سبيلها، تشكيل أو إعادة تشكيل أحزاب شيوعية من نوع جديد، أحزاب ماركسية-لينينية-ماوية قادرة على قيادة الثورة إلى غايتها. لقد لخّص الرئيس ماو ببراعة جميع نضالات الأمم المضطهدة وفق المبدأ التوجيهي العظيم التالي: "الدول تريد سيادتها، والأمم تريد تحررها، والشعوب تريد الثورة ! " التناقض الثاني: بين البروليتاريا والبرجوازية في البلدان الإمبريالية. بدأت الأزمة الاقتصادية عام 2008 كأزمة مالية في الولايات المتحدة الأمريكية، ووقعت تداعياتها على جماهير الدول الإمبريالية نفسها وعلى الشعوب المضطهَدة. وهكذا، أصابت بروليتاريا الدول الإمبريالية، التي خاضت نضالات شرسة للدفاع عن الإنجازات التي حققتها طوال القرن العشرين. لم تُتجاوز عواقب هذه الأزمة، ولذلك يأتي انتعاش سوق العمل على حساب انخفاض الجودة، وانخفاض الأجور، وزيادة ساعات العمل. يأتي هذا الانتعاش على حساب زيادة الاستغلال المفرط للطبقة العاملة. يتفاقم التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية نتيجةً لموجات هجرة آلاف لاجئي الحرب والفقراء عمومًا، الذين هربوا من الحرب الإمبريالية والاستغلال والقمع الوحشي في أشباه المستعمرات، مما يُعزز صفوف البروليتاريا في الدول الإمبريالية. هذه الموجات الهجريّة هي نتيجة النظام نفسه و"المأساة الإنسانية" التي تقود إليها، والتي تُفيد الاحتكارات في الدول الإمبريالية بتخفيض تكلفة الإنتاج نتيجةً لتخفيض رواتب هذه القوى العاملة التي لم تُكلّفها شيئًا. في الوقت نفسه، يُذيع الإمبرياليون أنفسهم، بسخرية، عبر وسائل إعلامهم خطر "إرهاب" هؤلاء المهاجرين، ويُروّجون للهستيريا الشوفينية، ويُغذّون العنصرية والقومية. تُطبّق الإمبريالية سياستها الشوفينية الرجعية القائمة على تقسيم الطبقة بين العمال المحليين والمهاجرين لمنع العمل الطبقي الواعي الموحّد للبروليتاريا، ومنعها من تنظيم نفسها كطبقة واحدة ذات مصالح مشتركة، بأيديولوجيا واحدة، وسياسة واحدة، وحزب واحد - الحزب الشيوعي. إنّ التناقض في البلدان الإمبريالية هو أيضًا بين الثورة والثورة المضادة، وليس الأمر يتعلق بتغيير هذا النظام السياسي أو ذاك - أي شكل حكم الدكتاتورية البرجوازية - بل وضع حدّ لدكتاتورية البرجوازية على البروليتاريا والشعب من خلال الثورة الاشتراكية التي يتم تنفيذها من خلال حرب الشعب. يتفاقم التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا، بالإضافة إلى جميع التناقضات الأخرى داخل الدول الإمبريالية. كما أن جميع أنواع الفظائع التي ترتكبها الدول الإمبريالية ضد الدول المضطهَدة، وخاصةً الإمبريالية الأمريكية، تزيد في ردود الفعل العنيفة داخل الدول الإمبريالية نفسها، وهذه سمة من سمات المرحلة الحالية من تفككها. لا بد أن تعود الحرب الإمبريالية إلى موطنها. علاوة على ذلك، فإن القتل المنهجي والمستمر لأفقر الجماهير على يد قوات القمع التابعة للدولة الأمريكية، في أرضهم، هو جزء من الحرب ضد البروليتاريا والشعب الأمريكي، وخاصة ضد السود والمهاجرين من دول العالم الثالث وأحفادهم. في مواجهة الاضطهاد، يتجه الناس إلى الانتفاض والتمرد، وتوجيه البنادق التي أُعطيت لهم لارتكاب الإبادة الجماعية الشاملة في الدول المضطهَدة ضد مضطهديهم. وقد ظهرت بالفعل مظاهر تؤكد هذا التوجه. باختصار، المبدأ هو أن الحركة ضد الحرب الإمبريالية ستنمو، بالتزامن مع التمرد ضد استغلال الطبقة العاملة وقمعها، وتفاقم فقر الجماهير. وهذا ما يحدث في جميع الدول الإمبريالية. التناقض الثالث: تناقض الإمبريالية المؤقت. كما علّمنا لينين، الإمبريالية ليست واحدة، بل هناك دول إمبريالية مختلفة. بمعنى آخر، هناك قوى إمبريالية وقوى عظمى تتقاسم العالم فيما بينها وفقًا لعلاقات القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية؛ علاقات قوة تتغير باستمرار وتتطور بالتواطؤ والتنافس. تتحمل الولايات المتحدة حاليًا وضع القوة العظمى المهيمنة الوحيدة. بعد تفكك الاتحاد السوفياتي الإمبريالي الاشتراكي عام 1991، انخفض الوزن الاقتصادي لروسيا الإمبريالية وكذلك قوتها العسكرية، لكنها لا تزال تحتفظ بطابعها كقوة عظمى نووية. في المقابل، فإن القوى الإمبريالية الأخرى، مثل ألمانيا وإنجلترا وفرنسا واليابان والصين والنمسا وهولندا وأستراليا والسويد وكندا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، تُعتبر أيضًا حفنة من الدول المضطهِدة. منذ عقد التسعينيات، تتنافس هذه الدول على إعادة تقسيم جديد للدول المضطهَدة التي خضعت للاتحاد السوفياتي الإمبريالي الاشتراكي. ومنذ ذلك الحين، تُدرج جميع الأحداث ذات الصلة، سواء كانت حربية أو غير حربية، في أوروبا الشرقية، وفي جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة في آسيا الوسطى، وما يسمى بالشرق الأوسط الموسع (الخليج العربي، والعراق، وأفغانستان، وسوريا، وشمال إفريقيا، إلخ) في هذا الصراع على إعادة التقسيم الجديد لتلك الدول. يتسم الوضع العالمي الراهن بخطة الإمبريالية الأمريكية لتطوير حربها العدوانية بالدم والنار. ويتمثل هدفها الاستراتيجي الرئيسي في انتزاع صفة القوة النووية العظمى من روسيا، وكبح جماح الصين الإمبريالية الاشتراكية، ودفعها إلى الانفتاح الاقتصادي تدريجيًا. وتُستخدم لهذا الغرض، حسب ما يناسبها، تحالفات مع قوى إمبريالية أخرى، كما هو الحال مع ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وغيرها، لزعزعة النظام في مناطق النفوذ ذات الأهمية الاستراتيجية العالية لروسيا، وفرض عقوبات اقتصادية تُشكل تهديدًا لجميع القوى الإمبريالية. بدورها، تبذل روسيا جهودًا للحفاظ على مناطق نفوذها، وخاصة في أوكرانيا وسوريا وإيران. أما بالنسبة للإمبرياليين، سواءً كانوا منفردين أو في تحالفات، فهم ضد دولة مضطهَدة أو العديد من دول العالم الثالث. في هذه اللحظة، لا يتجلى التناقض الرئيسي فحسب، بل يتجلى أيضًا التناقض الثالث - بين الإمبرياليين أنفسهم. تستخدم الإمبريالية الأمريكية سياسة "فرّق تسد" ضد القوى الإمبريالية الأخرى. ينتهك الإمبرياليون كما يشاؤون معاهداتهم الخاصة، وقواعدهم الدولية - مبدأ عدم الاعتداء - لأن القانون يجب أن يتّبعه الآخرون. لهذا السبب، تُروى قصص السلام والوئام بين الإمبرياليين من قبل، مثل قصص "الإمبريالية الفائقة"، التي تنشر مفاهيم رجعية مثل "الإمبريالية الجديدة" و"الاستعمار الجديد" و"الليبرالية الجديدة" و"العولمة" و"الجغرافيا السياسية"، إلخ. هذه نظريات زائفة تُشير بشكل رئيسي إلى الثورة الديمقراطية والنضالات من أجل التحرر الوطني، ويستخدمها الإمبرياليون أنفسهم والتحريفيون على حد سواء. إن الصراع الإمبريالي مطلق والتواطؤ/ التوافق نسبي. وهذا ما يحدد الطابع الظرفي والمؤقت للتحالفات الإمبريالية؛ ولذلك لا يمكن الحديث عن "تكتلات إمبريالية"، فهذا تحريف. وبالتالي، فإن الاتحاد الأوروبي ليس تكتلاً أو "إمبريالية أوروبية"، بل هو تحالف دول أوروبية، خاضعة لهيمنة ألمانيا، في صراع وتواطؤ مع فرنسا، تسعى إلى تعزيز قوتها، وكبح جماح الإمبريالية الأمريكية. إن القوى الإمبريالية من الدرجة الثانية تناضل من أجل تحويل نفسها إلى قوى عظمى جديدة والبدء في التنافس على الهيمنة العالمية واحتلال المكان الذي تحتله الإمبريالية اليانكية اليوم وفرض تقسيم جديد للعالم المقسم بالفعل إلى نظام عالمي جديد من خلال حرب عالمية جديدة. فيما يتعلق بالتناقض بين الاشتراكية والرأسمالية، والذي يتوافق مع كامل عصر الثورة البروليتارية العالمية، فإنه في الوضع الحالي يتم التعبير عنه ويتطور في المجال الأيديولوجي والتاريخي. من منظور رد الفعل، يتجلى هذا التناقض في الهجوم العام المضاد للثورة، الذي يوجَّه حاليًا ضد حروب التحرير الوطني من خلال ما يسمى "الحرب على الإرهاب". نواجهه بالهجوم المضاد الثوري الماركسي اللينيني الماوي، الذي يتطور مع حرب الشعب. في سياق الثورة، يتجلى التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية في أن الاشتراكية تعيش كفكرة في نضالات البروليتاريا وشعوب العالم، وفي المعارك والحروب الشعبية المستمرة في الهند وبيرو وتركيا والفلبين، وفي الدعاية المتواصلة وصراع الخطين المتزايد بين الأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية الماوية من أجل توحيد الحركة الشيوعية العالمية تحت إرشاد الماوية وتطبيق حرب الشعب. في عام 1962، أشار الرئيس ماو إلى أنّ "الخمسين إلى المئة عام القادمة، اعتبارًا من اليوم، ستكون حقبةً عظيمةً من التغيير الجذري للنظام الاجتماعي في العالم، حقبةً ستزلزل الأرض، حقبةً لا تُقارن بأي حقبة تاريخية سابقة. في مثل هذه الحقبة، يجب أن نكون مستعدين لخوض نضالٍ عظيمٍ ستختلف أشكاله وخصائصه اختلافًا كبيرًا عن الماضي". كل ذلك، من جهة، يدفع إلى مزيد من رجعية الدولة البرجوازية (كبار ملاك الأراضي - الدولة البيروقراطية التي تخدم الإمبريالية في البلدان المضطهَدة) لمواجهة الوضع الثوري في ظل التنمية غير المتكافئة في العالم أجمع. ويتمثل هذا التوجه في التقدم نحو مركزية مطلقة للسلطة في يد السلطة التنفيذية - سواءً كانت استبدادًا رئاسيًا أو فاشية - وفقًا لخصوصيات البلدان المختلفة. مركزية السلطة لمواجهة الثورة ولحرب العدوان الإمبريالية. يتطور الوضع الموضوعي على المستوى العالمي، أساسًا، كتفاقم للأزمة العامة للإمبريالية - وهو أمرٌ لا بد حتى من إدراكه من قِبَل الرجعية نفسها. إنه تفاقمٌ لانهيارها. فالثروة الهائلة المُنتَجة اجتماعيًا تتزايد باستمرار مع استيلاء حفنة من الإمبرياليين وكبار البرجوازيين وملاك الأراضي في العالم الثالث على هذه الثروة. وينتج عن كل هذا أزماتٌ أشدّ حدةً ودوراتٌ أقصر ضمن الأزمة العامة والأخيرة للإمبريالية، مما يدفع جميع الدول الإمبريالية إلى شنّ حروبٍ ضاريةٍ من أجل إعادة تقسيمٍ جديدة. كما أشار الرئيس ماو في عام 1958، "لا تزال الإمبريالية على قيد الحياة والإمبريالية اليانكية، باعتبارها القوة العظمى المهيمنة الوحيدة والشرطي العالمي المضاد للثورة، هي العدو الرئيسي لشعوب العالم؛ فهي لا تزال تفعل ما يحلو لها في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؛ ولا تزال تحتل المستعمرات بالقوة، وتقيم قواعدها العسكرية في جميع أنحاء العالم وتفرض حرب نهب؛ وتواصل اضطهاد جماهير الشعب في بلدها". كل هذا أكثر حدة الآن بعد 60 عامًا. لكن الوضع نفسه أصبح أيضًا لا يُطاق أكثر فأكثر، ومن المحتّم أن يثور أكثر من 90٪ من سكان العالم عاجلاً أم آجلاً ضد الإمبريالية والرجعيين. كل ذلك في صراع شرس وفي ظل تطور غير متكافئ، يحدث بالفعل كموجة عظيمة جديدة من الثورة البروليتارية العالمية. منذ بداية هذه الحقبة، تشتد أزمة الإمبريالية والرأسمالية البيروقراطية في العالم أجمع. وكلما تعمق تحللها، ازدادت جميع التناقضات حدة؛ مما يطور الوضع الثوري في ظل تطور غير متكافئ في العالم أجمع. يتجلى هذا الوضع في النشاط الجماهيري الهائل، ويجعل انفجاره جميع الرجعيين وأتباعهم التحريفيين يرتعدون. ويتجلّى في كل مكان في انفجارات هائلة لم يسبق لها مثيل. يلتقي الوضع الموضوعي بوتيرة سريعة مع العامل الذاتي، ولا سيما عملية تأسيس الأحزاب الشيوعية، كأحزاب ماركسية لينينية ماوية، ولا سيما أحزاب ماوية من نوع جديد، لبدء حروب شعبية جديدة. وهكذا تنفتح لحظة جديدة، فترة من الثورات كجزء من هذه الموجة العظيمة الجديدة من الثورة البروليتارية العالمية، ضمن فترة "الخمسين إلى المائة عام" التي تشمل الهجوم الاستراتيجي للثورة العالمية. يحدد هذا الوضع مهام الأحزاب الشيوعية واستراتيجيتها وتكتيكاتها في العالم أجمع. 4. الحـــــركة الشيوعيّـــــة العـــــــالمية: نؤكّد مجدداً على صحة بيان الحزب الشيوعي الصادر عام 1848 (بما في ذلك جميع مقدماته وملاحظاته التي كتبها ماركس وإنجلز، وخاصةً مقدمة عام 1872)، والذي يُعدّ بداية ولادة الحركة الشيوعية العالمية وحجر الزاوية فيها. فقد أرسى المبادئ الأساسية وبرنامج الثوريين البروليتاريين. وبما أنّ مؤسسَيْنا العظيمين، ماركس وإنجلز، قد أطلقا النداء العظيم والمبدأ الأساسي "يا عمّال العالم، اتحدوا !"، فإنّ هذا المبدأ النضالي يُلهم نضالات البروليتاريا في جميع أنحاء العالم ويرشدها نحو طريق التحرّر. لقد أشعلت شرارة الثورة التي أشعلها ماركس وإنجلز العالم، وغيّرت مجرى التاريخ العالمي إلى الأبد. قال ماركس: "إن تجربة الماضي تعلمنا أن نسيان الروابط الأخوية التي يجب أن توجد بين عمال البلدان المختلفة والتي من شأنها أن تشجعهم على دعم بعضهم البعض في جميع نضالاتهم من أجل التحرر، يعاقب عليه بالهزيمة المشتركة للجهود المعزولة". أكّد لينين أن الأممية البروليتارية الحقيقية تتطلب: "أولاً، إخضاع مصالح النضال البروليتاري في بلد ما لمصالح هذا النضال على الصعيد العالمي؛ ثانياً، أن تكون الأمة التي تحقق النصر على البرجوازية قادرة ومستعدة لتقديم أعظم التضحيات الوطنية من أجل الإطاحة برأس المال العالمي". رفع الرئيس ماو مستوى الأممية إلى أعمق معانيها عندما أكّد: "إنها روح الشيوعية". وهكذا فإن تاريخ الحركة الشيوعية العالمية هو عملية نضال مجيدة، ناضل من خلالها شيوعيو العالم ويكافحون من أجل توحيد أنفسهم من أجل تحقيق الهدف الثابت: المجتمع الشيوعي. تم بناء ثلاث أمميات في هذا النضال البطولي: تأسست الأممية الأولى، أو رابطة العمال الدولية (IWA)، على يد ماركس وإنجلز عام 1864 في صراعٍ شرس ضد الفوضويين والبلانكيين وغيرهم من أصحاب التوجهات الأخرى، لإثبات أن أيديولوجيا البروليتاريا واحدة فقط -الماركسية- وأنها متينة ومرتبطة علميًا بالطبيعة العالمية للبروليتاريا وحزبها الثوري، مما وضع الأساس الأيديولوجي للثورة البروليتارية. عندما تسلل الانتهازيون إلى الأممية وحاصروها، صرّح ماركس بأنه من الأفضل إنهاء وجود رابطة العمال الدولية بدلًا من أن تُقتل في ظل وحدةٍ بلا مبادئ. أسس إنجلز الأممية الثانية، القائمة على الماركسية، عام 1889، وساهمت في تكاثر المنظمات والأحزاب الاشتراكية العمالية، لا سيّما في أوروبا وأمريكا الشمالية. بعد وفاة إنجلز، هاجمت تحريفية برنشتاين وكاوتسكي قيادة الأممية الثانية، فانحطت إلى انتهازية، وأفلست نهائيًا خلال الحرب العالمية الأولى، عندما عارض قادتها النضال ضد الحرب الإمبريالية بذريعة الدفاعية (الدفاع عن الوطن الأم). رفضوا تحويلها إلى ثورة، ودعموا الحرب الإمبريالية والبرجوازية في بلدانهم، وصوّتوا لصالح امتيازات الحرب في البرلمان، وتحولوا إلى خونة اجتماعيين، وشوفينيين اجتماعيين. كان تأسيس الأممية الثالثة، في مارس/آذار 1919، ثمرة نضال طويل خاضه يسار الحركة الشيوعية العالمية، والذي تطور تحت القيادة العظيمة للينين والحزب البلشفي. نضالٌ ضد كل تحريفية وانتهازية للأحزاب الأعضاء في الأممية الثانية، التي تكيّفت مع النظام القديم. صاغ لينين الأممية الثالثة وموّلها كأداة حربية لتحقيق الثورة البروليتارية العالمية وبناء دكتاتورية البروليتاريا. ويمثل تأسيس الأممية الثالثة قفزة نوعية في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية. الأممية الثالثة - الأممية الشيوعية (CI) أو الكومنترن - استمرت لمدة 24 عامًا، وعقدت سبعة مؤتمرات عالمية خلال تلك الفترة حتى حلّها في عام 1943. كان عليها أن تتطور في سياق معقد يتمثل في فقدان مؤسسها وزعيمها الرئيسي - لينين العظيم - في عام 1924، والتحديات الكبرى لبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، وصعود الفاشية إلى السلطة في العديد من بلدان العالم - وخاصة في أوروبا - وبداية الحرب العالمية الثانية. لقد تأثّر وجودها بشدة بالصراع الخطي المكثف والصعب الذي تطور داخل الحزب البلشفي والذي استمر 13 عامًا، حيث كان على اليسار بقيادة الرفيق ستالين أن يكافح بعناد من أجل فضح وسحق التروتسكية والبوخارينية والزمرة الانتهازية اليمينية لكامينيف-زينوفييف، من بين العصابات والخطوط السوداء الأخرى، ضد الجهود المبذولة لتقويض دكتاتورية البروليتاريا في الاتحاد السوفياتي، ومحاولاتهم اغتصاب قيادة الأممية الشيوعية والأجهزة المسيطرة لفرض سياساتهم على العديد من القطاعات - وهي أفعال شائنة تسببت في أضرار جسيمة. نتيجةً لذلك، عانت الأممية الشيوعية من انحرافات يمينية ويسارية، لا سيما بين المؤتمريْن الخامس والسابع، وأصدرت نصائح وتوجيهات خاطئة أضرت بالأحزاب والعمليات الثورية. إلا أن المبدأ الأساسي كان أن الرفيق ستالين قاد - مطوّرًا صراع الخطين - اليسار داخل الأممية الشيوعية، مانعًا الاستيلاء التحريفي عليها، ومحطمًا نفوذ التروتسكيين والزينوفييفيين في قيادتها. وتحت قيادة الرفيق ستالين الصحيحة والمبررة، حافظت على هيبتها، وسادت الماركسية اللينينية، ولم تستطع التحريفية أن تنهض. كان للمؤتمر السابع عام 1935 أهمية خاصة نظرًا لظروف تلك الفترة والتحديات التي واجهتها. كان على هذا المؤتمر المهم أن يواجه مشاكل جديدة وواسعة النطاق في خضم وضع صعب ومعقد. أرسى المؤتمر السابع تكتيك الجبهة العالمية المناهضة للفاشية والجبهة الشعبية للدفاع عن دكتاتورية البروليتاريا وتطوير الثورة البروليتارية، مع التصدي للهجوم الفاشي المضاد للثورة. وبذلك، ولأول مرة في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية، استطاعت البروليتاريا العالمية وجماهير الشعب في العالم أجمع أن تتحد تحت راية واحدة، وسياسة واحدة، وخطة واحدة، وقيادة واحدة، بجيش قتالي واحد، مما شكّل أساس مهمّة لينين في العمل كآلة حرب حقيقية للثورة العالمية. تحت قيادته، ثارت مئات الملايين من الجماهير كسيلٍ من الفولاذ ضد الفاشية، من أجل الثورة، ودفاعًا عن الاتحاد السوفياتي. وبرزت الثورة الصينية، التي غيّرت موازين القوى في النضال ضد الإمبريالية والرجعية عالميًا، لصالح الاشتراكية والبروليتاريا والشعوب المضطهدة. بقيادة الأممية الثالثة، خاض الشيوعيون في عشرات البلدان، ليس فقط في أوروبا بل وفي آسيا أيضًا، نضالاتٍ مسلحة بطولية كحرب عصابات، كما في الحرب الأهلية الإسبانية. في البلدان التي لم تنجح فيها الثورة، كان السبب الرئيسي هو عدم وجود أحزاب شيوعية ناضجة وجاهزة، قائمة على الماركسية اللينينية. مع ذلك، وكما يُظهر التاريخ، ساهم نضالها في هزيمة الفاشية، وأظهر الشيوعيون للعالم أجمع بسالة الشيوعيين وبطولتهم العالية، فلم يسمحوا بانهيار معنويات الطبقة العاملة. بتطبيق قرارات المؤتمر السابع، استطاع الحزب الشيوعي الصيني، بقيادة الرئيس ماو، تطبيق سياسة الجبهة التي تلبي متطلبات الثورة في الصين، مطبقًا الاستقلالية والقرار الذاتي، ودحر الفاشية اليابانية، ومواصلًا حرب التحرير حتى الاستيلاء على السلطة في جميع أنحاء البلاد، وهزيمة الطبقات الحاكمة المحلية وأسيادها الإمبرياليين، وإكمال ثورة الديمقراطية الجديدة، والدخول في ثورة اشتراكية بلا انقطاع. وقد أدى التطبيق الإبداعي للماركسية اللينينية والخط الذي رسمه المؤتمر السابع في الممارسة العملية للثورة الصينية إلى تطوير فهم أشمل وأكمل للجبهة المتحدة، وتطوير النظرية العسكرية للبروليتاريا: حرب الشعب. كانت المشاكل والانحرافات التي حدثت في العديد من البلدان تتعلق أساسًا بالتطبيق، وتقع المسؤولية الرئيسية على عاتق الأحزاب الشيوعية، المسؤولة عن تطبيق الخط الأممي في بلدانها. وانطلاقًا مما طرحه الرئيس ماو، ولتقييم هذه التجربة تقييمًا سليمًا، من الضروري رسم خط فاصل واضح بين من كانوا لا يزالون ضمن الماركسية ومن وقعوا في التحريفية. أما في المجموعة الأولى، فعلينا التمييز بين أخطاء المبادئ وأخطاء العمل. علاوة على ذلك، طوّر الرئيس ماو القوانين الخمسة للجبهة المتحدة، وتطرق إلى الأدوات الأساسية الثلاث للثورة وعلاقتها ببعضها البعض. في بعض البلدان مثل إيطاليا وفرنسا، وبسبب المواقف الانتهازية اليمينية في قيادة الأحزاب الشيوعية، ابتعدت هذه الأحزاب، بعد خوضها النضال المسلح في المقاومة البطولية ضد النازية والفاشية، عن توجهات الأممية الشيوعية والمبادئ الأساسية للماركسية اللينينية، واستسلمت قياداتها أمام البرجوازية بينما ركزت على الدفاع عن النظام الليبرالي الديمقراطي وخانت الثورة، وتدهورت إلى أكثر أنواع النزعة التحريفية تطرفاً وفساداً. على الصعيد العالمي، وتحت قيادة الرفيق ستالين، طُبِّقت الجبهة المناهضة للفاشية ببراعة، وكان محورها الدفاع عن دكتاتورية البروليتاريا، ممثلةً بالاتحاد السوفياتي. ومن خلال ذلك، واجهت دكتاتورية البروليتاريا الفاشية، وتقدَّمت الثورة العالمية. كان انتصار الحرب المناهضة للفاشية انتصارًا للاشتراكية، انتصارًا للبروليتاريا العالمية وشعوب العالم المضطهَدة على الإمبريالية والرجعية العالمية، انتصارًا للماركسية اللينينية على التحريفية. مع انتصار الحرب ضد الفاشية، ضعف المعسكر الإمبريالي وازدادت الثورة البروليتارية قوة. وبفضل الدور المجيد للجيش الأحمر وحروب المقاومة، امتدت الثورة عبر أوروبا الشرقية والوسطى لتصل إلى جزء من ألمانيا، مما زاد من نفوذ المعسكر الاشتراكي. ومن اللافت للنظر أنه مع انتصار الثورة الصينية عام 1949، تغير ميزان القوى بين الثورة والثورة المضادة على الساحة الدولية لصالح الثورة العالمية، التي دخلت مرحلة التوازن الاستراتيجي، وبرز معسكر اشتراكي قوي وحركة تحرر وطني قوية في المستعمرات وأشباه المستعمرات. ولهذا السبب نعتبر أن المؤتمر السابع كان مؤتمرا ماركسيا لينينيا مهما زود البروليتاريا بخط سياسي مبرر وصحيح لمحاربة الفاشية والتقدم بالثورة البروليتارية العالمية. وعلى الرغم من أن الأممية الشيوعية والرفيق ستالين ارتكبا بعض الأخطاء في المسار، فإن مشاكل الانحرافات والخيانة الخطيرة كانت ناجمة عن التحريفية في قيادة تلك الأحزاب، والتي لا يمكن أن تعزى إلى الرفيق ستالين أو الحزب الشيوعي السوفياتي أو الأممية الشيوعية. عندما نستعرض تاريخ الحركة الشيوعية العالمية والثورة البروليتارية، نرى أن الرفيق ستالين عرف كيف يطبق بحزم وذكاء، في خضم وضع معقد وصعب، تعريف لينين للأممية البروليتارية الحقيقية وكيف يخضع المصالح الخاصة والوطنية لمصالح البروليتاريا العالمية ككل، واضعًا الدفاع عن الثورة البروليتارية العالمية وقضية الشيوعية في المقام الأول. في عام 1943، انحلت الأممية الشيوعية ذاتيًا، ودخلت الحركة الشيوعية العالمية مرحلة من التشتت النسبي، نتجت أساسًا عن العمل الانقسامي والخائن للتحريفية المعاصرة. كانت التحريفية الحديثة أو المعاصرة تيارًا معاكسًا، مثّله براودر، وتيتو، وتولياتي، وثوريز، وخروتشوف الرئيسي والمؤتمر العشرين سيئ السمعة للحزب الشيوعي السوفياتي حيث اغتصبت عُصبته قيادة الحزب وحولته إلى حزب تحريفي وقوّضت دكتاتورية البروليتاريا وقوّضت المبادئ الأساسية لوحدة الحركة الشيوعية العالمية. إن مهمة الشيوعيين في التوحيد على المستوى العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية وموت الرفيق ستالين، تتم في نضال شرس ضد التحريفية المعاصرة، حيث يبرز الرئيس ماو باعتباره القيادة العظمى المتنامية للثورة العالمية. في عامي 1957 و1960، عُقد مؤتمران دوليان للأحزاب الشيوعية وأحزاب العمال في موسكو. وتوافقت بيانات هذين المؤتمرين مع تطور صراع الخطين في الحركة الشيوعية العالمية آنذاك، بالنظر إلى الثقل الكبير الذي كان يتمتع به الحزب الشيوعي السوفياتي، وعكست حسن إدارة اليسار بقيادة الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني للصراع، مطبقين مبدأ العمل بالعقل والمنفعة دون تجاوز. انعقد المؤتمر الثاني والعشرون للحزب الشيوعي السوفياتي عام 1961، ونظم مواقف التحريفية الحديثة فيه. حدد الرئيس ماو، قائد الحزب الشيوعي الصيني، جوهر التحريفية الجديدة، التي نظمها في "السلميات الثلاثة" و"الكليتان". حرّف خروتشوف أطروحة لينين عن التعايش السلمي التي تميز العلاقات بين الدول عن العلاقات داخل الدول، لطرح "التعايش السلمي" كخط عام للحركة الشيوعية العالمية. بالنسبة لخروتشوف، كانت المشكلة هي تجنب الحرب لأنه، وفقًا له، لم تميز الأسلحة الذرية بين المستغلين والمستغلين، ولهذا السبب كان على الرجال أن يتحدوا لمنع اختفاء البشرية. طرح "الانتقال السلمي" أن الثورة لا تحتاج إلى عنف ثوري، ولكن يمكن للمرء أن يستبدل نظامًا اجتماعيًا بآخر من خلال "الطريقة السلمية"، من خلال الانتخابات، من خلال البرلمانية. أما بالنسبة لـ"المحاكاة السلمية"، فقد دافعوا عن أنه من أجل تدمير النظام الإمبريالي، يجب على النظام الاشتراكي أن يقوم بمحاكاة ليُظهر للإمبرياليين تفوق النظام الاشتراكي وبالتالي سيتحول الإمبريالي إلى الاشتراكية. كانت أطروحة "دولة الشعب كله" التحريفية تهدف إلى إنكار الطابع الطبقي للدولة وكانت ضد دكتاتورية البروليتاريا بشكل ملموس. "حزب الشعب كله" هي مكيدة أخرى أنكرت الطابع الطبقي للحزب كحزب للبروليتاريا. وهكذا، دعا خروتشوف إلى أن المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي هو البرنامج الجديد للشيوعيين واستبدل البيان الشيوعي بمعضلة البرجوازية المتمثلة في "الحرية" و"المساواة" و"الإخاء". البيان هو برنامج الشيوعيين، وقد أشعل إنكاره الصراع بين الماركسية والتحريفية وزاد من حدته. في 14 جوان 1963، صدرت "اقتراح حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية"، المعروف أيضًا باسم "الرسالة الصينية"، تلتها "التعليقات التسعة"، حيث كشف الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني ببراعة عن التحريفية المعاصرة وحطّموها في جميع جوانبها. ولم تتمكن الحركة الشيوعية العالمية من رفع عملية إعادة التوحيد حول القيادة العظيمة للرئيس ماو ومساهماته في الثورة البروليتارية العالمية إلا من خلال التمييز العميق الذي أحدثه الجدل الكبير الذي قاده الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني. لقد طور الرئيس ماو هذا النضال في وقت واحد مع النضال ضد الخط الانتهازي اليميني داخل الحزب الشيوعي الصيني الذي اغتصب أجهزة مهمة في الحزب والدولة. اعتبر الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني أنه في ظل هذه الظروف، لا يكفي تشكيل أممية شيوعية جديدة، لأن الأساس الأيديولوجي والسياسي، الذي كان ينبغي أن يكون الماركسية اللينينية (فكر ماو تسي تونغ) آنذاك، لم يكن محددًا. وعلى وجه الخصوص، لم يقبل حزب العمل الألباني، بقيادة أنور خوجا، فكر ماو تسي تونغ، وأراد أممية قائمة على الماركسية اللينينية فحسب، دون مراعاة التطورات الجديدة التي شهدتها، لأن خوجا كان في جوهره معارضًا لفكر ماو تسي تونغ. مع الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في الصين، ازداد نفوذ الرئيس ماو تسي تونغ عالميًا. ويركز الحزب الشيوعي الصيني على قضايا ملحة للغاية، مثل استعادة السلطة في جمهورية الصين الشعبية من اغتصاب ليو تشاو تشي ودنغ سياو بينغ للسلطة من قِبل التحريفيين، وكيفية مواصلة الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا. وهكذا، وفي خضم الصراع الطبقي الوطني والعالمي ضد التحريفية، تحول الرئيس ماو إلى سيد البروليتاريا العظيم والقائد العظيم للثورة العالمية، وتطور فكره إلى المرحلة الثالثة من الماركسية، وإن لم يُمنح النضال من أجل تعريفها والاعتراف بها إلا لاحقًا. توفي الرئيس ماو في سبتمبر/أيلول 1976، وقام التحريفيون الصينيون بانقلاب مضاد للثورة هاجموا فيه الرئيس ماو وفكره. وهكذا، واجهت وحدة الماركسيين مشاكل خطيرة ومعقدة. بوفاة الرئيس ماو، واغتصاب التحريفيين للسلطة في الصين على يد دنغ وأعوانه، تشتت الشيوعيون في العالم، بلا مركز ولا قاعدة للثورة العالمية؛ وقد أظهرت الثورة المضادة مخالبها لإنكار الرئيس ماو وصلاحية فكر الماركسية اللينينية وماو تسي تونغ، وأطلقت هجومًا تحريفيًا ثلاثيًا من دنغ سياو بينغ (التحريفية الصينية)، وخوجا (التحريفية الألبانية)، وبريجنيف (التحريفية الروسية). لقد فتح الانقلاب المضاد للثورة في الصين عام 1976 مرحلة جديدة من التشتت العميق في الحركة الشيوعية العالمية، حيث أطلقت الإمبريالية اليانكية هجومًا مضادًا للثورة، حيث ركزت هجومها بشكل مركزي وأساسي على انتزاع روح الثورة - أيديولوجيتها، الماركسية اللينينية - الماوية، وبشكل أساسي الماوية. في خريف عام 1980، وقعت ثلاثة عشر حزبا ومنظمة شيوعية على إعلان "إلى الماركسيين اللينينيين والعمال والمضطهدين في جميع البلدان" والذي دعا الشيوعيين إلى الاتحاد حول الماركسية اللينينية وفكر الرئيس ماو، ولكن لم يعتبروه مرحلة جديدة، وبالتالي لا يتمتع بصلاحية عالمية، وهو عمل تم تنفيذه بشكل رئيسي من قبل الحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة الأمريكية. في عام 1984، انعقد مؤتمرها الثاني، وتقرر تأسيس الحركة الثورية الأممية. وفي بيانها التأسيسي، أكدت الحركة أنها تسترشد بالماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ. لقد كانت الحركة الأممية الثورية خطوةً إلى الأمام على طريق إعادة التوحيد، لذا من الضروري إجراء تقييم صحيح ومبرر لهذه التجربة. ولذلك، من الضروري تحليل مسار صراع الخطين داخل الحركة الأممية الثورية ودور كل حزب. وكما هو الحال في أي هيئة ثورية، تبلور اليسار والوسط واليمين في سياق تطور صراع الخطين في جوهره. في عقد الثمانينيات، أيد الحزب الشيوعي البيروفي (PCP)، تحت القيادة العظيمة للرئيس غونزالو، الماوية ودافع عنها وطبقها باعتبارها المرحلة الثالثة والجديدة والمتفوقة للماركسية في الحركة الشيوعية العالمية. تمثلت المساهمة الرئيسية للرئيس غونزالو في الحركة الشيوعية العالمية في تعريف الماوية بطريقة كاملة وعلمية من خلال دعمها والدفاع عنها وتطبيقها مع بدء وتطوير حرب الشعب في بيرو التي بدأت في 17 ماي 1980. كان لهذا الحدث أهمية أساسية للثورة البروليتارية العالمية والحركة الشيوعية العالمية لأنه أثبت صحة الماوية وحرب الشعب. بعد سقوطه البطولي (غونزالو) في 11 سبتمبر 2021، قُتل بعد مقاومة لمدة 29 عامًا في نظام عزلة مطلقة في زنزانات الإمبريالية والرجعية، تم نقش اسمه بشكل دائم في معرض عمالقة البروليتاريا العالمية العظماء. ومن خلال عمل الحزب الشيوعي البيروفي داخل الحركة الأممية الثورية، فقد وصل الأمر إلى الاعتراف بالماوية كمرحلة جديدة من الماركسية في عام 1993. استمرت الحركة الأممية الثورية لأكثر من عشرين عامًا بقليل منذ تأسيسها عام 1984 حتى تصفيتها عام 2006 على خلفية خيانة براشاندا لحرب الشعب في نيبال، وادعاء الحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة الأمريكية (RCCPUSA) إخضاع هذه الحركة لـ"التوليف الجديد" التحريفي لأفاكيان. حُلّت رسميًا عام 2012. وعكس وجودها صراع الخطين في الحركة الشيوعية العالمية. خدمت الحركة الأممية الثورية الثورة البروليتارية العالمية ومهمة النضال من أجل إعادة توحيد الشيوعيين، عندما تمكّن اليسار، بنضاله الدؤوب، من الحفاظ على النضال من أجل فرض الماوية كقيادة وحيدة ومرشد للثورة العالمية في جوهرها. ومع ذلك، مع اعتقال الرئيس غونزالو في عام 1992، وبعد وقت قصير من الضربات التي تلقتها حرب الشعب في بيرو ــ والتي أعاقت عمل اليسار داخل الحركة الشيوعية العالمية ــ استغل الحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة الأمريكية، المتقارب مع الخط الانتهازي اليميني، والتحريفي والاستسلامي (ROL)، الوضع المعقد لمهاجمة اليسار والتقدم على هيمنته الصغيرة ــ فنشر في البداية ما يسمى "التوليف الجديد" التحريفي المعارض للماركسية اللينينية الماوية في شكل مخفي، ثم علنا. كانت الحركة الأممية الثورية تدخل في حالة من انعدام التماسك بشكل أكبر. وقد تفاقم هذا الأمر عندما تواطأ الحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة أفاكيان، بالشراكة مع براشاندا، وتنافسا، بعد نشر إعلان: من أجل قرن من حروب الشعب من الحركة الأممية الثورية (2000)، وبدآ في إنكاره وسقط كلاهما في طريق التحريفية مما زاد من هجماتهما ضد الماوية، وفي السنوات التالية، تنافس التياران والشخصيات التحريفية على الهيمنة، ليس فقط في الحركة الأممية الثورية ولكن على مستوى الحركة الشيوعية العالمية بأكملها، كما ازداد التفكك الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي للحركة الأممية الثورية حدة. وأخيرًا، فُرضت مواقف الهيمنة التحريفية في لجنة الحركة الأممية الثورية. ونتيجة لذلك، توقفت الحركة الأممية الثورية عن لعب دور إيجابي وتدهورت ودخلت في الإفلاس والتصفية. اليوم، عندما يتم إنتاج موجة عظيمة جديدة من الثورة البروليتارية العالمية في العالم مع الحروب الشعبية المستمرة في الهند وبيرو وتركيا والفلبين، وإعدادها في العديد من البلدان الأخرى، مع ظهور النضالات البطولية للمقاومة الوطنية ومقاومة الشعب في جميع أنحاء العالم، عندما تشتد الأزمة العامة للإمبريالية وغرقها بشكل كبير، فمن الضروري والملح رفع صراع الخطين في قلب الحركة الشيوعية العالمية إلى مستوى أعلى من أجل إقامة وتطوير خطها السياسي العام الضروري والمبرر والصحيح وتعزيز هذه الموجة العظيمة الجديدة من خلال شرارة الثورة مع الحرب الشعبية في العديد من البلدان والمزيد من التقدم حيثما يتم خوضها بالفعل، وكذلك في الحركة الثورية المناهضة للإمبريالية تحت هيمنة البروليتاريا. لهذا السبب، من الضروري تعميق النضال الأيديولوجي والسياسي على أساس تقييم مُبرَّر وصحيح للتجربة التاريخية للثورة البروليتارية، ودكتاتورية البروليتاريا عمومًا. تقييم يُلخِّص، على وجه الخصوص، تجربة تطبيق المرحلة الثالثة من الماركسية، أي الماوية. إن النضال من أجل فرض الماركسية اللينينية الماوية، وبالأخص الماوية كقائدٍ ومرشدٍ للثورة العالمية، نضالٌ طويلٌ ومعقدٌ وشاق. لم تتقدم الماركسية قط دون نضالٍ شاق، ولكن في النهاية، تُوجِّه الماوية الموجةَ الكبرى الجديدة للثورة البروليتارية العالمية التي انطلقت بالفعل، والتي تحتاج إلى دفعةٍ قويةٍ لاجتثاث الإمبريالية والرجعية من على وجه الأرض من خلال حرب الشعب، من أجل تحقيق ثوراتٍ ديمقراطيةٍ وثوراتٍ اشتراكيةٍ وثوراتٍ ثقافيةٍ بروليتاريةٍ - حسب كل حالة - والانتقال نحو الشيوعية المشرقة. من الضروري بشكل خاص مواصلة تعميق النضال ضد التحريفية الجديدة، في تعبيراتها المختلفة، لأنه على الرغم من كشفها وسحقها داخل الحركة الشيوعية العالمية، إلا أنها لا تزال تتمتع بنفوذ من خلال المواقف الانتهازية اليمينية و"اليسارية"، والمواقف الوسطية، والمواقف التصفوية، وما إلى ذلك، وهي تضر بوحدة الحركة الشيوعية العالمية ككل لأنها تشكل الخطر الرئيسي على الحركة الشيوعية العالمية. 5. نفترض المبادئ الأساسية التالية: *التناقض – القانون الأساسي الوحيد للتحول المستمر للمادة الأبدية؛ * الجماهير تصنع التاريخ والتمرد مبرر؛ * الصراع الطبقي، ودكتاتورية البروليتاريا، والأممية البروليتارية؛ *دمج الحقيقة العالمية للماركسية اللينينية الماوية مع الممارسة الملموسة للثورة في كل بلد؛ *ضرورة الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني الماوي الذي يطبق بحزم الاستقلال ونقد الذات والاعتماد على الذات؛ *مكافحة الإمبريالية والرجعية بشكل لا ينفصم ولا هوادة فيه؛ *الاستيلاء على السلطة والدفاع عنها بالحرب الشعبية؛ *االصراع بين الخطين كقوة دافعة لتطور الحزب؛ *التحول الأيديولوجي المستمر ووضع السياسة دائمًا في المقدمة؛ *خدمة الشعب والثورة البروليتارية العالمية؛ * الإيثار المطلق وأسلوب العمل المبرر والصحيح؛ * السير ضد التيار. ============================================================ النصّ الثاني: حول الاقتراح المتعلّق بوحدة الحركة الشيوعية العالمية وخطها السياسي العام الحالي اتّحاد العمال الشيوعي (الماركسي اللينيني الماوي) كولومبيا UOC (mlm) إنّنا نحيّي الجهود التي بذلها الرفاق في اللجنة التنسيقية لمؤتمر الماويين العالمي الموحد في تقديم مقترح لتحقيق وحدة الحركة الشيوعية العالمية وخطها السياسي العام الحالي، لأنه يتوافق مع الحاجة إلى التقدم في وحدة الشيوعيين والتصريحات المختلفة التي تدعو إلى عقد مؤتمر دولي موحد للماركسيين اللينينيين الماويين في جميع البلدان. في ماي 2021، أصدرت اللجنة القيادية لاتحاد العمال الشيوعي (ملم) افتتاحية "من أجل حركة ماوية ماركسية لينينية أممية واحدة !". قدّم المؤتمر تقريراً عن جهود منظمتنا للمساهمة في النضال من أجل وحدة الشيوعيين في جميع البلدان، وكذلك الظروف التي تسمح الآن بتحقيق مؤتمر دولي موحد، والذي أكد فيه مجدداً موقفه المعبر عنه في الاقتراح المقدم إلى اجتماع مختلف المنظمات والأحزاب الذي عقد في جانفي 2020 في إيطاليا: إنّ النّضال من أجل مؤتمر دولي موحّد للماركسيين اللينينيين الماويين في العالم هو أيضًا التزام لا مفر منه للشيوعيين بسبب مسؤوليتهم في أن يكونوا ضميرًا وقيادة للنضال الطبقي للبروليتاريا على المستوى العالمي ونضال البلدان والأمم والشعوب المضطهَدة والمستغلَّة بشكل مفرط من قبل الإمبريالية بالتعاون مع الطبقات الحاكمة الرجعية والعملاء. إنّ النّضال من أجل عقد مؤتمر دولي موحد للماركسيين اللينينيين الماويين في العالم يشكل خطوة حاسمة في حلّ مشكلة العجز السياسي للشيوعيين، الذين ساهم تشتتهم في تمكين الانتهازية والإصلاحية من تحقيق هدفهما المتمثل في تحويل الحركة الجماهيرية عن مسارها ومنظورها الثوري. (…) "إننا نعتبر أن القطيعة مع التحريفية الأفاكيانية، والتي تشكل الخطر الرئيسي على وحدة الماركسيين اللينينيين الماويين، تشكل ضمنيًا الأساس الأولي للوحدة الأيديولوجية المشتركة، التي يدعمها الدفاع العنيد عن مبادئ الماركسية اللينينية الماوية - نفس المبادئ التي أعلنت التحريفية الأفاكيانية أنها غير قابلة للاستمرار، في تناسقها العام مع النظريات الانتهازية التي تزيف وتخدش الصّبغة الثورية للماركسية اللينينية الماوية، في الاستنتاجات العامة المشتركة لتحليل الوضع العالمي في ضوء المبادئ، وفي المهام السياسية العامة المشتركة لتحويل الوضع في منظور انتصار الثورة البروليتارية العالمية. "إنّ الوقت قد حان للتعبير صراحة عن هذا الأساس الأوّلي للوحدة الأيديولوجية في منصة الوحدة للمؤتمر الدولي للماركسيين اللينينيين الماويين في العالم، والذي يسمح بالتعامل مع الاختلافات المتبقية من أجل الوصول إلى درجة أعلى من الوحدة في منظور الوحدة في الخط العام؛ منصة الوحدة التي هي الأساس الأيديولوجي لبرنامج النضال السياسي الفوري والمشترك للماركسيين اللينينيين الماويين في جميع البلدان وتنظيم مركز عالمي واحد للقيادة الأيديولوجية والسياسية التي يتبع توجهها وينفذ بطريقة منضبطة من قبل الماركسيين اللينينيين الماويين في جميع البلدان. بهذا المعنى، نعتبر أن الاقتراح الذي قدّمه الرفاق في اللجنة التنسيقية لمؤتمر الماويين الدولي الموحّد لا يتوافق مع الوضع الحالي للماركسيين اللينينيين الماويين؛ أي أنّه لا يمثّل أساسًا عامًا مشتركًا للوحدة، لمواصلة النضال حول الاختلافات التي هي مشروعة الآن داخل الشيوعيين الثوريين، لأن مثل هذا الاقتراح يعبر فقط عن موقف معين في الحركة الشيوعية. على الرغم من تنوع القضايا المثيرة للجدل، كما حذر رفاق الحزب الشيوعي التركي/ الماركسي اللينيني في وثيقة "نهج حزبنا بشأن المشروع المعد"، فإننا نريد التعامل مع بعض القضايا المهمّة في الوقت المناسب: 1 حول التّسمية الدّقيقة لعلم الثّـــــــورة: ننطلق من تبنّي الماركسية اللينينية الماوية كمرحلة جديدة وثالثة ومتفوّقة من الماركسية، بل ونقبل تسمية "الماوية" لأغراض دعائية. ومع ذلك، نعتبر مصطلح "الماوية بالأساس" خاطئًا لأنه يتوافق مع ادّعاء جعل الماوية "تركيبة" للشيوعية واختزال الاشتراكية العلمية في مساهمات ماو تسي تونغ. ونرى أن الأساس الفلسفي لهذا الخطأ يكمن في ادعاء اختزال القوانين العامة للحركة إلى تناقض، وتفسير أن طبيعتها كأهم قانون في الديالكتيك أو جوهره، تعني أنها "القانون الوحيد للديالكتيك"؛ وهي فكرة خاطئة فُرضت في الحركة الأممية الثورية المنقرضة (والتي دافع عنها أيضًا "التوليف الجديد" لأفاكيان) والتي يحاول رفاق اللجنة الآن تعديلها في الاقتراح بعبارات "القانون الأساسي الوحيد للديالكتيك"، مع الحفاظ على الفكرة القديمة المتمثلة في تجاهل قانون نفي النفي، الذي يُحدّد اتجاه الحركة، وهو قانون أقرّه صراحةً أسياد البروليتاريا: ماركس، وإنجلز، ولينين، وستالين، وماو تسي تونغ. باختصار، ندافع عن الماركسية اللينينية الماوية، علمٌ متكاملٌ ومتماسكٌ ودقيقٌ في تطوره. 2- حول التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي والجانب الرئيسي للتناقض: نحن ندافع عن فكرة ماو تسي تونغ القائلة بأن: التناقض الأساسي لعملية تطور الشيء وجوهره، الذي يحدده هذا التناقض، لا يختفي طالما أن العملية لم تنته؛ ومع ذلك، في عملية تطور مطوّلة، يختلف الوضع عمومًا من مرحلة إلى أخرى. والسبب هو أنه بينما لا تتغير طبيعة التناقض الأساسي لعملية تطور الشيء ولا جوهر العملية، فإن التناقض الأساسي يزداد حدّة مع انتقاله من مرحلة إلى أخرى في هذه العملية المطوّلة. علاوة على ذلك، من بين التناقضات العديدة، الكبيرة والصغيرة، التي يحددها التناقض الأساسي أو تخضع لتأثيره، يشتد بعضها ويتم حل أو تخفيف البعض الآخر مؤقتًا أو جزئيًا، وتظهر بعض التناقضات الجديدة؛ وهذا هو سبب وجود مراحل في العملية. إذا لم ينتبه المرء لمراحل عملية تطور الشيء، فلا يمكنه التعامل بشكل صحيح مع تناقضاته. لذا، ندرك أن التناقض الجوهري للنظام الرأسمالي، بين الإنتاج الاجتماعي المتزايد والتملك الخاص المتزايد، قد ميّز وجوده بالكامل، وهو السبب الأعمق لزواله الحتمي، ولا يمكن حله إلا بتأميم ملكية وسائل الإنتاج في ظل الاشتراكية. ولذلك، لا توجد تناقضات جوهرية متعددة كما يؤكد رفاق اللجنة في الاقتراح. علاوة على ذلك، يُظهر الواقع الموضوعي أن التناقض الأساسي للرأسمالية، بعيدًا عن أن يُخفَّف، قد تفاقم وانتشر عالميًا؛ إذ استولت حفنة من المجموعات الاحتكارية على الإنتاج الاجتماعي العالمي، مما فاقم جميع شرور الإمبريالية ومشاكلها وتناقضاتها. ويُعد هذا التفاقم في التناقضات الدافع الأقوى لفترة الانتقال التاريخية التي بدأت بانتصار رأس المال المالي العالمي الحاسم، وفقًا للينين. "لذلك، فإن الاعتقاد بأن التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية موجود فقط في البلدان الإمبريالية، كما هو مؤكد في اقتراح اللجنة، هو خطأ كبير، لأنه يتجاهل التطور في امتداد وعمق الرأسمالية كنظام عالمي للقمع والاستغلال، والذي نشر الوجود الموضوعي للبروليتاريا في جميع البلدان، على وجه التحديد القوة الاجتماعية المتعهدة للرأسمالية، التي تتمثل ظروفها في البلدان المضطهَدة في الاستغلال المفرط والقمع، والتي لا "تتوافق" تطلعاتها مع تطلعات البرجوازية وملاك الأراضي في هذه البلدان، بل تتوافق مع تطلعات البروليتاريا العالمية. وفقًا للتأكيد الصحيح للرئيس ماو، فإننا نفهم أن واحدًا فقط هو التناقض الأساسي الذي يحكم عملية تطور الرأسمالية طوال تاريخها، سواءً في المرحلة الأولى من المنافسة الحرة، أو في مرحلتها الاحتكارية الحالية، والتي تمرّ خلالها بفترات تتميز بتناقض رئيسي. وقد أبرزت الحركة الشيوعية العالمية أو اعترفت بأربعة تناقضات كأهم تناقضات الإمبريالية، وليست التناقضات الأساسية كما يؤكد الرفاق في الاقتراح، ولا التناقضات الوحيدة؛ فهذه التناقضات تحدد حتمًا موت النظام الرأسمالي: التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية، والتناقض بين الدول الإمبريالية والدول المضطهدة، والتناقض بين الإمبرياليات - بين الدول الإمبريالية فيما بينها - والاحتكارات فيما بينها - والتناقض بين النظامين، الاشتراكي والإمبريالي، الكامن فقط، بعد حل المعسكر الاشتراكي السابق. كذلك، بما أن الرأسمالية قائمة على استنزاف مصدري الثروة الوحيدين: قوة العمل والطبيعة، فقد سُلِّط الضوء منذ نهاية القرن العشرين على التناقض بين المجتمع والطبيعة كتناقض عالمي خامس بالغ الأهمية للإمبريالية. وقد زاد استنزاف الإمبريالية للطبيعة من حدة هذا التناقض، مُعرِّضًا وجود البشرية للخطر، بسبب أرباح البرجوازية الإمبريالية. ومن الضروري تسليط الضوء على هذا التناقض أيضًا في برنامج وحدة الحركة الشيوعية العالمية اليوم. وبالإضافة إلى ذلك، في ارتباط هذه التناقضات العالمية للإمبريالية، يبرز تناقض رئيسي يميز كل فترة من فترات الرأسمالية الإمبريالية أو الرأسمالية المحتضرة، والذي يمكن ملاحظته بكل وضوح في تاريخها الطويل من المعاناة: من عام 1903 إلى عام 1918 كانت فترة تميزت بالصراع بين الإمبرياليات، باعتباره التناقض الرئيسي؛ من عام 1918 إلى عام 1948 كانت فترة تم فيها التأكيد على الصراع بين الاحتكارات باعتباره التناقض الرئيسي؛ من عام 1948 إلى عام 1958، مع ظهور المعسكر الاشتراكي، تم رفع التناقض بين النظام الاشتراكي والنظام الإمبريالي باعتباره التناقض الرئيسي؛ من عام 1958 إلى عام 1972، تغير ارتباط التناقضات، مما وضع في المقدمة التناقض بين البلدان والأمم المضطهدة والبلدان والأمم المضطهدة؛ اتسمت الفترة من عام 1972 إلى عام 1990 بالتناقض بين الدول الإمبريالية، والذي تركز هذه المرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ووفقًا لتحليلنا، فإننا نمر بفترة بدأت عام 1990، حيث يلعب التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية دور التناقض العالمي الرئيسي للإمبريالية. وقد أكدت الأزمة الاقتصادية للرأسمالية العالمية، التي اندلعت في نهاية عام 2007، هذا التناقض ورسخته باعتباره التناقض الرئيسي. نحن نعلم أن هناك اختلافات بين الماركسيين اللينينيين الماويين حول المشكلة التي تشكل التناقض الرئيسي في العالم اليوم، ومع ذلك، في اقتراح الرفاق في لجنة التنسيق، من ناحية، يتم الاعتراف رسميًا بوجود أربع تناقضات، ولكن في الواقع يتم الاعتراف دائمًا فقط بالتناقض بين البلدان الإمبريالية والبلدان المضطهدة باعتباره التناقض الرئيسي: ... إن التناقض بين الأمم المضطهدة والإمبريالية، والنضال من أجل تحرير الأمم المضطهدة من أجل تدمير الإمبريالية والرجعية، والذي تم تحديد حله أيضًا في غضون 50 إلى 100 عام، هو التناقض الرئيسي تاريخيًا خلال كل هذا الوقت؛ ولكن أيًا من التناقضات الأساسية الأربعة يمكن أن يصبح رئيسيًا وفقًا للظروف الخاصة للصراع الطبقي، مؤقتًا أو في بلدان معينة، ولكن التناقض الرئيسي سيعبر عن نفسه تاريخيًا على هذا النحو مرة أخرى، حتى حله الكامل. "إذا لم ننتبه إلى مراحل تطور الشيء، فلن نتمكن من التعامل بشكل صحيح مع تناقضاته"، كما قال ماو، وفي هذه الحالة، من خلال نقل تناقضات الإمبريالية والاعتراف فقط بتناقض واحد في الواقع، لا يمكننا تتبع الاتجاه الصحيح للنضال العالمي للبروليتاريا. ومن ناحية أخرى، ينص الاقتراح على: هناك قوتان تعملان في الحركة الثورية في جميع أنحاء العالم: الحركة البروليتارية العالمية وحركة التحرر الوطني، الأولى توجيهية والثانية قاعدية. صياغة خاطئة ومشوشة تُشوّه نهج معالجة مشكلة التيارين الكبيرين في الثورة البروليتارية العالمية: الثورة الاشتراكية للبروليتاريا والحركة الثورية المناهضة للإمبريالية. فهما ليسا قوتين مؤثرتين في أي حركة ثورية عامة، بل يُشكّلان التيارين التاريخيين اللذين سيُنهيان مشكلة الرأسمالية الإمبريالية أو يُحلّانها. 3- حول اندمــاج التناقضـــات وتفكّك الصّراع الطّــــــبقي في البلدان المضطهَدة: إلى جانب هذه الأفكار الخاطئة حول تيّاريْ الثورة البروليتارية العالمية، ترافقها أفكار خاطئة أخرى مرتبطة بالمشكلة نفسها. يقول رفاق لجنة التنسيق في مقترحهم: حركة التحرر الوطني هي القوة الفاعلة في الأمم التي اضطهدتها الإمبريالية والرجعية. في العقد الثاني من القرن العشرين، أولى لينين اهتمامًا بالغًا للنضال في الهند والصين وبلاد فارس، مفترضًا أن الثورة الاشتراكية لن تكون ثورة البروليتاريا وحدها ضد برجوازيتها، بل ثورة جميع المستعمرات ضد مضطهديها. ويقول إن هناك اندماجًا للقوى، حركة البروليتاريا العالمية الفاعلة في جميع أنحاء العالم، وحركة التحرر الوطني للأمم المضطهدة؛ وأن غالبية سكان هذه الأمم المضطهدة، أي غالبية سكان العالم، ستكون ذات وزن حاسم في الثورة العالمية. ويخلص إلى أن الثورة تنتقل إلى الأمم المضطهدة، لكنه لا ينكر الثورة في البلدان الإمبريالية، إلى جانب إثباته أن دولة اشتراكية، كما كان الاتحاد السوفياتي، يمكن أن تتطور في خضم الحصار الإمبريالي. وهكذا يُتبع قانون التطور غير المتكافئ للثورة في العالم. من الخطأ الفادح أن ننسب إلى لينين النظرية البغيضة القائلة بدمج صراع البروليتاريا الطبقي مع النضال الوطني. وقد أوضح لينين ذلك في أطروحاته حول القضايا الوطنية والاستعمارية في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية: ..ضرورة النضال بحزم ضد محاولات إعطاء صبغة شيوعية للتيارات التحررية البرجوازية الديمقراطية في البلدان المتخلفة؛ يجب على الأممية الشيوعية أن تدعم الحركات الوطنية البرجوازية الديمقراطية في البلدان المستعمرة والمتخلفة، بشرط أن يتم تجميع عناصر الأحزاب البروليتارية المستقبلية، الشيوعية ليس فقط بالاسم، وتثقيفها في جميع البلدان المتخلفة في وعي المهمة الخاصة الملقاة على عاتقها: النضال ضد الحركات البرجوازية الديمقراطية داخل دولها؛ يجب على الأممية الشيوعية أن تختم تحالفًا مؤقتًا مع الديمقراطية البرجوازية في البلدان المستعمرة والمتخلفة، ولكن يجب ألا تندمج معها ويجب أن تحافظ دون قيد أو شرط على استقلال الحركة البروليتارية حتى في أشكالها الأكثر جنينية. يجب ألا يندمج، بل يجب أن يحافظ على استقلال الحركة البروليتارية دون قيد أو شرط. كان هذا هو توجه لينين الصريح، الذي يلتزم بالفهم العميق للمشكلة بين تيارين مختلفين في طبيعتهما: مصالح البروليتاريا ومصالح الأمة، ذات طبيعة مختلفة. الأول مصالح طبقة معينة؛ والثاني مصالح طبقات مختلفة في الأمة. هذان التياران هما الأساس المادي لصراعين مختلفين في طبيعتهما، يقتربان، ويتعززان، ويتحالفان، ويتقاربان، لكنهما لا يذوبان، ولا يحل أحدهما محل الآخر. إن مفهوم عالم الحزب البروليتاري فيما يتعلق بالمشكلة الوطنية هو الأممية؛ وليس القومية. إن تجربة الثورة البروليتارية في النضال المستمر ضد النزعة القومية للبرجوازية الصغيرة والانتهازية، أبرزت الفرق والعلاقة بين مصالح الطبقة ومصالح الأمة، ووحدة الأضداد بين الحرب الأهلية والحرب الوطنية، وبين الصراع الطبقي والصراع الوطني، وبين الثورة البروليتارية والحركة الثورية المناهضة للإمبريالية. وحدة الأضداد التي تكمن هويتها في كونها التيارين التاريخيين للثورة البروليتارية العالمية؛ في التقائهما نحو نفس الهدف، الإمبريالية، التي تقلل بطابعها العالمي الاستغلالي والقمعي، موضوعيا من الصبغة القومية الحصرية لنضال الشعوب المضطهدة؛ في وجود الطبقة الوحيدة في البروليتاريا التي هي من خلال موقعها ومفهومها معادية للإمبريالية باستمرار وتناضل من أجل تحالف الحركة الثورية المناهضة للإمبريالية مع نضالها الطبقي ضد سلطة رأس المال، وهو شرط لانتصار النضال الوطني الحقيقي. دافعت التحريفية البراشندية عن النظرية الخاطئة القائلة بـ"دمج الصراع الطبقي في الصراع الوطني" قبل خيانة نيبال، وكانت هذه نسخة مُجددة من الانتهازية القديمة في مواجهة المشكلة الوطنية في المرحلة الإمبريالية. لا يمكن أن تُعزى هذه السخافة النظرية إلى لينين، الذي ندد دائمًا بهذا "الدمج" باعتباره خطأً فادحًا للثورة البروليتارية. حتى في ظروف الحرب الوطنية ضد العدوان الإمبريالي، يكون الصراع الطبقي تابعًا للنضال الوطني، لكنه لا يندمج فيه ولا يذوب فيه؛ لا يمكن للبروليتاريا أبدًا أن تتخلى عن استقلالها الطبقي وبرنامجها وقرارها الذاتي داخل الجبهة المتحدة. بكلمات ماو: أي نظرية تحاول إنكار وجود الصراع الطبقي خاطئة تمامًا. "ولهذه الأسباب فإن البروليتاريا لا تدعم الحركة الوطنية لمجرد كونها معادية للإمبريالية؛ بل تدعمها وتتحالف معها بشرط أن تكون حركة ثورية معادية للإمبريالية حقاً، وبشرط ألا تعارض نضال العمال ضد رأس المال، وألا تعيق نضالهم وتنظيمهم المستقلين، وألا تعيق التحريض والدعاية لبرنامجها في التثقيف والتنظيم الثوري للجماهير الشعبية العظيمة، وخاصة الفلاحين، من أجل إقامة تحالف طبقي قوي معهم". 4- حول القـــوّة العظمى المهيمنة الوحيــــدة ونظريّــــة العوالم الثّــــــلاثــــــة إنّ الالتباس حول مشاكل الإمبريالية والثورة البروليتارية، والتمييز الجوهري بين الدول الإمبريالية والدول المضطهدة، والنزاع بين الإمبرياليات، وعدم تكافؤ التنمية بين الدول الإمبريالية، يؤدي إلى ترويج أطروحات خاطئة أخرى على أنها حقائق، مع ما يزيد الطين بلة من نسبها إلى ماو. يقول رفاق اللجنة في الاقتراح: كما أشار الرئيس ماو في عام 1958، «لا تزال الإمبريالية حية، والإمبريالية الأمريكية، بصفتها القوة العظمى المهيمنة الوحيدة والشرطي العالمي المضاد للثورة، هي العدو الرئيسي لشعوب العالم؛ فهي لا تزال تصنع وتدمر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؛ ولا تزال تحتل المستعمرات بالقوة، وتقيم قواعدها العسكرية في جميع أنحاء العالم وتفرض حرب نهب؛ وتواصل قمع جماهير الشعب في بلدها». وكل هذا أكثر حدة اليوم مما كان عليه قبل 60 عامًا. لكن الوضع نفسه أصبح أيضًا أكثر صعوبة، ومن المحتم أن يثور أكثر من 90٪ من سكان العالم عاجلاً أم آجلاً ضد الإمبريالية والرجعيين، وهذا، في نضال شاق وتطور غير متكافئ، جار بالفعل كموجة عظيمة جديدة من الثورة البروليتارية العالمية. هنا يلجأ الرفاق إلى تزييفٍ غير مقبول للدفاع عن فكرةٍ خاطئة. ما قاله الرئيس ماو في مقابلةٍ مع مراسل وكالة أنباء شينخوا بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول 1958 هو: "لن تدوم الإمبريالية طويلًا لأنها ترتكب شتى أنواع الفظائع. إنها تدعم بعناد الرجعيين في مختلف البلدان المعادية للشعوب. إنها تحتل بالقوة العديد من المستعمرات وشبه المستعمرات والقواعد العسكرية. إنها تهدد السلام بحرب نووية. وهكذا، وبإكراه الإمبريالية، فإن أكثر من 90% من سكان العالم ينهضون أو سينهضون جماعيًا لمحاربتها. لكن الإمبريالية لا تزال حية؛ لا تزال تصنع وتدمر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. في العالم الغربي، يواصل الإمبرياليون قمع جماهير الشعوب في بلدانهم. يجب أن يتغير هذا الوضع. إن مهمة شعوب العالم أجمع هي وضع حد للعدوان والقمع الذي تمارسه الإمبريالية، ولا سيما الإمبريالية الأمريكية". (انظر، اقتباسات من الرئيس ماو، السادس. الإمبريالية وجميع الرجعيين نمور من ورق). ليس من الخطأ فقط أن ننسب إلى الرئيس ماو شيئًا لم يقله، بل من الخطأ أيضًا قبول أطروحة التحريفية لتقديمها على أنها مكتسبات الماركسية اللينينية الماوية. ظهرت نظرية "القوة العظمى المهيمنة الوحيدة" هذه بعد انهيار الإمبريالية الاشتراكية الروسية وفترة توسع الإمبريالية الرأسمالية في نهاية القرن الماضي وتتزامن في جوهرها مع الاعتقاد بأن الإمبريالية الرأسمالية قد وُلدت من جديد. من هذا الاستنتاج الرجعي ظهرت الأفكار البرجوازية الصريحة عن "الليبرالية الجديدة" و"العولمة"؛ نظرية "الإمبراطورية" للبرجوازيين الصغار نيغري وهاردت؛ ومنه اشتُقت النظريات التحريفية عن "العالم أحادي القطب" للماركسيين اللينينيين، و"الدولة المعولمة للإمبريالية الأمريكية" لبراشاندا و"القوة العظمى المهيمنة الوحيدة" لأفاكيان. وتستند كل هذه النظريات "الحديثة" إلى نظرية كاوتسكي القديمة حول "الإمبريالية الفائقة"، والتي تقول إن الإمبريالية قادرة على التغلب على نفسها وحلّ جميع تناقضاتها في مركز احتكاري واحد. في جوهرها، هذه النظريات ليست سوى تبريرٍ لقوة الإمبريالية المزعومة، فهي قوةٌ لا تُقهر، ولا سبيل إلا لمقاومتها. وبحجة هذه القوة المزعومة التي لا تُقهر للإمبريالية، واستحالة انتصارها المزعومة، خُدعت الثورة وحرب الشعب في نيبال. يحاول رفاق اللجنة الابتعاد عن هذه النظريات من خلال التلاعب بإظهار وجود قوى إمبريالية أخرى، والاعتراف بوجود صراع بين مختلف الدول الإمبريالية، والدفاع عن الأطروحة الصحيحة للتناقض الإمبريالي المؤقت والنضال من أجل توزيع جديد للعالم المُوزّع بالفعل. وهو أمرٌ قابلٌ للتفسير، إذ يُظهر أحد أهم تناقضات الإمبريالية في حد ذاتها دون الحاجة إلى اللجوء إلى نظريات "مُبتكرة" تُطمس وعي البروليتاريا. على الرغم من امتلاك الولايات المتحدة لأكبر عدد من الأسلحة النووية، إلا أن الدول الإمبريالية الأخرى تتقدم في سباق التسلح؛ فالإمبريالية الاشتراكية الصينية تتنافس اليوم على الساحة العالمية على المركز الأول في المجال الاقتصادي؛ إضافةً إلى ذلك، هناك هجوم من جانب الأخيرة، بالتعاون مع الإمبرياليين الروس، لتقويض نفوذ الأمريكيين في "فنائهم الخلفي" في أمريكا اللاتينية، كما يتضح من الوقائع في فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وبوليفيا والإكوادور... في الوقت نفسه، يحاول الإمبرياليون الأمريكيون تقويض نفوذ الإمبرياليين الروس في دول الاتحاد السوفياتي السابق الخاضعة، ويتواطؤون جميعًا ويتنازعون في الشرق الأوسط. في الواقع، يوجد في الواقع الموضوعي نزاع بين الإمبرياليات يُشكك في "القوة العظمى المهيمنة الوحيدة" المزعومة. والشيء نفسه يحدث مع "نظرية العوالم الثلاثة" الرجعية التي اخترعها المحررون الصينيون في خضم الثورة الثقافية، ولكن دنغ سياو بينغ قدمها بشكل احتيالي كما لو كانت من عمل الرئيس ماو، ولسوء الحظ اعتبرها بعض الرفاق جزءًا أساسيًا من الماوية؛ في هذه الحالة يقول رفاق اللجنة التنسيقية، عندما يتحدثون عن تناقضات الإمبريالية في الوقت الحاضر: من ناحيته فإن دول العالم الثالث تضم أكبر عدد من السكان وأفقرهم، وتخضع لقمع الإمبريالية، وتعيش في ظروف لا تتناسب مع مستوى التنمية الذي وصلت إليه البشرية، وتعاني من تدهور ظروف معيشتها وبيئتها الطبيعية، وتتعرض لحروب النهب المنهجية التي تمارسها الإمبريالية وعملاؤها المحليون. ومن المدهش أن الرفاق في الوثيقة بأكملها لا يلمّحون إلى وجود عالم ثانٍ في مكان ما وفقًا لـ «نظرية العوالم الثلاثة». فلماذا إذن الإصرار على فكرة لا أساس لها ؟ بالنسبة لماو تسي تونغ وجميع الشيوعيين منذ لينين، قسّمت الإمبريالية العالم إلى حفنة من الدول الإمبريالية، التي تُعدّ، بفضل ثروتها الاقتصادية الهائلة وقوتها العسكرية، دولًا مهيمنةً ومُضطهِدةً ومُستغِلّةً ومُرابيةً؛ وأغلبيةً ساحقةً من الدول المُضطهدة والمُستعبدة والتابعة والمُستغَلّة. هذا هو التمييز الجوهري والحتمي بين الدول الخاضعة للإمبريالية، المُتعارضة تمامًا مع الوعظات البرجوازية والانتهازية التي تُغطي الاستعباد المالي شبه الاستعماري للدول المُضطهدة وتُنكر تناقضها العدائي مع الدول الإمبريالية. إن التمييز اللينيني الجوهري بين الدول الإمبريالية والدول المضطهدة -في ظل الإمبريالية- يتعارض تمامًا مع النظريات الاشتراكية الديمقراطية والتحريفية القديمة والجديدة؛ فجميعها ورثة الفصل الكاوتسكي بين الاقتصاد والسياسة الإمبريالية، والتي تُختزل الفرق إلى دول "غنية وفقيرة"، و"متقدمة ومتأخرة"، و"متقدمة، ومتخلفة، أو في طريقها إلى التقدم"، وتحصر النضال ضد الاحتكارات الاقتصادية حصرًا، دون مهاجمة القوة السياسية شبه الاستعمارية للإمبريالية؛ أو ضد الاضطهاد الوطني فحسب، متهربةً من العلاقات الاقتصادية شبه الاستعمارية العميقة للدول الكبرى مع التكوين الاقتصادي الاجتماعي للدول المضطهدة. تنكر هذه النظريات الطابع الإمبريالي لبعض الدول، بحجة عدم تكافؤ التنمية؛ أو تتظاهر بتصويرها على أنها إمبريالية "تقدمية". لذا، فإن هذه النظرية رجعية وليست جزءًا من ترسانة البروليتاريا الثورية. لماذا الإصرار على هذه الوحشية ولماذا ننسبها للرئيس ماو ؟ 5- حول الطّريقـــة الخـــاطئة لتجنّب التحليل الملموس للوضع الملموس: تحتوي مقترحات رفاق اللجنة التنسيقية على صيغ عامة تتجنب التحليل الملموس للوضع الملموس وتدل على المنهج الخاطئ للذاتية. سبق أن أشرنا إلى الطابع الطبقي لـ "نظرية العوالم الثلاثة"، والآن من الضروري التوقف عند بعض الصيغ الخاطئة والمتناقضة التي لا تتوافق مع الوضع الراهن، وبالتالي لا تُسهم في توضيح نضال البروليتاريا العالمية. يقول الرفاق في المقترح، مُشيرين إلى "دول العالم الثالث": في هذه البلدان، يتطور على أساس شبه إقطاعي أو مستعمَر أو شبه مستعمَر، الرأسمالية البيروقراطية، التي تولد الأشكال السياسية والأيديولوجية المناسبة وتمنع بشكل منهجي التنمية الوطنية، وتستغل البروليتاريا والفلاحين والبرجوازية الصغيرة وتقيد البرجوازية المتوسطة. ماذا يعني هذا ؟ أليس هذا أسلوب الإنتاج الرأسمالي، بل بنية فوقية لشبه الإقطاع ؟ ويتابعون في الفقرة التالية: من دون الاعتراف بالطابع شبه الإقطاعي للبلدان المضطهدة، وبالتالي الحاجة إلى حرب زراعية لحلها، فإننا ننتهي إلى إنكار الحاجة إلى الثورة الديمقراطية في هذه البلدان، والحاجة إلى تطوير حرب الشعب كحرب موحدة، حيث الريف هو الرئيسي والمدينة هي المكمل الضروري، لوضع حد للإمبريالية والرأسمالية البيروقراطية وشبه الإقطاع. أي أنه لا وجود للرأسمالية (بأي شكل من الأشكال)، بل شبه الإقطاع، وهو الأساس الاقتصادي للمجتمع في جميع البلدان المضطهدة. لذا، من الضروري تطوير "ثورة ديمقراطية"، لا ديمقراطية جديدة، بل "حرب وحدوية" (هكذا!). وينتهي الأمر بانفجار: إن بلدان العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كما أشار الرئيس ماو، هي مناطق عاصفة ثورية وأساس الثورة البروليتارية العالمية، وتجدر الإشارة إلى أن العالم الثالث يمتد إلى أوروبا نفسها. قال ماركس عام 1858: إن المهمة المحددة للمجتمع البرجوازي هي إقامة سوق عالمية، كخطة عامة على الأقل، وإنتاج قائم على هذه السوق العالمية. كما أكد أن المنافسة الحرة تؤدي إلى التركيز والاحتكار. مع بلوغ الرأسمالية مرحلتها الإمبريالية، تجلّت سماتها الأساسية، فأصبحت نظامًا عالميًا للاستغلال والقمع. وهي حقيقةٌ أقرّ بها جميع الماركسيين اللينينيين الماويين. إلا أن رفاق اللجنة التنسيقية في اقتراحهم لأسس الوحدة يتجاهلون تداعيات هذا الاعتراف الموضوعي: بدايةً، إن الإمبريالية، كنمط إنتاج مُعولم، قد قيدت جميع البلدان - بأنماط إنتاجها الخاصة - في اقتصاد عالمي واحد، حيث يكون اقتصاد كل بلد حلقةً في سلسلة واحدة، تُطيع وتخدم الإنتاج، وتحقيق فائض القيمة، وتراكم رأس المال العالمي ومركزيته. أي أن الطابع الاجتماعي للإنتاج أصبح بالفعل واقعًا عالميًا، وهو ما يُعارض بشدة التملك الخاص. وبالمثل، فإن عملية تسلسل العلاقات الرأسمالية وتوسيعها وتعميقها في العالم لم تجلب معها فقط اندماج جميع البلدان في سوق عالمية واحدة لرأس المال والسلع وقوة العمل، بل جلبت معها أيضًا ظهور الصناعة وتوسعها في البلدان المضطهدة وإدخال تغييرات كبيرة في الزراعة، مما أدى إلى تدمير أنظمة الإنتاج التقليدية وتسريع عملية تحلل الفلاحين، مما تسبب في نفس الوقت في تسريع التحضر في البلدان المضطهدة، وتطور المدن وزيادة الهجرة الدولية للبروليتاريا. تأكيدا للفكرة التي عبر عنها لينين في كتابه الإمبريالية المرحلة العليا من الرأسمالية سنة 1916: يؤثر تصدير رأس المال على تطور الرأسمالية في البلدان التي يُستثمر فيها، مُسرّعًا إياها بشكل استثنائي. ولهذا السبب، إذا كان بإمكان هذا التصدير، إلى حد ما، أن يُسبب ركودًا في التنمية في البلدان المُصدّرة، فإن ذلك لن يحدث إلا على حساب اتساع وتعميق نمو الرأسمالية في جميع أنحاء العالم. لذلك، فإنّ تجاهل حقيقة أن الرأسمالية في كل بلد ليست سوى جانب من الإمبريالية الرأسمالية، واللجوء إلى وصفها بـ"البيروقراطية" الملطف، وإنكار وجودها الحقيقي في البلدان المضطهدة، لا يمكن أن ينبع إلا من توق البرجوازية الصغيرة إلى رأسمالية مثالية مستقلة، وهو ما لم يعد ممكنًا في عصر الإمبريالية. وفي السياسة، يؤدي إنكار وجود الرأسمالية في البلدان المضطهدة إلى حماية مصالح البرجوازية ضد مصالح البروليتاريا. وهو أمر مرفوض لدى من يريدون تمثيل مصالح الطبقة العاملة. ولكن إلى هذا الخطأ الكبير الذي ارتكبه الرفاق في صنع "الثورة الديمقراطية"، حتى في البلدان الرأسمالية المضطهِدة، تضاف أخطاء أخرى لا تقل أهمية، مثل التأكيد على أن الريف هو الرئيسي والمدينة هي المكمل الضروري في الحرب الثورية، وهو ما يؤدي عملياً إلى عدم القيام بحرب الجماهير التي تشكل أغلبية المجتمع وتتركز في المدن، بل حرب مع أقلية السكان، كما هو الحال في معظم بلدان أمريكا اللاتينية حيث السكان في الريف لا يذكر كما في الأرجنتين 7٪، والبرازيل 13٪، وتشيلي 12٪، والمكسيك وكولومبيا 19٪. إننا نخطئ عندما نؤكد أن هذا هو توصيف المجتمع والثورة وطريقهما في بلدان أوروبا التي تدخل في ما يسمى "العالم الثالث"، كما هو الحال في أيرلندا على سبيل المثال، حيث أن اقتراح ثورة الديمقراطية الجديدة سيكون ادعاءً رجعيًا، لأنه يعادل التظاهر بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. إنّ هذا التأكيد يتعارض مع تجربة الحركة العمالية برمتها، بل ويتعارض حتى مع الأطروحة حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية، أو ميثاق النقاط الخمس والعشرين الذي يدعي رفاق اللجنة الدفاع عنه ويشعرون بأنهم ورثته: في البلدان الإمبريالية والرأسمالية، من أجل حل تناقضات المجتمع الرأسمالي نهائياً، لا بد من القيام بالثورة البروليتارية ودكتاتورية البروليتاريا. في البلدان الرأسمالية التي تسيطر عليها الإمبريالية الأمريكية أو تحاول السيطرة عليها، توجه الطبقة العاملة والجماهير الشعبية ضربتها الرئيسية ضد الإمبريالية الأمريكية، وكذلك ضد البرجوازية الاحتكارية وغيرها من القوى الرجعية الداخلية التي تخون المصالح الوطنية. إن الوضع اليوم لا يقتصر على البلدان التي تهيمن عليها الإمبريالية الأمريكية أو تحاول الهيمنة عليها، بل يشمل أيضًا البلدان الرأسمالية التي يضطهدها الإمبرياليون الآخرون في جميع أنحاء العالم. من الأمور الأخرى التي تكشف عن الذاتية فكرة "الهجوم الاستراتيجي" للثورة، كما أشار إليها رفاق الحزب الشيوعي التركي/الماركسي اللينيني في ملاحظاتهم، عن حق. من الصحيح الحفاظ على التفاؤل الثوري الذي يميز الشيوعيين، ومن الضروري أيضًا التأكيد على التصاعد الحالي للنضال الثوري للبروليتاريا وشعوب العالم؛ إلا أن ما يميز الهجوم الاستراتيجي للثورة ليس فقط توفر الظروف الموضوعية، بل أيضًا الظروف الذاتية، وخاصةً وضع الشيوعيين. من الحقائق الثابتة أنه بعد هزيمة البروليتاريا في روسيا، ثم في الصين، تفكك المعسكر الاشتراكي، ودخلت الحركة العمالية في أزمة عميقة. أزمةٌ برزت بوادر انتعاش مهمة مع الاجتماعات الدولية للشيوعيين، مثل مؤتمر الخريف عام 1980، وتأسيس الحركة الأممية الثورية عام 1984، ومع اندلاع حرب الشعب في بيرو، واعتماد الماركسية اللينينية الماوية كمرحلة ثالثة وأعلى من الماركسية عام 1993، مما سمح بالتقدم في التغلب على الارتباك الأيديولوجي، وبناء منظمات وأحزاب جديدة في بلدان مختلفة. إلا أن إفلاس الحركة الأممية الثورية وتفككها أدى إلى تشتت جديد لقوى البروليتاريا الثورية، وهو تشتت لا يزال يحاول التغلب عليه في السنوات الأخيرة، من خلال مؤتمر دولي موحد جديد، في الوقت الذي تعاني فيه جميع الأحزاب والمنظمات القائمة من مشاكل، كما لخصها رفاق تركيا بدقة. وفي ظل هذه الظروف، فإن الحديث عن "الهجوم الاستراتيجي" للثورة في الوقت الراهن هو مجرد رغبة ذاتية. وفيما يتعلق بمشاكل الاستراتيجيا والتكتيكات وحرب الشعب يقول رفاق اللجنة في الاقتراح: حرب الشعب هي الشكل الأسمى للنضال، الذي تُحل من خلاله المشكلات الأساسية للثورة، وينبثق منها كل ما هو خير للشعب؛ إنها الاستراتيجيا العسكرية المقابلة للاستراتيجيا السياسية (الاستيلاء على السلطة) لتحويل المجتمع لصالح الطبقة والشعب؛ إنها الشكل الرئيسي للنضال، وجيش الشعب هو الشكل التنظيمي الرئيسي، جيش من طراز جديد يُقاتل، ويُحشد، ويُسيّس، ويُنظم ويُسلح الجماهير، ويُنتج. حرب الشعب هي حرب جماهيرية يقودها الحزب الشيوعي لانتزاع السلطة الجديدة، مُتجسدة في اللجان الشعبية وقواعد الدعم للاستيلاء على السلطة في جميع أنحاء البلاد. لخوض حرب الشعب، لا بد من مراعاة أربع مسائل أساسية: ١) تطبيق أيديولوجيا البروليتاريا، الماركسية اللينينية الماوية، على الممارسة العملية وخصوصيات الثورة في كل بلد، سواءً أكانت دولًا مضطهدة أم إمبريالية؛ ٢) ضرورة وجود حزب شيوعي يقود حرب الشعب؛ ٣) تحديد الاستراتيجيا السياسية للثورة الديمقراطية أو الاشتراكية ومسارها؛ ٤) قواعد الدعم. تُشكل السلطة الجديدة، أو الجبهة-الدولة الجديدة، المتشكلة في قواعد الدعم، جوهر حرب الشعب. لترسيخ دعائمه، وضع الرئيس ماو ثلاثة شروط أساسية: ١) امتلاك قوات مسلحة، ٢) هزيمة العدو، ٣) تعبئة الجماهير. أي تطوير حرب العصابات، والقضاء على قوى العدو الحية، مما يخلق فراغًا في السلطة لإقامة وبناء والدفاع عن السلطة الجديدة، وتدمير علاقات الإنتاج الاجتماعية القديمة وبناء علاقات جديدة. ومن هنا، يتطور التناقض بين السلطة الجديدة/الدولة الجديدة والدولة القديمة من خلال عمليات إعادة التأسيس والتأسيس المضاد، متبعًا سلاسة الحرب. ثلاث فقرات تحل في جوهرها محل أي تحليل ملموس للوضع الملموس، وتتجنب الحاجة إلى تحليل البلدان والمجتمعات والأوضاع الملموسة، لأن كل شيء ينحصر في اتخاذ الكفاح المسلح كشكل رئيسي للنضال دائماً وفي كل الأوقات، واتخاذ الجيش الشعبي كشكل رئيسي للتنظيم، وبناء قواعد الدعم وتدمير السلطة القديمة تدريجياً وإقامة سلطة جديدة، وتدمير العلاقات القديمة وبناء علاقات جديدة، حتى تحقيق النصر في جميع أنحاء البلاد. صيغة لا تتوافق مع واقع جميع البلدان، وبالتالي لا تحل المشكلات الحقيقية لنضال الطبقة العاملة: ما هي الأحزاب التي تتخذ الكفاح المسلح شكلاً رئيسياً للنضال ؟ أين يوجد الجيش الشعبي كشكل تنظيمي رئيسي ؟ ما هي قواعد الدعم التي يمتلكها الشيوعيون حالياً ؟ هل من الممكن بناء قواعد دعم في الدول الرأسمالية، وتدمير قوة العدو جزئياً، وبناء علاقات جديدة دون تدمير السلطة المركزية ؟ وإلى هذه الصيغ التي لا تساهم في توضيح المهام اللازمة لدفع نضال البروليتاريا إلى الأمام تضاف تصريحات عسكرية أخرى: لقد طوّر الرئيس ماو تسي تونغ بناء الحزب حول البندقية. إنّ أساس الماوية هو السلطة... سلطة قائمة على قوة مسلحة يقودها الحزب الشيوعي، تُنتزع وتُدافع عنها حرب الشعب. بالنسبة للماركسية، تُمثل مشكلة السلطة بالفعل المشكلة المركزية للثورة، التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال العنف الثوري للجماهير، من خلال حرب الشعب؛ ويصحّ بنفس القدر التأكيد على أن السلطة الجديدة، دكتاتورية البروليتاريا، لا يمكن الدفاع عنها إلا بقوة الجماهير المسلحة؛ ولكن من هنا، إلى التأكيد على أنها تُدافع عنها بحرب الشعب، هو إدخالٌ خفيٌّ للفكرة الخاطئة لبعض الرفاق الذين يتحدثون عن "حرب الشعب حتى الشيوعية"، والتي لا تنفصل عن الفكرة الخاطئة للكفاح المسلّح كشكل رئيسي للنضال في جميع الأوقات. إنها فكرة "يسارية" وعسكرية، ليس لاستحالة نشوب حروب للدفاع عن السلطة الجديدة، بل وحتى حروب عالمية، كما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن تعميم هذه الفكرة لا يتوافق مع تطور الصراع الطبقي في الدول الاشتراكية، حيث لا تتخذ الثورات الثقافية، الضرورية أيضًا للدفاع عن دكتاتورية البروليتاريا، على الأقل فيما تُظهره تجربة الصين، شكل الكفاح المسلح أو حرب الشعب. في هذا الصدد، يقول ستالين، في كتابه "مسائل اللينينية"، مقتبسًا عن لينين: ولكن من الطبيعي أن دكتاتورية البروليتاريا لا تقتصر على العنف فقط، رغم أنه لا يمكن أن تكون هناك دكتاتورية بدون عنف. يقول لينين: "إن الدكتاتورية لا تعني العنف وحده، رغم أن الأولى غير ممكنة بدون عنف؛ بل تعني أيضًا تنظيمًا للعمل يتفوق على التنظيم السابق" (انظر المجلد 24 ، ص305). ويضيف: "دكتاتورية البروليتاريا...ليست مجرد ممارسة للعنف على المستغلين، بل إنها ليست عنفًا بالأساس. إن الأساس الاقتصادي لهذا العنف الثوري، وضمان حيويته ونجاحه، يكمن في أن البروليتاريا تمثل وتطبق نوعًا من التنظيم الاجتماعي للعمل أرقى من النظام الرأسمالي. وهذا أمر جوهري. وهنا تكمن قوة وضمان انتصار الشيوعية الحتمي والكامل" (م24، ص335-336). إنّ اقتراح الرفاق في اللجنة التنسيقية للمؤتمر الماوي الدولي الموحد يتضمن أخطاء أخرى في الصياغة، ولكنها من الدرجة الثانوية ويمكن تصحيحها تمامًا ولهذا السبب لم نتطرق إليها. لقد أشرنا إلى بعض الأخطاء التي نعتبرها لا تتوافق مع موقف ومنهج ووجهة نظر الماركسية اللينينية الماوية، بل مع مواقف ميتافيزيقية؛ أفكار تؤدي في السياسة إلى التعصب والطائفية «اليسارية»، والتي تتوافق من وجهة نظر طبقية مع البرجوازية الصغيرة وليس مع البروليتاريا الثورية. هذه هي الاعتبارات التي نحذر منها منذ البداية بأن الاقتراح الذي قدمه الرفاق لا يمثل قاعدة عامة لوحدة الماركسيين اللينينيين الماويين في الوقت الحاضر، والتي من شأنها أن تسمح بتطبيق أسلوب وحدة -صراع- وحدة لمواصلة النضال حول الاختلافات التي هي مشروعة الآن في صفوف الشيوعيين الثوريين. ================================================================== النصّ الثالث: ملاحظات نقدية حول "الاقتراح المتعلق بوحدة الحركة الشيوعية العالمية والخط السياسي العام" الحزب الشيوعي الماوي -إيطاليا مقدّمة: مع انهيار الحركة الأممية الثورية (RIM)، اختفت المنظمة الدولية الوحيدة القائمة التي تجمع غالبية أحزاب ومنظمات الماركسية - الماوية. مثّلت الحركة الثورية الأممية، بعد الأزمة التي شهدتها الحركة الشيوعية العالمية (ICM) عقب وفاة الرئيس ماو وهزيمة الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى (GPCR)، جهدًا ملموسًا لتوحيد أحزاب ومنظمات الماركسية-الماوية المتفرقة دوليًا، وبالتالي ولادة تيار مضاد يعارض هذا التشتت الضار. واليوم، لا يسع أحزاب ومنظمات الماركسية-الماوية الأممية الثابتة إلا أن تحارب كل بقايا التحريفية الأفاكيانية والبراشندية، وتستأنف المسار الأحمر للحركة الثورية الأممية، ودروسها الإيجابية والسلبية، للمضي قدمًا، من خلال بناء منظمة دولية جديدة لأحزاب ومنظمات الماركسية-الماوية، في الطريق الطويل نحو هدف الأممية الشيوعية الجديدة. نشر موقع "الشيوعية الدولية" في الرابع من جانفي/كانون الثاني وثيقة بعنوان "من أجل مؤتمر ماوي عالمي موحّد ! - مقترح حول وحدة الحركة الشيوعية العالميّة وخطها السياسي العام الحالي"، موقعة من اللجنة التنسيقية للمؤتمر الماوي الدولي الموحد (كوميك). تضم هذه اللجنة بعض الأحزاب والمنظمات التي أعلنت في السنوات الأخيرة رغبتها في السعي لعقد مؤتمر ماوي دولي موحّد، وتمثل وثيقتها، من وجهة نظرها، مقترحًا لـ"أساس مشترك للنقاش"، بل هي في الواقع أساسها السياسي والأيديولوجي الخاص الذي يُمكّنها من عقد مثل هذا المؤتمر. ومن المعروف والمعترف به في الحركة الشيوعية الماركسية اللينينية الماوية أن حزبنا، منذ انهيار الحركة الأممية الثورية، كان دائما في الطليعة، من خلال المبادرات السياسية المختلفة، في العمل على وضع الأسس لعقد مؤتمر دولي جديد للحركة الماركسية اللينينية الماوية يهدف إلى إعطاء الحياة لمنظمة عالمية جديدة. في عام 2012، عقد حزبنا بالاشتراك مع الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) والحزب الشيوعي الهندي (الماركسي اللينيني) ناكسالباري (الذي اندمج بعد ذلك في الحزب الشيوعي الهندي (الماوي)) اجتماعًا خاصًا للماركسيين اللينينيين. أصدرت الأحزاب والمنظمات الماوية التابعة للحركة الأممية الثورية نتيجة هذا الاجتماع الخاص، بعد المناقشة والنضال، "قرارين نهائيين" نشير إليهما. إنّ القرارين شكّلا حدوداً واضحة وحاسمة عن التيارين الجديدين التحريفيين الرئيسيين بقيادة أفاكيان وبراشاندا، وبدأ، لأول مرة منذ انهيار الحركة الأممية الثورية، العمل من أجل اللجنة الدولية، والذي كان لا يزال يتضمن عدداً من الخطوات لدمج أحزاب ومنظمات الماركسية اللينينية الماوية الأخرى في هذا العمل، سواءً كانت أعضاء في الحركة الأممية الثورية أم لا. وبهذا المعنى، نعتقد أن القرارات النهائية التي اتخذتها الحركة الاشتراكية، على الرغم من مرور عشر سنوات وفي سياق تاريخي وسياسي مختلف، حتى لو لم تكن قادرة على أن تكون أساسًا لعقد المؤتمر الدولي، إلاّ أنها تحتوي على مؤشرات مفيدة للمنهج والخط والتحليل السياسي لتشكيل أساس موحد لأحزاب ومنظمات الحركة الماركسية-الماوية التي تنوي عقد المؤتمر الدولي. علاوة على ذلك، عمل حزبنا، إلى جانب أحزاب ومنظمات أخرى، على الترويج للبيان الدولي المشترك في الأول من ماي وغيره من المبادرات الأممية الثنائية والمتعددة الأطراف، سواءً في السنوات التي سبقت الحركة الاشتراكية أو بعدها، بهدف الحفاظ على الخيط الأحمر للوحدة في حركتنا، وخاصة بمناسبة هذا اليوم المهم من النضال لطبقتنا. لقد كان لحزبنا، بعد نشر الوثيقة من قبل رفاق (كوميك)، موقف إيجابي معتقدًا أنها يمكن أن تكون مساهمة أخرى للاقتراب من الهدف، ولكن بعد أن قرأناها وحللناها، كان علينا أن نعرب عن أسفنا إلى جانب رأي سلبي في الغالب، بسبب التقييم بأن هذه الوثيقة لا يمكن أن تمثل نقطة انطلاق موحدة لعقد المؤتمر الدولي. لقد عهد حزبنا إلى أحد رفاق لجنتنا الدولية بتعليق نقدي أولي على بعض المواقف التي عبّر عنها رفاق (كوميك)، وسوف يتبع ذلك تعليقات أخرى ستعلق على التقييمات النقدية القوية التي عبرت عنها منظمات أخرى، والتي نتفق مع حججها بشكل عام - ولكن ليس بشكل كامل -ونشير إليها. إنّ الأيديولوجيا الثّورية التي على أساسها يتمّ عقد المـــؤتـــمر العــــــالمي هي المـــــاركسيّـــة اللينيـــــــنيّـــة المـــــــــاويّـــة في البداية، تنصّ الوثيقة على أن "الخطر الرئيسي لا يزال يتمثل في التحريفية"، والتي يمكن تقاسمها؛ وبعد ذلك مباشرة تواصل: "إن وحدتها مبنية على قاعدة وتوجيه الماركسية - الماركسية اللينينية اليوم، الماوية، وبشكل أساسي الماوية". نودّ أن نؤكّد مجدّداً أنّ علم البروليتاريا، في أي مرحلة من مراحل تطورها، يُمثل وحدة عضوية: كان كذلك في المرحلة الأولى من نشأة الماركسية وتطورها، ثم مع الماركسية اللينينية، وأخيراً مع الماركسية اللينينية الماوية، منذ نشأتها وحتى اليوم. إنّ الوحدة الأيديولوجية وفهم وتطبيق جميع جوانبها من قبل البروليتاريا، بقيادة طليعتها، هو المفتاح الوحيد لخوض غمار المسار الثوري في كل بلد. اسم حزبنا هو الحزب الشيوعي الماوي، لكننا لا نتفق مع استخدام المؤلفين لصيغة "الماوية أساسًا"، إذ أنّها تتعارض مع مفهوم أن أيديولوجيا البروليتاريا كلٌّ عضوي لا يتجزأ، بما في ذلك ما تحقق عالميًا من خلال الممارسة الثورية للبروليتاريا: أليس التحليل الماركسي لرأس المال، والمنهج المادي التاريخي والجدلي، والتحليل الماركسي للدولة، وما إلى ذلك، لا تزال صالحة اليوم في جوانبها العالمية (وتظل صالحة حتى هزيمة الرأسمالية) ؟ وينطبق الأمر نفسه على المساهمات العالمية للينينية والماوية في الماركسية، والتي لا يُمثلها اليوم إلا تعريف الماركسية-اللينينية-الماوية. إنّ المعنى المعطى لمثل هذه الصياغة في وثيقة (كوميك) لا يشترك فيه إلا الأحزاب والمنظمات التي يمثلها (كوميك) نفسه، والتي هي تعبير عن جزء من حركتنا، والتي قدمت وثائق مختلفة في السنوات الأخيرة وأضافت في كثير من الأحيان الصياغة: "بالمساهمات العالمية للرئيس غونزالو" وحتى أثارت قضية "الوجوه الستة". ونحن نعتقد أنّ "أساس المناقشة" الوظيفي لعقد اللجنة الدولية يجب أن يدعم صيغة "الماركسية اللينينية الماوية" ويضعها كحد ضد التحريفية. بالعودة إلى وثيقة رفاق (كوميك)، نشير إلى نقطة أخرى، تم التعبير عنها في الفقرة التالية: "يتمثل خط التّمايز بين الماركسية والتحريفية الجديدة في: 1) الاعتراف أو عدم الاعتراف بالماوية باعتبارها المرحلة الثالثة والجديدة والمتفوقة للماركسية وضرورة مكافحة التحريفية وكل الانتهازية؛ 2) الاعتراف أو عدم الاعتراف بضرورة العنف الثوري - كحرب الشعب - لإحداث ثورة في بلد المرء؛ 3) الاعتراف أو عدم الاعتراف بضرورة هدم جهاز الدولة القديم واستبدال دكتاتورية البرجوازية بدكتاتورية البروليتاريا؛ 4) الاعتراف أو عدم الاعتراف بضرورة الحزب الثوري للبروليتاريا". نحن نتّفق عمومًا مع محتوى هذه الفقرة، ولكن فيما يتعلق بالنقطة الثانية، نعتقد أن تعريف حرب الشعب والعنف الثوري ليس صحيحًا من وجهة نظر الماركسية اللينينية الماوية. من الواضح أن العنف الثوري هو الممارسة المركزية لحرب الشعب، ولكن لا يمكن القول إن حرب الشعب هي ذلك فحسب. إنّ تاريخ حروب الشعب نفسه يدحض هذا، فقط انظر إلى حرب الشعب العظيمة للحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ؛ ولكن أيضًا حرب الشعب في بيرو، وحرب الشعب التي استمرت 10 سنوات في نيبال، وحروب الشعب المستمرة في الهند والفلبين. جميعهم ينكرون ذلك. حرب الشعب هي في الوقت نفسه صراع على الجبهات السياسية والأيديولوجية، من أجل بناء مناطق القواعد، وما إلى ذلك. بدلاً من ذلك، يؤدي هذا التعريف إلى فهم/موقف عسكري، وهو مناهض للماركسية-اللينينية. المؤتــمر العـالمي خُطــوة إلى الأمـــــــــام فــي النّضــــــــــــــال ضــــدّ الإمــــبريــــــاليّــــــــة ونحن نعتقد أن عقد مؤتمر عالمي للأحزاب والمنظمات الماركسية-اللينينية-الماوية سوف يمثل خطوة ثانية (بعد الخطوة الأولى التي مثلتها الحركة الأممية الثورية) في الطريق الطويل للنضال ضد الإمبريالية وهزيمتها النهائية بانتصار الثورات الديمقراطية الجديدة والثورات الاشتراكية، والسّير نحو الشيوعية. لذلك، من الضروري فهم نظرية الإمبريالية التي صاغها لينين وطبّقها ماو من خلال قيادته للعملية الثورية في الصين، والتي تُعزز فهمها التجارب الثورية الملموسة (حروب الشعب المستمرة)، لفهم استراتيجية محاربة الإمبريالية وهزيمتها. بهذا المعنى، يُثير مفهوم "حرب الشعب العالمية" إشكالية فهم نظري-أيديولوجي وغموضًا. نحن من أنصار إطلاق وتطوير حروب الشعب في جميع البلدان، ونعتقد أن مسار حرب الشعب يجب أن يُطبق عالميًا في كل بلد، وفقًا للظروف الخاصة بكل بلد، وخاصة وفقًا لطبيعة كل بلد سواءً كان بلدًا إمبرياليًا أو بلدًا مضطهَدًا من قبل الإمبريالية (في كليهما مع مراعاة أي تغييرات، والتي سنتناولها بإيجاز لاحقًا). نعتقد أن حرب الشعب هي استراتيجيا ثورية عالمية، ولكن كما هو معروف، فإنّ ظروف تطوّر كل بلد في العالم كانت وستظل غير متساوية حتى الشيوعية، وبالتالي فإنّ بداية وتطور العمليات الثورية أيضًا غير متساوية، وبالتالي حروب الشعب. لقد أظهر التاريخ بالفعل كيف حقّقت بعض البلدان الاشتراكية، ولو بشكل مؤقّت وبتطورات غير متساوية، في حين ظلت علاقات الإنتاج الرأسمالية مهيمنة في معظم أنحاء العالم. استناداً إلى التجربة الثورية الملموسة في عصر الإمبريالية منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية، فإننا نعلم أن الظروف غير المتكافئة تخلق تطورات ثورية غير متكافئة، مما يجعل البلدان التي تحقق الاشتراكية مضطرة أولاً إلى الدفاع عن هذه النتيجة باعتبارها الهدف الرئيسي في المصلحة الأممية، لتكون بمثابة قاعدة للثورة البروليتارية العالمية. على العكس من ذلك، فإن مفهوم "حرب الشعوب العالمية"، بغض النظر عن ذلك، نراه خارجًا عن الماوية. إن مفهوم "حرب الشعوب العالمية" الوارد في الوثيقة يتناقض، في رأينا، مع كل من نظرية الإمبريالية وحرب الشعب طويلة الأمد كما صاغها الرئيس ماو، الذي اعتبرها دائمًا استراتيجيا ثورية للاستيلاء على السلطة السياسية، وليس شكلًا لممارسة دكتاتورية البروليتاريا بعد الاستيلاء عليها. بدلاً من ذلك، تُنذر "حرب الشعب العالمية" بـ"حرب شعبية متواصلة" في كل بلد، مُخلطةً بين استراتيجيا الاستيلاء على السلطة وإقامة دكتاتورية البروليتاريا والكفاح لبناء دكتاتورية البروليتاريا نفسها. أما استراتيجيا مواجهة محاولات الاستعادة فهي الثورة الثقافية، التي لا تتخذ شكل حرب شعبية. هناك مسألة مهمّة أخرى تتعلق بالإشارة في الوثيقة لاحقًا إلى "نظرية العوالم الثلاثة". هذا يعني نسب هذه النظرية إلى الماركسية اللينينية الماوية، وتحديدًا إلى تحليل الرئيس ماو، بينما طرحها دينغ سياو بينغ. نختلف مع الادّعاء القائل بأنّ البلدان المضطهَدة "أسس الثورة العالمية"، والفلاحين هم القوة الرئيسية؛ وهو موقف يرتبط بفكر العالم الثالث، لا بالماركسية الماوية، ويتجاهل أن التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا هو التناقض الأساسي، وأن الطبقة العاملة تتطور اليوم بقوة متزايدة، كمًا ونوعًا، حتى في العديد من أهم البلدان المضطهَدة. نصّ القرار النهائي الأول "حول الوضع الدولي ومهام الشيوعيين" الذي اعتمدته الحركة الاشتراكية الشيوعية عام 2012 على ما يلي: "تستغلّ البرجوازية الإمبريالية في جميع أنحاء العالم الأزمة لإعادة هيكلة الإمبريالية على نطاق عالمي، والمحافظة على مصالح طبقتها لتحقيق أرباحها. وهذا يؤدي إلى تخفيف وطأة الأزمة على العمال والجماهير. ففي كل من البلدان المضطهدة والبلدان الإمبريالية، تزداد البطالة وانعدام الأمن الوظيفي وتكاليف المعيشة، ويتصاعد الاستغلال إلى أشكال حديثة من العبودية، وتنخفض حقوق العمال، وتُمحى الإنجازات الاجتماعية التي تحققت عبر سنوات من النضال، وتُغلق المصانع مع تسريح أعداد كبيرة من العمال، ويُدمر الفلاحون ويُدفعون إلى الانتحار، وتزداد تخفيضات الإنفاق الاجتماعي وخصخصة التعليم والرعاية الصحية، ويمتد منطق التسليع والربح حتى إلى السلع الأساسية، مثل الماء والهواء والشمس، إلخ. تُنفّذ هذه السياسات في إطار الصراع على الهيمنة على السوق العالمية الإمبريالية والمجالات الاستراتيجية الجيوسياسية، ولكن الطابع الوحدوي للسياسات... "إن تحميل البروليتاريا والجماهير مسؤولية الأزمة أمر واضح تمامًا". نعتقد أن هذا التحليل لا يزال صالحًا بعد عشر سنوات، ويُظهر تفاقم التناقضات في كلا النوعين من البلدان. ينبغي أن تؤدي التغييرات التي حدثت خلال العقود الأخيرة إلى عدم اعتبار الريف والفلاحين أساسًا، والمدن والطبقة العاملة مُكمِّلًا في البلدان المُضطهدة. كتب رفاق (كوميك) في وثيقتهم: "إنّ عدم الاعتراف بالطابع شبه الإقطاعي للبلدان المضطهدة، وبالتالي ضرورة الحرب الزراعية لحلها، يؤدي إلى إنكار ضرورة الثورة الديمقراطية في تلك البلدان، وضرورة تطوير حرب الشعب كحرب موحدة، حيث يكون الريف هو الأساس والمدينة مكملاً ضروريًا، لإنهاء الإمبريالية والرأسمالية البيروقراطية وشبه الإقطاع". نعتقد أنه في العديد من البلدان المضطهَدة، بسبب عملية ضخمة من التحضر والبروليتاريا، بدأت كتوجه بطيء في الستينيات وتزايدت منذ الثمانينيات واستمرت اليوم على نطاق أوسع، يميل الريف إلى فقدان أهميته "الرئيسية" لصالح المدن، وبالتالي، ليس من الواضح أن حرب الشعب في بعض البلدان المضطهَدة من قبل الإمبريالية لها الشكل "الكلاسيكي" لـ "الحرب الزراعية" كشكل رئيسي. يجب أن تأخذ نظرية تطور الحرب الشعبية في كل بلد في الاعتبار بالضرورة التغيرات الاجتماعية والتوزيع "الديموغرافي" للسكان، ومرة أخرى، لا يمكن أن تكون مجرد إعادة اقتراح ميكانيكية لنظرية الحرب الشعبية التي وضعها ماو الذي -نكرّر- أخذ في الاعتبار الظروف الملموسة للصين والعالم منذ ما يقرب من قرن من الزمان، كما فعل لينين في ذلك الوقت ومع ذلك حذّر من أنّ مسار أكتوبر لا يمكن تكراره ميكانيكيًا في البلدان الأوروبية الأخرى. إنّ الاعتقـاد بأنّ كل شيء يبقى دون تغيير هو فــــكرة مثــــــاليّــــــــة مضـــادّة للجــــدل على العكس من ذلك، فإنّ التحليل المادي الجدلي حيّ، في علاقة جدلية وثيقة بالتغيرات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لا يمكن تحنيطه بإعادة طرح تحليل أساتذتنا آليًا. يجب أن يكون الماركسيون اللينينيون الماويون قادرين على التمييز بين ما هو عام (صالح دائمًا وفي كل مكان، حتى إسقاط الرأسمالية) وما هو خاص. المشكلة الرئيسية هي أنّ مؤلفي الوثيقة وضعوا مركزية البلدان المضطهَدة على المستوى العالمي، مؤكدين أن التناقض الأساسي في جميع أنحاء العالم هو التناقض بين الإمبريالية والأمم والشعوب المضطهَدة. كتب كلٌّ من ستالين في الفصل الأول من كتاب "مبادئ اللينينية"، وماو تحديدًا في كتابه "حول التناقض"، وهو عملٌ أساسيٌّ للحركة الشيوعية العالمية، بوضوحٍ أن "التناقض الأول هو التناقض بين العمل ورأس المال". وأوضح كلٌّ من ستالين وماو أن التناقض الأساسي، أي التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية، هو نفسه دائمًا حتى في عصر الإمبريالية. كتب ماو: "... عندما تطورت رأسمالية عصر المنافسة الحرة إلى إمبريالية، لم يطرأ أي تغيير على الطبيعة الطبقية للطبقتين المتناقضتين أساسيًا، أي البروليتاريا والبرجوازية، أو على الجوهر الرأسمالي للمجتمع؛ ومع ذلك، فقد اشتد التناقض بين هاتين الطبقتين...". بما أن العصر لم يتغير، فإن هذا التناقض يبقى هو التناقض الأساسي. لذلك، من الخطأ التأكيد، كما يفعل الرفاق في هذه الوثيقة وغيرها، على أن التناقض بين الإمبريالية والأمم والشعوب المضطهدة أساسي وعالمي. هذا التحليل الخاطئ يستند أيضًا (و"بالضرورة" بالنسبة للرفاق) إلى إجبار، يُصنف بموجبه العديد من البلدان على أنها دول مضطهَدة، في حين أنها دول رأسمالية. مثال على ذلك أوكرانيا (وجميع دول أوروبا الشرقية، الاشتراكية سابقًا)، التي تُعتبر دولة مضطهَدة، ومن هنا يأتي الموقف الخاطئ، في ظل الحرب الدائرة اليوم، بدعم أوكرانيا كدولة مضطهَدة ضد روسيا. وبالتالي، يجب أن تكون الثورة ديمقراطية جديدة هناك، في حين أن هذه البلدان قد اجتازت بالفعل الثورة الاشتراكية واستعادت الرأسمالية. التناقض الأساسي يحدّد ويؤثّر على التناقضات الأخرى في بعض الفترات، قد يصبح أحد التناقضات الأخرى هو التناقض الرئيسي. على سبيل المثال، وبالإشارة إلى الحرب في أوكرانيا، من الواضح أن التناقض بين الإمبرياليين هو التناقض الرئيسي هنا، ولكنه لا يحل محل التناقض الأساسي على المستوى العالمي. وبدلاً من ذلك، فإن جعل التناقض بين الإمبريالية والدول والشعوب المضطهَدة هو التناقض الأساسي، لا ينكر التغييرات التي تجلبها الإمبريالية إلى التركيبة الطبقية للشعوب في البلدان المضطهدة فحسب، كما قيل من قبل، بل يؤدي أيضًا إلى تحليل خاطئ وبالتالي إلى اتخاذ موقف منحرف. إن التخلي عن نظرية الإمبريالية والتحليل الماركسي اللينيني الماوي يتحول إلى "قصر دائرة" حقيقي بين تحليل رفاق (كوميك) والواقع عندما يكررون بشكل قاطع اقتباس الرئيس ماو الذي صرح في عام 1967 بأن حزب العمال الثوري سوف ينتصر "في السنوات الخمسين إلى المائة القادمة". كان بيان ماو صحيحًا بالتأكيد في السياق الذي صاغه فيه المعلم العظيم للبروليتاريا العالمية، استنادًا إلى تحليل ملموس للوضع الراهن قبل 55 عامًا. ولكن باتباع نهج رفاق (كوميك) حرفيًا، وفهمهم لهذا الاقتباس بطريقة آلية، فإنّ انتصار الحزب الثوري الماركسي على وجه الأرض سيكون حتميًا خلال عام 2067 (بعد 45 عامًا). علاوة على ذلك، كرّر الرفاق هذه الفكرة بوضوح أكبر في بيان الأول من ماي الأخير، مؤكدين صراحةً أن فترة "50-100 عام" هذه يجب أن تُفهم على أنها الفترة التي ذكرها ماو (هكذا!). من الواضح أن الوضع الذي وصفه ماو في ستينيات القرن الماضي قد تغيّر اليوم، وبالتالي تغير تقييمه. منذ عام 1976، لم يعد هناك دولة اشتراكية واحدة في العالم تُشكل قاعدةً للشيوعية، ويعلن الحزبان الأكثر تقدمًا، وهما الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) والحزب الشيوعي الفلبيني، أنهما في مرحلة دفاع استراتيجي. إن هذا "القِصَر الميكانيكي" الأول يؤدي مباشرة إلى قصر ميكانيكي ثانٍ: وهو التأكيد المشكوك فيه على الأقل بأن الحرب الشعبية في مرحلة الهجوم الاستراتيجي. هنا أيضًا، ثمة استخدامٌ مشوهٌ للماركسية اللينينية الماوية، وخاصةً لنظرية ماو في الحرب الأهلية ومراحلها: لو كنا في مرحلة الهجوم الاستراتيجي، لكان ذلك يعني أن العدو لم يعد قادرًا على هزيمتنا، وأننا قادرون على سحقه، وبالتالي، نقترب من الاستيلاء على السلطة على نطاق عالمي. من الواضح أن هذا الوضع بعيدٌ كل البعد في كل بلدٍ في العالم، بما في ذلك الهند والفلبين، وفقًا لرفاق البلدين، كما رأينا. بالنسبة لرفاق (كوميك)، من ناحية أخرى، فإن المرحلة الحالية (سواء كانت دفاعية استراتيجيّا، أو في طريق مسدود أو هجومية) لا يتم تحديدها من خلال التحليل الملموس للوضع الملموس (أي الثورات تتطور وكم عددها، وكم عدد أحزاب الماركسية اللينينية الموجودة وفي أي مرحلة هي، وما إلى ذلك)، بل يتم تحديدها بشكل مثالي من خلال التفسير الذاتي للتاريخ المجيد للبروليتاريا، والذي ينظر بشكل أحادي الجانب فقط إلى إنجازاتها التاريخية، ولكن "نزع الطابع التاريخي عنها" وإزالة الهزائم، بما في ذلك المرحلة الحالية التي نحن فيها، والتي تتطلب منا التغلب على الهزيمة الاستراتيجية التي عانينا منها (الممثلة في استعادة الرأسمالية في الصين الاشتراكية). يكتب الرفاق: بتطبيق قانون التناقض على عملية الثورة العالمية، عملية اجتثاث الإمبريالية ورد الفعل من على وجه الأرض، نجد ثلاث لحظات - لأن التناقض يسود كل شيء، ولكل تناقض جانبان متصارعان، هما الثورة والثورة المضادة. هذه اللحظات هي: أولاً: الدفاع الاستراتيجي؛ ثانياً: التوازن الاستراتيجي؛ وثالثاً: الهجوم الاستراتيجي للثورة العالمية. الدفاع الاستراتيجي للثورة العالمية، الذي يعارض هجوم الثورة المضادة، انسحب منذ عام 1871 مع كومونة باريس وانتهى بالحرب العالمية الثانية؛ أما التوازن الاستراتيجي فيحدث بانتصار الصين. "إن الثورة كانت بمثابة ثورة ثقافية بروليتارية كبرى وتطور حركة قوية للتحرر الوطني؛ وبعد ذلك تدخل الثورة في الهجوم الاستراتيجي للثورة العالمية، وفي تلك اللحظة كانت الثورة في حوالي عقد 1980 حيث شهدنا الحرب في إيران والعراق وأفغانستان ونيكاراغوا وبداية حرب الشعب في بيرو، وكانت الثورة تواجه الهجوم المضاد الثوري ذي الطابع العام، في العصر الذي يمتد إلى "50 إلى 100 سنة قادمة"؛ ومن هناك سوف يتطور التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية - التي سيقودنا حلّها إلى الشيوعية". وقد نصّ القرار النهائي الأول الذي اعتمدته اللجنة الدائمة، من بين أمور أخرى، على ما يلي: هذا هو السياق الذي تتطور فيه وتنبثق فيه موجة جديدة محتملة من الثورة البروليتارية العالمية. وتتخذ هذه الموجة مرجعًا لها وركيزةً استراتيجيةً لها، ألا وهي حروب الشعب التي قادتها الأحزاب الماوية. يُضاف إلى ذلك التحضير لحروب شعبية جديدة، لا سيما في تركيا وجنوب آسيا، مع إمكانية حدوثها في أمريكا اللاتينية، وفي جميع أنحاء العالم، مع تشكيل أحزاب شيوعية ماركسية-لينينية-ماوية. في هذا الإطار، تُمثل الأحزاب الشيوعية الماركسية-اللينينية-الماوية الجديدة في الدول الإمبريالية إمكانية تحقيق نقلة نوعية في النضال الثوري، ووحدة تياري الثورة البروليتارية العالمية: الثورة الاشتراكية في الدول الإمبريالية، والثورة الديمقراطية الجديدة السائرة نحو الاشتراكية في الدول التي تضطهدها الإمبريالية. في الوضع العالمي الراهن فإن مهمة الشيوعيين هي صنع الثورة في البلدان المختلفة، لأن الثورة هي الحل الوحيد للأزمة، والمخرج الوحيد من الإمبريالية والطريق الوحيد لتحقيق الهدف النهائي لنضال البروليتاريا والشعوب المضطهدة. "وهذا يتطلب تعزيز وبناء الأحزاب الشيوعية الماركسية-الماوية في كل بلد، باعتبارها نوعًا جديدًا من الأحزاب الشيوعية، باعتبارها فصائل طليعية للبروليتاريا ونواة قيادية لكل الشعب، باعتبارها حزبًا يكافح من أجل الثورة". هذه هي المرحلة الحالية، واتخاذ موقف انتصاري لا يساعدنا على التقدم بشكل جماعي بل يعزز الركود. نصّ القرار النهائي نفسه الصادر عن الحركة الاشتراكية: "علينا أن نتعلّم من انتصاراتنا وهزائمنا، من صوابنا وأخطائنا". في المقابل، لا تترك النزعة الانتصارية الذاتية في وثيقة (كوميك) مجالًا لمثل هذا التفكير والتقييم النقدي/النقدي الذاتي. وأخيرا، فيما يتعلق بفهم وتطبيق نظرية الإمبريالية، فإننا نعتقد أنه من غير الصحيح من الناحية الاستراتيجية استخدام صيغة "القوة العظمى المهيمنة الوحيدة" كما ورد في الوثيقة للإشارة إلى الولايات المتحدة، وأن صيغة "القوة العظمى النووية" أقل صحة وأقل علمية للإشارة إلى روسيا. مرة أخرى، نعتبر التحليل الذي أجري في الاجتماع الاستثنائي عام 2012 صحيحًا وبعيد النظر، وخاصة في ضوء الأحداث الأخيرة، - نقتبس مرة أخرى القرار النهائي الأول "حول الوضع الدولي ومهام الشيوعيين": يشهد ميزان القوى بين الإمبرياليين حالة من التقلب. فرغم أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى الوحيدة، إلا أن قدراتها قد ضعفت بشكل كبير نتيجة مقاومة ضحاياها والأزمة. وقد أتاح ذلك بعض المجال لتجمع الاتحاد الأوروبي. إلا أن عوامل مماثلة أثرت سلبًا على موقفهم أيضًا. لم تتأثر روسيا بالأزمة كثيرًا. فمن خلال تحالفها مع الصين وتوطيد علاقاتها مع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، اكتسبت بعض المزايا وصعّدت من حدة الصراع. ولا يزال التوافق/ التواطؤ الشامل هو السائد في العلاقات بين الإمبرياليات. لكن الإمبريالية في الأزمات تتطور داخلها تناقضات يمكن أن تصبح مصادر محتملة لحرب عالمية جديدة. فالقوى الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تطلق العنان لحروب العدوان والغزو والاستعمار الجديد وتزيد من حدتها في مختلف مناطق العالم حيث تكون مصالحها حيوية أو مهددة. وبتطوير هذه الحروب، تواصل سباق التسلح وتتسلح بأدوات عسكرية أكثر فأكثر تدميرًا، متجاوزةً جميع الحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان". بـــعض الملاحظــــات الختــــــــاميّـــــة وفي الختام، نؤكد مرة أخرى أن الهدف المشترك للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية الماوية يجب أن يكون الدعوة إلى إنشاء مؤتمر عالمي واسع النطاق قدر الإمكان مع احترام مبدأين: 1) مؤتمر عالمي يلتزم أعضاؤه بالكامل بالحركة الشيوعية الماركسية اللينينية الماوية. وبالتالي، لا مجال في هذا المؤتمر للتحريفية والتحريفية الجديدة. لا لمشاركة القوى التي تشير بشكل مباشر أو غير مباشر إلى "التوليف الجديد" لبوب أفاكيان للحزب الشيوعي الثوري الأمريكي، أو إلى البراشندية، أو إلى الخط الانتهازي اليميني في بيرو. علاوة على ذلك، وكما ورد في القرار النهائي الثاني للحركة الاشتراكية في عام 2012 بعنوان "نحو مؤتمر عالمي للأحزاب والمنظمات الشيوعية الماركسية اللينينية الماوية في العالم"، فإننا لا نزال نكرر: "نعتقد أنه يجب القيام بهذه المهمة بشكل مشترك بمشاركة الأحزاب الماوية التي تقود حروب الشعب، وجميع القوى الماوية...". 2) مؤتمر عالمي للأحزاب والمنظمات الشيوعية الماركسية اللينينية الماوية في العالم، والذي يمكن الوصول إليه من خلال دعوة مشتركة موحدة؛ حيث يتم تطوير نقاش حقيقي وصراع حادّ بين الخطين بهدف الوصول إلى مستوى أعلى من الوحدة نحو هدف تأسيس منظمة دولية جديدة للحركة الماركسية اللينينية الماوية كنواة لمنظمة دولية مستقبلية. إن أية نتيجة دون المستوى التنظيمي والنظري والسياسي والأيديولوجي الذي تحققه الحركة الأممية الثورية ستكون خطوة إلى الوراء، وليس خطوة إلى الأمام. ======================================================== النصّ الرّابع: حول المؤتــــــــمر المـــــــاوي العــــــــــالمي المـــــــوحّد اللجنة التأسيسيّة للحزب الشيوعي الماوي بغاليسيا يا أيها العمّال اتحدوا ! بادئ ذي بدء، لا بدّ من تهنئة اللجنة التنسيقية للمؤتمر الماوي العالمي الموحّد (كوميك) على نشرها النصّ الذي سيكون وثيقة النّقاش الرئيسية على أساس الوحدة العالميّة. إنّ نشر هذه الوثيقة يُتيح لمختلف الأحزاب والفصائل الشيوعية فرصة التعبير عن مواقفها بصراحة، وتوضيح المواضيع المهمة التي تدرسها الحركة الشيوعية العالمية في هذه اللحظة التاريخية. "طالما يمثل هذا النقد طبقة معينة، فإنه لا يمكن أن يمثل إلا الطبقة التي مهمتها في التاريخ هي الإطاحة بنمط الإنتاج الرأسمالي والقضاء النهائي على جميع الطبقات "البروليتاريا". كارل ماركس، خاتمة الطبعة الألمانية الثانية من كتاب رأس المال، 1873. "فقط بعد أن تجرّد البروليتاريا البرجوازية من السلاح، ستتمكن، دون أن تخون رسالتها التاريخية، من رمي جميع الأسلحة في سلة المهملات. وستفعل البروليتاريا ذلك بلا شك، ولكن فقط عند استيفاء هذا الشرط، وليس قبل ذلك بالتأكيد". لينين، البرنامج العسكري للثورة البروليتارية، 1916. "بناءً على الدراسة النقدية المتعمقة للظروف الاقتصادية والسياسية في روسيا، وطبيعة البرجوازية الروسية والرسالة التاريخية للبروليتاريا الروسية، سيصل لينين، منذ عام 1905، إلى استنتاج مفاده أنه نظرًا للدرجة العالية من الوعي الطبقي للبروليتاريا ونظراً لتطور الصراع الطبقي، فإن أي صراع سياسي في روسيا سيتحول بالضرورة إلى صراع اجتماعي ضد النظام البرجوازي"، أنطونيو غرامشي، أعمال لينين، 1918. "عندما تختفي الطبقات، فإن جميع أدوات الصراع الطبقي "الأحزاب وجهاز الدولة" ستفقد وظيفتها، وتتوقف عن أن تكون ضرورية، وبالتالي تتلاشى تدريجيا وتنتهي مهمتها التاريخية؛ وسوف ينتقل المجتمع البشري إلى مرحلة أعلى"، ماو تسي تونغ، حول الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية، 1949. "9. خدمة تطوير البروليتاريا البيروفية كجزء من الطبقة العاملة العالمية، وتشكيل وتعزيز الأحزاب الشيوعية الحقيقية وتوحيدها في حركة شيوعية عالمية متجددة، تسترشد بالماركسية اللينينية الماوية؛ كل ذلك في إطار تحقيق البروليتاريا لمهمتها التاريخية العظيمة كطبقة نهائية"، الحزب الشيوعي البيروفي، أساس وحدة الحزب. 1988. الفصل الثالث: البرنامج والنظام الأساسي، لقسم: «البرنامج العام للثورة الديمقراطية»، النقطة رقم 9. مقدّمـــــــــــــة تعتمد لجنة بناء الحزب الشيوعي الماوي في غاليسيا على الماركسية اللينينية الماوية، باعتبارها خلاصة تجارب الحركة الثورية للبروليتاريا في مختلف البلدان، والحركة الشيوعية العالمية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا. خلال نضالات البروليتاريا والجماهير المضطهَدة في القرنين التاسع عشر والعشرين، درس المؤلفون الثوريون والمناضلون الشيوعيون، كارل ماركس وفلاديمير لينين وماو تسي تونغ، هذه المعرفة المتعلقة بالصراع والصراع بين الطبقات الاجتماعية عبر التاريخ، وناقشوها، وجرّبوها، ونظّروا لها، وذلك بهدف إرساء علم جديد يُمكّن من فهم تاريخ المجتمعات البشرية والبشرية جمعاء. اسم هذا العلم هو الماركسية اللينينية الماوية، وهو دليل لا غنى عنه للقيام بممارسة اجتماعية واعية من أجل خلق الحركة الثورية للبروليتاريا، وبالتالي فهو لا غنى عنه للاستيلاء على السلطة السياسية وتحرير البشرية والقدرة على رفع البشرية نحو الشيوعية. ماركس ولينين وماو هم الآباء الرئيسيون للماركسية اللينينية الماوية. وإلى جانبهم، يُشكل إنجلز وستالين الأساس الذي نستند إليه. إنهم معلّمو البروليتاريا العظام. وهناك أيضًا ثوريون عظماء مثل غونزالو ومازومدار وكايباكايا، يتمتعون بأصالة وعمق علمي وسمو تاريخي أساسي للماركسية اللينينية الماوية. كتب لينين في كتابه الشهير "ما العمل ؟": "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية". على مرّ التاريخ، ثارت الطبقات المضطهَدة والفئات الاجتماعية "المهمّشة" ضد الاستغلال، وخاضت نضالات وانتفاضات وحروبًا عادلة ضدّ مضطهديها. لكن بدون الماركسية-اللينينية-الماوية، لا يمكن أن ينتصر نضال العمال والفلاحين، أو النضال العادل من أجل التحرر الوطني للشعوب المضطهَدة، لأنّهم لا يمتلكون العلم الذي يُمكّننا من بناء وعي جماهيري واسع، ولا من إنشاء الحزب، ولا جيش الشعب، ولا الجبهة، ولا من بناء السلطة الجديدة، وبالتالي، بدون كل هذا، سيكون من المستحيل بناء مجتمع اشتراكي. 1. الماركسية اللينينية الماوية؛ حول "الماوية أساسًا" من وجهة نظرنا، ينبغي تعديل الإعلان السياسي ومبادئ اللجنة التنسيقية. يبدأ ذلك بكون هذه الوثيقة تتبع صيغة "الماوية أساسًا". ينطوي هذا التعبير على خطرين مهمين سيقوداننا إلى الضّلال إن لم نتوخَّ الحذر. الخطر الأوّل هو الانجراف وراء أشكال الذاكرة المتكررة التي تُميز الدين أكثر من علم البروليتاريا. إنّ حفظ عبارة من الذاكرة لا يُمثل فهمًا، ولا حتى استيعابًا، للماركسية اللينينية الماوية. للخطابات والشعارات، وما إلى ذلك، مكانتها في الثورة، لكنها ليست الرئيسية، ولا الأصيلة، ولا الجوهرية. ما هو جوهري هو علم البروليتاريا، والوعي بتاريخ البشرية كطريق طويل من الصراع بين الطبقات، وكذلك الوعي بضرورة تحقيق الرسالة التاريخية للبروليتاريا: دكتاتورية البروليتاريا، والاشتراكية، وإلغاء الطبقات الاجتماعية في ظل الشيوعية. هذه هي النظرة العالمية الخاصة بالاشتراكية العلمية، نظرة البروليتاريا الثورية للعالم. لأن هذه الرؤية تحديدًا هي أساس الثقافة البروليتارية الجديدة. تتألف الماركسية من أطروحات علمية حول المجتمعات البشرية في مختلف العصور. يمكن لهذه الأطروحات أن تتطور من خلال الدراسة والممارسة الاجتماعية الواعية، ومن خلال العمل الجماهيري الذي يخلق علاقات اجتماعية جديدة بتحويل النظرية الثورية إلى ممارسة عملية، حتى تُصبح قوة جديدة وقانونًا جديدًا، وفي النهاية، من خلال حرب الشعب، تولد دولة جديدة. السبب الآخر لعدم استخدام صيغة "الماوية تحديدًا" هو أنها تُصعّب فهم أن كل تقدم في العلوم البروليتارية ينطوي على استمرارية وانقطاع في آن واحد. نجد لدى لينين وستالين استمرارية وانقطاعًا مقارنةً بماركس وإنجلز في المسائل الاستراتيجية للثورة البروليتارية العالمية، مثل أهمية نضالات الشعوب المستعمرة، أو على المستوى الفلسفي، نجد أن لينين يُدمج في المادية الجدلية مسألة الظروف الداخلية والخارجية للظواهر الاجتماعية، وكذلك مسألة حركة الطبيعة. نجد لدى لينين نظرية الحزب البروليتاري من الطراز الجديد التي لم يُطوّرها ماركس ولا إنجلز. إذا كان "وعي البروليتاريا" يلعب دورًا رئيسيًا عند ماركس وإنجلز، ففي بعض الأعمال الأساسية للينين (مثل "ما العمل ؟")، فإن "الوعي"، أو "العامل الواعي"، يتخذ دور البطولة لم يسبق له مثيل في الماركسية. إذا كانت النقابات العمالية بالنسبة لماركس وإنجلز والحزب البلشفي قبل ثورة أكتوبر، هي الأداة الإدارية التي يديرون بها الاقتصاد، فمن الواضح بالفعل بالنسبة للينين عام 1918 أن النقابات العمالية في روسيا ليست أداة كافية لتوجيه الإنتاج الصناعي في روسيا السوفياتية. إن الانقطاع والاستمرارية أمر ثابت في تاريخ الماركسية، تمامًا كما يحدث مع العلوم الطبيعية للأوساط الأكاديمية البرجوازية، حيث تحدث أيضًا عملية الانقطاع والاستمرارية هذه. يقودنا هذا العرض بأكمله إلى فهم سبب صحة مصطلح "الماركسية اللينينية" وليس مجرد "اللينينية" أو "الماركسية اللينينية، اللينينية في المقام الأول". وبنفس الطريقة، نجد عند ماو تسي تونغ أيضًا انقطاعًا واستمرارية فيما يتصل بماركس. إذا كان الوعي هو البطل عند لينين، فهو كذلك عند ماو. وإذا كان لينين يتداخل فيه الباطني والخارجي، فإنهما مع ماو يكتسبان دور البطولة. إذا كان ماركس يستطيع فقط دراسة الثورات البرجوازية والمحاولة الأولى للثورة البروليتارية مثل كومونة باريس، فإنّ ماو يستطيع دراسة التجربة السوفياتية، ونضالات التحرير في المستعمرات، والثورة الصينية، إلخ. إذا واجه لينين السوفييت المولود بشكل عفوي، فعندما يعتبر لينين "السلطة المزدوجة" خصوصية للثورة البروليتارية في روسيا، يتعين على ماو أن يخلق بوعي "السلطة الجديدة" ويمكنه تحديد هذه "السلطة الجديدة" كضرورة عالمية للثورة. إذا كان لينين قد أعطانا الخطوط العريضة للحزب الجديد، فإن ماو يقدم لنا وصفًا مفصلاً لكيفية بناء الحزب بأشياء مثل، ما هي الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع الاتجاهات الليبرالية، والخط السياسي، والكوادر، والعمل الجماهيري، والخط الجماهيري، وما إلى ذلك. علاوة على ذلك، وبفضل خبرته العملية، تمكّن ماو من صياغة النظرية العسكرية للبروليتاريا: نظرية حرب الشعب. ومع اكتشاف حرب الشعب، انفصل ماو عن الرؤية التمردية التي تتوافق تاريخيًا مع الثورات البرجوازية، ولكنها لا تتوافق مع الثورة البروليتارية. ومع هذا الانقطاع، ظهرت نظرية أخرى، وهي فرضيته القائلة بأن عصر الثورات البرجوازية قد انتهى تاريخيًا، لذا، ففي البلدان المتخلفة (شبه الإقطاعية)، يقع على عاتق البروليتاريا "كطبقة قائدة"، متحدةً مع الفلاحين "كطبقة رئيسية"، مهمة التغلب على الإقطاع التي أنجزتها البرجوازية في بلدان المركز الإمبريالي خلال الحقبة التاريخية للثورات البرجوازية. إنّ الحاجة إلى تعبئة الجماهير العريضة في الثورات الثقافية مثال آخر على القطيعة مع النظرة الخطية للتاريخ التي سادت الماركسية آنذاك. عند ماو، نرى بوضوح هذه السمة المتناقضة المتمثلة في الاستمرارية والقطيعة مع ما كان سابقًا - وهو أمر ثابت في الماركسية - في الحركة الشيوعية العالمية. من هذا المنظور، فإن الصيغ البلاغية مثل "ماوية بالأساس" ليست غريبة عن الماركسية فحسب، بل تُشكل أيضًا عنصرًا مُشوّهًا للمنطق الداخلي لعلم البروليتاريا، وللماركسية نفسها. عنصر يُشوّه العقلانية المطلقة للنظرية الثورية للبروليتاريا. لفهم النظرية الثورية فهمًا صحيحًا، علينا الانتباه إلى مقولة لينين حول النظرية الثورية كـ"دليل للعمل". لذا، يجب أن تُبيّن لنا هذه النظرية أولويات عملنا في أي لحظة. إذا انطلقنا من "الوعي" كعامل ذاتي أساسي لإنجاز الثورة البروليتارية، فسيكون لدينا مساران محتملان لإعطائها دور البطولة في النظرية الثورية. هذان المساران هما إما مسار الفلسفة أو مسار العلوم الاجتماعية للمادية التاريخية. إن الاعتماد على الفلسفة يعني اللجوء إلى التصنيفات الفلسفية: "الذات" و"الطبقة ذاتها"، و"الطبقة لذاتها". إن الاعتماد على المادية التاريخية يقودنا إلى إعطائها أهمية أكبر للذات التاريخية، أي الطبقات الاجتماعية. إذا كانت الطبقة العاملة هي النتيجة الحتمية لنشأة المجتمعات الرأسمالية، فإن البروليتاريا الثورية هي نتاج نشأة البروليتاريا الواعية. بروليتاريا مسلحة بالماركسية ولها حزبها الخاص. الحزب هو الأداة التي تُحوّل الوعي إلى "كائن اجتماعي"، إلى شيء واقعي لدرجة أنه يمثل علاقة اجتماعية بين مختلف الناس كأي علاقة اجتماعية موضوعية أخرى. لذلك، ليس الوعي أمرًا عفويًا يمكن أن ينشأ في النضال الاقتصادي نفسه أو في مختلف المطالب المباشرة للجماهير العريضة. يمكننا القول إن الوعي والبروليتاريا الثورية نفسها نتاج تاريخي لعلم البروليتاريا، للماركسية. إذا درسنا تاريخ الصراع الطبقي نفسه، نرى كيف أن بناء الحزب لا يمكن أن يتم إلا على أساس خط سياسي سليم، من نواة مركزية قوية يجب أن تخلق كائنات حية للقيام بالعمل الجماهيري. نرى أيضًا كيف أن بناء الحزب هو خلق الحركة البروليتارية الثورية، ويتجلى في الاتحاد بين الطليعة والجماهير العريضة. يمكننا تطوير هذه الأطروحة على أساس أن بناء الحزب هو نفسه تكوين البروليتاريا كبروليتاريا ثورية، وهو أمر يتم إنتاجه بفضل حزبها الشيوعي والحركة البروليتارية الثورية. إن تكوين البروليتاريا الثورية كذات واعية هو أيضًا ميلاد أول ووحيد ذات تاريخية واعية للتاريخ. كما نرى، فإن الماركسية اللينينية الماوية هي نتاج سلسلة من الانقطاعات والاستمرارية مع ماركس، لكن الحقيقة هي أن الاستمرارية هي الأساس. على النقيض من ذلك، إذا قارنا أطروحات ماركس بالعلم البرجوازي، فإن السائد في هذه الحالة هو الانقطاع. في هذا الصدد، يجب أن نقترح حذف الجزء من القسم "II.2: عملية الثورة العالمية" الذي ورد فيه أن ماركس وإنجلز "يجمعان الأفضل" من "... الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، والاقتصاد السياسي الإنجليزي...". ما فعله ماركس وإنجلز في الواقع ليس مجرد "جمع" أفضل ما في العلم البرجوازي، بل نقده بهدف التغلب عليه وإرساء أسس أيديولوجيا البروليتاريا. 2. حول التنـــــــاقض الرّئيســـــيّ تتناول وثيقة لجنة (كوميك) أطروحة "التناقض الأساسي تاريخيًا"، لكن تطور هذه الأطروحة مربك. إحدى طرق معالجة هذه المسألة هي التركيز على أن التناقضات الاجتماعية هي ديناميكيات داخلية لكل عب، لكنها تخضع لتأثير عوامل خارجية. علاوة على ذلك، في عصر الإمبريالية، ظهرت ظاهرة الصراع الطبقي على المستوى العالمي. لكي نحدد ما هو التناقض الرئيسي علينا أن نحدد ما هو التناقض الذي يؤدي حتماً إلى الحرب. داخل كل بلد، يُمثل التناقض بين مختلف الطبقات الاجتماعية التناقض الرئيسي في معظم تاريخ أي شعب. ولهذا السبب تحديدًا، تُعتبر الطبقات الاجتماعية موضوعًا تاريخيًا. عصر الإمبريالية هو عصر الثورة البروليتارية. هذا يعني أنه حتى في البلدان المتخلفة اقتصاديًا، حيث يعيش الفلاحون في مجتمعات شبه مستعمَرة وشبه إقطاعية، لا يمكن التغلب على الإقطاع من خلال الثورة إلا إذا كانت البروليتاريا هي الطبقة الرائدة. وهذا يعني أيضًا أن نتيجة الحرب بين البروليتاريا والبرجوازية على المستوى العالمي هي التي ستحدد في نهاية المطاف مستقبل البشرية. لكن هذا لا يتعارض مع دراسة التناقضات التي أدت إلى الحرب في العالم في كل فترة زمنية محددة. إن دراسة التاريخ هي ما يُمكّننا من رؤية كيف كان التناقض بين الإمبريالية والدول شبه المستعمرة هو التناقض الذي أدى في أغلب الأحيان إلى الحرب، وبالتالي كان التناقض الرئيسي في معظم عصرنا في الإمبريالية الرأسمالية. ومع ذلك، خلال الحرب العالمية الأولى، كان التناقض بين الإمبرياليات هو التناقض الرئيسي. ويجب الإشارة أيضًا إلى أنه خلال الحرب العالمية الثانية، كان التناقض بين البروليتاريا والفاشية التناقض العالمي الرئيسي، زمنيًا وتكتيكيًا، وهذا تحديدًا ما أعطى معنى لتحالف الاتحاد السوفياتي مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهما قوتان إمبرياليتان رئيسيتان. 3. حــــــول المــــــــــاويّـــــة نحن لا نتّفق مع صيغة "فرض الماوية". [الحركة الشيوعية العالمية[ لأنّها لا توضّح تعقيد الصراع الأيديولوجي بين قطاعات العمال المتقدمين، وقطاعات الطلاب الأكثر كفاحًا، والفلاحين المتقدمين، وحركات الاستقلال المختلفة، إلخ. لا يمكننا فرض الماركسية اللينينية الماوية على الشعب، ولكن يجب علينا "رفع" وعي الشعب، من خلال وعي وجوده الاجتماعي بفضل الماركسية اللينينية الماوية على وجه التحديد. نقطة مهمة أخرى هي أنه يمكننا تحديد الاتجاهات التاريخية، لكننا لا نستطيع الجزم ما إذا كانت هذه الاتجاهات ستبلغ ذروتها خلال فترة زمنية محددة، مثلاً 50 أو 100 أو 200 عام. تحديد السنوات مجرد تخمين قد يكون مفيدًا كـ"ترخيص شعري" في عرض معين لأسباب تعليمية، لكن من المستحيل تحديد مدة المواجهة بين البروليتاريا والبرجوازية. استخدمت وثيقة (كوميك) مصطلح "العالم الثالث" عدة مرات. وهو مصطلح لا يُساعد على التوضيح. يُفضّل استخدام مصطلحات أكثر واقعية. الدول المتخلفة اقتصاديًا، والدول شبه المستعمرة، ودول الهامش، أو "الدول المضطهدة" كما وردت في أجزاء أخرى من الوثيقة المذكورة، من بين مصطلحات أخرى تُعبّر بشكل أفضل عن الواقع الاجتماعي الموضوعي للعالم اليوم. "إن أساس [الثورة البروليتارية العالمية]...هو الأمم المضطهدة" [مقدمة] إن دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما أشار الرئيس ماو، هي مناطق العواصف الثورية وقاعدة الثورة البروليتارية العالمية. ( الوضع الدولي) إنّ قاعدة دعم الثورة البروليتارية العالمية لا يمكن أن تكون إلا دولة شعبية للديمقراطية الجديدة أو دولة اشتراكية، ولكن في هذه اللحظة التاريخية لا تمتلك البروليتاريا دولة وهذا يعني أن الثورة البروليتارية العالمية لا تمتلك حتى قاعدة دعم. في الوقت الراهن، فقط في الدول شبه المستعمرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بلغ الصراع الطبقي الشكل السياسي الأرقى للصراع بين الطبقات، إذ أصبح حربًا مفتوحة، حرب تحرر وطني، أو حربًا شعبية. لكن هذا لا يعني أن مهمة فصائل الماركسية اللينينية الماوية من دول المركز الإمبريالي يجب أن تقتصر على دعم حروب الشعوب في المحيط، بل أن تعمل هذه الفصائل من المركز الإمبريالي على بناء الحزب في كل بلد من بلدانها. 4. أطروحة القوة العظمى العالمية الواحدة الولايات المتحدة الأمريكية حاليًا في وضع القوة العظمى المهيمنة الوحيدة. ( الوضع الدولي - التناقض الثالث)، لا يُمكن الحديث عن "الكتل الإمبريالية"، فهذا تحريف. (الوضع الدولي - التناقض الثالث). والأهم من ذلك، أنّ هذه الوثيقة تدافع عن فرضية أنّ الولايات المتحدة هي القوة العظمى الإمبريالية الوحيدة اليوم، وأن القول بأن العالم منقسم إلى كتل إمبريالية هو تحريف. واختلافنا مع هذا الرأي أشد من أي شيء آخر. أولاً، لأنّه بالمقارنة مع الوضع في التسعينيات، تشهد الولايات المتحدة تراجعاً واضحاً، بينما تشهد الصين وروسيا صعوداً. إذا أنفقت الولايات المتحدة على الأسلحة ثلاثة أضعاف ما تنفقه منافستها الصين، فإن تشكيل تكتل يضم روسيا وباكستان وإيران ودولاً أخرى قد يعادل قواتها العسكرية قوات حلف الناتو في غضون سنوات قليلة. سيزداد نفوذ الصين وروسيا في أفريقيا وآسيا. وفي أمريكا اللاتينية، وإن كان بوتيرة أبطأ بكثير، يتزايد النفوذ الصيني والروسي أيضًا. وتزيد الشركات الصينية من حصصها، وستدخل دول أمريكا اللاتينية تدريجيًا في نظام تقسيم العمل العالمي الذي وضعته البرجوازية الصينية. في تسعينيات القرن الماضي، مارست الولايات المتحدة الأمريكية هيمنةً واضحةً كإمبراطورية عالمية عظمى، لكننا نشهد اليوم نفس التوجهات العامة نحو العسكرة، وإعادة تسليح جميع الدول، وزيادة الإنفاق على الاستعداد للحرب، وتشكيل تحالفات وتكتلات إمبريالية. ونرى كيف يؤدي هذا التوجه إلى تنامي أهمية التناقض بين مختلف البرجوازيات على المستوى العالمي. مواجهة تتزايد أهميتها يومًا بعد يوم، وهي اتجاهٌ سيقود العالم في نهاية المطاف إلى حرب عالمية جديدة بين الكتل الإمبريالية إذا لم تنتصر الثورة البروليتارية العالمية أولًا. وكما قال ماو: "إما أن تمنع الثورة الحرب، أو أن تجلب الحرب الثورة". كما نرى، فإن الوضع يشبه ما حدث قبل الحرب العالمية الأولى. وضع يكتسب فيه الميل نحو الحرب بين الإمبرياليات وزناً متزايداً حتى يتحول إلى حرب مفتوحة بين الإمبرياليات وليس حرباً مناهضة للفاشية، بغض النظر عن مدى إصرار التحريفية على البحث عن أوجه تشابه مع الحرب العالمية الثانية. سيناريو مثل الحرب العالمية الأولى يُمثل ظرفًا يُمثل فيه الاستقلال السياسي للبروليتاريا عاملًا بالغ الأهمية. كما يعني أن الحركة المناهضة للفاشية ليست ذات أهمية استراتيجية. لذلك، ينبغي أن تحظى الحركة المناهضة للفاشية في كل بلد باهتمام متفاوت من الشيوعيين، وفقًا لكل حالة محددة. يجب على البروليتاريا العالمية أن تعارض الحروب بين الإمبرياليات بكل الوسائل، مدركة في الوقت نفسه أن اندلاع هذه الحرب بين الكتل الإمبريالية لا يجعل الثورة مستحيلة، ولكنها يمكن أن تخلق فراغات في السلطة يمكن للحزب الشيوعي استغلالها. 5. حروب الشعب الحالية "علينا أن نقود حرب الشعب لإحداث ثورة في جميع أنواع البلدان، بما في ذلك البلدان والقارات، حتى نتقدم نحو حرب الشعب العالمية". [مقدمة] يتناول قسم آخر من هذه الوثيقة تنسيق حروب شعوب العالم. لا ينبغي طرح هذه المسألة علنًا، ولكن بما أنها موجودة، فعلينا إبداء رأينا. أوّلاً، علينا أن نقول إنه من غير الواقعي أن يُنسّق حروب الشعوب في العالم أشخاصٌ لا يدركون إلا الواقع الاجتماعي لبلادهم تمام الإدراك، في وقتٍ نسعى فيه إلى إرساء أسس منظمةٍ لم تكتسب بعدُ سلطةً سياسيةً دوليةً. أما بالنسبة لمنظمةٍ يُرجّح ألا يكون فيها عضوٌ ذو خبرةٍ في قيادة جيشٍ في حربٍ شعبية، فنستنتج أنه لا يُمكن طرح هذا الأمر الآن. إذا كانت حروب الشعب موجهة مركزيًا في هذه المرحلة، فلن تجلب أي شيء إيجابي للثورة لأنه سيكون من المستحيل تمامًا على أي شخص خارج الهند تحسين الاستراتيجيا والتكتيكات العسكرية التي يستخدمها جيش التحرير الشعبي الهندي حاليًا، ويمكن قول الشيء نفسه عن أي بلد آخر. يتضمن عملنا لدعم الثورة في الهند انتقاد خطها السياسي، ولكن من العبث الاعتقاد بأنه من الخارج يمكننا المساهمة بأي شيء إيجابي في النشاط العسكري لجيش التحرير الشعبي الهندي. وبصرف النظر عن انتقاد الخط العام، أو انتقاد بيان معين، أو انتقاد موقفه السياسي من قضية معينة (المفاوضات، والأديان، ووقف إطلاق النار، وما إلى ذلك)، وبصرف النظر عن نشر نضال جيش التحرير الشعبي الهندي بين البروليتاريا في بلداننا، والقيام بالتعبئة بين البروليتاريا الواعية، والسعي للحصول على دعم لشعوب الهند من المثقفين والمنظمات الديمقراطية أو على الأكثر المساعدة في تعبئة المهاجرين من الهند في أوروبا؛ لا يمكننا أن نساهم بأي شيء آخر ما دام ليس لدينا جمهورية اشتراكية قادرة على أن تكون بمثابة قاعدة دعم للثورة البروليتارية العالمية. 6. النقابات العمالية "إن البروليتاريا تولد النقابات والإضراب في إطار نضالها من أجل المطالب، والتي ليست مجرد أدوات للنضال من أجل المطالب، بل إنها "تشكل الطبقة للمعارك الكبرى القادمة". تاريخيًا، كانت النقابات العمالية أدوات ضرورية للطبقة العاملة. ومن بين أمور أخرى، غالبًا ما يشارك فيها أصحاب النفوذ السياسي، لذا من المهم أن يكون للفصائل الشيوعية حضور فيها. لكن المشكلة تكمن في أن الفصائل الشيوعية في العديد من بلدان المركز الإمبريالي قد نسيت بعض أطروحات الماركسية المهمة للغاية حول النقابات العمالية. إحدى هذه الأطروحات هي أن النقابة العمالية هي الشكل الأكثر بدائية لتنظيم الطبقة العاملة. لقد نسينا بسهولة ما أبحر فيه لينين في كتابه "ما العمل ؟" "إن سياسة النقابات العمالية للطبقة العاملة هي بالضبط سياسة برجوازية للطبقة العاملة". لا يتعلق الأمر بعدم المشاركة في النقابات العمالية، بل بفهم أن الطليعة يجب ألا تكرس نفسها للنقابية العمالية. تحوّل النقابية العمالية خلايا الحزب ولجان الفصيلة الشيوعية إلى نقابات عمالية. ننتقل من تدريب كوادر الحزب إلى تدريب النقابيين العماليين. إنه يخلق ميلًا إلى "إخفاء" أو نسيان الخصائص البدائية للنقابات العمالية لدى العمال المتقدمين. إن الجماهير العريضة التي تحشد في النقابات العمالية وغيرها من المنظمات الشعبية تُناضل من أجل قضايا عادلة، ولكنه نضال عفوي ناتج عن التناقضات الاجتماعية بين الطبقات. في البلدان التي لا يوجد فيها حزب شيوعي قادر على غرس الوعي في هذا النضال العفوي وتحويله إلى نضال من أجل السلطة السياسية، إلى نضال من أجل بناء حركة بروليتارية ثورية، من أجل بناء السلطة الجديدة؛ تكون النتيجة أن تجد الفصائل الشيوعية في أوروبا نفسها في وضع تكون فيه بالفعل متخلفة عن الجماهير. وهكذا، تنتقل الفصائل الشيوعية من الطليعة إلى المؤخرة في الممارسة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تفصل النظرية الثورية عن ممارستها الاجتماعية للدعاية والتحريض. إن التحركات الشعبية والنقابية عادلة، ويجب دعمها بقدر ما تسمح به قدراتنا وأولوياتنا، لكن الدولة البرجوازية المتماسكة لن تُهزم بالانتفاضة، ولا بالإضراب، ولا بكفاح طليعة مسلحة. لهزيمة الدولة البرجوازية، لا بد من تسليح الجماهير وتنظيمها بوعي بفضل الحزب، وجيش شعبي وجبهة موحدة، تُشكل أساس الحركة الثورية بسلطة جديدة قادرة على بناء مؤسساتها الخاصة. إن الممارسة الاجتماعية التي تنيرها النظرية الثورية هي التي تحدد الطليعة، كونها متفوقة نوعياً على الميل إلى اتباع المطالب العفوية للجماهير العريضة. إن الممارسة الاجتماعية التي تُنيرها النظرية الثورية هي ممارسة اجتماعية واعية، وهذا ما يُميز الطليعة. هذه الممارسة الاجتماعية الواعية أرقى نوعيًا من ممارسة اتباع المطالب العادلة والعفوية للجماهير العريضة، تلك المطالب التي لا تستطيع التغلب على الأيديولوجيا البرجوازية. 7. حرب الشعب يجب أن نتفق تمامًا مع الفرضية الواردة في وثيقة اللجنة التنسيقية حول عالمية حرب الشعب. يجب أن نفهم حرب الشعب على أنها النظرية والممارسة العسكرية للبروليتاريا، المكونة من الجماهير المسلحة التي ينظمها الحزب الشيوعي بوعي. إنها عمل حزبي يهدف إلى تحقيق الرسالة التاريخية للبروليتاريا، وهي بناء عالم خالٍ من الطبقات الاجتماعية، أي الشيوعية. إن إنكار عالمية حرب الشعب يعني إدانة البروليتاريا الواعية في بلدان النواة الإمبريالية للآمال الكاذبة في التمرد والتطرف. 8. الجبهة المتحدة والجبهة الشعبية إن الوثيقة التحضيرية للّجنة التنسيقية محقة في الإشارة إلى أن "الجبهة المتحدة" كأداة ثورية لحرب الشعب هي أكثر بكثير من مجرد تكتيك "الجبهة المتحدة" المناهض للفاشية الذي تروج له الأممية الثالثة. علاوة على ذلك، تتناول الوثيقة نفسها سياسة "الجبهة الشعبية" المعتمدة في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية الثالثة عام 1935. سياسة الجبهة الشعبية التي لم تعن في العديد من البلدان حتى تغييرًا عن الجبهة المتحدة، ولكنها في أوروبا تعني محاولة إنشاء منصات انتخابية ببرنامج برجوازي للإصلاحية الاجتماعية الديمقراطية الجذرية كتكتيك لوقف الفاشية. وقد حدث أنجح مثال للجبهة الشعبية في الدولة الإسبانية، حيث أنشأ الشيوعيون من مختلف الشعوب والديمقراطيون الاجتماعيون ومعظم قوميات إقليم الباسك وكتالونيا وغاليسيا، إلى جانب بعض القطاعات الأناركية، "الجبهة الشعبية" التي فازت في انتخابات عام 1936 لوقف الفاشية، لكن الفاشية الإسبانية فازت في الحرب الأهلية التي تلت ذلك. لم تنجح الجبهات الشعبية حقًا في وقف الفاشية في أي بلد في العالم. كانت سياسة الجبهة الشعبية تكتيكًا خاصًا جدًا للحركة الشيوعية العالمية في ذلك الوقت بالذات، في لحظة تاريخية أصبح فيها التناقض بين البروليتاريا والفاشية التناقض الرئيسي على المستوى العالمي. 9. عسكرة الحزب "عسكرة الحزب والبناء المركزي لأدوات الثورة الثلاث." نعتبر فرضية "البناء المركزي" دليلاً عملياً فعّالاً. أولاً، لأنها تربط وجود نواة حزبية بمحيطها في صورة واحدة. وهي تُعبّر عن فكرة البناء من جوهرها ببراعة. ثانياً، بما أن الحزب الشيوعي هو الاتحاد بين النظرية الثورية والممارسة الاجتماعية أو - ما هو نفسه - الاتحاد بين الطليعة والجماهير العريضة، فإن إنشاء الحزب هو أيضاً إنشاء الحركة البروليتارية الثورية وليس مجرد اتحاد للنضالات الاجتماعية والحركات الاجتماعية الموجودة سابقاً (النقابية، البيئية، إلخ). على العكس من ذلك، يجب توضيح فرضية "عسكرة الحزب". علينا أن نعرف معناها بدقة. يبدو اليوم أحيانًا أن "عسكرة الحزب" فرضيةٌ عامةٌ للماوية، لكن لا ماو، ولا إبراهيم كايباكايا، ولا شارو مازومدار، ولا الحزب الشيوعي الهندي (الماوي)، إلخ، لديهم هذه الفرضية. حتى وثائق الحزب الشيوعي البيروفي قبل مؤتمر عام 1988 لم تتضمن "عسكرة الحزب". لا يمكن الموافقة على أي "تسمية" دون تحديد محتواها بوضوح. كان ينبغي توضيح فرضية عسكرة الحزب، وكان ينبغي ذكرها بوضوح في الوثيقة. يتطلب تقدم علم البروليتاريا فهمًا للعواقب العملية للدفاع عن موقف معين في كل لحظة تاريخية. إن تأييد "التصنيفات" مع ترك دلالاتها غير محددة ليس صراعًا ثنائي الاتجاه، بل هو راديكالية شكلية لا تصلح لأن تكون دليلًا للعمل. إن تحويل هذا الصراع الحتمي ثنائي الاتجاه إلى صراع حول من يؤيد أو يعارض "تصنيفًا" لا يتضمن في الواقع أطروحات واضحة تُرشدنا للعمل، سيقودنا إلى حرب جمالية و"صيغ" خطابية قد تبدو أكثر راديكالية، لكنها ممارسة لا تسمح بتطوير النظرية الثورية التي تحتاجها البروليتاريا. نحن في لحظة تاريخية تحمل مسؤولية كبيرة، تستدعي اتخاذ موقف من مختلف الأطروحات الخلافية بين منظمات وأحزاب الحركة الماركسية اللينينينة الماوية. من جانبنا، نودّ أن تُبدي مختلف الفصائل الشيوعية في العالم آراءها في هذا النقاش المهم. البروليتاريا الواعية، والوعي دائمًا في الصدارة. ==============================================
النصّ الخامس: مقاربتنا بشأن المُسودّة المقترحة الحزب الشيوعي التركي/ الماركسي اللينيني تقييم مع خطوط عامّة حول وجهة نظرنا تجاه الأممية البروليتارية وعلى أيّ أسس أيديولوجية وسياسية وتنظيمية ينبغي للحركة العالميّة للبروليتاريا أن تحدّد نفسها في يومنا هذا على أساس التجارب التاريخية للحركة الشيوعية العالميّة. عندما تميّز النظام الرأسمالي الإمبريالي الذي نعيش فيه بأهمّ خصائصه في مطلع القرن العشرين، وصفه لينين بأنه "تمثالٌ من طين" و"نظامٌ متعفّن". وقد حافظ النّظام الرأسمالي الإمبريالي، الذي وصفه لينين بأوضح وصفٍ لخصائصه، على وجوده كنظامٍ اقتصادي وسياسي وإداري مهيمن، متجاوزًا مراحلَ مختلفةً حتى يومنا هذا. يتميّز نمط الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الإنتاج فيه باختلاف واضح عن قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الأخرى في الماضي، إذ يتميز بهيمنة أكبر وتبعية الكل له. ويُعدّ التوسع من خلال الانتشار وتوليد مجالات هيمنة جديدة شرطًا أساسيًا لنجاح هذا النظام. فهو لا يستطيع الحفاظ على وجوده بالانكفاء على ذاته؛ بل عليه أن ينتشر وينمو ويوسّع نطاق نفوذه باستمرار، وأن يُحيّد منافسيه أو من يملكون القدرة على المنافسة. من ناحية أخرى، فإنّ التوسعية، التي تُعدّ شرطًا أساسيًا لوجود النظام الرأسمالي، إلى جانب تزايد المركزية تدريجيًا، تفرض عليه أن يصبح ترسًا في هذه العجلة كالتزام. وبدون هذا التوسع وتبعية الكل له، لا يمكن للرأسمالية أن توجد. وبهذا المعنى، فهي نظام استغلال أكثر تعقيدًا مقارنةً بالأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السابقة، نظام يضم عددًا أكبر من التناقضات، ونظامًا يواجه عددًا أكبر من القوى. الرأسمالية، التي تُدمج عملية ربط جميع الأنظمة على وجه الأرض بنفسها، تُنشئ في الوقت نفسه بيئة صراع تنزل على الأفراد وتُلزمهم بواقع الوجود والعدم و"الوجود من خلال تدمير منافسيها". وبسبب المنافسة القاتلة التي تنزل على الأفراد، سواءً فيما بينهم أو فيما بينهم وبين الطبقة العاملة والكادحين، فإنّ التناقضات تكون عنيفة إلى حدّ ما، وفي الوقت نفسه أكثر تدميراً بدرجة أكبر. في أنظمة الاستغلال السابقة للرأسمالية، أوجدت أشكال الهيمنة القائمة أساساً على السيطرة على القطع وعلى أساس القطعة من خلال إخضاع القطع الأخرى، إلى جانب الرأسمالية، التزاماً بتحويل العالم العام الذي يُشكل جوهر الاستغلال إلى سوق مشتركة. بسبب هذه الوظيفة الإلزامية الخاصة بالرأسمالية، فإن الرأسماليين من جهة يحاولون تدمير بعضهم البعض من خلال حروب الاستيلاء على السوق بمنافسة لا هوادة فيها بطريقة حتمية، ومن جهة أخرى على الرغم من أنه يبدو كما لو أنهم يستبعدون بعضهم البعض، إلا أنهم في الوقت نفسه في وضع ضروري "لحماية بعضهم البعض" من أجل الحفاظ على النظام. وعلى الرغم من المنافسة التي لا هوادة فيها فيما بينهم، يجب أن يكون الأمر على هذا النحو. وعلى الرغم من أن المنافسة التي لا هوادة فيها هي سمة داخلية وإلزامية للرأسمالية، فإن التضامن بين الرأسماليين من أجل الحفاظ على النظام المعطى من أجل حماية النظام من "حفاري القبور"، لتجنب "حفر قبورهم"، وهو شرط الوجود هو التزام آخر بنفس الدرجة. مع أن هذا يبدو تناقضًا، إلا أن عناصر هذا النظام، التي تتصارع بلا هوادة وتشهد هذا الصراع على مستوى كل منتج تنتجه، ترتبط ببعضها البعض برباطٍ مُطلق لتحقيق شراكتها على أعلى مستوى ممكن من التقدم والحفاظ على هذا النظام معًا. هذا الوضع يدفعها إلى وحدةٍ إلزامية ضد الطبقة العاملة وسائر القطاعات الإنتاجية، تُؤمّن وجودها، كما أن الطابع العالمي للإنتاج يُلزم أيضًا الطابع العالمي للتضامن بين الرأسماليين. عند إلقاء نظرة شاملة على آلية عمل النظام ككل، نشهد حتى في هذه الحالة نشوء آليات عمل مشتركة عديدة في الإطار الاقتصادي والسياسي والعسكري، تمتد من الاحتكارات الفردية إلى مستوى الدول، رغم المنافسة الشرسة بينها. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، وأوبك، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي. على الرغم من تزايد المنافسة تدريجيًا من حيث مداها وعمقها والأزمات المستمرة، إلا أنه لا يزال من المبكّر الحديث عن تهديد ملموس مباشر مثل الحرب بين الإمبرياليات. وبهذا المعنى، لا يزال من الممكن تحديد العملية على أنها "تيار ثوري"، وليس "تيار حرب". لم يصل الوضع الموضوعي المعطى بعد إلى صفة كونه "تيار حرب" بين القوى الإمبريالية من حيث مدى التناقضات والتنافس بين الإمبرياليات. ومع ذلك، فإنّ هذه الحقيقة لا تبطل احتدام المنافسة بين الإمبرياليين بطريقة مستمرة ومطردة. تستمر الأشكال المسلحة للتنافس بين الإمبرياليين بشكل أساسي كحروب-صراعات محلية وغير مباشرة، وليس بشكل مباشر. تتخذ الغزوات التي تحدث في محور الإمبريالية الأمريكية والروسية في جوهرها شكل غزوات مباشرة في البلدان شبه المستعمرة التي لها خصائصها الفريدة. من ناحية أخرى، في البلدان التي تتعرض لغزو تحالف إمبريالي (حلف الناتو) أو لغزو قوة إمبريالية واحدة أو أكثر، تشارك إمبرياليات أخرى أو إمبريالية أخرى، بدلاً من المواجهة المباشرة، في الحرب غير المباشرة عبر حشد قوات تابعة ومتعاونة. وبالتالي، ومع استمرار الحرب الاقتصادية بشكل مباشر وصريح، يتخذ الجانب المسلح للتقاسم الأشكال المذكورة آنفًا. ورغم أن تطور هذه التناقضات المتزايد تدريجيًا في مداها وعمقها إلى مواجهة مباشرة للإمبرياليين أمر واقع أمامنا، فإنه بالنظر إلى المرحلة التي وصلت إليها صناعة الحرب، فإن حقيقة الدّمار الذي ستسببه هذه المواجهة سيتجاوز بكثير دمار الحربين الإمبرياليتين الأولى والثانية، مما يتطلب تأجيل الحرب بين الإمبرياليات قدر الإمكان. ويعتمد طول هذا "التأجيل" على مسار التطورات. إن ما نعنيه هو أن النظام الرأسمالي الإمبريالي لا يزال قادرا على حمل المنافسة والصراعات الداخلية فيه، وكما في مثال الحروب غير المباشرة، فإنه لا يزال قادرا على امتصاص مثل هذه التناقضات في أشكال مختلفة من خلال الحفاظ على مسافة. رغم كل الظروف غير السّانحة، نجح النظام الرأسمالي الإمبريالي في الحفاظ على هيمنته متغلبًا على العراقيل التي واجهها. والسبب الأهم وراء ذلك هو الوضع الموضوعي للقوى الشيوعية والثورية، الذي أصبح بعيدًا عن تهديد النظام. هذا الوضع يوفّر وضعًا أكثر راحة للإمبرياليين وعملائهم. هذا "الوضع الموضوعي"، من حيث "الاستمرار الكامل" للنظام الرأسمالي الإمبريالي، يُمكّن من الحفاظ عليه على خط "الحفاظ عليه من خلال الصراع". إن ضعف/قصور الذات الشيوعية هو العامل الحاسم في استمرار وجود النظام الرأسمالي الإمبريالي. إن خلق هذا الوضع الذي "يوفر الراحة في ظل قلق" الإمبرياليين وعملائهم يعود إلى العملية التي تصب في صالح البرجوازية أساسًا لفترة تاريخية طويلة، والتي تحمل صعودًا وهبوطًا واستمرار عملية مكاسب وخسائر الصراع الطبقي للبروليتاريا، على الرغم من النتائج الناجحة التي تحققت من وقت لآخر. خلال فترة أكثر من مائة عام من تعريف لينين للنظام المهيمن بأنه "الإمبريالية المرحلة الأخيرة من الرأسمالية"، وعلى الرغم من حدوث تمزقات تاريخية كبيرة هزت أسس النظام الرأسمالي الإمبريالي، مثل 17 أكتوبر والثورة الصينية التي حدثت وعاش ما يقرب من ثلث سكان العالم تحت قوى اشتراكية، فقد انتهت في النهاية باغتصاب السلطة من قبل أتباع الطريق الرأسمالي في الصين. إلى جانب سقوط "جدار برلين" الذي يُعبر عنه رمزيًا كخط ترسيم بين النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، أعلن النظام الرأسمالي انتصاره ! ومع ذلك، فإننا، أي الماركسيون، نحدد ذلك على أنه هزيمة للتحريفية والإمبريالية الاشتراكية، إلى جانب الدعاية المضادّة للثورة للدعاة والبرجوازية والأفراد والمنظمات التي تنحرف عن الماركسية وتخون الماركسية، فقد ضعف إيمان جماهير غفيرة من الناس بالاشتراكية مع تجاربها. وعلاوة على ذلك، فإن السياسات النيوليبرالية التي تم تنفيذها بفعالية في جميع أنحاء العالم بحلول الثمانينيات، والتي لحقت بالطبقة العاملة والكادحين في التسعينيات، بالتوازي مع تراجع الأنشطة الشيوعية والثورية، أدت إلى فوضى خطيرة، وإبعاد العمال والكادحين عن المنظمات مثل النقابات. إن إضعاف هذه الأرضية التي تُحقق مزايا كبيرة لتنظيم القوى الشيوعية والثورية، وترسيخ هيمنة المفاهيم داخل النظام القائم، قد أدّى إلى إضعاف الروابط مع الجماهير. خلال هذه الفترة، ورغم أننا شهدنا مظاهرات جماهيرية ضخمة، واحتجاجات عمال وفلاحين وفئات من المجتمع مظلومة من قبل النظام القائم، بسبب عدم قدرة القوى الشيوعية على الوجود الفعال وأن تصبح قوة فاعلة في هذه الحركات بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أن هذه الحركات ظلت حركات لم تُحدث اضطرابات داخل النظام بأكمله، ولم تُشكل تهديدات له، وبقيت حركات أطلقت الطاقة دون تحقيق نتائج. واليوم أيضًا، تجري حركات جماهيرية مماثلة في مختلف أنحاء العالم، إلا أن النتائج المحققة هي نفسها في جوهرها. ومن ناحية أخرى، تظهر هذه الحركات أنه بمجرد إذا ما شُكِّلت قيادةٌ فعّالة، وُجِّهت ديناميكيات هذه الجماهير، التي تُبدي تظلماتٍ تدريجية تجاه النظام، نحو مسارٍ سليم، فثمة فرصٌ مُحتملة لتحقيق نتائجَ تُصبّ في صالح جبهة الثورة على المدى القريب. وتُعدّ الحركات الجماهيرية في عدة أماكن من العالم، في آنٍ واحد، ذات دلالةٍ من حيث أنها تُظهر وجودَ ديناميكيةٍ مُتزايدةٍ ضد النظام. وتبحث الجماهير المُضطهدة عن حلّ، إلا أن غيابَ الانتماء الشيوعيّ يُشعِرُها بعميقِ الألم. رغم أن غضب وردود أفعال الطبقة العاملة والكادحين المضطهدين ضد النظام الرأسمالي الإمبريالي القائم يتحول بين الحين والآخر إلى أفعال ومقاومة تتدفق إلى الشوارع، إلا أن الطاقة المنبعثة من الجماهير لم تندمج بعد مع قوى الماركسية اللينينية الماوية. إنّ حركة ونضال الطبقة العاملة والكادحين محاصران داخل النظام، إلى حد كبير، تحت تأثير أنشطة وقيادة الإصلاحيين التحريفيين والمنظمات من داخل النظام. هذا الوضع الموضوعي، على الرغم من التحديات الكبيرة التي جلبها في استمرار النضال من أجل الثورة والاشتراكية للحزب الشيوعي الماوي، فقد واصلت الحركة الشيوعية الماوية والقوى الثورية المختلفة في أماكن مختلفة من العالم النضال ضد النظام الرأسمالي الإمبريالي من خلال عدم الاستسلام للشروط المعطاة. واصل الثوريون البروليتاريون على وجه الخصوص الذين يصرون على الخط الأيديولوجي والعملي للحركة الشيوعية الماوية نضالهم من خلال رفع علم الحركة عالياً في أجزاء مختلفة من العالم، في بيرو ونيبال والهند وتركيا وحققوا تقدماً كبيراً. وكما نعلم جميعاً، في حين أن الحزب الشيوعي البيروفي بقيادة الرئيس غونزالو في بيرو قد أزهر آمالنا مرة أخرى، إلى جانب القبض على غونزالو وقادة مهمين من الحزب الشيوعي، فقد حدث تراجع خطير نتيجة "حادث الطريق" الذي وقع. لقد أعادت حرب الشعب في نيبال، التي اندلعت عام 1996، إحياء آمالنا، وقد أضاع النهج المتعاون للقيادة الماوية للحزب الشيوعي النيبالي، بمنحه مكاسب الثورة للبرجوازية، فرصةً ثمينة. من ناحية أخرى، شهد حزبنا، فترة من الصعود والهبوط فيما يتعلق بحرب الشعب. ولأسباب مثل الخسائر التي تكبّدها على مستوى القيادة من وقت لآخر وعدم إدارة العملية بشكل صحيح من وقت لآخر، على الرغم من المثابرة المتواصلة نحو حرب الشعب، إلا أنها لم تكن فعالة بشكل كافٍ. في السنوات الأخيرة، اتبع الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) الذي يواصل حرب الشعب على الخط الماركسي اللينيني الماوي مسارًا ثابتًا من التقدم. وباستثناء هذه الأحزاب والمنظمات، يمكننا أيضًا التحدث عن الحزب الشيوعي الفلبيني الذي يتسم بالخجل فيما يتعلق بتوجيه نفسه إلى السلطة وخطه المتمثل في السعي المستمر للمصالحة على الرغم من نضاله المسلح الفعلي وامتلاكه قوة مسلحة وأنشطة كبيرة. ومع ذلك، فإنه يعرّف نفسه على أنه ماوي، والحزب الشيوعي الفلبيني الذي لديه أيديولوجيًا خط عالم ثالث إلى حد ما، على الرغم من قوته العظيمة بعيدًا عن أن يكون مصدر إلهام للثورة العالمية. إن حركات التحرر الاجتماعي والوطني التي تخوض كفاحًا مسلحًا، باستثناء تلك التي تُعرّف نفسها بأنها حركة ماركسية لينينية متحررة أو بفكر ماو تسي تونغ، قد رسخت نفسها أساسًا على خط "إصلاحي مسلح" واتخذت اتجاهًا متوافقا مع الخط التصالحي السلمي. إن حركات حرب العصابات الكبرى مثل حزب العمال الكردستاني والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، في المرحلة الحالية باختيارها المصالحة مع البرجوازية، ناهيك عن الحفاظ على المكاسب التي حصلت عليها، لا يمكنها حتى حماية حياتها ! على الرغم من أن حزب العمال الكردستاني يتمتع بميزة النضال في كردستان الرباعية، فإن خط المصالحة-السلام الذي يتبعه اليوم يتعثر إلى حد كبير ويواجه تحديات خطيرة. يجب أن نؤكد أن المشاكل الظاهرة في الصورة المقدمة لهذه الحركات ترجع إلى نتائج خطوطها السياسية التصالحية والسلمية تجاه القوى المهيمنة وليس إلى الهزائم أو التراجعات العسكرية. من ناحية أخرى، تُعزز التطورات على الجانب الآخر من هذا المشهد آمال البروليتاريا والشعوب المُستغَلّة والمُضطهَدة في مستقبلٍ أفضل. وفي سياق النضال من أجل تحقيق الثورة العالمية للبروليتاريا العالمية في مختلف أنحاء العالم، تُبنى أحزاب ومنظمات الماركسية اللينينية الماوية، وبهذا المعنى، يُمكن الحديث عن اتجاهٍ إيجابي. هذه التطورات تُعزز آمالنا نحو المستقبل وتُقوينا. ومع النضج التدريجي للظروف الموضوعية، لدينا إيمانٌ راسخ وأملٌ راسخ بأن هذه الأحزاب والمنظمات ستتقدم حالما تعمل بخطٍّ أيديولوجيٍّ عمليٍّ وتنظيميٍّ صحيح، وعلينا أن نُعلن اهتمامنا بها. إن حاجة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة المضطهدة إلى الماركسية اللينينية الماوية تُشعر بها كحاجةٍ مُلحّةٍ كل يوم. طالما أننا نسير على خطٍّ صحيحٍ ومسارٍ عمليٍّ صحيح، يُمكننا قيادة الجماهير الشعبية التي تواجه مشاكلَ خطيرةً مع النظام، والتي تتدفق إلى الشوارع، وتتعرض لهجماتٍ عنيفةٍ من قِبَل قوات الدولة، وتزويدها بمنظورٍ سياسيٍّ مُوجّهٍ نحو السلطة بقيادة الماركسية اللينينية الماوية. ولكي يحدث هذا، نحتاج إلى التعرف جيدًا على النظام الرأسمالي الإمبريالي الذي نعيش فيه، والتناقضات التي يخلقها، والتناقضات الطبقية، والأرضية التي نقف عليها، وأشكال وأدوات نضالنا، وتوجهاتنا التكتيكية والاستراتيجية، وأصدقائنا وأعدائنا وما إلى ذلك. وبهذا المعنى، نحتاج إلى طرح آرائنا وانتقاداتنا فيما يتعلق بالمسودة التي أُعدت جنبًا إلى جنب مع الرغبة في بناء وحدة على أرضية أكثر صحة مع القوى الديناميكية والموجودة التي تشارك في الصراع الطبقي بقيادة الماركسية اللينينية الماوية في مسيرة البروليتاريا من أجل ثورة الشعب والاشتراكية والشيوعية. هناك نقاط لا نتفق عليها في المسودة المُعدّة. نعتبر تحديد هذه النقاط الفاصلة وعرض فهمنا لها مسؤوليةً تُلقيها البروليتاريا العالمية على عاتق حزبنا. ونعتبر مناقشة الاختلافات الناشئة عن مختلف المواضيع بين الماركسيين اللينينيين الماويين هدفًا لتعزيز وحدتنا. ونأمل أن يُسهم هذا النقاش وتبادل الآراء في تحقيق هذا الهدف. حول الإمبريالية، تحليل العصر والتناقض الأساسي وقد تم ذكر التناقضات الأساسية في مختلف أنحاء العالم في قسمين منفصلين من المسودة المعدة مسبقًا: انطلاقًا من أطروحة لينين، يُقيّم أن العلاقات الاقتصادية للإمبريالية تُشكّل أساس الوضع الدولي الراهن. وطوال القرن العشرين، تحدّدت هذه المرحلة الجديدة من الرأسمالية، مرحلتها العليا والنهائية، تحديدًا كاملًا، وأن تقسيم العالم بين دول مُضطهِدة ودول مُضطهَدة هو سمة مُميّزة للإمبريالية. لذلك، لفهم الوضع الراهن، لا يُمكننا الانطلاق من التناقض الأساسي للرأسمالية، لأننا في مرحلتها العليا والنهائية، الإمبريالية. في عالم اليوم هناك ثلاثة تناقضات أساسية: التناقض الأول: بين الأمم المضطهَدة من جهة، والقوى العظمى والقوى الإمبريالية من جهة أخرى. هذا هو التناقض الرئيسي في الوقت الراهن، وهو في الوقت نفسه التناقض الرئيسي لهذا العصر. ينقسم العالم، من جهة، إلى عدد كبير من الأمم المضطهدة، وهي دول مستعمرة أو شبه مستعمرة، تتمتع بسيادة أو استقلال شكلي، وتخضع اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا للإمبريالية؛ ومن جهة أخرى، هناك حفنة من القوى الإمبريالية، سواء أكانت قوى عظمى أم قوى غير عظمى، وهي في كلتا الحالتين دول ظالمة. التناقض الثاني: بين البروليتاريا والبرجوازية في البلدان الإمبريالية. التناقض الثالث: الإمبريالية المؤقتة. كما علّم لينين، الإمبريالية ليست واحدة، بل هناك دول إمبريالية مختلفة. أي أن هناك قوى إمبريالية وقوى عظمى تقسم العالم فيما بينها وفقًا لتوازن قوى اقتصادي وسياسي وعسكري؛ توازن قوى يغيّر كل شيء. "مع مرور الوقت يتطور الأمر إلى تواطؤ وخلاف." وبالمثل في قسم آخر يقول: لتقييم العالم في هذا العصر الجديد، نرى أن هناك أربعة تناقضات أساسية يتم التعبير عنها: 1) التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية، التناقض بين النظامين المختلفين جذريًا، سيغطي كل هذا الوقت وسيكون أحد آخر التناقضات التي سيتم حلها، وسوف يستمر حتى بعد الاستيلاء على السلطة؛ 2) التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا، هو التناقض بين طبقتين متعارضتين وسيستمر أيضًا بعد الاستيلاء على السلطة، ويتجلى في طرق أيديولوجية وسياسية واقتصادية متعددة حتى حله عندما ندخل الشيوعية؛ 3) التناقضات الإمبريالية المؤقتة هي التناقضات بين الإمبرياليين من أجل الهيمنة العالمية وتحدث بين القوى العظمى نفسها، وبين القوى العظمى والقوى الإمبريالية وبين القوى الإمبريالية نفسها، سيتم حل هذا التناقض في حقبة من 50 إلى 100 عام؛ 4) إن التناقض بين الأمم المضطهدة والإمبريالية، أي نضال الأمم المضطهدة من أجل التحرر من أجل تدمير الإمبريالية والرجعية، والذي تم تحديد حله أيضًا خلال 50 إلى 100 عام، هو التناقض الرئيسي التاريخي خلال كل هذا الوقت؛ ولكن أيًا من التناقضات الأساسية الأربعة قد يصبح رئيسيًا وفقًا للظروف الخاصة للصراع الطبقي، مؤقتًا أو في بلدان معينة، ولكن التناقض الرئيسي التاريخي سيعود ليُعبَّر عنه على هذا النحو، حتى حله الكامل. تتطلب هذه التحليلات من زوايا مختلفة تقييمًا دقيقًا. نُقيّم عصرنا الحالي بـ"الإمبريالية وعصر الثورات البروليتارية". في عصرنا، تُعدّ العملية الثورية في جميع أنحاء العالم عملية ثورة بروليتارية عالمية. والتناقض الأساسي الذي يُميّز هذه الفترة هو التناقض بين العمل ورأس المال. تقع على عاتق البروليتاريا مسؤولية حلّ هذا التناقض من خلال الثورة. من تناقض العمل ورأس المال، وهو التناقض الأساسي في عملية الثورة البروليتارية العالمية، تنبثق مجموعة من التناقضات الرئيسية في جميع أنحاء العالم. وفيما يلي هذه التناقضات: - التناقض بين الشعوب المضطهدة والإمبريالية - التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية - التناقض بين الدول الإمبريالية لا نعتبر التناقض بين "الرأسمالية والاشتراكية" الوارد في المسودة من بين التناقضات الرئيسية في ظل الظروف الراهنة. فنحن نمر بمرحلة نشهد فيها عودةً من الاشتراكية تتحقق وتكتمل. ورغم أن النضال من أجل الاشتراكية لا يزال قائمًا كنضال حيوي وديناميكي، إلا أن هناك واقعًا يتمثل في غياب نظام اشتراكي قائم، حيث لا تملك البروليتاريا السلطة في أي بلد. نرى أن هذا التناقض يجب تعريفه، وعدم وضعه ضمن تناقضات العالم. وفي هذا السياق، لا نحدده بمستوى من القوة والفرصة والتأثير يُضاف إلى التناقضات الرئيسية. وبالنظر إلى التناقضات الجديدة الناشئة عن النضال والعملية الراهنة، وتحديدًا غياب النظام الاشتراكي الحالي، لن يكون من الموضوعي إعطاء مكان لمثل هذا التحليل للتناقضات في تصنيف التناقضات البارزة في هذه الفترة. لا يمكننا إثبات وجود تناقضات في نوايانا ورغباتنا. ينبغي تحديد التناقضات وفقًا للوضع الراهن، ورسم خط نضال وفقًا لذلك. إن اعتبار هذا التناقض ضمن التناقضات الرئيسية ليس صحيحًا ولا علميًا ولا واقعيًا. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن المسودة تحليلات للتناقضات الأساسية. بناءً على النهج الفلسفي للرفيق ماو، ومن خلال مناقشة كيفية معالجة التناقضات، سنتناول أخطاء هذا النهج. إن مسألة التناقض الأساسي والتناقض الرئيسي والتناقضات الرئيسية الواردة في المسودة، وطريقة معالجتها، لا تتوافق مع قانون التناقض في الماركسية اللينينية الماوية. إنها تتضمن نهجًا من شأنه أن يُسبب ضبابية في فهم عملية ومشكلة معقدة. ليس من الممكن البقاء في ميدان الماركسية اللينينية الماوية دون الإشارة إلى حقيقة أن عصرنا هو عصر الإمبريالية والثورات البروليتارية. تجسد عصر الإمبريالية والثورات البروليتارية مع ثورة أكتوبر، وتشكلت العملية المستمرة منذ ذلك الحين كعملية ثورات بروليتارية ضد الإمبريالية والرجعية العالمية. حققت عملية الثورات التي بدأت بثورة أكتوبر عام 1917 تقدمًا هائلاً، حيث خلقت قوى اشتراكية في أكثر من ثلث العالم. وانتهت فترة التقدم والانتصارات هذه بعودة متتالية في الدول الاشتراكية. تراجعت الثورات. ولكن، هل انتهى العصر ؟ كلا، لم ينتهِ. في المسيرة التاريخية، في المسار الذي تسير فيه البروليتاريا، هناك تراجعات وتوقفات مؤقتة. ومع ذلك، لم يتغير العصر في حركة البروليتاريا التي ميزت العصر، فقد لوحظت تراجعات نسبية؛ وتوقفات وتراجعات. وحدها ظروف الصراع الطبقي والعناصر التي تلعب دورًا محفزًا في تسريع هذه الظروف ستحدد مدة استمرار هذه الموجة الهابطة من الثورة ومتى سترتفع. من وجهة نظرنا، بما أن العصر الذي نعيش فيه هو "عصر الإمبريالية والثورات البروليتارية"، فإن تحليلنا للتناقضات الأساسية التي تميز هذا العصر يختلف عن التناقضات الأساسية الواردة في المسودة. نحن نؤيد النهج الذي أقره المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني، والذي ينص على أن "العالم شهد تغيرات هائلة منذ وفاة لينين، لكن العصر لم يتغير". وبهذا المعنى، نؤكد أن عصرنا لا يزال "عصر الإمبريالية والثورات البروليتارية". إن "تحليل العصر" الوارد في المسودة غير صحيح. لا معنى لتعريف عصرنا فقط بأنه "عصر الثورات البروليتارية"، فهذا يُشير إلى جزء من الظاهرة لا إلى الكل. عند وضع مثل هذا التعريف، فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو: أين الجزء الآخر من الظاهرة، أي التناقض ؟ إلى أي نظام هيمنة يشمل الاقتصاد والمجتمع والسياسة والإدارة والمؤسسة، تُعتبر الثورات البروليتارية ملزمة بالتدخل ؟ ما سبب ذكر الثورات البروليتارية قبل الرأسمالية والثورات البروليتارية في عصرنا ؟ إلى أي نظام تُعتبر الثورات البروليتارية، على النقيض من الرأسمالية، بديلاً لنا ؟ يمكننا مواصلة هذه الأسئلة. ثانيًا، إن العيب الأولي الذي لا يظهر في المسودة، والذي يُفضي إلى نتائج مُضللة، هو الانطلاق من "إمبريالية بلا رأسمالية". هذا النهج الذي يُخرج المشكلة من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، ولا يُعالج العدوان الإمبريالي على هذا الأساس، هو نهجٌ خارج عن الماركسية اللينينية الماوية. ثالثًا، مرة أخرى، يُعدّ القسم المتعلق بالتناقض الأساسي في العالم والتناقضات التي تظهر لاحقًا إشكاليًا أيضًا، ولا يُعبّر عن الواقع بشكل صحيح وكامل. في المسودة، تُحدّد التناقضات في العالم، ويُحدّد التناقض الأساسي بأنه "التناقض بين الشعوب والأمم المضطهدة والإمبريالية". هذا النوع من تحليل التناقضات الأساسية لا يتوافق مع الحقائق العالمية. رابعا، هناك بعض التمييزات الحادة بين الإمبرياليين (مثل القوة العظمى والقوى العظمى)، ومن وجهة نظرنا فإن هذه "التمييزات الحادة" تتوافق مع فهم إشكالي فيما يتعلق بالإمبريالية. وهذا هو نهجنا فيما يتعلق بنقاط الاعتراض التي ذكرناها كموضوع رئيسي أعلاه: لكي نصل إلى فهم واستنتاج فيما يتعلق بالعصر الذي نعيش فيه والخصائص الأساسية لهذا العصر وتناقضاته الأساسية، نحتاج في البداية إلى النظر إلى حقيقة العصر. "إنني أثق في أن هذا الكتيب سوف يساعد القارئ على فهم المسألة الاقتصادية الأساسية، أي مسألة الجوهر الاقتصادي للإمبريالية، لأنه ما لم تتم دراسة هذه المسألة، فسيكون من المستحيل فهم وتقييم الحرب الحديثة والسياسة الحديثة." هذا التأكيد الذي ركّز عليه لينين في مقدمة الطبعة الروسية من كتاب "الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية" الصادر في أفريل/نيسان 1917، بالغ الأهمية. فهو ضروري لفهم الأحداث الاجتماعية الهامة، وحروب التقسيم التي تتخذ أحيانًا طابعًا عسكريًا، وأسباب حركات العمال والكادحين في ذلك العصر، فهمًا صحيحًا، وتحليل الظواهر برمتها انطلاقًا من التطورات والصراعات، وفهم جوهر المسألة، ووضع صراع البروليتاريا على السلطة في سياقه الصحيح. في برنامج حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي الصادر في ماي 1917، عُرِّفت الإمبريالية على النحو التالي: "لقد وصلت الرأسمالية العالمية، منذ بداية القرن العشرين تقريبًا، إلى مرحلة الإمبريالية. عصر الإمبريالية أو رأس المال المالي، هو اقتصاد رأسمالي متقدم للغاية تكتسب فيه الوحدات الرأسمالية الاحتكارية، والاتحادات، والكارتلات، والتروستات، أهمية حاسمة، ويرتبط رأس المال المصرفي شديد التركيز برأس المال الصناعي، ويصل تصدير رأس المال إلى الدول الأجنبية إلى اتساع هائل، وتُقسَّم جميع أراضي العالم بين أغنى الدول، ويبدأ التقسيم المالي للعالم بين التروستات الدولية". تعريف الإمبريالية الذي أقره الماركسيون (الماركسية اللينينية الماوية) وضعه لينين. في كتابه "الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية"، يصف لينين عملية الإمبريالية، وهي أعلى مراحل الرأسمالية، من خلال الخطوط الرئيسية المذكورة أدناه وخصائصها الأساسية: "(1) تطور تركيز الإنتاج ورأس المال إلى مرحلة عالية لدرجة أنه أدى إلى إنشاء احتكارات تلعب دورًا حاسمًا في الحياة الاقتصادية؛ (2) اندماج رأس المال المصرفي مع رأس المال الصناعي، وإنشاء أوليغارشية مالية على أساس "رأس المال المالي" هذا؛ (3) يكتسب تصدير رأس المال، بخلاف تصدير السلع، أهمية استثنائية؛ (4) تشكيل اتحادات رأسمالية احتكارية دولية تتقاسم العالم فيما بينها، و(5) تم الانتهاء من التقسيم الإقليمي للعالم كله بين أكبر القوى الرأسمالية." الرفيق ستالين، في كتابه المترجم إلى التركية بعنوان "أسس اللينينية" حيث يناقش اللينينية والخصائص المميزة للينينية يذكر ما يلي فيما يتعلق بمناقشتنا: التناقض الأول هو التناقض بين العمل ورأس المال. الإمبريالية هي هيمنة الاحتكارات والتروستات والنقابات، والبنوك والأوليغارشية المالية، في الدول الصناعية. في نضالها ضد هذه الهيمنة، أثبتت الأساليب التقليدية للطبقة العاملة - النقابات والتعاونيات والأحزاب البرلمانية والنضال البرلماني - عجزها التام. إما أن تضع نفسك تحت رحمة رأس المال، وتعيش حياة بائسة كالتي كانت في الماضي، وتتدهور أكثر فأكثر، أو تتبنى سلاحًا جديدًا - هذا هو البديل الذي تقدمه الإمبريالية للجماهير الساحقة من البروليتاريا. الإمبريالية تقود الطبقة العاملة إلى الثورة. التناقض الثاني هو التناقض بين مختلف المجموعات المالية والقوى الإمبريالية في صراعها على مصادر المواد الخام، وعلى الأراضي الأجنبية. الإمبريالية هي تصدير رأس المال إلى مصادر المواد الخام، والصراع المحموم من أجل احتكار هذه المصادر، والصراع من أجل إعادة تقسيم العالم المنقسم أصلاً، وهو صراع تخوضه بشراسة مجموعات وقوى مالية جديدة تسعى إلى "مكان تحت الشمس" ضد المجموعات والقوى القديمة، التي تتمسك بشدة بما استولت عليه. يتميز هذا الصراع المحموم بين مختلف مجموعات الرأسماليين بأنه يتضمن، كعنصر حتمي، حروبًا إمبريالية، وحروبًا من أجل ضم الأراضي الأجنبية. وهذا الظرف، بدوره، يتميز بأنه يؤدي إلى إضعاف متبادل للإمبرياليين، وإضعاف موقف الرأسمالية عمومًا، وتسريع ظهور الثورة البروليتارية، والضرورة العملية لهذه الثورة. التناقض الثالث هو التناقض بين حفنة من الدول الحاكمة "المتحضرة" ومئات الملايين من الشعوب المستعمرة والتابعة في العالم... هذه هي، بشكل عام، التناقضات الرئيسية للإمبريالية التي حوّلت الرأسمالية القديمة "المزدهرة" إلى رأسمالية ميتة. (أسس اللينينية/ستالين). بما أن الإمبريالية تُحوّل كل شبر من العالم إلى حلقة في السلسلة الإمبريالية، فقد خلقت حتمًا فرصةً لكسر السلسلة عبر التناقضات التي زادتها حدّةً. وقد ازداد التناقض الأساسي للرأسمالية حدةً مع التأميم الهائل للإنتاج وتركيز ملكية وسائل الإنتاج في أيدي مجموعات قليلة من رأس المال المالي. لقد انتهى عصر المنافسة الحرة، بل وصلت الرأسمالية إلى مرحلتها النهائية. إن السمة الأساسية للرأسمالية في مرحلة الإمبريالية هي طبيعتها الطفيلية والفاسدة. لا يزال تحليل الرفيق لينين للإمبريالية ساريًا حتى يومنا هذا. نصادف آراءً تطرح فكرة أن تحليل الإمبريالية الذي قدمه الرفيق لينين بطريقة واضحة وضوح الشمس قد عفا عليه الزمن ولا يكفي للتعبير عن المرحلة التي وصلت إليها اليوم بفضل التقدم الكبير في التقنية والعلوم، وتنوع نماذج الإنتاج، والتطور الكبير في وسائل الاتصال، وما إلى ذلك. لا يسعنا هنا إلا الحديث عن تطور وتعميق وتسارع أكبر لحركة رأس المال، وليس عن تغيير. إن التقنية والتطورات العلمية التي تتطور بطريقة تخدم هيمنة البرجوازية ومصالحها، لم تُجدِ نفعًا سوى تعزيز القوة المهيمنة، أي رأس المال المالي، وتعميق الاستغلال ونشر أنشطته إلى أقصى بقاع العالم. لقد ازدادت قوة الاحتكارات، مما أدى إلى تركيز متزايد للسلطة ورأس المال تدريجيًا في أيدي عدد أقل من الاحتكارات. نشهد تركيز رأس المال في أيدي عدد أقل من الاحتكارات من خلال القائمة السنوية لأغنى الشركات وأغلاها، أو إحصاءات مثل أكبر 500 شركة في العالم. هذا التركيز للإنتاج وتراكم رأس المال يُعمّق في الوقت نفسه التناقضات، ويزيد من الاستغلال، ويخلق بُعدًا جديدًا للبحث عن أسواق جديدة. علاوة على ذلك، تقصر فترات أزمات رأس المال المالي والإنتاج الإمبريالي، وقد أصبح هذا الوضع المستمر للأزمات اليوم نتاجًا للمسار الطبيعي لتطور علاقات الإنتاج الرأسمالية الإمبريالية. هذا الوضع يُفاقم جميع التناقضات، ويعمقها، ويُبرز الواجب الحتمي للإمبريالية؛ ألا وهو حفر قبرها بنفسها. ونحن نرى مدى أهمية إشارة الرفيق لينين إلى رأس المال المالي والاحتكارات في كيفية تدخل رأس المال المالي والمجموعات الاحتكارية في النظام ليس فقط من خلال الاستغلال الاقتصادي ولكن أيضًا سياسيًا وعمليًا في معظم بلدان العالم وكيف أصبحوا عنصرًا أساسيًا وحاسمًا في تنظيم الانقلابات العسكرية من أجل استمرار سياسات الاستغلال الاقتصادي الخاصة بهم. وبالتالي، لم تتغير الخصائص الأساسية والتناقضات الجوهرية للعصر الذي نعيشه، بل على العكس، ازدادت أنشطة رأس المال المالي والاحتكارات وضوحًا في جميع مسام نظام الاستغلال والقمع. إذا أردنا خوض النضال ضد الإمبريالية الرأسمالية على أسس صحيحة، وتغيير العالم لصالح الطبقة العاملة والكادحين بالطريقة الصحيحة، فعلينا تحديد الواقع بدقة. لا يمكن للماركسيين اللينينيين الماويين تحديد الظاهرة التي يريدون تغييرها من خلال التعريفات التي يضعونها من خلال نواياهم. لا يمكن تغيير الواقع وتحويله إلا بالانطلاق منه. يجب أن يكون الماركسيون اللينينيون الماويون دليلنا. وبهذا المعنى، من الضروري أن نوجه وجوهنا نحو الرفيق ماو. يتضح قانون التناقض جليًا عند الرفيق ماو، ممثل الماركسية اللينينية الماوية، التي نعتبرها المرحلة الثالثة من الماركسية. ويُولي أسلوبه في التفكير والقرار أهمية خاصة في تناوله لجميع القضايا الأيديولوجية والنظرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والعملية. من الضروري تحديد التناقضات المعطاة، ووضع الجوانب الأساسية والثانوية للتناقضات بكل وضوح، وتشغيل عملية على هذا الأساس في كل مرحلة من مراحل نضال البروليتاريا في حربها الطبقية ونضالها من أجل الاستيلاء على السلطة السياسية والحفاظ عليها. كانت هذه هي طريقة الحل للرئيس ماو، سيد البروليتاريا العظيم وجميع السادة الشيوعيين الآخرين فيما يتعلق بجميع القضايا. إنها تحدد الحلقة الرئيسية التي تحدد جميع الظواهر والأحداث الأخرى، والتي تشكلها، والتي توجه وجودها ومسارها، ويجب التركيز على الحلقة الرئيسية. العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإمبريالية والثورات البروليتارية. هذا التحليل هو النتيجة الملموسة للعالم الذي نعيش فيه، ومسار تطور التاريخ البشري، ونمط الإنتاج السائد والعلاقات الطبقية والتناقضات. يجب وصف الواقع من خلال الظواهر الملموسة، وليس من خلال نوايانا. علاوة على ذلك، من منظور الماركسية اللينينية الماوية، التي تهدف وتطالب بقيادة الصراع الطبقي، وتشكيله، وفي نهاية المطاف، بناء القوة السياسية للبروليتاريا والحفاظ عليها، من الضروري وصف الواقع بناءً على مبدأ التحليل الملموس للظروف الملموسة، فهذا ما يُضفي معنى على وجودنا. تُحدد تسمياتنا وتعريفاتنا موقعنا في ساحة الصراع الطبقي. نضع قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في تحليلاتنا المتعلقة بالصراع الطبقي، ونراها على أساس التناقضات الطبقية المتجسدة في هذا الواقع. على هذا الأساس تحديدًا، ينشأ نشوء الماركسية وتشكلها وتمايزها عن النظريات الأخرى وتمثيلها للواقع. في المسودة المقترحة، يُعرّف عصرنا بأنه "عصر الثورات البروليتارية". هذا تعريف ناقص ولا يعبر إلا عن جانب واحد من التناقضات. ظهرت عملية الثورات البروليتارية كحل لتناقض العصر الذي اتخذت فيه الرأسمالية طابع الإمبريالية. أنجبت الرأسمالية طبقتين متخاصمتين في التاريخ، والتناقض الذي تجسد في هاتين الطبقتين والذي يختلف عن صراعات الطبقات في الماضي أصبح لأول مرة في التاريخ أرضية للمعركة النهائية التي ستنهي الهيمنة التي تشكلت من خلال الاستغلال. وُلد الاختلاف وأهمية الدور التاريخي للبروليتاريا الذي يختلف عن جميع الجماهير والطبقات المضطهدة والمستغلة على هذه الأرض في تاريخ البشرية الطويل الممتد لآلاف السنين. إن حقيقة أن البروليتاريا هي حفار قبر البرجوازية ترتفع على هذه الأرض. نحن نتحدث عن التناقض الطبقي الذي سيؤدي إلى هدف القضاء النهائي على نظام الاستغلال الآن، وليس عن استبدال نظام استغلال بآخر في كل منعطف تاريخي، كما هو الحال في الانتقال من المجتمع المشاعي البدائي إلى المجتمع العبودي، ومن المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي. وبالتالي، فإن العصر المسمى عصر الثورة البروليتارية هو اسم الأرض التي يتطور فيها النظام الرأسمالي إلى إمبريالية، حيث يصبح حل التناقض الناشئ من منظور الجماهير المستغلة والمضطهدة هو التحرر النهائي من مختلف أشكال الاستغلال للهيمنة التي استمرت لآلاف السنين. سيكون تعريفًا غير مجدٍ الحديث عن الثورات البروليتارية دون الحديث عن الإمبريالية، والحديث عن الإمبريالية دون الحديث عن الرأسمالية، والحديث عن البرجوازية دون الحديث عن البروليتاريا. ولكي نوضح هذه المسألة فمن المفيد أن نعود إلى الرفيق ماو الذي وضع قانون التناقض في شكله الأكثر تقدما: "عندما طبق ماركس وإنجلز قانون التناقض في الأشياء على دراسة العملية الاجتماعية التاريخية، اكتشفا التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، واكتشفا التناقض بين الطبقات المستغلة والمستغلة، وكذلك التناقض الناتج بين القاعدة الاقتصادية وبنيتها الفوقية (السياسة، والأيديولوجيا، وما إلى ذلك)، واكتشفا كيف تؤدي هذه التناقضات حتما إلى أنواع مختلفة من الثورة الاجتماعية في أنواع مختلفة من المجتمع الطبقي. عندما طبق ماركس هذا القانون على دراسة البنية الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، اكتشف أن التناقض الأساسي لهذا المجتمع هو التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية. يتجلى هذا التناقض في التناقض بين الطابع المنظم للإنتاج في المؤسسات الفردية والطابع الفوضوي للإنتاج في المجتمع ككل. من حيث العلاقات الطبقية، يتجلى في التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا... إن التناقض في النظام الرأسمالي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أمر مشترك بين جميع البلدان التي توجد فيها الرأسمالية وتتطور؛ وفيما يتعلق بالرأسمالية، فإن هذا يشكل عالمية التناقض. لكن هذا التناقض في الرأسمالية ينتمي فقط إلى مرحلة تاريخية معينة في التطور العام للمجتمع الطبقي؛ "فيما يتعلق بالتناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في المجتمع الطبقي ككل، فإنه يشكل خصوصية التناقض... بما أن الخاص متحد مع العام وبما أن العالمية وكذلك خصوصية التناقض متأصلة في كل شيء... عند دراسة شيء ما، حاول اكتشاف كل من الخاص والعالمي وترابطهما، واكتشاف كل من الخاصة والعالمية وكذلك ترابطهما داخل الشيء نفسه، واكتشاف الترابطات بين..." "هذا الشيء مع العديد من الأشياء خارجه...." ما هو التناقض الأساسي ؟ إنه التناقض الذي يميز العملية. وكما يميز التناقض الرئيسي المرحلة الحالية من العملية، فإن التناقضات الأساسية تبرز على أنها التناقض الذي يعطي كل جودته للعملية بأكملها التي تتكون من مجموع المراحل. أي أن التناقض الأساسي هو التناقض الموجود في سياق تطور الشيء، والذي يحدد جودة العملية، والذي يستمر في وجوده طوال العملية، والذي يؤدي إلى اكتمال الحل من خلال تركيز العملية وتناقضاتها. مرة أخرى، التناقض الأساسي هو التناقض بين القوى التي تمثل الجديد والقديم. وعند النظر إليه من منظور الثورة الديمقراطية الجديدة، فإن التناقض الأساسي يجد قاعدته في التناقض بين الجبال الثلاثة التي تمثل القديم؛ الإمبريالية والرأسمالية الكمبرادورية وملاك الأراضي والجماهير الغفيرة من الناس، ويأخذ طابعه من هنا ويركز على حل هذا التناقض. هذا التناقض الأساسي يعطي طابعًا ثنائي الجانب للثورة الديمقراطية الجديدة؛ أولاً، "الثورة الوطنية" نتيجةً للإمبريالية، وثانياً، الثورة الديمقراطية نتيجةً للتناقضات الإقطاعية. هذا وضعٌ ناجمٌ عن طبيعة البلد شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية، أي نتيجةً للتحالف الذي أقامته الإمبريالية والإقطاع. بمجرد تحديد التناقضات الأساسية ضمن سلسلة من التناقضات المعقدة التي تُميّز العملية، تُحدّد التناقضات التي يُنشئها هذا الهيكل الاجتماعي-الاقتصادي. في هذا السياق، بعض التناقضات الخاصة هي: - التناقض بين الإقطاع وجماهير الشعب - التناقض بين الجماهير الشعبية والإمبريالية، وإلى جانب ذلك - التناقض بين الطبقات المهيمنة الرجعية - التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا هناك أيضًا تناقضات أقل أهمية إلى جانب تلك المذكورة أعلاه، إلا أن هذه التناقضات الأربعة تبرز كأربعة تناقضات رئيسية في البلدان شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية. يؤثر أحد هذه التناقضات على بعض التناقضات الخاصة وجميع التناقضات الأخرى، ويحكم مسارها ويحددها ويؤثر عليها. وهذا بالضبط ما يظهر أمامنا باعتباره التناقض الرئيسي. إن عدم القدرة على تحديد التناقضات الرئيسية بين التناقضات يجمع ما وصفه الرفيق ماو بأنه "الضياع في الضباب، وعدم القدرة على فهم جوهر القضية". وبطبيعة الحال، يؤدي هذا الوضع إلى عدم فهم جانب التناقض الرئيسي الذي يلعب دورًا رائدًا، والذي يحدد جميع التناقضات الأخرى، والذي يؤثر عليها ويخضعها، وسوء التعامل مع عملية الثورة الاجتماعية وتعريفها بشكل غير صحيح. وبالتوازي مع تحديد التناقض الأساسي، قد يكون للتناقض الرئيسي في بلدان مثل بلدنا مظهر معقد في بعض الأحيان. في ظل غياب الغزو المباشر للإمبريالية، أي في ظل حالة شبه غزو، يكون التناقض الرئيسي بين الإقطاع وجماهير الشعب. تُحدد المطالب الديمقراطية للثورة جميع التناقضات الأخرى وتُوجهها. في حالة الغزو الإمبريالي، يتغير التناقض الرئيسي، ويصبح التناقض بين الإمبريالية وجماهير الشعب في ظل ظروف الغزو هو التناقض الرئيسي. في الظروف العادية، وتحديدًا في البلدان غير التابعة للإمبريالية، وتحديدًا البلدان الرأسمالية الحديثة اليوم، يكون التناقض الأساسي هو تناقض العمل ورأس المال؛ أي التناقض بين البرجوازية التي تُمثل القوى الرجعية والبروليتاريا التي تُمثل القوى الجديدة. في هذه البلدان، يُوجّه هذا التناقض الأساسي، باعتباره التناقض الرئيسي، جميع التناقضات الأخرى ويحكمها طوال العملية، باستثناء ظروف الحرب الإمبريالية وظروف الغزو. يلعب التناقض بين العمل ورأس المال/البرجوازية والبروليتاريا دور التناقض الأساسي والرئيسي الذي يُحلّ التناقض الاجتماعي. في البلدان شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية أيضًا، في بداية عملية التطور الاجتماعي، أي في الأوقات التي لم يقيد فيها الحصار الاقتصادي والسياسي والثقافي والعسكري للإمبريالية هذه البلدان بعد، كان التناقض الأساسي في عملية التقدم الاقتصادي والاجتماعي هو التناقض بين النظام الإقطاعي الذي يتجسد في كبار الفلاحين/ملاك الأراضي والجماهير الغفيرة من الناس. كان هذا في الوقت نفسه أيضًا التناقض الرئيسي لتلك الفترة لأنها كانت فترة لم تكن فيها الإمبريالية الرأسمالية قد سيطرت على البلاد بعد تحت سيطرتها الاقتصادية والمالية كتناقض خارجي وفترة لم تدخل فيها بعد في تحالف تاريخي مع القوى الإقطاعية والبرجوازية التجارية التي لم تدخل بعد في علاقة تبعية. لكن قبل اكتمال العملية التاريخية لتحول كل اقتصاد وطني إلى تراكم وطني داخلي ونظام مغلق داخليًا، بدأت عملية التحول إلى حلقة في سلسلة الرأسمالية الإمبريالية العالمية. دُمّرت رسملة هذه العملية، وأصبحت تابعة، وانهارت ديناميكيتها الداخلية، وانتشرت عملية الاستعمار أو شبه الاستعمار واكتسبت طابعًا نموذجيًا. في إطار العلاقة الاستعمارية وشبه الاستعمارية المرتبطة بالإمبريالية الرأسمالية، أصبحت العلاقة الرأسمالية المتطورة والمتنامية في الداخل، وخاصةً في مرحلة تطور الرأسمالية التنافسية إلى إمبريالية، بالنسبة للطبقات المعادية التي تمثل علاقات الإنتاج الأكثر رجعية، أرضيةً ماديةً لتحالفات رجعية تُحددها الإمبريالية. تحالفٌ تكتسب فيه برجوازية التجارة الربوية، التي تدّعي دور العميل للإمبريالية، صفة البيروقراطية الكمبرادورية، وتستند فيه جميع أشكال الاستغلال والعلاقات الاجتماعية إلى القوى الإقطاعية التي تحافظ على هيمنتها وحكمها. هذه العلاقة والتحالف الذي تُرسيه الإمبريالية يُحوّلها إلى خادمٍ مُتكاملٍ يُبقي على حيوية القوى البرجوازية والإقطاعية، ويُغذّيها، وفي الوقت نفسه، يُحقق من خلال هذه القوى جميع مصالحه الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية وغيرها في السوق التي رسّخت هيمنتها. في هذا الإطار، كقوة خارجية تسعى جاهدةً لتمهيد الطريق لرأسمالها من خلال هيمنتها على السوق من خلال هذه التحالفات، تُحافظ على مكانتها داخل جميع التناقضات السياسية والاجتماعية. أصبح هذا التحالف، الذي تُحدّده الإمبريالية وتُوجّهه وتقوده، جزءًا من التناقض الأساسي والعملية الثورية بأكملها، كعدوٍّ يجب التغلب عليه أمام ثورات هذه البلدان. أصبح التناقض المُعادي للإمبريالية، وما يترتب عليه من ثورة مُعادية للإمبريالية، أمرًا لا بد منه. فإلى جانب موقعها العام ومصالحها، وبسبب مصالحها الملموسة والخاصة، وتوجهها، ولأسبابٍ عديدة، يُمكن للإمبريالية أن تُحوّل غزوها شبه الاستعماري إلى غزوٍ كامل، أي إلى استعمار. ويتحقق هذا الوضع كحالةٍ وتطورٍ يحدثان في إطار التناقض الأساسي لهذه البلدان. ومع ذلك، يُنظر إلى هذا الوضع كمرحلة جديدة ضمن التناقض الأساسي الذي يُحدده، وليس كوضع جديد يُغير التناقض الأساسي. في هذه الحالة، يتغير التناقض الرئيسي، أي التناقض الرئيسي المُوجه والمُحدد. في مثل هذه البلدان، بما أن الإقطاع هو الأساس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للإمبريالية، وبما أن الإمبريالية هي القاعدة التي تحافظ على الإقطاع حيًا وتدعمه، فإن النضال ضد الإمبريالية والنضال ضد الإقطاع لا ينفصلان، وبالتالي فإن واجب الثورة الوطنية والديمقراطية يوحد ويعطي العملية طابعها. في بعض الأحيان، يبرز أحد التناقضين، وأحيانًا كلاهما، اللذين يدمجان الجانبين ويظهران أمامنا على أنهما التناقض الأساسي بسبب ضغط ظروف اللحظة، باعتبارهما التناقض الرئيسي للمرحلة الفريدة. ومن المفهوم أن القاعدة المناهضة للإمبريالية والمناهضة للإقطاع بسبب شبه الاستعمار وشبه الإقطاع تعطي طابعها للعملية حتى اكتمال عملية الثورة الديمقراطية، وفي الوقت نفسه، اعتمادًا على المرحلة المعينة من الثورة، يصبح كل واحد منهما التناقض الرئيسي. في تحليل التناقض، فإن فهم واستيعاب الرفيق ماو أمر مهم للغاية، فهو ينير لنا كيفية النظر إلى قضية التناقض كحركة ماركسية لينينية ماوية. وبالتالي، يمكننا أن نحدد التناقضات الأساسية والرئيسية على النحو التالي: تناقض العمل ورأس المال هو التناقض الأساسي الذي يُميّز "عصر الإمبريالية والثورات البروليتارية" ويُضفي عليه سماته. وتنشأ جميع التناقضات الأخرى على هذا الأساس. هذه هي التناقضات الرئيسية للعملية التي يُحددها التناقض الأساسي في هذه المرحلة الفريدة من عصرنا. - التناقض بين الإمبريالية والشعوب المضطهدة - التناقض بين الإمبرياليات - التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية لا نعتبر تحليل التناقض الرئيسي في العالم صحيحًا. وكما ذكرنا سابقًا، فإن التناقض الرئيسي هو الذي يُحدد ويُوجه ويُخضع جميع التناقضات الأخرى. فهو يُضفي طابعه على عملية ومرحلة، ويُحدد نوعية الثورة. يُعد تحليل التناقض الرئيسي ضرورةً لفهم جوهر العملية الثورية، أي تحقيق الثورة. ستتطور الثورة البروليتارية العالمية وتنضج، وستتوحد في مرحلة ما خلال هذه العملية، نتيجةً لعمليات ثورية معقدة ومتنوعة ومختلفة، وتناقضات تختلف من بلد لآخر. نحن اليوم في مرحلة نوعين من الثورات البروليتارية في جميع أنحاء العالم: الثورة الديمقراطية الجديدة والثورة الاشتراكية. ورغم أن الثورة الديمقراطية الجديدة، التي تُطبق على البلدان شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية، تُمثل محور الاهتمام، إلا أن لكل بلد عمليات ثورية فريدة. إن خلق تناقض رئيسي عالمي سيخلق مواجهة بين التناقض الفريد لكل بلد والتناقض العالمي، وسيخلق حالة من الارتباك. إن تحليل تناقض رئيسي على المستوى العالمي للثورة البروليتارية العالمية ينطوي على خطر عزل التناقضات الرئيسية الفريدة لكل بلد وعملياته الثورية المختلفة. إن تحليل تناقض رئيسي في كل بلد ضروري وإلزامي، وهو ضرورة للثورة، بينما سيؤدي تحليل تناقض رئيسي عالمي إلى نتائج وخيمة في ظل "تيار الثورة الضروري". سيمنع هذا التناقض البروليتاريا العالمية من تحقيق ثورة في بلدها وعلى أساس تناقضها الاجتماعي الخاص. إن تحليل تناقض رئيسي عالمي من شأنه أن يُحدث انحيازًا في العلاقة بين العمليات الثورية في مختلف البلدان بالنسبة للبروليتاريا العالمية، وأن يُؤدي إلى غموض في فهم العلاقة بين عمليات الثورات. كما أنه يُتيح المجال للتمييز بين الجوهري والثانوي في مختلف العمليات الثورية. ويُلغي مسؤولية تطوير الثورات في كل بلد، ويُلغي إمكانية بناء الثورة على البنية الاجتماعية الفريدة لكل بلد. ويُختزل الأممية إلى انحياز، ويُنشئ وجوهًا مُلتوية تُناسب التناقض الرئيسي الخارجي للبلد، وتُؤدي إلى نسيان المسؤولية الجوهرية في صراعه الطبقي. ويُتجاهل قانون التطور غير المتكافئ الذي تشهده كل دولة ومجتمع. ولهذه الأسباب كلها ينبغي اعتماد تحليل تناقض أساسي يُميز العصر ويُحدد التناقض الأساسي للثورة البروليتارية العالمية وخصائصها، بدلاً من تحليل تناقض رئيسي عالمي. لينين، الذي يؤكد على انقسام العالم إلى مجموعة من الأمم "المتحضرة" والأمم المضطهدة التي تضم مئات الملايين من الناس كواحدة من أبرز السمات المميزة للإمبريالية، يعتبر نضال الأمم المضطهدة في عصر الإمبريالية قوة بديلة لنضال الثورة البروليتارية والأمم المضطهدة كحلفاء دوليين للبروليتاريا. يقول لينين الذي يتخذ من أهمية ومعنى هذه الوحدة شعارًا له: "لو لم يتحد عمال أوروبا وأمريكا في نضالهم ضد رأس المال مع مئات الملايين من العبيد "المستعمرين" الذين يضطهدهم رأس المال بشدة وبشكل كامل، لكانت الحركة الثورية في البلدان التقدمية زائفة بالفعل". وشعاره "اتحدوا أيها العمال والشعوب المضطهدة في جميع البلدان" هو إرث ثمين ومسار منير للحركة الماركسية اللينينية الماوية. رأينا في التحليل القائل بأن "الحركة الشيوعية العالمية في مرحلة الهجوم الاستراتيجي" إن طرح آرائنا حول هذه المسألة، بالرجوع إلى أسياد الماركسية-الماوية، من شأنه أن يُسهم في فهم المشكلة المطروحة وإدراكها بشكل أفضل. بناءً على أي معطيات يُقيّم الشيوعيون أوضاعهم وأوضاع أعدائهم، وبناءً على ما يُحددون أساسًا علاقات القوة؟ دعونا نحاول بدايةً توضيح المشكلة بالرجوع إلى الرفيق ماو، الذي يتبوأ مكانةً خاصة في تحديد التوجهات الاستراتيجية والتكتيكية للصراع الطبقي، بالإضافة إلى السمات العامة له. يقول الرفيق ماو الذي يصف الإمبريالية بأنها "النمر الورقي": كما لا يوجد شيء في العالم يخلو من ثنائية الطبيعة (هذا هو قانون وحدة الأضداد)، كذلك الإمبريالية وجميع الرجعيين لديهم طبيعة مزدوجة - فهم نمور حقيقية ونمور من ورق في آن واحد... وبالتالي، يجب النظر إلى الإمبريالية وجميع الرجعيين، من منظور جوهري، ومن منظور بعيد المدى، ومن منظور استراتيجي، على حقيقتهم - نمور من ورق. على هذا الأساس، يجب أن نبني تفكيرنا الاستراتيجي. من ناحية أخرى، هم أيضًا نمور حية، نمور حديدية، نمور حقيقية قادرة على التهام الناس. على هذا الأساس، يجب أن نبني تفكيرنا التكتيكي. وهكذا، يقدم نهجًا موجزًا تجاه هذه القضية، ومن ناحية أخرى، يقول في اجتماع موسكو لممثلي الأحزاب الشيوعية والعمالية عام ١٩٥٧: لقد طوّرنا على مدى فترة طويلة مفهومًا للنضال ضد العدو، وهو أنه ينبغي علينا استراتيجيًا أن نحتقر جميع أعدائنا، ولكن تكتيكيًا أن نأخذهم جميعًا على محمل الجد. بمعنى آخر، فيما يتعلق بالكل، يجب أن نحتقر العدو، ولكن فيما يتعلق بكل مشكلة محددة، يجب أن نأخذه على محمل الجد. إذا لم نحتقره فيما يتعلق بالكل، فإننا سنرتكب أخطاءً انتهازية. كان ماركس وإنجلز مجرد شخصين، ومع ذلك فقد أعلنا في تلك الأيام الأولى أن الرأسمالية ستُهزم في جميع أنحاء العالم. ولكن فيما يتعلق بالمشاكل المحددة والأعداء المحددين، إذا لم نأخذهم على محمل الجد، فإننا سنرتكب أخطاءً مغامرة. ويوضح بوضوح كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع هذه القضية. نهجٌ مشابهٌ آخر هو: "... لنُضيف الآن، بنفس الطريقة، أن كل ثوري ناجح لا ينجح لشجاعته في تقويض العدو، بل لأنه في الوقت نفسه، في كل مشكلةٍ خاصةٍ وفي كل معركةٍ مُحددة، أخذ العدو على محمل الجدّ وتبنّى نهجًا حذرًا. الثوريون عمومًا، والبروليتاريون على وجه الخصوص، إن لم يفعلوا ذلك، فلن يتمكنوا من المضي قدمًا بالثورة دون اهتزازها يمينًا أو يسارًا، ومن الممكن أن يقعوا في خطأ المغامرة ويُسببوا خسائرَ وحتى هزائمَ للثورة. ماركس وإنجلز ولينين، من أجل قضية البروليتاريا، خلال نضالاتهم الطويلة، قوّضوا العدو استراتيجيًا؛ لكنهم أخذوه على محمل الجدّ تكتيكيًا. كما أنهم، وفقًا للظروف الملموسة، حاربوا المغامرة "اليسارية" على جبهتين في آنٍ واحد. وبهذا المعنى، فهم نماذج رائعة لنا." (عمال( متحدون في العالم، وثائق رسمية للحزب الشيوعي الصيني) إذا عدنا إلى المسودة مرة أخرى، نعتقد أن التحليل القائل بأن الحركة الشيوعية العالمية في مرحلة "الهجوم الاستراتيجي" هو تقييم مبالغ فيه. لا شك أن الشيوعيين يجب أن يكونوا دائمًا متفائلين. ومع ذلك، لا يمكن لهذا أن يُمكّنهم من العيش في عالم وهمي. إن حالة الحركة الشيوعية والثورية بعيدة كل البعد عن التقدم الذي يُطابق "الهجوم الاستراتيجي" كما ورد في المسودة. إذا حاولنا تعريف جبهة الحركة الثورية والشيوعية بشكل عام على أساس أن الرأسمالية نظام ينهار/يتعفن بعبارة "الإمبريالية في خضم الموت"، وهو ما يبدو كذلك، لوجدنا أن هذا ليس حلاً سليمًا. هذا النوع من التقييم والحل يُحدد الواقع من جانب واحد فقط، وبعبارة أبسط، فهو ليس منهج ومنظور الماركسية اللينينية الماوية. من الممكن أن تكون البروليتاريا في مرحلة الهجوم من الناحية الأيديولوجية، ولكن هذا منطقي أيضًا بمعنى أنها تُمثل المستقبل والواقع. إن عمق تناقضات النظام الرأسمالي الإمبريالي وحالته المتعفنة حقيقة مرئية، ولكن من الواضح أيضاً أن القوى الشيوعية والثورية لا تمتلك موقفاً يستوعب هذه التناقضات ويوجهها نحو محور الثورة والاشتراكية، أو قيادة الحركة العفوية أو ترسيخ سلطاتها على جماهير العمال والكادحين. من ناحية أخرى، فإن القوى التي تشن حروبًا شعبية على خط الماركسية الل الماوية لها نطاق نفوذ محدود للغاية. لقد تعطلت حرب الشعب التي قادها الحزب الشيوعي البيروفي، والتي بلغت ذروتها بأسر العدو للرفيق غونزالو وقياداته، بينما تم تحييد حرب الشعب في نيبال بقيادة الحزب الشيوعي (الماوي) من خلال المصالحة مع البرجوازية والاستسلام لها. في ظلّ الوضع الراهن، لا تزال حرب الشعب في الهند، والنضال الذي يواجه صعوبات في الخطوط الأمامية في الفلبين، وحرب الشعب التي يخوضها حزبنا منذ سنوات طويلة، قائمة. إلى جانب ذلك، تكتسب العملية الجديدة التي أطلقها رفاقنا البرازيليون أهميةً بالغة، كما أن جهود إعادة تنشيط الحزب الشيوعي مُشجعة. ورغم أن ذلك لم يُطبّق عمليًا بعد، إلا أن وجود مجموعات مُختلفة تدّعي تحقيق خطّ حرب الشعب قائم. ولكن، هل يُمكن الحديث عن هجوم استراتيجي في ظلّ كل هذه الاعتبارات؟ من الواضح أن هذا التحليل ذاتي؛ إنه قرار يُبالغ في وصف وضع القوى الشيوعية والثورية. لا يكفي تبرير مرحلة الهجوم الاستراتيجي لمجرد كوننا أقوياء أيديولوجيًا، وأننا نُمثّل المستقبل، وأننا نُدرك عمق تناقضات المُضطهدين والمُستغَلّين مع النظام، وأننا نشهد حركة جماهيرية واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم. كل هذا لا يُشكّل سوى جانب واحد من التناقض الذي يجب حلّه، ويُظهر أن التناقضات آخذة في النضج. يتطلب الجانب الآخر من التناقض ظاهرةً ملموسة، ألا وهي وجود أحزاب قوية. تعريفنا للأحزاب القوية واضح؛ فهي أحزابٌ تربطها علاقاتٌ وثيقة بالجماهير، وتنتشر تنظيماتها على نطاقٍ واسعٍ بما يتناسب مع الظروف الملموسة لبلدانها، وتدير القوات المسلحة، وتتمتع بنفوذٍ على الطبقة العاملة والكادحين، إلخ. من الطبيعي أن يُقصد بالحديث عن "مرحلة هجومٍ استراتيجي" في جميع أنحاء العالم وجود هذه الأحزاب وانتشارها ونشاطها، إلى جانب فقدان جبهة الثورة المضادة قوتها وتراجعها. باختصار، تتطلب العملية التي يمكن اعتبارها "هجومًا استراتيجيًا"، منطقيًا، تحركات جادة وواسعة النطاق لقوى الثورة ضد الثورة المضادة. لا يوجد مثل هذا في الوضع القائم. سيكون من غير المجدي الحديث عن هجوم استراتيجي طالما أن الموضوع الثوري، أحزاب الماركسية الل الماوية، لا تحكم العملية ولا تنظم وتجند الجماهير على محور حرب الشعب والقوة الثورية بوضوح، على الرغم من عمق التناقض بين الطبقات في جميع أنحاء العالم. إن المبالغة في وضعنا تعني التقليل من قوة العدو وهذا من شأنه أن يدفعنا إلى التخلي عن يقظتنا ضد العدو، وتجاهل الواقع الملموس وتبني مواقف سياسية وتنظيمية وعملية تقع خارج الواقع. إن مصطلحات الدفاع الاستراتيجي والتوازن الاستراتيجي والهجوم الاستراتيجي التي يستخدمها الرفيق ماو عند نسب مراحل إلى حرب الشعب لا يتم تعريفها من خلال ضعف العدو أو الوضع الثوري الذي يعبر عن الوضع الموضوعي. ويتم تحديدها من خلال قوة الحزب وتنظيم الجماهير وجعلها تناضل، وعلاقة الحالة الذاتية بعملية القوة، أي قوة الحركة الثورية الشيوعية ووضعها. لولا ذلك، لما استطاع قيادة الحرب الثورية إلى النجاح، ولا وضع تكتيكات صحيحة، ولا أدوات نضال وتنظيم، ولا توجيه الجماهير نحو الهدف الصحيح. في النهاية، لكان قد واجه الهزيمة لا النصر. في هذا المحور، ترتبط كفاية شروط الهجوم الاستراتيجي ارتباطًا مباشرًا بالوضع الذاتي للأحزاب الشيوعية. ويمكننا القول باختصار إن هذا نهج يساري. وكما يقول الرفيق ماو: "إن التسرع "اليساري" الذي يتجاهل العوامل الذاتية والموضوعية يُشكل خطرًا على الحرب الثورية، وبالتالي على كل حركة ثورية..." مرة أخرى، في مسودة التحليل المذكور بـ "بين خمسين إلى مئة عام" من قبل الرفيق ماو، يمكننا القول إنه قيل في جو من النضال من أجل الثورة والاشتراكية الذي بلغ أبعادًا هائلة، وينبغي اعتباره جزئيًا تعبيرًا عن الإيمان بانتصار الثورة. إن التطورات منذ وقت نطق هذه الكلمات تعكس لنا الصورة الحقيقية بوضوح. لا يهم بأي حجة سنحددها، فإن الفترة التي يمكننا أن نسميها المرحلة الأولى للقوى الاشتراكية قد أسفرت عن الهزيمة بالمعنى العملي. على الرغم من تعمق تناقضات النظام الرأسمالي الإمبريالي، إلا أن الحركة الشيوعية في مرحلة إعادة تنظيم. في عهد الرفيق ماو، كانت هناك قوى اشتراكية أو قوى أطلقوا على أنفسهم اسم الاشتراكيين، وكانت هناك قوى ثورية نشطة ومنظمة في جميع أنحاء العالم تقريبًا. اليوم، الصورة مختلفة. في ظل كل هذه الحقائق، علينا أن نضع تعريفات أكثر واقعية لمواقفنا، وبشكل عام لموقف الحركة الشيوعية من النظام الرأسمالي الإمبريالي. وإلا، وكما جرت العادة، سيكون الوقوع في انحرافات يمينية ويسارية حتميًا. تُعرّف الم الل الم الموضوعية على البيانات العلمية، وتضع نفسها بناءً عليها، ونحن مُلزمون بذلك. إذا غضضنا الطرف عن الواقع وحاولنا تحديد الوضع الراهن وموقفنا من الواقع الذي نصممه، فمن الواضح أننا سنشارك في عملية ستنتهي بالإحباط. إن الإصرار على هذا التحليل يعني أن لدينا موقفًا تنظيميًا عمليًا، صحيحًا، بمعنى أنه "ثوري جذري" في ظاهره، ولكنه محدود في أداء واجبات الثورة عمليًا، مما يحد من الروابط والأدوات التي يجب إقامتها مع الجماهير، وبالتالي يعجز عن أداء واجبات الثوري لانقطاعه عن الجماهير وتضخيمه لموقف القوة الذاتية. دعونا لا ننسى أن اليمين واليسار توأمان. الشيوعيون والثورة العالمية، ولكن على أيّ أساس ؟ برز الماركسيون على مسرح التاريخ بتوضيح دور البروليتاريا، أي أن ظهور البروليتاريا أدى إلى ظهور الماركسية. تزامنت عملية صياغة الماركسية على يد ماركس وإنجلز مع الفترة التي ترسخت فيها حقيقة أن الرأسمالية/البرجوازية، التي تجلّت أكثر فأكثر في أجزاء متفرقة، وانتشرت إلى أقصى بقاع العالم، وخاصةً إلى المراكز الرئيسية في جميع أنحاء العالم، هي القوة الإنتاجية الرئيسية وعلاقة الإنتاج التي تُحدد مسار العالم. إن النظرة العلمية للعالم للبروليتاريا، الطبقة الأكثر ثورية التي شهدها التاريخ على الإطلاق، الماركسية (اللينينية-الماوية)، قد أضاءت ماضي ومستقبل التاريخ البشري وأبطلت جميع الأيديولوجيات التي سادت نفسها. وصفهما (ماركس وانجلز) لينين بأنهما "أولئك الذين سلطوا الضوء على الدور التاريخي للبروليتاريا"، وقال ماركس وإنجلز، في بيانهما الشيوعي المشترك: "إن البرجوازية لم تنتج الأسلحة التي ستدمر نفسها فحسب، بل خلقت أيضًا الأشخاص الذين سيستخدمون هذه الأسلحة، العمال المعاصرون، البروليتاريون". لقد أشارت الماركسية بوضوح إلى هذه السمة الثورية للبروليتاريا وفي الوقت نفسه كشفت عن مأزق الرأسمالية. إن البروليتاريا، وهي القوة الرائدة للتحول الاجتماعي الذي يتحرك إلى الأمام، هي الطبقة الوحيدة التي يمكنها القضاء على جميع الطبقات وجميع الانقسامات بنفسها، بالإضافة إلى كونها حاملة للسمات التي يمكن أن تهزم البرجوازية. إن تطابق مكانة البروليتاريا في المجتمع ودورها في النضال الاجتماعي وهدفها يُهيئ الأرضية الموضوعية للنضال المشترك والتضامن بين أجزائها في جميع البلدان ضد الاستغلال الرأسمالي، وهو نضال ذو طابع عالمي، والذي سينهض عليه هذا النضال. وإذ أكد ماركس وإنجلز على أن البروليتاريا طبقة عالمية وأن نضالها ذو طابع أممي في جوهره، وبدعوة "يا عمال جميع البلدان اتحدوا"، صاغ ماركس وإنجلز الماركسية، وهي النظرة العلمية للعالم للطبقة العاملة، وحوّلا الطبقة العاملة من كونها طبقة تلقائياً إلى طبقة قائمة بذاتها. كما أن الوعي بكونها طبقة قائمة بذاتها يرتبط بالتخلص من المحلية وإدراك الطابع العالمي للسمات المتجسدة فيها. ومع إدراك المرء لواقعه الخاص، كجزء من هذا الإدراك أو العكس، أصبح من الضروري إدراك السمات العالمية للبروليتاريا لتحقيق هذا الإدراك. دون أن نتمكن من رؤية هذه السمة العالمية الضرورية، لن يكون من الممكن تحديد مؤهلات البروليتاريا. لأنّ مؤسسيْ الماركسية أدركا الأهمية الحيوية للأممية في نضال البروليتاريا من أجل السلطة السياسية، فقد أوْلا أهمية لوحدة البروليتاريا العالمية، وبذلا جهودًا لضمانها، وأولا أهمية ملموسة لتشكيل الأممية الشيوعية الأولى. شعار "يا عمال جميع البلدان اتحدوا" ليس شعارًا سياسيًا فحسب، بل هو أيضًا ملخص لما ينبغي أن يكون عليه الموقف العملي للبروليتاريا. من حيث الطبقات المتخاصمة والمتصارعة، تم تحديد هذه الجمعيات بوضوح كضرورة. ولا يزال هذا الواقع قائمًا حتى يومنا هذا. الماركسية، التي نشأت نتيجةً للجهود المشتركة لماركس وإنجلز، على أساس تلخيص تراكمات تاريخ الحضارة حتى ذلك اليوم (نستخدم هذا المفهوم بمعنى أننا نعني الأشكال التي تتخذها والأشكال التي يمكن أن تتخذها في العملية الجارية)، حتى تُنشئ البروليتاريا مجتمعًا شيوعيًا، أي حتى تُلغي جميع الطبقات مع نفسها. إنها السلاح الأساسي والضروري في صراع الطبقات الذي سيستمر. تُعدّ الأممية البروليتارية أحد ركائز أيديولوجيا البروليتاريا في نضالها لتغيير العالم. وقد عرّفها إنجلز بوضوح بأنها "أقوى رابطة دولية للبروليتاريا بأكملها هي وحدتها الأيديولوجية". بمعنى ما، هي الأيديولوجيا الماركسية اللينينية الماوية نفسها. ومثل الماركسية، فهي لا تنفصل عن مجرى الصراع الطبقي اليومي. لذلك، تتطلب تعلّمًا وفهمًا بجهد خاص. إذا لم يقترن تضامن البروليتاريا ونضالها العالمي بالوعي الأممي البروليتاري، فسيكون له طابع عفوي وسيُسجن داخل حدود النظام البرجوازي. فقط عندما تُجهّز البروليتاريا بوعي أممي وتُطبّق هذا الوعي على نضالها، عندها فقط يُمكنها تحقيق أهدافها وغاياتها الحقيقية. حزبنا مُدركٌ لهذا الواقع، وقد كوّن نفسه جزءًا منه. تزامنت مسيرة تأسيس حزبنا، ممثل البروليتاريا العالمية في تركيا، مع فترةٍ شهدت صراعاتٍ دوليةً بين الماركسية اللينينية (الماوية) والتحريفية في أشدّ مراحلها وجبهاتٍ مُختلفة. في كفاحه ضد التحريفية على الصعيد الدولي، بقيادة الرفيق ماو تسي تونغ، حدّد موقفه وفقًا للماركسية اللينينية وأفكار الرفيق ماو، وتحقّقت أسس تأسيسه في النضال ضد التحريفية والإصلاحية والبرلمانية، وأصبح ممثلًا للحرب ضد التحريفية التي قادها الرفيق ماو في بلادنا. شملت هذه العملية أيضًا جميع سمات الصراع بين الماركسية اللينينية (الماوية) والتحريفية على الساحة العالمية. لذلك، وبعيدًا عن التعميم، بنينا أنفسنا كجزء من البروليتاريا العالمية على المستوى الأيديولوجي والسياسي والعملي منذ مرحلة التأسيس/التكوين. إن حقيقة أن مؤسس حزبنا وزعيمه النظري إبراهيم كايباكايا عرّف حزبنا بأنه نتاج الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى هو الاستجابة الأكثر واقعية لهذا الواقع. لقد رأى حزبنا القضايا الأيديولوجية والسياسية والعملية على الصعيد العالمي كجزء مهم من الصراع الطبقي الذي يخوضه، وكان حساسًا للتطورات. وبسبب التطورات في حزبنا، كانت العمليات والمنظمات التي ستخدم الثورة العالمية مهمة دائمًا لحزبنا، على الرغم من وجود صعوبات في منهجية العلاقات من وقت لآخر. ونحن نولي أهمية كبيرة لهذه العملية بهذا المعنى. كما يمكن للماركسيين اللينينيين الماويين تحديد شكل ومحتوى الأممية البروليتارية، مع الحفاظ على جوهرها الأساسي، بناءً على تحليل ملموس للظروف الملموسة في كل مرحلة تـــــــــــاريخية. ماذا يعني هذا في العصر الذي نعيش فيــــه ؟ في نهاية المطاف، أصبحت أهمية ومعنى الطابع الأممي ونضال البروليتاريا في سبيل الهدف المشترك المتمثل في إلغاء الطبقات أكثر وضوحًا في المرحلة الإمبريالية للرأسمالية، عندما أصبح الاستغلال والتنظيم الرأسمالي نظامًا عالميًا. إن التناقض المتجسد في البرجوازية والبروليتاريا، الطبقتين المتعارضتين والمتصارعتين في عصرنا هذا، يمثل أيضًا الأساس الذي سينهض عليه العمال والكادحون المضطهدون والمستغلون والمضطهدون الذين يتعين عليهم السير في المجتمع الشيوعي. لقد تحملت البروليتاريا مسؤولية هذه المهمة العالمية؛ وهي مسؤولة عن تنفيذ مسيرة الثورة الديمقراطية الشعبية والاشتراكية والشيوعية. إن المهمة التي فرضتها أهم وأصعب مسؤولية في تاريخ الصراع الطبقي دفعت إلى اعتبار البروليتاريا الطبقة الأكثر ثورية بالمعنى السياسي. إن الطابع العالمي لنضال البروليتاريا، الذي سيضمن به تحرر البشرية جمعاء، هو الأساس الموضوعي للحيوية وضرورة التعاون الأممي الذي يُمكّن الشيوعيين من العمل معًا ضد أعدائهم المشتركين على الساحة العالمية. من ناحية أخرى، من الضروري إدراك أن المهمة الرئيسية للشيوعيين هي تحطيم النظام الرأسمالي بتفكيكه واحدًا تلو الآخر حتى تحقق البروليتاريا أهدافها الأممية. إن الأساس الرئيسي لتحرير الكل هو تحرير الأجزاء. ستتحقق الوحدة الأممية والتحرر الكامل للبروليتاريا بقدر إدراك هذا. وإلا، فسنواجه خداعًا "جميلًا" على مستوى شعارات مثل "التحرر الشامل"، مما يعني عدم تحقيق الثورة بتجاهل الاختلافات على مستوى البلدان وشروط تحقيقها فيها، والتي هي نتائج قانون التطور غير المتكافئ للرأسمالية، ولكنه خداع باطل في مواجهة الواقع. في الواقع، جرت مناقشات مماثلة قبل ثورة أكتوبر، ورغم كل التجارب اليوم، لا يزال يُسوّق هراء مماثل تحت اسم "الثورات الإقليمية". هذا ما حدث، وصُنعت هذه النظرية في نيبال. يتصرف جزءٌ مهمٌ من الحركة الثورية في بلادنا بتوجهٍ وفهمٍ مماثلين. في جوهره، يُشكّل عدمُ الإيمان بإمكانيةِ الثورة، وتصويرُ هذا عدمُ الإيمان على أنه حقيقةٌ لأسبابٍ مُختلفة، وفي نهاية المطاف، إدراكُ استحالةِ تحقيقِ "الاشتراكيةِ في بلدٍ واحد"، عائقًا جديدًا أمامَ النضالِ من أجلِ الثورةِ والاشتراكيةِ في مختلفِ بقاعِ العالم. على عكس خطاب الديماغوجيين من أصحاب الأيديولوجيات البرجوازية، فإن النظام الرأسمالي الإمبريالي الذي يضفي طابعًا عالميا أكبر على الإنتاج والاستغلال ويجعل جميع البلدان روابط أوثق للنظام الرأسمالي الإمبريالي لا يقضي على الاختلافات على مستوى كل دولة على حدة. على العكس من ذلك، فإنه يحقق أرضية أعمق ضد الدول شبه المستعمرة والتابعة باستمرار ومن خلال التكاثر. تتسع الفجوة بين المراكز الرأسمالية الإمبريالية وبقية العالم أكثر فأكثر في كل عملية. الرأسمالية الإمبريالية هي الموضوع الرئيسي لتعميق هذه الاختلافات. وبسبب هذا الواقع بالتحديد، بينما يحدد الشيوعيون شكل ومحتوى صراع القوة للبروليتاريا، مع مراعاة قانون التطور غير المتكافئ للرأسمالية، بناءً على موضوعية كل بلد، فإنهم يهدفون أيضًا إلى حل التناقض المشترك عن طريق حل التناقض في أجزاء. يواصل الشيوعيون نضالهم من أجل السلطة السياسية، لا سيما من خلال استهداف السلطة السياسية في بلدانهم، سعيًا لإسقاط السلطة السياسية المهيمنة ضمن حدودهم الجغرافية، وإقامة سلطة سياسية بقيادة البروليتاريا. وهنا تتجلى أهمية خدمة الثورة العالمية. على الشيوعيين أن يدركوا انقسام العالم إلى دول وأمم كوضع موضوعي، وأن يبنوا نضالهم من أجل أهدافهم النهائية على هذا الأساس الموضوعي. كما يلفت أساتذة الماركسية اللينينية الماوية انتباهًا خاصًا إلى هذه النقطة: "يجب على البروليتاريا في كل بلد أن تستولي أولًا على السلطة السياسية في بلدها، وأن تُثبت نفسها كطبقة حاكمة للأمة، وأن تُصبح الأمة نفسها، مع احتفاظها بقوميتها، ليس بالمعنى البرجوازي للكلمة، بل بهذا المعنى". (كارل ماركس وف. إنجلز، بيان الحزب الشيوعي). بالنظر إلى هذا الوضع الموضوعي، قال ماركس وإنجلز: "إن نضال البروليتاريا ضد البرجوازية، من حيث شكله، وإن لم يكن نضالاً وطنياً من حيث مضمونه. وبطبيعة الحال، يجب على بروليتاريا كل بلد أن تحاسب نفسها أولاً على نضالها ضد برجوازيتها". قال ماو مرة أخرى: "الشيوعيون أمميون لأنهم ماركسيون؛ ولكن لا يمكننا تطبيق الماركسية إلا عندما تكتسب شكلاً وطنياً محدداً وتندمج مع السمات الملموسة لبلدنا. تكمن قوة الماركسية اللينينية العظيمة في اندماجها في الممارسة الثورية الملموسة لجميع البلدان". (الأعمال المختارة - ص 217-218، ماو). وقد عرض ماو تسي تونغ وجهة نظره. من ناحية أخرى، يُعبّر لينين عن هذه الاختلافات الموضوعية وما تعنيه للبروليتاريا والمهام التي تُحمّلها: "ما دامت هناك اختلافات وطنية وسياسية بين الشعوب والدول، وهي اختلافات ستستمر طويلًا حتى بعد إرساء دكتاتورية البروليتاريا على نطاق عالمي، فإن الوحدة التكتيكية الدولية للحركة العمالية الشيوعية في جميع البلدان لا تهدف إلى استئصال هذه الاختلافات، بل إلى تدميرها. بل على العكس، تتطلب المبادئ الأساسية للشيوعية (السلطة السوفياتية ودكتاتورية البروليتاريا) تطبيقًا يُحلّ محلّ هذه المبادئ بشكل صحيح في قضايا محددة، ويُكيّفها بشكل صحيح، ويُطبّقها على الاختلافات الوطنية والاختلافات بين الدول". هذه الحقيقة الموضوعية، التي أوضحها القادة الماركسيون بوضوح تام، تُشكل في الوقت نفسه الأساس الموضوعي الضروري لتنظيم البروليتاريا على مستوى البلدان. ونتيجةً لهذه الاختلافات الموضوعية، تواجه الأحزاب الشيوعية المنظمة على مستوى البلدان مهمة كسر سلسلة الإمبريالية الراسمالية في بلانها. هذا هو تعريف الموضوعية، وليس نتيجة رغبة ذاتية، وهو الخطوة الأولى الضرورية للشيوعيين لتحقيق الثورة العالمية البروليتارية في بلدانهم وبلوغ الهدف النهائي. "وبالتالي؛ عند تقييم المشكلة من وجهة نظر الأممية البروليتارية، "ليس من وجهة نظر بلدي"، ولكن من وجهة نظر مشاركتي في إعداد الثورة البروليتارية العالمية والدعاية لها والتعامل معها، قال لينين: "من واجبي، واجب ممثل البروليتاريا الثورية"، "من أجل تطوير ودعم الثورات في جميع البلدان، كان على ستالين في بلده أن يفعل كل ما في وسعه". لتحقيق الثورة البروليتارية العالمية، لا بد من فكّ سلسلة الإمبريالية من أضعف حلقاتها. ولكي يقود الشيوعيون هذه النضالات، يتطلب الأمر دراسة وبحث الظروف الوطنية والخاصة لكل بلد بأسلوب التحليل الماركسي اللينيني، ووضع سياسة سليمة تُراعي الوضع العام وفقًا لهذه الجوانب. يُعبّر الرفيق لينين عن ضرورة ذلك كما يلي: "إن المشكلة الدولية، التي هي واحدة للجميع، مشكلة هزيمة الانتهازية والعقائدية اليسارية في حركة الطبقة العاملة، وإسقاط البرجوازية، وإقامة الجمهورية السوفييتية ودكتاتورية البروليتاريا، ومشكلة معاملة كل بلد بطريقة ملموسة، على المستوى الوطني والخاص، مهما كانت هويته الوطنية، للبحث عنها ودراستها والشعور بها والقبض عليها، هذه هي المهمة الرئيسية لجميع البلدان المتقدمة (وليس البلدان المتقدمة فقط) في اللحظة التاريخية التي نمر بها." من ناحية أخرى، لا يمكن للماركسيين اللينينيين الماويين أن يكتفوا بمهمة القيام بالثورة ومواصلتها في بلدهم كحلقة وصل للوصول إلى الثورة البروليتارية العالمية. وفي الوقت نفسه، يحاولون بكل قوتهم دعم القوى في أجزاء أخرى من العالم التي تناضل من أجل الهدف نفسه، على أساس الخط الماركسي اللينيني الماوي. يدرك الماركسيون اللينينيون الماويون أن جوهر وهدف جميع النضالات التي تُشن على أساس الخط الماركسي اللينيني الماوي هو نفسه بغض النظر عن مكان تواجدها في العالم، وبهذا المعنى، لا يمكنهم وضع الاختلافات بين النضالات قبل الجوهر والهدف المشترك. إن النضالات الثورية والثورة التي تُشن في بلد ما تكون ذات معنى بقدر ما تكون جزءًا من النضال العام للبروليتاريا، أي النضال من أجل الثورة البروليتارية العالمية، وبقدر ما تطورها. يجب أن تكون مصالح الجزء تابعة لمصالح الكل، أي لمصالح النضال العالمي. وهذا ممكن فقط إذا عولجت المشكلة ليس من منظور "وطني"، بل من منظور "مشاركتي" في النضالات الدائرة حول العالم. لم يكن تاريخ الحركة الشيوعية العالمية مستقيمًا. فعلى الصعيد العالمي، اتخذت النضالات ضد الإمبريالية والرجعية أشكالًا مختلفة بالتوازي مع تطورات الأوضاع. ومع تغيرات الوضع الموضوعي، اتبعت الحركة الشيوعية العالمية تكتيكات متنوعة، عالميةً وإقليميةً. حتى اليوم، تأسست العديد من المنظمات الاممية لضمان الوحدة التكتيكية والاستراتيجية للقوى الشيوعية العاملة في كل قطاع، وتنسيق نضالها وتضامنها، وتعزيز الوحدة الأيديولوجية والسياسية بينها. ورغم تشابه أهداف هذه المنظمات، التي تُمثل المنظمة العالمية للأممية البروليتارية، إلا أنها اتخذت أشكالًا مختلفة، تبعًا لاختلاف المهام التي يتعين عليها إنجازها، نظرًا لاختلاف الظروف الموضوعية التي نشأت في ظلها، والوضع الخاص للقوى الشيوعية. ويتجلى هذا الوضع بوضوح عند دراسة عمليات الأممية الأولى والثانية والثالثة، وكذلك الكومنفورم. على الرغم من كل هذه الاختلافات فيما بينها، فإن القوى التي شعرت بغياب حركة أممية مشتركة على الساحة الدولية وأرادت القضاء عليها، أعلنت عن تأسيس الحركة الأممية الثورية للعلن ببيانها في مارس 1984. وبعد سنوات عديدة، كان لتأسيس الحركة الأممية الثورية معنى هامًا وتاريخيًا لوحدة الحركات البروليتارية العالمية. الحركة الأممية الثورية، التي كشفت ودافعت عن مساهمات الرفيق ماو في الماركسية اللينينية وجعلتها تصل إلى جماهير واسعة، والمكونات الثلاثة للماركسية؛ والاعتراف بمساهماته في مجالات الاشتراكية العلمية والاقتصاد السياسي والفلسفة والدعاية الواسعة لحروب الشعب، وما إلى ذلك حققت إنجازات كبيرة. وفي هذه العملية، لعبت الهيبة التي خلقتها حرب الشعب في بيرو، والتي بدأت بقيادة الرفيق غونزالو وحققت تقدمًا هائلاً، وعرض الرفيق غونزالو الواضح والمستمر لمساهمات الرفيق ماو في الماركسية اللينينية دورًا مهمًا في قبولها للمرحلة الثالثة والأخيرة من الماوية. كان لهذا الإصرار والجهد أهمية تاريخية في فهم وتقبّل الخط الشيوعي، أي الماركسية-اللينينية-الماوية، بين قوى الماركسية-اللينينية التي دافعت عن أفكار الرفيق ماو بطرق مختلفة. بالإضافة إلى هذه الجوانب الإيجابية، ونتيجةً لتفاقم المشاكل الأيديولوجية-النظرية والتنظيمية-الإدارية، وعجزها عن إيجاد الحلول المناسبة، تعطلت الحركة الأممية الثورية وفقدت رسالتها. إن تجربة الحركة الأممية الثورية تحتاج إلى دراسةٍ متأنية، إذ تُمكّننا من استخلاص استنتاجاتٍ صحيحةٍ عند تنظيم عمليةٍ جديدةٍ ومشابهةٍ لها، نظرًا لأنها نتاجٌ للتاريخ الحديث ومن اتبعوا الرفيق ماو بشكلٍ ما. كما أنها ستُساعدنا على فهم أن الواقع لا يُحدد بالنوايا وحدها، ولا يُمكن اتخاذ خطواتٍ للأمام. يجب ألا نغفل عن موقف الرفيق ماو، الذي شهد واقع تفكك الأممية الثالثة، والذي حثّنا على توخي الحذر الشديد عند تشكيل منظمةٍ مشتركةٍ ذات طابعٍ مركزيٍّ مُحكمٍ في هذا الاتجاه من الحركة الشيوعية العالمية. من المهم الانتباه إلى أن الرفيق ماو، الذي لا شك في أهميته للتضامن الأممي للبروليتاريا، يتعامل مع التعاون والتضامن بين الشيوعيين بأشكالٍ مختلفة، وبشكلٍ أكبر في سياق العلاقات المتبادلة، بدلاً من منظمةٍ ذات طابعٍ مركزيٍّ مُحكم. علاوة على ذلك، ورغم كل التجارب السابقة في عملية الحركة الأممية الثورية (RIM)، فعندما ننظر إلى المكون الذي يُشكل RIM KOM، والذي يحتقر مكونات RIM ويحاول السيطرة عليها، سيتضح لنا أنه من الصعب جدًا استخلاص الدروس من الماضي. لا نريد تكرار هذا الخطأ، ونرى ضرورة التعلم من التجارب. من ناحية أخرى، لا ننوي أن نضع أنفسنا في موقف نتخلى فيه عن التحالفات الدولية لمجرد حدوث كل ذلك؛ نحن نسعى فقط إلى التعلم من ماضينا وتوخي المزيد من الحذر وإنشاء اتحادات دولية دون تجاهل الوضع الملموس. في المرحلة الراهنة، تُفرض ضرورة تضافر الأحزاب والمنظمات التي تُعرّف نفسها بالحركة الماركسية اللينينية الماوية تحت سقف واحد. يوجد إجماع في هذا الشأن، لكن من المهم تحديد محتوى وشكل هذا الاتحاد أو المنظمة المشتركة المزمع تشكيلها. كما هو واضح، هناك اختلافات في الرأي بين القوى التي تُعرّف نفسها بالحركة الماركسية اللينينية الماوية حول نقاط مُختلفة. ما دامت هذه الاختلافات لا تتوافق مع المبادئ الأساسية، فمن المقبول وجود اختلافات في بعض القضايا، وهذا أمر طبيعي، وسيظل كذلك في العمليات الجارية. يُمكننا تجاوز هذه الاختلافات في سياق الصراع الطبقي الجاري، من خلال مناقشات قائمة على حرص البروليتاريا على النهوض بقضية الثورة والاشتراكية، ويمكننا تشكيل جمعيات رفيعة المستوى. هذا جانب واحد من المشكلة. أما الأمر الآخر والأساسي فهو أنه أثناء تشكيل مثل هذا الاتحاد، يجب تحديد الروابط الرئيسية للحركة الماركسية اللينينية الماوية بشكل صحيح، وخوض صراع أيديولوجي جاد على هذا الأساس. وإلا، فلن نتمكن من المضي قدمًا بدون تشكيل/منظمة متحدة ظاهريًا حول مُثُل مشتركة ولكنها تعاني من تناقضات ستدمر نفسها بمرور الوقت. ليس هناك شك في أن الرابط الرئيسي في تشكيل مثل هذه الوحدة التنظيمية في الفترة الحالية هو الصراع الأيديولوجي المكثف الذي يجب خوضه بين القوى الماركسية اللينينية الماوية. لا يمكن بناء منظمة جديدة للحركة الشيوعية الدولية إلا على هذا الصراع. في رأينا، يجب أن تكون الماركسية اللينينية الماوية هي الأساس الذي سنرتفع عليه ومرجعيتنا الأيديولوجية والمرحلة الثالثة والأسمى للماركسية اللينينية. لأن الرفيق ماو هو من قدم مساهمة لا تتجزأ في المكونات الثلاثة للماركسية في مجالات الفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية. إن أي مرجع غير الماركسية اللينينية الماوية لا يخدم الوحدة، بل يسبب اختلافات جديدة. في الوقت نفسه، فإن تعريف قضية الماوية على أنها حرب الشعب تساوي الماوية والقول بأن هذه المساواة كافية هو نهج يضيق مساهمات الرفيق ماو في الماركسية وهو نهج غير دقيق، "يضيق" الرفيق ماو. من أجل فهم أفضل لما نتحدث عنه، يمكننا أن نبدأ على النحو التالي؛ في حين أن حرب الشعب تعني الماوية، لا يمكن فهم الماوية من خلال حرب الشعب فقط. أثناء إسناد أهمية إلى حرب الشعب أو محاولة تجسيد أهميتها، من الضروري عدم التقليل من شأن الكل مع الاهتمام بالجزء. إن الماوية تجعل معنى لنفسها في مجمل المساهمات التي قدمها الرفيق ماو في مجالات الفلسفة الماركسية والاشتراكية العلمية والاقتصاد السياسي. لذلك، فإن نهجنا تجاه الماركسية هو في هذه الوحدة. من النقاط المهمة الأخرى التي يجب التأكيد عليها نهجنا تجاه القوى الخارجة عن هذه المنصة والتي تُعرّف نفسها بأنها حركة تحررية متعددة الميول. فمن جهة، من الضروري مكافحة الانحرافات الأيديولوجية، وتجنب الوقوع في فخ الفهم الانتهازي القائل "لا بد من العمل معًا مهما كانت الظروف"، والتعبير بوضوح عن نقاط الاختلاف. ومن جهة أخرى، لا ننسى وجود قوى تُعرّف نفسها بأنها حركة تحررية متعددة الميول خارج هذه المنصة، حيث تسعى الحركة جاهدةً لضمان شراكة هذه القوى. يجب أن يكون لها هدف وحساسية، مثل السعي لإصلاح المشاكل التي تواجهها العلاقات قدر الإمكان. حول تقييم الرفيق ستالين في "المسودة" في "المسودة"، "سيواصل الرفيق ستالين عمل لينين وسيحارب انتهازية وخيانة تروتسكي وزينوفييف وكامينيف وبوخارين في عملية بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي. لقد طور ستالين هذه الحرب لمدة 13 عامًا، لكنه ارتكب خطأ حل الأمور إداريًا"، كما هو موضح. تجدر الإشارة إلى أن مهمة تقييم الرفيق ستالين، والكشف عن أخطائه، والمهمة التي علقها الرفيق ماو بسبب الهجمات التحريفية هي مهمة تقف في طريق الحركات الماوية. ومع ذلك، لا نرى أنه من المناسب مناقشة ستالين، المعلم الكبير للماركسية، في عملية التكوين هذه. هذه قضية مهمة تستحق دراسة ومناقشة مستفيضة وشاملة. لذلك، نعتقد أنه يجب إجراء عملية تخطيط ومناقشة حول هذا الموضوع بشكل منفصل. هذه حاجة. ومع ذلك، ليس من الصحي القيام بذلك في إعلان منظمة أممية مهمة. إن الطريقة الأصح والأصح لمثل هذا التشكيل الدولي هي تنظيم نقاش لتوضيح هذه المشكلة. ينبغي أن يُسهم هذا النقاش في التطور الأيديولوجي والنظري للحركة الشيوعية العالمية، وأن يُمنح الحق كاملاً. ولذلك فإننا نقترح إزالة تقييم الرفيق ستالين من الإعلان بشكل كامل. الماركسية اللينينية الماوية أم الماركسية اللينينية الماوية، الماوية بشكل أساسي ؟ هذا النقاش، الذي دار تقريبًا بالتزامن مع قبول الماوية كمرحلة ثالثة من الماركسية اللينينية، ليس جديدًا علينا. في السنوات الماضية، قدّمنا إجابات حول أيّ من هذه التعريفات هو الصحيح بالنسبة لنا أو لماذا يجب علينا استخدام أيّ منها. الماركسية اللينينية الماوية هي التي نراها صحيحة ونصرّ على استخدامها. نتناول هذه المسألة في سياق المساهمات المُقدّمة للمكونات الرئيسية الثلاثة للنظرية الماركسية في صراع البروليتاريا على السلطة، والذي استمرّ منذ نشأة الماركسية كنظرية لتحرير البروليتاريا حتى يومنا هذا، ونُسمّي هذه المسألة بناءً على هذه الاستمرارية غير القابلة للكسر. مع أن التركيز بشكل خاص على ماو يبدو اتساقًا في حد ذاته، بمعنى أن الماركسية بلغت ذروتها مع مساهمات ماو منذ ظهورها، إلا أنه من ناحية أخرى، يُمكننا الإشارة إلى حقيقة أن ماو نفسه يُشير إليها باسم الماركسية اللينينية عند وصف الماركسية. ولذلك فمن الأصح أن نستخدم تعريف الماركسية اللينينية الماوية الذي يعبر عن الاستمرارية وأن ماو حمل الماركسية اللينينية إلى أبعد من ذلك، بدلا من وضع تعريف يعني وضع ماو في مكان مختلف عنهم. حول تعريف عالمية حرب الشعب إن قضية الكفاح المسلح/الحرب/العنف الثوري مشكلة يتعين على جميع الشيوعيين التعامل معها بجد في صراعهم الطبقي. "إن الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، وحل المشكلة عن طريق الحرب، هو المهمة الرئيسية وأعلى شكل من أشكال الثورة. وينطبق هذا المبدأ الماركسي اللينيني للثورة على كل من الصين وجميع البلدان". (ماو تسي تونغ). وكما أوضح الرئيس ماو تمامًا، فإن العنف الثوري مبدأ بلا استثناء، وهذا ينطبق على جميع البلدان. لن تتنازل أي حكومة برجوازية عن سلطتها السياسية للبروليتاريا في عملية سلمية. لن تتقدم الثورة وتنتهي في البلدان شبه المستعمرة، وشبه الإقطاعية، والرأسمالية، ولا الرأسمالية الإمبريالية، دون حرب أهلية. إذا كانت هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، فكيف يمكن تحديد العنف الثوري والكفاح المسلح في نضال الشيوعيين من أجل السلطة السياسية، وما هي نظرية الحرب التي يجب أن تؤخذ كأساس، ووفقًا لأي شيء؟ بالنسبة للماركسيين اللينينيين الماويين، فإن نظرية حرب الشعب هي التوليف الأكثر تقدمًا لجميع تجارب الحرب من التاريخ إلى الوقت الحاضر. وبالتالي اكتسبت البروليتاريا والعمال سلاحًا لا يقهر. حقيقة الحرب والنهج الشيوعيي للحرب؛ شكل العلاقة الأيديولوجية والسياسية والعملية والتنظيمية التي سيقيمها الحزب الشيوعي مع الحرب وقيادة الحزب الشيوعي في الحرب، والعلاقة بين الحرب والسياسة، والغرض من الحرب ومبادئها، ومشاكل الاستراتيجيا في الحرب، والدور الديناميكي للإنسان في الحرب، والمبادرة والمرونة والتخطيط والنهج لمشكلة التحالف، وموقع الطبقات، وأشكال السلطة، إلخ. حرب الشعب سلاح قوي يحتوي على الأطروحات والمبادئ الأساسية وبعض الأساليب والأشكال الأساسية للنضال في نضال البروليتاريا من أجل الاستيلاء على السلطة. إنها استراتيجية الحرب للقوة الثورية الوحيدة للبروليتاريا التي أصبحت منهجية. إن الخوف الذي أحدثته ثورة أكتوبر العظيمة، والتي أصبحت فيها سلطة البروليتاريا حقيقة واقعة لأول مرة، دفع البرجوازية إلى إجراء تغييرات جادة في جهاز الهيمنة وتنظيم البنية المهيمنة. لقد ركزت البرجوازية والطبقات الحاكمة العنف داخل حدودها المعينة وعلى الساحة الدولية وأنشأت شبكة دولية. وكما أنشأت البروليتاريا توليفة جديدة قائمة على تجارب صراع السلطة، كما في نظرية حرب الشعب، فقد جهزت البرجوازية نفسها بأساليب وأدوات من شأنها أن تحافظ على هيمنتها في جهاز هيمنتها الخاص، وتضمن استمراريتها وتحييد الهجمات المضادة. وكما ينظر الشيوعيون إلى عمليات النضال الثوري العالمي ويتعلمون من التجارب الحية ويحولونها إلى تجارب سياسية وعملية لأنفسهم، فإن البرجوازية تفعل الشيء نفسه. عندما ننظر إلى المشكلة من خلال تضييقها في محور الحرب والعنف، نرى أن البرجوازية قد شكلت منظمات عنف دولية ليس فقط داخل حدودها الخاصة، ولكن أيضًا في الساحة الدولية لحماية الهيكل المهيمن. إن إنشاء منظمة الحماية والهجوم الدولية المشتركة للبرجوازية بالمعنى العسكري تحت اسم الناتو هو مثال ملموس في هذا المعنى. نحن نعلم أنه منذ إنشائها، قامت بجميع أنواع الممارسات لقمع النضالات الثورية التي تطورت في البلدان الاشتراكية، وخاصة في الحزب الشيوعي الصيني، وفي جميع دول العالم. طورت البرجوازية باستمرار أدوات عنفها، أولاً في كومونة باريس عام 1871، ثم، لا سيما بالتوازي مع الثورات التي حدثت أثناء ثورة أكتوبر الكبرى وبعدها. يجب أن يتضمن صراع البروليتاريا على السلطة العنف الثوري منذ البداية، مزوّدًا نفسه بعنف البروليتاريا ضد عنف الثورة المضادة. وكما قال الرفيق ماو بوضوح تام، "الثورة ليست حفل عشاء. إنها ليست حدثًا أدبيًا. إنها ليست لوحة أو تطريزًا. لا يمكن القيام بها برشاقة أو رقة. الثورة هي عمل من أعمال العنف". نحن متفقون على هذه النقطة، ولكن هنا يأتي سؤال آخر ينتظر إجابة: بما أن الديناميكيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقليدية لكل بلد مختلفة وأن التطور غير المتكافئ للرأسمالية لا يزال سائدًا، فكيف سيتعامل صراع البروليتاريا على السلطة، الذي يتم على أساس البلدان، مع مشكلة العنف وينظمها ؟ إذا كانت حرب الشعب هي الشكل الأكثر تقدمًا لاستيلاء البروليتاريا على السلطة، فهل نعتبر نظرية حرب الشعب التي صاغها الرفيق ماو هي الصيغة الوحيدة لتنظيم الثورة ذات الصلاحية العالمية ؟ أم نُعرّف حرب العنف الثوري برمتها، وهي ضرورة لا جدال فيها في نضال البروليتاريا من أجل السلطة، بأنها حرب الشعب ؟ نرى أن المنظور السائد في هذا الجانب، الذي نشارك فيه، يُقدّم حرب الشعب على أنها السبيل الوحيد والوحيد للثورة في جميع بلدان العالم. إن المصادر التي يُمكننا الوصول إليها بشأن هذه الصيغة، المُقدّمة باسم "عالمية حرب الشعب"، لا تُمكّننا من الوصول إلى نتائج مُرضية. بقدر ما نرى، فإن كلمات الرفيق ماو، التي اقتبسناها سابقًا، تُتخذ كنقطة انطلاق رئيسية. من ناحية أخرى، نفهم صياغة الرفيق ماو على أنها الضرورة التي لا غنى عنها للعنف الثوري في النضال من أجل السلطة السياسية. العنف الثوري ضرورةٌ في نضال البروليتاريا من أجل السلطة السياسية، ولكن بالنظر إلى أن قانون التطور غير المتكافئ للرأسمالية يسود في جميع أنحاء العالم، والتناقضات العديدة الناشئة عنه تُسبب اختلافاتٍ خطيرة حتى في البلدان المتقاربة أو المتشابهة اجتماعيًا واقتصاديًا، فإن ثورة كوكبنا ليست واقعيةً. إن الأمثلة الواردة في الكتابات التي تُقدم حرب الشعب كنموذجٍ وحيدٍ لإحداث ثورةٍ عالمية ليست مُرضية. إن أمثلة الكفاح المسلح من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليابان وأيرلندا وفرنسا لا تُجدي نفعًا إلا من حيث إمكانية تنظيم العنف الثوري، وليس من حيث إمكانية شن حربٍ شعبية. علاوةً على ذلك، في بلدين من هذه البلدان (إسبانيا وأيرلندا)، كان نضال التحرير الوطني جاريًا، وكانت هذه القوى هي التي كوّنت نفسها من خلال الدعم الجماهيري الواسع الذي وُجد موضوعيًا في كل حركةٍ وطنية. أما القوى الأخرى فكانت ذات مشاعر ثورية قوية، لكنها في جوهرها قوى رد فعل، بعيدة كل البعد عن كونها حركةً شيوعية، بل وأكثر من ذلك، من دون هدف مباشر، ومحاولة خلق أنفسهم من خلال أفعال فردية، الأمر الذي قد يؤدي إلى دفع ثمن باهظ. لذلك، فهي منظمات لن تكون قدوة للحزب الشيوعي. وبالمثل، لا يمكن استخدام حروب العصابات والحروب الأهلية في البلدان الرأسمالية المتقدمة خلال الحرب الإمبريالية الثانية كبيانات صحيحة "لإثبات" "عالمية حرب الشعب". فالعملية هي عملية حروب واحتلالات إمبريالية. وفي مثل هذه العمليات، تشارك قوى اجتماعية وطبقات وشرائح مختلفة، وحتى بعض الطبقات الحاكمة، في الجبهة الثورية أو في تحالف مع الثوار، وإن كان ذلك بشكل دوري. لذلك، فإن الظروف والديناميكيات "غير عادية". وقد استلزمت العمليات "الاستثنائية" اتخاذ موقف "غير عادي". في الواقع، يمكننا أيضًا القول إن موقف الشيوعيين والثوريين في ذلك الوقت قد تم إنشاؤه من خلال خلق أدوات وأساليب تتماشى مع الموضوعية من خلال تعريف الموضوعية بشكل صحيح. مرة أخرى، بقدر ما نرى، تُعتبر المظاهرات والإضرابات والاحتجاجات المختلفة، أي كل حركة تقريبًا ضد النظام، حربًا شعبية. هذا الرأي غير صحيح في رأينا. يمكن اعتبار الأعمال الجماهيرية والاحتجاجات المختلفة والإضرابات، وما إلى ذلك، أجزاءً من النضال الثوري، وهذا صحيح، لكن حرب الشعب نظرية تتضمن هذه العناصر، ولكن تنظيم العنف الثوري في شكل حرب عصابات في جوهره، والتقدم من خلال ترسيخ هيمنة السلطة السياسية على المناطق، وإنشاء مناطق مُطهرة من العدو، والحزب الشيوعي في مركزها وتحت قيادة كل هؤلاء. أما جيش الشعب فهو مجموعة من المراحل. إذا نظرنا إلى الأمر بهذه الطريقة، أي إذا نظرنا إلى الشكل الذي صاغه الرفيق ماو وفصّله في كتاباته، فلا يمكن الحديث عن عالمية حرب الشعب كما نعرفها. ولأن صياغة الرفيق ماو واضحة، فقد جسّد الرفيق ماو مشكلة طريق الثورة في مقاله بعنوان "مشكلات الحرب والاستراتيجيا" بتاريخ 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1938: خصائص الصين والحرب الثورية إن الاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة، وحسم المسألة بالحرب، هما المهمة المركزية وأسمى أشكال الثورة. وهذا المبدأ الماركسي اللينيني للثورة ينطبق عالميًا، سواءً على الصين أو على جميع البلدان الأخرى. ولكن بينما يظل المبدأ كما هو، فإن تطبيقه من قبل حزب البروليتاريا يجد تعبيرًا بطرق مختلفة وفقًا للظروف المتغيرة. داخليًا، تمارس الدول الرأسمالية الديمقراطية البرجوازية (وليس الإقطاع) عندما لا تكون فاشية أو في حالة حرب؛ وفي علاقاتها الخارجية، لا تتعرض للقمع من قبل الدول الأخرى، بل هي نفسها تضطهدها. وبسبب هذه الخصائص، فإن مهمة حزب البروليتاريا في الدول الرأسمالية هي تثقيف العمال وبناء القوة من خلال فترة طويلة من النضال القانوني، وبالتالي الاستعداد للإطاحة النهائية بالرأسمالية. في هذه البلدان، فإن المسألة هي مسألة نضال قانوني طويل، واستخدام البرلمان كمنصة، والإضرابات الاقتصادية والسياسية، وتنظيم النقابات العمالية وتثقيف العمال. هناك يكون شكل التنظيم قانونيًا وشكل النضال غير دموي (غير عسكري). وفيما يتعلق بقضية الحرب، تعارض الأحزاب الشيوعية في الدول الرأسمالية الحروب الإمبريالية التي تشنها بلدانها؛ إذا اندلعت مثل هذه الحروب، فإن سياسة هذه الأحزاب هي هزيمة الحكومات الرجعية في بلدانها. الحرب الوحيدة التي يريدون خوضها هي الحرب الأهلية التي يستعدون لها. لكن لا ينبغي شنّ هذه الانتفاضة وهذه الحرب إلا بعد أن تصبح البرجوازية عاجزة تمامًا، وحتى تصمم غالبية البروليتاريا على الانتفاضة والقتال، وحتى تُقدّم الجماهير الريفية مساعدةً طوعيةً للبروليتاريا. وعندما يحين وقت شنّ مثل هذه الانتفاضة وهذه الحرب، ستكون الخطوة الأولى هي الاستيلاء على المدن، ثم التقدّم نحو الريف، وليس العكس. كل هذا فعلته الأحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية، وقد أثبتت ثورة أكتوبر في روسيا صحته. لكن الصين مختلفة. فخصائص الصين هي أنها ليست مستقلة وديمقراطية بل شبه مستعمرة وشبه إقطاعية، وأنها داخليًا لا تتمتع بالديمقراطية بل هي تحت القمع الإقطاعي وأنها في علاقاتها الخارجية لا تتمتع بالاستقلال الوطني بل هي مضطهدة من قبل الإمبريالية. ويترتب على ذلك أنه ليس لدينا برلمان نستخدمه ولا حق قانوني لتنظيم العمال للإضراب. وبصورة أساسية، فإن مهمة الحزب الشيوعي هنا ليست خوض فترة طويلة من النضال القانوني قبل شن التمرد والحرب، وليس الاستيلاء على المدن الكبرى أولاً ثم احتلال الريف، بل العكس. "في الصين، تقاتل الثورة المسلحة الثورة المضادة المسلحة. وهذه إحدى السمات المحددة وإحدى مزايا الثورة الصينية". إن أطروحة الرفيق ستالين هذه صحيحة تمامًا وهي صالحة بنفس القدر بالنسبة للحملة الشمالية وحرب الثورة الزراعية وحرب المقاومة الحالية ضد اليابان. إنها كلها حروب ثورية؛ جميعها موجهة ضد الثوار المضادين، وجميعها خاضها الشعب الثوري بشكل رئيسي، ولا تختلف إلا في أن الحرب الأهلية تختلف عن الحرب الوطنية، وأن الحرب التي يشنها الحزب الشيوعي تختلف عن الحرب التي يخوضها بالاشتراك مع الكومينتانغ. ولا شك أن هذه الاختلافات مهمة. فهي تشير إلى اتساع نطاق القوى الرئيسية في الحرب (تحالف العمال والفلاحين، أو العمال والفلاحين والبرجوازية)، وما إذا كان خصمنا في الحرب داخليًا أم خارجيًا (سواء كانت الحرب ضد أعداء محليين أم أجانب، وإذا كانت داخلية، سواء ضد أمراء الحرب الشماليين أم ضد الكومينتانغ)؛ كما تشير إلى أن مضمون الحرب الثورية الصينية يختلف باختلاف مراحل تاريخها. لكن جميع هذه الحروب أمثلة على ثورة مسلحة تحارب ثورة مضادة مسلحة، وهي جميعها حروب ثورية، وجميعها تُظهر السمات والمزايا الخاصة للثورة الصينية. إن فرضية أن الحرب الثورية "إحدى السمات والمزايا الخاصة للثورة الصينية" تتناسب تمامًا مع ظروف الصين. كانت المهمة الرئيسية لحزب البروليتاريا الصينية، وهي مهمة واجهته منذ نشأته تقريبًا، هي الاتحاد مع أكبر عدد ممكن من الحلفاء، وتنظيم نضالات مسلحة، حسب الظروف، من أجل التحرير الوطني والاجتماعي ضد الثورة المضادة المسلحة، سواءً أكانت داخلية أم خارجية. فبدون النضال المسلح، لن يكون للبروليتاريا والحزب الشيوعي أي مكانة في الصين، وسيكون من المستحيل إنجاز أي مهمة ثورية. سنتناول هذه المشكلة إما كما طرحها الرفيق ماو، المنظّر والممارس العملي لـ"حرب الشعب"، أو سنُصرّح بأننا نتعامل مع هذه النظرية بشكل مختلف ونُدخل في تعريفات مناسبة. عندما يُقال إن حرب الشعب، كما تُعرف في الدول الرأسمالية المتقدمة، يجب أن تُتخذ أساسًا منذ البداية، فمن الضروري الحديث عن تحقيق عناصر مثل حرب العصابات، والدعم الجماهيري، وهو شرط أساسي لحرب العصابات، وجماهير الفلاحين التي خلقت نفسها من خلال التناقضات الإقطاعية، ومناطق القواعد، والقوى السياسية الحمراء، وإنشاء الجيش الأحمر. إن الادعاء بإمكانية تحقيق هذه الشروط عند استبعاد ظروف الحرب الإمبريالية والاحتلال واتخاذ الواقع الحالي كأساس، هو استنتاج لا يتوافق مع الواقع. إن تعريف تنظيم الحزب الشيوعي في الدول الإمبريالية بصيغة مثل وضع الحزب لجسده الرئيسي بشكل غير قانوني منذ البداية، وتنظيم نفسه بواقع حزب محارب، وتنظيم العنف الثوري شيء، وتعريف وجود الحزب الشيوعي في الدول الإمبريالية بالصيغة الكلاسيكية لحرب الشعب شيء آخر. كما أن المشاكل القومية والإثنية والطائفية واضحة تمامًا في هذه البلدان، وكل هذه عوامل تعوق تطور الكفاح المسلح وحرب العصابات أو حرب الشعب ككل. في نهاية المطاف، فإن الظروف الاجتماعية التي أدت إلى وجود حرب الشعب هي ظروف شبه استعمارية شبه إقطاعية. وقد أوصل الرفيق ماو المشكلة لاحقًا إلى حالة من الامتداد بحيث تكون صالحة للدول التي لم تكن بها بقايا إقطاعية، ولكنها سقطت في براثن رأس المال الإمبريالي وأصبحت تابعة. في هذا السياق، فإن حرب الشعب هي استراتيجية حرب صالحة لجميع الدول شبه المستعمرة. بعد الثورة الصينية، طورت الدول ذات الظروف المماثلة النضال من خلال حرب الشعب ونجحت في الاستيلاء على السلطة في بعض الأماكن. وبالمثل، يمكن لدول مثل بيرو والهند والفلبين ونيبال وتركيا خوض حرب الشعب على أساس حقيقة البنية الاجتماعية والاقتصادية المتشابهة وتحقيق التقدم والتنمية. وعلى الرغم من كونها في مناطق جغرافية مختلفة من العالم، فإن "السمة الفريدة" لهذه الدول هي تداخل هياكلها الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا السبب بالتحديد من الممكن تنفيذ استراتيجية حرب الشعب في هذه البلدان. في الدول الرأسمالية الإمبريالية، هذه التناقضات، التي ذكرناها بشكل تقريبي، غائبة إلى حد كبير. لذلك، لا يمكن وضع الدول شبه المستعمرة أو شبه الإقطاعية أو الإمبريالية في سلة واحدة ولا يمكن تقديم حل بنفس الوصفة. لأن هناك اختلافات خطيرة في التناقضات التي سننهض فوقها. يتم طريق الثورة من خلال تحديد هذه التناقضات. السؤال حول عالمية حرب الشعب هو: ما هي استراتيجية الحرب للبروليتاريا ؟ وهل لدى البروليتاريا استراتيجية حرب متكاملة أم ينبغي أن تكون ؟ أسئلة مثيرة للجدل. في رأينا، حرب الشعب هي استراتيجية حرب ثورية طويلة الأمد، مناهضة للإقطاع والإمبريالية، تُنفذ من الريف إلى المدن بقيادة الحزب الشيوعي. لا يمكن تطبيقها في الدول الرأسمالية المتقدمة حيث تبدأ الثورة في المدن وتنتشر إلى الريف بانتفاضة كبرى كاستراتيجية حرب صالحة في ظروف الدول شبه المستعمرة أو شبه الإقطاعية أو المستعمرة. لأن الحرب الثورية في الدول الرأسمالية المتقدمة ستحدث في نهاية نضال "سلمي" طويل الأمد؛ فإن الانخراط في صراع مسلح دون هذا النضال ليس الاستراتيجية الصحيحة في ظروف هذا البلد. هذا الاختلاف يدفعنا إلى تعريف عالمية حرب الشعب كاستراتيجية حرب تشمل الدول شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية أو المستعمرة. ومع ذلك، نعتقد اعتقادًا راسخًا أن عملية شبيهة بالحرب ستحدث في الدول الرأسمالية المتقدمة أيضًا. ولأن العنف الثوري مبدأ لا استثناء فيه، فقد ثبت ذلك بالتأكيد. إن الاختلافات بين شكل العنف الثوري في الدول الرأسمالية المتقدمة وشكله في الدول شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية أو المستعمرة هي اختلافات نوعية. ونظرًا للالتباس الذي تُسببه، فإننا نرفض أي توسعات تُؤدي إلى تجاهل هذه الاختلافات النوعية، فضلًا عن تحديدات استراتيجية لم يضعها ماو تسي تونغ. صرّح ماو صراحةً بأن النضال الثوري في الدول المتقدمة سيمر بفترة "سلمية" طويلة الأمد. ولا تزال هذه السمة قائمة. فبينما يُسلّم بأن مسار الثورة العالمية البروليتارية ليس قابلاً للتنبؤ الكامل، فمن الحقائق المعروفة والمقبولة أن بؤر الثورة العالمية الجاهزة للاشتعال في وقت قصير هي الدول شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية. وما دامت شرارة الثورة في هذه المناطق لا تتخذ طابعًا حقيقيًا، فإن فترة النضال "السلمي" ستظل أساسية في الدول المتقدمة. ومن الخطأ أن تُفضّل الأحزاب الشيوعية في هذه الدول النضال المسلح على النضال "السلمي"، لأنه سيُسبب الهزائم ويُختزل الثورة، التي هي عمل الجماهير، إلى أعمال طليعية لحفنة من المناضلين المسلحين، مما يجعل فهم الثورة خارج نطاق الجماهير هو الخطأ الفادح. ومن الخطأ الفادح أن تُملى مثل هذه الأفكار في إطار عالمية حرب الشعب. إذا قيل إن "حرب الشعب تشمل حربًا مسلحة مشروعة، بل وإلزامية، في المرحلة الأخيرة من النضال السلمي طويل الأمد في الدول المتقدمة"، فيجب ذكر هذا المحتوى تحديدًا. مع أننا نرى هذا المحتوى خارج نطاق فهمنا لحرب الشعب، إلا أننا نميزه عن المناهج الخاطئة التي ذكرناها آنفًا، ولا نرفضه من حيث المبدأ. يتطلب تعريف حرب الشعب كاستراتيجية حرب عالمية للبروليتاريا تحديد مبادئها الأساسية من خلال تحديد الفروق النوعية بين الدول، والتي شرحناها آنفًا. ولخوض حرب ثورية بفهم حرب الشعب، فإن شكلها الأصلي في كل بلد يتطلب أن تكون مبادئ حرب الشعب مختلفة عما هو معروف أو ما نعرفه. وعليه، فإن النضال المسلح طويل الأمد من أجل السلطة، الممتد من الريف إلى المدن، والقائم على أسس سياسية حمراء، وحرب العصابات الفلاحية كشكل بدء حتميّ له، لا ينبغي أن يكونا من مبادئ استراتيجية حرب الشعب. يجب التأكيد على مبادئ حرب الشعب وبيانها بدقة. إن قبول حرب الشعب كحرب عالمية شاملة بنظرية قائمة على المبادئ التي وضعها الرفيق ماو لن يتوافق مع الواقع، بل سيؤدي إلى مثالية "لقد قلتُ ما حدث". لذلك، يتطلب النقاش حول هذا المحور نقاشًا نظريًا جديدًا وتحديد مبادئ جديدة لحرب الشعب. وفي هذا المحور، ستكون المناهج المستقبلية والمواقف الجديدة، بلا شك، مفتوحة للنقاش. ويذكر الإعلان أربعة أسئلة أساسية لحرب الشعب: 1) الأيديولوجيا البروليتارية، الماركسية اللينينية الماوية، المطبقة على الممارسة الملموسة وخصائص الثورة، 2) ضرورة قيادة الحزب الشيوعي للحرب الشعبية، 3) خصائص ومسار الاستراتيجيا السياسية في الثورة الديمقراطية أو الاشتراكية، 4) قواعد الدعم... تبدو هذه النقاط الأربع الرئيسية المذكورة مهمةً لافتراض أنها تُجسّد مبادئ حرب الشعب. وتُشكّل المشكلتان الأساسيتان الأخيرتان أيضًا سببًا في استحالة نشوء حرب شعبية في الدول الرأسمالية المتقدمة. فرغم أن الاستراتيجيا السياسية للثورة الاشتراكية ستتطور في نهاية المطاف إلى كفاح مسلح، إلا أنها تُدرج كفاحًا سلميًا طويل الأمد على جدول أعمالها. لذا، فإن الكفاح المسلح، الذي يشمل بناء قوة تتطور من البداية إلى النهاية، من الصغير إلى الكبير، ليس "المشكلة الرئيسية" لهذه الثورة. ففي هذه الدول، يخوض الشيوعيون كفاحًا "سلميًا" ضد سياسات الطبقات الحاكمة التوسعية والاحتلالية، ولا يُطلقون العنان لحالة ثورية إلا بعد تحضير قصير الأمد لانتفاضة جماهيرية مسلحة. لذا، لن تكون قواعد الدعم في هذه الدول بمثابة "قواعد سياسية حمراء". إذ يجب أن يكون الكفاح المسلح هنا قصير الأمد؛ فالظروف في هذه الدول غير مُلائمة لكفاح مسلح طويل الأمد. ونقول هذا استنادًا إلى ظروف الصراع الطبقي، التي تُمارس في ظل ظروف طبيعية. وبالمثل، فإننا نتقبل ضرورة التنظيم غير الشرعي للحزب الشيوعي كضرورة، بل كضرورة. إن عدم شرعية النواة الرئيسية والهيئات الرئيسية للحزب الشيوعي ضرورية حتى من منظور الحماية من العدو. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب ذلك تحديد كيفية بناء قواعد الدعم، ومكانها، وبأي قوة اجتماعية، وكيفية تنظيم الجيش، أحد أسلحة الثورة الثلاثة، وكيفية تحديد مساره. لن يكون هناك مجال نقاش سليم لمناقشة صحة حرب الشعب على نطاق عالمي كامل دون إقامة نقاش نظري ومجموعة مبادئ من شأنها سدّ جميع هذه الفجوات والتوافق مع الوضع الموضوعي. نُدرك أن الماوية تُقدم مناهج مهمة وحاسمة للدول الرأسمالية المتقدمة فيما يتعلق بمواصلة الحرب الثورية وإنهائها والحفاظ على السلطة الثورية الجديدة. وبهذا المعنى، نُجادل بأن نظرية الحرب الثورية الماوية تتضمن محتوى يشمل هذه الدول؛ لكننا نعترض على تفسير ذلك بزعم "عالمية حرب الشعب". إذ ينطوي هذا الزعم أيضًا على تعليقات يسارية تحريفية خطيرة. من بينها أن الثورة العالمية البروليتارية ممكنة من خلال حرب شعبية مُحددة ستُقام في جميع أنحاء العالم في آن واحد. نرى أن هذا التفسير، الذي يفتح الباب أيضًا أمام الفهم التروتسكي للثورة العالمية، لم يُرفض في الإعلان. ووفقًا لذلك، يجب على الشيوعيين "مواجهة الحرب العالمية الإمبريالية بحرب شعبية عالمية إذا اندلعت!". فإذا اندلعت الحرب العالمية الإمبريالية، سيُعارضها الشيوعيون في كل بلد بمفهوم خوض صراع على السلطة ضد حكامهم، ولكن بشكل رئيسي بهدف وضع حد لهذه الحرب العالمية. هذا لا يُحدد حربًا شعبيةً ستبدأ في كل بلد. فلبدء حرب الشعب، يجب أن تكون الأحزاب الشيوعية في كل بلد قد حددت الوضع الثوري، وبالطبع، يجب أن تكون الأحزاب الشيوعية قد بُنيت في هذه البلدان قبل ذلك. في البلدان شبه المستعمرة وشبه الإقطاعية، سيُبنى الحزب الشيوعي في الحرب، بينما في البلدان الرأسمالية المتقدمة، سيُبنى في نضال سلمي طويل الأمد. هذا يُبرز لنا مشكلة أن الأحزاب الشيوعية، وخاصةً في البلدان الرأسمالية المتقدمة، غير مُستعدة لحرب الشعب، التي ستبدأ بالتزامن مع الحرب العالمية الإمبريالية، وتُصاغ على أنها الشكل الوحيد لمعارضة هذه الحرب. في هذه الحالة، لا يُمكن الدفاع عن فكرة أن على الشيوعيين في البلدان الرأسمالية المتقدمة بدء "حرب الشعب" فورًا. يجب تحديد ذلك بعبارات ملموسة، وستكون هذه العبارات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بخصوصية البلدان. في العديد من البلدان، قد يُشنّ النضال ضد الحرب العالمية الإمبريالية، وسيُضطر إلى ذلك، بدون حرب الشعب. إن تحديد هذه الأمور مسبقًا، بغض النظر عن الظروف، ضرب من التعصب، والتعصب لا يُنتج إلا تعصبًا، ويفقده حتمًا. وقد أُغفلت هذه المشاكل أو المواقف الفريدة في الإعلان. إن تجاهلها وعدم شرحها بتحذيرات سيُمهّد الطريق لتفسيرات يسارية مألوفة لحرب الشعب؛ بل يبدو أنها قد فُتحت. ومع ذلك، من الأهمية بمكان عدم الوقوع في فخ التحريفية اليسارية في مواجهة التحريفية اليمينية. علاوة على ذلك، ورغم الإشارة إلى "عالمية حرب الشعب" في هذه الوثيقة وفي مقالات أخرى، إلا أنه لا يوجد برنامج واضح، أو مجموعة مبادئ، أو تنظيم، أو أسلوب عمل واضح يمكننا من خلاله تحديد كيفية تحقيق ذلك في الدول الإمبريالية الرأسمالية. إذا كانت "حرب الشعب" هي الاستراتيجية الوحيدة التي ينبغي تطبيقها عالميًا، وإذا كانت الدول الإمبريالية الرأسمالية مشمولة بها أيضًا، فيجب توضيح كيفية تحقيق ذلك في أي دولة إمبريالية، وما هو المسار العسكري والسياسي الذي يتبعه. ثلاثة عوالم أم عالم منقسم إلى عالمين ؟ تُستخدم مفاهيم مثل "العالم الثالث" و"دول العالم الثالث" بكثرة في المسودة لوصف بؤر الثورة. ولأننا لا نرى هذا المفهوم صحيحًا، فإننا نعتقد أنه بالاعتماد عليه، سيُفتح الباب أمام مقاربات خاطئة في مسألة التناقض الأساسي في العالم (أو التناقضات الأساسية المتعددة كما وردت في المسودة). في هذا السياق، يُستحضر استخدام هذا المفهوم "نظرية العوالم الثلاثة"، ويُرسي أسسًا لها، ويُظهر أن المواجهة القوية والشاملة مع هذه النظرية الرجعية لم تحدث بعد. نعتقد أن النهج الذي يُقسّم العالم إلى ثلاثة أقطاب، لتحديد نظام عالمي وسلسلة من التناقضات بناءً عليه، نهج خاطئ جوهريًا. فهو يُرسي أسسًا لنهج يُربك الطبقة العاملة وشعوب العالم المُضطهدة، ويُشوّش التمييز بين الصديق والعدو، وبهذا المعنى، قد يُسبب مشاكل في الفصل بين القوى الإمبريالية وجميع القوى الرجعية التي تُشكّل حلقة الوصل في هذا النظام. نحن نرى أن نظرية العوالم الثلاثة لدينغ هي بقايا ضارة تجد انعكاسها في الحركات الشيوعية. يُرى أن هذا المفهوم يُستخدم بناءً على نهج قائم على هذا التعريف للعالم من قبل الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني الذي يقوده. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني الذي قاده، كسياسة خارجية في تلك الفترة، تضمنت موقفًا علميًا حدد النقطة الرئيسية للتمييز بين القوى الثورية والقوى المضادة للثورة، وكشف عن نقاط التمييز بين القوى المضادة للثورة، وكشف عن خط العلاقة والصراع مع هذه القوى. تعرض هذا النهج العلمي لأول مرة للإساءة الانتهازية-التحريفية اليسارية الرجعية من قبل لين بياو. في وقت لاحق، تم طرحه كنظرية مضادة للثورة أصبحت كاملة ومتكاملة بشكل إبداعي من قبل دينغ شياو بينغ، زعيم الخط التحريفي اليميني، مهندس استعادة الرأسمالية المضادة للثورة. لقد وقع الخط الدنغيست، بالإضافة إلى دعم هذه النظرية ببضع جمل للرفيق ماو، في دناءة تأسيسها على الإشارة إلى الرفيق ماو دون أن يكون قادرًا على إثبات أنها خط ينتمي إليه. وفي مواجهة العلم الأحمر الشيوعي الذي رفعه الرفيق ماو، رفع العلم الأبيض للتحريفية بهذه النظرية. يشكل سوء تفسير وثيقة السياسة الخارجية للحزب الشيوعي الصيني لعام 1971 بعنوان "بعض الملاحظات على السياسة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية" أساس المناهج التي تقسم العالم إلى ثلاثة. تحتوي هذه الوثيقة على مادة علمية تتضمن توضيحًا للشعب والقوى المضادة للثورة، ثم التناقضات بين القوى الأخرى والسياسة التي يجب تطبيقها ضدها. ولديها نهج قائم على التحليل الطبقي بخطوط واضحة ودقيقة. ومع ذلك، فإن هذا النهج يستند إلى خطاب دينغ شياو بينغ في الأمم المتحدة عام 1974، بينما كان الرفيق ماو لا يزال على قيد الحياة، وبدلاً من علاقات الإنتاج، والاختلافات الطبقية التي تستند إليها، وطبيعة الطبقات الحاكمة في البلدان، والأغنياء والمتقدمين والمتخلفين والفقراء، وقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، مقسمة إلى ثلاثة عوالم بناءً على التمييز في تطور علاقاتهم. في عام 1976، أعلن الحزب الشيوعي الصيني أنها نهج استراتيجي في خطاب في الأمم المتحدة. وبناءً على ذلك، يخضع العالم لسيطرة قوتين عظميين، هما الولايات المتحدة الأمريكية والإمبريالية الاشتراكية الروسية، وهما العالم الأول. أما الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، فتُشكل العالم الثالث. أما الدول المتقدمة الواقعة بينهما فتُشكل العالم الثاني. التناقض بين العالم الأول والعالم الثالث جوهري، فدول العالم الثالث هي القوة الدافعة الثورية التي تُدير عجلة التاريخ العالمي، وهي في حالة حرب مع العالم الأول. القوة الرئيسية للجبهة العالمية المتحدة هي دول العالم الثالث. أما دول العالم الثاني فهي قوى يجب كسبها. هذه هي النظرية الأساسية للدنغية المضادة للثورة والخائنة. لقد قسّم لينين وستالين والرئيس ماو العالم جوهريًا وأساسيًا إلى قطبين أساسيين. المعسكر الإمبريالي الرأسمالي هو الذي يمثل القديم والمتعفن والمتداعي، والقوى الرجعية التي تشكل حلقة في سلسلتها، والبروليتاريا وجماهير الشعب والأمم المضطهدة التي تمثل الجديد. وقد وضع الرفاق لينين وستالين وماو هذا التمييز الجوهري، وبعد تحديد القوى الثورية والقوى المضادة للثورة، طوروا موقفًا يفحص ويحدد ويحاول الاستفادة من التناقضات بين القوى المضادة للثورة. في هذا السياق، يتجلى قطبان متعاديان، قوى الثورة المضادة وقطب القوى الثورية، في تمييزاتهما ونهجهما الطبقي. في الظروف التي تشكلت فيها دول وسيادة البروليتاريا، ترك هذا النهج أثره على سياستهم الخارجية وأصبح نهجًا موجهًا. إن تكتيك تفتيت صفوف الثورة المضادة، ونهجها، وسياسة استغلال التناقضات بينها، يقوم على تقوية جبهتها وإضعاف الجبهة الأخرى. وهذا عكس النهج الثلاثي الأقطاب في تحديد معالم العالم. إن تقسيم العالم ثنائي القطب، أي تقسيم معسكر العدو، لا ينبغي أن يُرسي نهجًا استراتيجيًا متكاملًا على ثلاثة أقطاب. تجدر الإشارة تحديدًا في نهجه العام إلى أن الرئيس ماو قد أُسيء فهمه في هذه المرحلة. ندعو إلى اتباع نهج أسيادنا. متخلفون، متقدمون، متطورون عند تقسيم العالم إلى أقطاب؛ أغنياء وفقراء؛ نعتبر التمييز على أساس تطور وضعف القوى المنتجة، وتقسيمه إلى ثلاثة تعريفات للعالم، أمرًا ضارًا وخطيرًا، إذ سيؤدي إلى نهج تعاوني طبقي، وخلط في سياسات التحالف، وتكتيكات واستراتيجيا. إن تقسيم العالم إلى عوالم أول وثاني وثالث سيضعف من قوة الطبقات الحاكمة في دول العالمين الثاني والثالث، ويهيئ الأرضية لمحاربتها، وسيخلق وضعًا يؤدي إلى الارتباك. ندعو إلى التمييز بوضوح بين الإمبريالية الطبقية وجميع أشكال الرجعية، وكذلك الشعوب والأمم المضطهدة. لا نرى من الصحيح تقسيم مفاهيم التطور العالي والمتقدم والمتخلف إلى ثلاث فئات بناءً على هذه المفاهيم. نرى أن هذه المفاهيم يجب أن تُعطى الأولوية عند تعريف القوى الرجعية في كل بلد، والعلاقات بين القوى الإمبريالية والقوى المهيمنة التابعة لها، لتمييزها كدول إمبريالية رأسمالية ودول مستعمرة وشبه مستعمرة وشبه إقطاعية. في هذا الصدد، لا نجد في الإعلان النهجَ الذي يُقسّم العالم إلى ثلاثة أقطاب، ويُصنّف الدول حسب الغنى والفقر، والتنمية وضعف القوى المنتجة، ويُحدّد العلاقة بينها بناءً على ذلك. مهما كان الغرض من استخدام هذا المفهوم، فهو مفهوم لا يصف الوضع الحقيقي ولا يُوضّح الفروقات الطبقية. ينبغي أن يكون المفهوم الذي يُعبّر عن بؤر الثورة هو مفهوم الدول شبه المستعمرَة وشبه الإقطاعية. هذا هو مفهوم التمييز الطبقي الأكثر وضوحًا ودقة. سيتضمن نهجًا يُجسّد الرابط الرئيسي في النضال ضد الطبقة والعدو الحقيقي، في مواجهة الإمبريالية وعملائها، وقوى "العالم الأول" أو "العالم الثاني" التي تُرسّخ الهيمنة في كل بلد. سيُتيح هذا النضال الثوري تحديدًا دقيقًا وشاملًا للقوى الإمبريالية التي تغيّر مستوى هيمنتها في كل بلد. وإلا، فسيؤدي إلى صراع طبقي، وصراع، ومشاكل في التحالفات والتوجهات التي يتطلبها. ======================================== النصّ السّادس: النّظــــــــرة المــــــــــــــاويّــــــة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي النيبالي (الثوري-الماوي) فلنأخذ زمام المبادرة لتشكيل مركز دولي! في فترة تاريخية خاصة من تاريخ العالم، وخاصة في روسيا، بقيادة لينين، اكتملت الثورة الاشتراكية عام 1917، واستمرت الحركة الشيوعية. وتقدمت عملية بناء النظام الاشتراكي. وقد أسهمت الثورة الديمقراطية الجديدة في الصين بقيادة ماو إسهامًا كبيرًا في هذه الحملة الكبرى لدفع الثورة العالمية قدمًا. بعد وفاة ستالين، استولى خروتشوف على قيادة الحكومة والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي. في عام 1956، قلبت زمرة خروتشوف الاشتراكية في روسيا رأسًا على عقب لاستعادة الرأسمالية. كما حاولت هذه الزمرة إغراق الحركة الشيوعية العالمية في مستنقع اليمين التحريفي. في مواجهة ذلك، رفع ماو، رئيس الحزب الشيوعي الصيني، راية الماركسية اللينينية عاليًا. بعد ذلك، انقسمت الحركة الشيوعية العالمية إلى معسكرين. ورغم الجهود المبذولة، لم يتسن إنشاء مركز دولي للأحزاب والمنظمات الشيوعية، لما يقرب من ثلاثة عقود. في غضون ذلك، ومع ذلك، بُذلت جهود كثيرة لبناء مركز دولي. أنشأ المؤتمر الدولي للأحزاب والمنظمات الشيوعية، الذي نُظم في عام 1984، الحركة الأممية الثورية. في ذلك الوقت، شاركت فيها أحزاب ومنظمات تقبلت نفس الرأي ووجهات النظر حول قضايا أساسية مثل الماركسية اللينينية وفكر ماو كمبادئ توجيهية عارضت جميع أنواع التحريفية واتفقت مع مبدأ استخدام القوة في التغيير الاجتماعي والسياسي. لقد كان نجاحًا ملحوظًا في الحركة الشيوعية العالمية. كانت إحدى نقاط ضعفها أنها فشلت في ضم بعض الأحزاب الشيوعية الثورية الحقيقية إليها. ومع ذلك، استمرت الجهود لإشراكها حتى النهاية. بمناسبة الذكرى المئوية لماو، القائد العظيم للحركة الشيوعية العالمية، عقدت لجنة “RIM” اجتماعًا موسعًا في عام 1993، مع تقدير كبير لإسهامات ماو، وقررت اعتماد الماوية بدلاً من فكر ماو. اعتُبرت الماوية المرحلة الثالثة من الماركسية، وتطورًا نوعيًا للماركسية اللينينية، وليس مجرد تغيير في المصطلحات. وهكذا، رُقي فكر الماركسية اللينينية الماوية إلى مستوى أعلى، إلى الماركسية اللينينية الماوية، كمبدأ توجيهي متكامل. واليوم، ترسخت الماركسية اللينينية الماوية كمبدأ توجيهي لجميع الأحزاب الشيوعية. بالإضافة إلى ذلك، لعبت الحركة الأممية الثورية دورًا هامًا في تدويل حروب الشعب التي خاضتها آنذاك الأحزاب الشيوعية في بيرو ونيبال والهند والفلبين وتركيا وبنغلاديش ودول أخرى. ونتيجةً لذلك، تقدمت عملية بناء الحزب الشيوعي في مختلف دول العالم. ولعبت الحركة الأممية الثورية دورًا حيويًا في الحركة الشيوعية العالمية لمدة تقارب 22 عامًا. في الجزء الأخير من الوقت، اتبع كبار قادة الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) والحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين لعبوا دورًا مهمًا للغاية في الحركة الأممية الثورية، طريق الانحطاط. اتبع براشاندا، الرئيس السابق للحزب الشيوعي النيبالي (الماوي)، طريق الاستسلام الوطني والطبقي وقاد الحزب إلى التحريفية اليمينية. اتبع بوب أفاكيان، رئيس الحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة الأمريكية، الخط الانتهازي والتصفوي اليميني للتوليف الجديد، بحجة أن الماركسية اللينينية الماوية قد عفا عليها الزمن وبالتالي لا يمكنها قيادة الثورات في الوضع المعطى. أثر هذان الحدثان بشكل مباشر أو غير مباشر على الحركة الأممية الثورية. ونتيجة لذلك، تمت تصفية الحركة الأممية الثورية دون أي قرار رسمي. كانت هناك بعض المحاولات لإعادة تشكيل الحركة الأممية الثورية، لكنها فشلت أيضًا. بعد ذلك، بُذلت جهود لبناء مركز دولي جديد للشيوعيين من محور جديد. كانت هناك مبادرة لتشكيل لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر دولي للأحزاب والمنظمات الشيوعية. إلا أن الوضع لم يكن مهيئًا لعقد مؤتمر كهذا نظرًا لقلة الجهود المبذولة والدراسات والاتفاقات الأساسية. واستمر نشر بيان مشترك، وقّعته المنظمات التي تواصلت معها وتوصلت إلى تفاهم مشترك، بشأن عيد العمال. ولكن الغريب أن الأحزاب الشيوعية التي ترفع النداء الصاخب: "يا عمال العالم اتحدوا!" بدأت تصدر بيانين مشتركين سنويًا. أثار هذا شكوكًا حول ما إذا كانت الأحزاب الشيوعية ستنقسم مجددًا قبل تشكيل مركز دولي. نعتقد أن الحوار والنقاش يجب أن يُجرى من أجل الوحدة والتقارب، لا من أجل الانقسام والتباعد. وقد ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية في الحوار والنقاشات التي جرت في الفترة الأخيرة. ومن المفهوم أن هناك جهدًا واعيًا لإقامة حوار موحد، لا انقسامي. وعلينا أن نرحب بهذا الجهد. وحتى اليوم، لا تزال هناك حاجة إلى الوحدة وإلى أممية واضحة أيديولوجيًا وسياسيًا بين المنظمات الشيوعية المنتشرة حول العالم. فلنتحرك جميعًا في هذا الاتجاه. موقفنا من المنظمة الشيوعية الدولية الحركة الشيوعية العالمية الآن بلا مركز بعد الحل غير المعلن للجنة الحركة الأممية الثورية، ونتيجة لذلك، تشتتت الحركة الآن. معظم الأحزاب الشيوعية الثورية التي كانت أو لم تكن جزءًا من RIM تنشط في رسالتها؛ بعضها انحرف أيديولوجيًا، وبعضها الآخر انحط إلى رجعية جديدة. وظهرت العديد من الأحزاب والمنظمات الأخرى. من خلال النضال ضد الإمبريالية، تتقدم الحركة الشيوعية العالمية في نسبيتها. يتطور الوضع الموضوعي لصالح الثورة البروليتارية. لكن الافتقار إلى الوحدة الأيديولوجية والسياسية اللازمة ومركز شيوعي دولي أضعف الهجوم الموحد والمركزي على الإمبريالية والرجعية المحلية من جانب الشيوعيين الثوريين. لقد حافظت الإمبريالية على حياتها بسبب ضعف الشيوعيين الثوريين. إنها حقيقة مرة اليوم. في غضون ذلك، اتخذت بعض الأحزاب الشيوعية الماوية مبادراتٍ لبناء منظمة دولية، وشُكِّلت لجنتان تنسيقيتان لتنظيم المؤتمر. اقترحت إحداهما عقد مؤتمر دولي موحد للماركسيين اللينينيين الماويين، بينما اقترحت الأخرى عقد مؤتمر دولي موحد للماويين. والجدير بالذكر أن كلتا المبادرتين اقترحتا عقد مؤتمر دولي موحد. ورغم عدم صدور بيان مشترك، إلا أنهما تُعدّان خطوتين إيجابيتين إلى الأمام. مع ذلك، لا يوجد اتساق في فهم العديد من القضايا الأيديولوجية والسياسية المهمة بين هاتين اللجنتين التنسيقيتين والأحزاب القريبة منهما. ومع ذلك، يوجد إجماع على بناء مركز شيوعي دولي بين الأحزاب الثورية من خلال مؤتمر موحد. وهذا أمر جيد. ومن هنا، ينبغي لنا تنظيم صراع الخطين بين الأحزاب وبناء منظمة دولية موحدة في خضم هذا الصراع. إنها حاجة ملحة في عصرنا. بعد هذه المبادرات في الحركة الشيوعية العالمية، بدأت تتجلى المواقف الأيديولوجية والسياسية لمختلف الأحزاب الشيوعية. وقد أثار ذلك جدلاً جديداً. وبرزت خلال هذه النقاشات العديد من مسائل الوحدة والانقسام. وقد انتقد كل طرف الآخر بشدة. وهذا ليس خطأً، بل يجب معالجته على نحو سليم. إن البحث عن الانقسامات الأيديولوجية في الحركة ومحاولة زرع الفتنة فيها باسم النضال، أو البحث عن حلول وسط بشأن المسائل النظرية الأساسية للماركسية واللينينية والماوية باسم تحقيق الوحدة، لن يقودنا إلى الطريق الصحيح. يجب أن يرتكز نضالنا الأيديولوجي على المبادئ، وأن يكون منهجه علمياً. فهو يمهد الطريق لبناء أساس الوحدة. علّمتنا الماركسية أن الحركة الشيوعية هي وحدة الأضداد. هناك صراع أيديولوجي متواصل بين الرؤى والاتجاهات والخطوط الماركسية وغير الماركسية. يُعرف هذا الصراع بصراع الخطين، ولا يمكن لأي حزب شيوعي أو أي حركة الفرار منه. إنه القوة الدافعة للحركة الشيوعية. قد تتغير الجهات الفاعلة والاتجاهات، لكن الصراع مستمر. ولذلك قال ماو إن الصراع مطلق والوحدة نسبية. إنها مسألة جوهرية في الفلسفة الماركسية يجب على الحزب الشيوعي إدراكها. يجب أن نسعى جاهدين لبناء وحدة قوية، ولكن نسبية، في خضم الصراع المطلق. لا يمكن أن تكون هناك وحدة مطلقة بين الأضداد. خلال الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى والنقاش الكبير، مزج ماو ببراعة جدلية الوحدة والنضال في الحركة الشيوعية. وحسب رأيه، فإن أساس الوحدة هو النضال الأيديولوجي، ويجب أن يسترشد بالتحول الثوري ومستوى أعلى من الوحدة. باختصار، مزجها كوحدة-نضال وتحول. وحده التحول الثوري الذي يحدث بعد النضال يُرسي أساسًا جديدًا لمستوى أعلى من الوحدة الأيديولوجية. تجدر الإشارة إلى أن هدف النضال ثنائي الخط يجب أن يكون التحول، لا الرفض. يُظهر بيانان نشرناهما في وقت واحد في صحيفة "أيام مايو" خلال السنوات الماضية مدى ضعف الأساس النظري للوحدة في الحركة الماوية. نحن في وضعٍ مُخزٍ لدرجة أننا نسعى لتحديد أي الجانبين أقوى من خلال إحصاء عدد الموقعين من كلا الجانبين. يُظهر هذا الوضع الأيديولوجي لنا جميعًا. يجب أن نتجاوزه. الكفاح الذاتي هو شرطه الأول. لهذا السبب، قال ماو إن على الشيوعيين الثوريين أن يكونوا مستعدين لحرق رؤوسهم. يجب أن نتمسك بروح ماو هذه. نحن الآن بصدد بناء منظمة شيوعية دولية. هناك وحدة بيننا في العديد من القضايا، وتختلف رؤانا ومواقفنا تجاه بعضها. في هذه الحالة، يجب تحديد الحد الأدنى من الشروط اللازمة والمضي قدمًا بناءً عليها. المبادئ الأساسية التي يجب الالتزام بها هي الماركسية اللينينية الماوية، وضرورة العنف في الثورة الاجتماعية، والثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، أي نظرية استمرار الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا. أما المبادئ التي يجب معارضتها فهي الإمبريالية، وجميع أشكال الرجعية، والبرلمانية، والتحريفية، ومسار براشاندا، والتوليف الجديد. هذه الشروط مجتمعةً تُبعدنا عن الخطر الرئيسي الحالي، التحريفية اليمينية. يجب أن نشكل هيئة دولية بعقد مؤتمر أو اجتماع مشترك بين الأحزاب الشيوعية ذات الرؤى المتشابهة حول القضايا الأساسية المذكورة أعلاه. عندما تكون الحركة الأممية الثورية (RIM) غير موجودة أصلًا، فليس من المناسب الإصرار على ذكر من كان ضمن الحركة ومن لم يكن. كذلك، بين الأحزاب الشيوعية التي تتشارك في وجهات النظر نفسها حول القضايا الأساسية المذكورة أعلاه، هناك تناقضات حول قضايا أخرى. سيُحل بعضها خلال صراع الخطين، بينما سيحل الصراع الطبقي بعضها الآخر. وستظهر تناقضات جديدة مجددًا. هذا ما تعنيه عالمية التناقض. بمجرد وجود فهم مشترك للمسائل الأساسية الأيديولوجية والسياسية، فإن المضي قدمًا في بناء وحدة نسبية من خلال التحول النضالي الوحدوي وبناء وحدة جديدة على أسس جديدة هو الدرس الذي علمنا إياه ماو. في الحركة الشيوعية الدولية المعاصرة، ثمة تناقضات عديدة، منها الماركسية اللينينية الماوية، وبالأخص الماوية، وعالمية حرب الشعب، والتناقضات الجوهرية والرئيسية في العالم، ومسألة أن الحركة الشيوعية الدولية تمر حاليًا بمرحلة الهجوم الاستراتيجي المضاد، وفكر غونزالو، وتقييم الكومنترن وستالين، وتقييم الحركة الأممية الثورية، وغيرها. من الجيد السعي إلى توافق في الآراء حول هذه القضايا داخل الحركة. ومع ذلك، ليس من الصحيح أن يبدأ بناء منظمة دولية بعد التوصل إلى تفاهم مشترك. إنها قضايا يمكن حلها من خلال صراع على خطين وصراع طبقي. لن نخوض هنا في نقاش مطول حول الخلافات المذكورة سابقًا، بل سنناقشها عند الحاجة. والآن، نتناول باختصار رأينا الأولي في المسائل المذكورة أعلاه، وهو كالتالي: أولاً، الماركسية اللينينية الماوية كلٌّ متكامل ومبدأ شامل. إنها ليست مجرد مجموع حسابي للماركسية واللينينية والماوية. تطورت اللينينية على أساس الماركسية وارتقت إلى الماركسية اللينينية. وبالمثل، ظهرت الماوية على أساس الماركسية اللينينية وتطور مبدأنا التوجيهي الماركسية اللينينية الماوية. وبالتالي، فإن الماركسية واللينينية والماوية مترابطة ومترابطة؛ إنها ليست عقائد منفصلة. من بين هذه العقائد الثلاث، فإن الأخيرة بلا شك أكثر تقدمًا من الأولى ولكن لا يمكن فصلها عن الثانية. وهذا ما يعني أنه لا يمكن لأي حزب أو فرد أن يكون ماركسيًا دون أن يصبح ماويًا في عالم اليوم. يؤدي فهم الماوية بشكل أساسي إلى خطر فصل الماوية عن الماركسية والماركسية اللينينية وتقليل ثقلهما. لهذا السبب، يُربط بينهما بواصلة، لا بفاصلة. لذا، لا يتفق حزبنا مع مفهوم الماركسية اللينينية الماوية، ولا سيما الماوية. الماركسية اللينينية الماوية مبدأ شامل في حركة وتطور، وهو صحيح للتطورات المستقبلية أيضًا. ثانيًا، مسألة كون حرب الشعب عالمية تتطلب تفسيرًا. يشير مصطلح حرب الشعب عمومًا إلى حرب الشعب طويلة الأمد، وهي النظرية التي طورها ماو. تمر هذه الحرب بثلاث مراحل: الدفاع الاستراتيجي، والتوازن الاستراتيجي، والهجوم المضاد الاستراتيجي. إضافةً إلى ذلك، تُعدّ منطقة القواعد العمود الفقري لحرب الشعب طويلة الأمد. لا تُعدّ حرب الشعب طويلة الأمد وبناء قواعد أمرًا عمليًا في الدول الرأسمالية المتقدمة، حيث تتطور تكنولوجيا النقل والاتصالات بشكل كبير، وتتركز الطبقة الثورية في المدن. في هذه الحالة، كيف ستكون حرب الشعب بدون منطقة قواعد؟ لماذا لا تكون حرب عصابات متنقلة؟ لم يرد أي تفسير مُقنع في أي من الوثائق الواردة حتى الآن. إن استخدام القوة، أي العنف، أمرٌ شائعٌ للاستيلاء على السلطة. لذا، فهو إلزاميٌّ في الثورة الاجتماعية. إنها حربٌ يشنها الشعب بقيادة حزب البروليتاريا. وقد استُخدم نموذجان من العنف في الثورات الاجتماعية الناجحة حتى الآن. وهما حرب الشعب المطولة وانتفاضة الشعب المسلحة، أي النموذجان الصيني والروسي. وقد خاض الشعب كلا هذين النموذجين من الحرب. وإذا ما سُمّيت الحرب التي خاضها الشعب حرب الشعب، فإن كلا هذين النموذجين من الحرب هما حربا الشعب. ومع ذلك، فهذا تفسيرٌ مُبسّطٌ للغاية. فهو لا يستطيع استيعاب جوهر الموضوع ومضمونه. ومرة أخرى، في الوضع الراهن، لا يمكن تكرار هذين النموذجين من الحرب. نحن بحاجة إلى تطويرهما. ومن الضروري إجراء تحليلٍ دقيقٍ لمدى توافق مصطلحات حرب الشعب المستخدمة حاليًا مع وأين تختلف عن النموذجين الراسخين المذكورين سابقًا. وعلى أية حال، ورغم أن كلمة "حرب الشعب" تبدو جميلة للسماع، إلا أنه إذا لم يكن هناك وضوح بشأن كيفية تطبيقها على أرض الواقع، فلن يكون هناك طريق آخر للحركة الشيوعية إلى الأمام سوى التحرك حول نفس الدورة. في السنوات القليلة الماضية، شهدت سريلانكا انتفاضات عفوية عديدة. اختفت كما تخبو أمواج البحر العاتية، لعدم وجود قيادة حزبية ثورية في تلك البلدان. شهدنا مؤخرًا انتفاضة شعبية عفوية في سريلانكا، الغارقة في الديون، والتي نفدت احتياطياتها النقدية الدولية، حتى أن العمليات اليومية توقفت. وجلس الجيش والشرطة الحكوميان متفرجين صامتين. كما أن غضب الشعب في سريلانكا على وشك الخفوت. لنتخيل لو كان هناك حزب شيوعي حقيقي وقوة مسلحة ملتزمة تحت قيادته؛ ماذا كان سيحدث في سريلانكا حينها ؟ عندما نتحدث عن عالمية العنف في الثورة، فإن ذلك يتطلب منا التركيز على هذا الجانب أيضًا. ثالثًا، ثمة نقطة خلاف أخرى تتعلق بالتناقضات الأساسية والمبدئية في العالم. إن التناقضات بين العمل ورأس المال، والتناقضات الإمبريالية المؤقتة بين القوى الإمبريالية، والتناقضات بين الإمبريالية والأمم والشعوب المضطهدة، هي التناقضات الأساسية في عالم اليوم. ومن بين هذه التناقضات، يُعد التناقض بين الإمبريالية والأمم والشعوب المضطهدة التناقض الرئيسي. وقد تسبب فشل الاقتصاد النيوليبرالي، في المقام الأول، وتأثير جائحة كوفيد-19، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأزمة تايوان بين الولايات المتحدة والصين، في تفاقم الركود الاقتصادي العالمي. ونتيجة لذلك، تفاقمت جميع التناقضات الأساسية في العالم. وعلى الرغم من تزايد خطر الحرب العالمية الثالثة نظرًا لتفاقم التناقض بين الإمبرياليات، إلا أن الاتجاه الرئيسي للعالم اليوم هو الثورة. رابعًا، مسألة ما إذا كانت الحركة الشيوعية الدولية المعاصرة في مرحلة الهجوم المضاد هي موضع نقاش آخر. يبدو أن بعض الأطراف قد حللت الفترة من نشر البيان الشيوعي إلى تأسيس كومونة باريس كمرحلة دفاع استراتيجي، ومن ثورة أكتوبر الاشتراكية إلى الثورة الثقافية الديمقراطية البروليتارية الجديدة في الصين كمرحلة توازن استراتيجي، ثم بدأت المرحلة التالية من الهجوم المضاد الاستراتيجي. نحن نختلف مع هذا. فرغم أنه قد يُعتبر صحيحًا نظرًا للتفوق النظري للماركسية على الرأسمالية، إلا أنه ليس تحليلًا موضوعيًا في ظل غياب الاشتراكية في أي بلد من بلدان العالم، وضعف القوة الذاتية للشيوعيين الثوريين. نعتقد أن هذا التفسير ناتج عن محاكاة آلية لتصريح الرئيس ماو بأن أيام الخمسين إلى المائة عام القادمة ستكون مضطربة للغاية. خامسًا، ثمة مسألة أخرى مطروحة للنقاش تتعلق بفكر غونزالو. إن تلخيص إسهامات الرئيس ماو في الماوية وخدمة الثورة العالمية بفتح جبهة جديدة للثورة الديمقراطية الجديدة في بيرو بعد الثورة المضادة في الصين، يُعدّ إسهامات الرفيق غونزالو بالغة الأهمية. لكننا لا نعتقد أن تلخيص إسهامات غونزالو كما فكر غونزالو قرارٌ صائب. ومرة أخرى، لا نعتبر هذا التلخيص خاطئًا، ويجب التوقف عن الدفاع عن إسهامات غونزالو وتطبيقها وتطويرها. ستُثبت صحة هذا التلخيص من خلال النقاش المكثف في المحافل الدولية، والعمل مع الرفاق المدافعين عن فكر غونزالو، وخاصةً تطبيقه في مجال الصراع الطبقي. نعتقد أن إجهاض الأفكار الجديدة في مهدها يعيق تطورها. سادسًا، ثمة خلافات أيضًا حول تقييم الكومنترن وستالين. هناك خلاف حول تشكيل جبهة مناهضة للفاشية في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية، والتعليمات الموجهة للأحزاب الشيوعية في الدول المعنية بدعم هذه الجبهة. موقفنا هو أن تشكيل جبهة موحدة مناهضة للفاشية، بهدف دحر الفاشية وحماية السلطة السوفياتية، قاعدة الشيوعيين آنذاك، كان صحيحًا. ومرة أخرى، نعتبر تقييم ماو لستالين، الذي يفيد بأنه على الرغم من أن الرفيق ستالين كان ثوريًا عظيمًا، إلا أن الحركة الشيوعية العالمية تكبدت بعض الخسائر بسبب ضعفه الميتافيزيقي، صحيحًا. سابعًا، ثمة اختلافات أيضًا بشأن تقييم الحركة الأممية الثورية. كان تأسيس الحركة خطوة ثورية بالغة الأهمية في ظل الثورة المضادة في روسيا والصين، وكان دعاة الإمبريالية يُعلنون نهاية التاريخ وفشل الماركسية. وقد وفّرت وثيقة "عاشت الماركسية اللينينية الماوية" وبيان الحركة الأممية الثورية توجهًا صحيحًا وطاقة ثورية للحركة الشيوعية آنذاك. وقد لعبت لجنة الحركة الأممية الثورية، التي تأسست كمركزٍ ناشئ، دورًا بارزًا في تعزيز حرب الشعب في بيرو ونيبال، وفي بناء أحزاب شيوعية في دول أخرى. ومع ذلك، فقد طُرح سؤالٌ مفاده أن الصراع بين الخطين داخل الحركة الأممية الثورية لم يكن سليمًا، ونتيجةً لذلك، تسبب في خسائر للحركة الشيوعية المعاصرة بسبب الدور الطائفي والمهيمن للحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة. كان له حدود ونقاط ضعف. إنه أمرٌ يستحق المراجعة بجدية. إلى جانب الأسئلة المذكورة أعلاه، هناك خلافات وصراعات أخرى في الحركة الشيوعية. وهذا ليس بالأمر السيئ. ولكن ينبغي تطوير أسلوب مناسب لإدارة صراع الخطين لحل الخلافات وتعزيز الحركة الشيوعية. والصراع الطبقي بحد ذاته يُذيب بعض الخلافات. الآن ظهرت مشكلة، أين يجب المشاركة في المؤتمر الدولي الموحد الذي تنظمه أي لجنة تنسيق ؟ بالنظر إلى المستوى الحالي للوحدة في الحركة الشيوعية العالمية، من غير المرجح أن يشارك حزب يدعم مبادرة واحدة في المؤتمر الذي دعت إليه مبادرة أخرى. في هذه الحالة، فإن تنظيم مؤتمرات موازية هو إعلان عن الانقسام في الحركة. مثل هذا الانقسام في الحركة الشيوعية يخدم الإمبريالية. إن الاختلافات بين الأحزاب الشيوعية هي من النوع الذي يمكن حلها بوسائل رفاقية بموجب المبادئ الماوية. ولهذا، من الضروري إنشاء مركز دولي واحد. في هذه الحالة، قد يكون من المناسب تشكيل لجنة تنظيمية جديدة لتحقيق مؤتمر دولي مشترك عن طريق حل كلتا اللجنتين التنسيقيتين بطريقة متفق عليها بشكل متبادل. نعتقد أن الأحزاب من كلا الجانبين ستشارك في المؤتمر المشترك أو الاتفاقية التي دعت إليها. حزبنا مستعد للمشاركة فيه. قد يعتبر البعض موقفنا تعاونيًا أو انتقائيًا. لكن هذا غير صحيح. إذا وقفنا متحدين على المبادئ الأساسية للماركسية اللينينية الماوية، فعلينا أن نكون مستعدين للمضي قدمًا متحدين بخوض صراع ثنائي في التناقضات اللاحقة. إن الفكر الذي يطالب بوحدة مطلقة في الأيديولوجيا ويختار بناء منظمة وفقًا لها لا يتفق مع الماركسية. إن النظرة الماركسية للعالم هي فلسفة الصراع المطلق والوحدة النسبية للأضداد. لذلك، يتم التوصل إلى حلول وسط نسبية، ويجب التوصل إليها، في بعض قضايا المنظمة، ولكن ليس في المبادئ الأساسية. هذا صحيح ليس فقط لليوم، بل للمستقبل أيضًا. يجب ألا نتجاهل الوحدة والصراع اللذين كانا قائمين بين ماركس وبلانكي في الأممية الأولى، ولينين وكاوتسكي في الأممية الثانية. يبرز هنا سؤالٌ حول ما إذا كان المؤتمر بحاجةٍ إلى تشكيل منبرٍ شيوعيٍّ دوليٍّ مرنٍ أم مركزٍ قويٍّ نسبيًا. بالنظر إلى مستوى الوحدة الحالي بيننا، فإن التنظيمَ المناسبَ الآن هو المنبر. حتى لو قرر المؤتمرُ أو الاجتماعُ المشتركُ تشكيلَ المركزِ الشيوعيِّ الدوليِّ، فلن نختلفَ معه. مع ذلك، يجبُ اتخاذُ قراراتِ المركزِ بالإجماع. يجبُ ألا نلجأَ إلى المركزيةِ الديمقراطيةِ ونهجِ الأغلبيةِ والأقليةِ في اتخاذِ القرارات. أخيراً، بسبب فشل الاقتصاد النيوليبرالي بشكل رئيسي، يتفاقم الوضع الاقتصادي في جميع أنحاء العالم. وقد زادت جائحة كوفيد-19، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأزمة تايوان، من تفاقم الوضع. جميع التناقضات الجوهرية في العالم تتفجر، ويلوح خطر الحرب العالمية في الأفق. في ضوء كل هذا، ستكون الأيام القادمة أيام أزمة اقتصادية وسياسية عالمية، وقد تضاعفت احتمالية انخراط الناس في تمرد عفوي بشكل كبير. العديد من دول العالم على خطى سريلانكا. عندما تبحث جماهير الشعب عن قيادة ثورية لتحريرها، يبرز تحدٍّ خطير يتمثل في مدى استعداد الأحزاب الماركسية اللينينية الماوية للوفاء بهذه المسؤولية. فقط من خلال إرادة واعية وموحدة ومخططة، يمكننا هزيمة الإمبريالية وعملائها. إنها حاجة اليوم للمضي قدمًا بحزم، لنا جميعًا. تحيا الماركسية اللينينية الماوية ! تحيا الأممية البروليتارية ! تسقط الإمبريالية وكل أنواع الاستعمار ! تسقط كل أنواع التحريفية ! تحيا الثورة الاشتراكية العالمية ! ------------------------------- ملحق فيما يلي روابط الكترونيّة لنصوص بلغات أجنبيّة لمجموعة من الأحزاب والمنظمات حول نفس الملفّ. مستندات أخرى - القوة البروليتارية [كولومبيا] بيان للمؤتمر الماوي الدولي https://ci-ic.org/blog/2022/01/01/... - الحزب الشيوعي الكولومبي (الفصيل الأحمر) الرد على بيان اتحاد العمال الشيوعيين (UOC) بشأن اقتراح اللجنة التنسيقية للمؤتمر الماوي الدولي الموحد (UMIC) https://ci-ic.org/blog/2022/07/12/... - الحزب الشيوعي الماوي للدولة الإسبانية موقف الحزب الشيوعي الماوي للدولة الإسبانية من المؤتمر الماوي الدولي الموحد https://ci-ic.org/blog/2022/06/23/... حول مواقف UOC (mlm) الدفاع عن الماوية الأولى والثانية https://ci-ic.org/blog/2022/07/23/دفاع-الماوية-i/ https://ci-ic.org/blog/2022/07/24/دفاع-الماوية-ii/ - الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) موقفنا من تشكيل منظمة دولية للبروليتاريا تُصدر اللجنة المركزية هذه الوثيقة لتوجيه حزبنا بشأن تشكيل منظمة دولية للبروليتاريا، بالتعاون مع الأحزاب والمنظمات الثورية من مختلف البلدان، في ظل الظروف الراهنة. ستكون هذه مسودة مقترحة للمناقشة مع أحزاب البلدان المختلفة لتشكيل منظمة دولية. منظمة البروليتاريا - اللجنة المركزية، الحزب الشيوعي الهندي (الماوي)، فبراير 2017 http://w-ww.bannedthought.net/India/CPI-Maoist-Docs/Statements-2017/ المنظمة الدولية للبروليتاريا-الإنجليزية-23-3-2017-النظرة النهائية.pdf **************** للاطّلاع على العدد كاملا في ملفّ pdf وتحميله: https://drive.google.com/file/d/16cLsQ7FUXbWjXqWKnSzDVAbuv00zA2If/view?usp=sharing
#مجلة_سلاح_النقد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جمهورية الرّيف وعبد الكريم الخطابي في المغرب: تجربة مُبكّرة
...
-
لينين قَارئا هيغل
-
الفلاّحون والأرض في تونس
-
مجلّة سلاحُ النّقد، عدد جوان-جويلية-أوت، *الاِفتتاحيّة*
المزيد.....
-
Could Hormuz Become America’s Suez?
-
Diane Abbott MP, BBC Newsnight and the Pro-Israel -Racism De
...
-
Beyond Iran: America’s Long Record of Middle East Blunders
-
South Korea Shouldn’t Abet Trump in Hormuz
-
بيان المكتب الجهوي لحزب النهج الديمقراطي العمالي – جهة بني م
...
-
باب المندب في قلب الصراع.. لماذا يسارع الحوثيون نحو المضيق ا
...
-
حزب التجمع ينعي المناضل اليساري والقيادي البارز مجدي شرابية
...
-
بعد تآكل -جدار العزل-.. هل بات اليمين المتطرف قدر أوروبا الج
...
-
بسبب البوليساريو ـ علاقات إسبانيا والجزائر في عين الإعصار
-
بيان المكتب الجهوي لحزب النهج الديمقراطي العمالي- جهة الجنوب
...
المزيد.....
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
المزيد.....
|