أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حنان أحمد الخريسات - ماذا بعد ارهاب الكرك ؟















المزيد.....

ماذا بعد ارهاب الكرك ؟


حنان أحمد الخريسات
مؤرخة وكاتبة

(Hanan Ahmad Alkhriesat)


الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 00:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ماذا بعد إرهاب الكرك؟
الدكتورة حنان الخريسات
قال الله عز وجل : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا﴾ المائدة : 32 ، وعن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وُكِّلت اليوم بثلاثة: بكل جبار، وبمن جعل مع الله إلها آخر، وبمن قتل نفسا بغير نفس، فينطوي عليهم فيقذفهم في غمرات جهنم "
إن هاتين الدلالتين العظيمتين تضعاننا أمام حقيقة لا تقبل التأويل: حرمة النفس الإنسانية، وعظم الجريمة التي يرتكبها من يستبيح دماء الأبرياء. فلا دين يبرر قتل النفس بغير حق، ولا إيمان يستقيم مع الظلم والعدوان، ولا تدين حقيقي ينفصل عن الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان .
وتبرز ايضا أهمية رسالة عمّان، التي أكدت سماحة الإسلام ووسطيته، ورفض الغلو والتطرف، وضرورة احترام النفس الإنسانية، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش، والتصدي لمن يحاول احتكار الدين أو توظيفه لتبرير العنف والكراهية
لقد جاءت رسالة عمّان لتؤكد أن الإسلام ليس دعوة إلى الإقصاء أو التكفير أو الاعتداء، بل هو رسالة جوهرها يقوم على الرحمة والعدل والاعتدال، وأن مواجهة التطرف لا تكون بالشعارات وحدها، بل بالعلم والفهم الصحيح للدين، وبالسلوك الذي يعكس قيمه ومبادئه . وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذه الرسالة في مواجهة كل فكر متشدد يحاول أن يلبس العنف ثوب الدين، أو أن يجعل من الاختلاف مبررا للكراهية، ومن التكفير طريقا إلى استباحة الدماء .
نعم ماذا بعد إرهاب الكرك ؟ سؤال يطرح نفسه وان ما شهدته الكرك من أحداث إرهابية لا ينبغي أن يمر بوصفه حادثا عابرا، ولا أن يقتصر التعامل معه على مشاعر الحزن والغضب والإدانة ، فالأحداث المؤلمة تفرض علينا أن نتوقف أمام أسبابها، وأن نراجع مسؤولياتنا، وأن نسأل أنفسنا: كيف نحمي أبناءنا من الفكر المتطرف؟ وكيف نحصن مجتمعنا من كل خطاب يحرض على الكراهية والعنف؟
إن الإرهاب لا يستهدف أرواح الأبرياء وحدها، بل يستهدف أمن المجتمع واستقراره، ويحاول النيل من ثقة الناس بمؤسساتهم، وزرع الخوف والانقسام بينهم. ومواجهته مسؤولية وطنية وأخلاقية ودينية مشتركة، لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، وإن كان دورها أساسيا في حماية الوطن وملاحقة الخارجين على القانون وتتميز بآداء واجبها لكننا نؤكد انها مسؤولية الجميع .
من الأخطاء التي ينبغي أن نراجعها الاعتقاد بأن المظاهر وحدها دليل على صلاح الإنسان أو استقامة فكره، فالتدين الحقيقي لا يقاس بالمظهر أو بكثرة الشعارات، وإنما يظهر في الصدق والأمانة والرحمة واحترام الآخرين، وفي رفض الظلم والاعتداء وصون كرامة الإنسان .
إن من يرفع شعارات الدين ثم يبرر القتل والكراهية يناقض جوهر القيم التي يدعي الدفاع عنها، فالدين الذي لا ينعكس على أخلاق صاحبه وسلوكه يحتاج إلى فهم ومراجعة، والخطاب الديني الذي يغفل حرمة الدماء أو يتساهل في التكفير يفتح الباب أمام انحرافات خطيرة غريبة علينا ولا نؤمن بها .
ولا يعني ذلك الحكم على الناس بمظاهرهم، بل التأكيد أن معيار الاستقامة الحقيقي هو التزام القيم والمبادئ، وأن حماية المجتمع تبدأ بنشر فهم ديني صحيح يوازن بين العبادة والأخلاق، وبين الحقوق والواجبات، وبين الثوابت الدينية واحترام الإنسان لان التدين الحقيقي سلوك واخلاق.
لا يجوز أن ننظر إلى الشباب بوصفهم مشكلة ينبغي التخلص منها، بل هم طاقة المجتمع وأمله ومستقبله، والمسؤولية مشتركة ومن واجبنا أن نوفر لهم البيئة التي تمنحهم الثقة والانتماء، وتفتح أمامهم أبواب التعليم والعمل والمشاركة، وتتيح لهم التعبير عن أسئلتهم ومخاوفهم دون إقصاء أو تخوين
إن ترك الشباب فريسة للفراغ والبطالة والعزلة، أو دفعهم إلى الشعور بأنهم خارج دائرة الاهتمام، قد يجعل بعضهم أكثر عرضة للاستغلال من قبل الجماعات المتطرفة التي تتقن التلاعب بالمشاعر واستثمار المظالم وتقديم إجابات مضللة عن أسئلة الحياة والهوية والمستقبل .
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في بناء الوعي، وتعزيز التفكير النقدي، وتحصين الشباب من خطاب الكراهية، ومساعدتهم على التمييز بين التدين الواعي والتطرف الذي يستغل الدين لتحقيق أهدافه ، ولا بد من الاستماع إلى الشباب والحوار معهم ومناقشة تحدياتهم ، وإشراكهم في الحياة العامة، وتعزيز شعورهم بأنهم شركاء في بناء الوطن، وأن أمامهم فرصا حقيقية للمشاركة والإنجاز .
إن مواجهة التطرف تتطلب خطابا دينيا مسؤولا يشرح النصوص في سياقها الصحيح ، ويؤكد حرمة الدماء، ويحذر من التكفير والغلو، ويقدم للناس نموذجا عمليا في التسامح والرحمة واحترام الاختلاف .
كما أن للإعلام دورا مهما في نشر الوعي، وتجنب تضخيم خطاب الكراهية أو تكرار رسائل المتطرفين على نحو يخدم أهدافهم. فالمطلوب إعلام يضع الحقائق في سياقها، ويحترم عقول الناس، ويعزز الوحدة الوطنية، ويمنح مساحة للأفكار التي تبني ولا تهدم
أما المؤسسات التعليمية، فعليها أن تتجاوز تلقين المعلومات إلى بناء الشخصية الواعية، وتعليم الحوار وقبول الاختلاف، وتعزيز قيم المواطنة والمسؤولية، وتدريب الطلبة على التفكير والتحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الخطابات التحريضية .
وتبقى الأسرة خط الدفاع الأول في غرس القيم وملاحظة التحولات الفكرية والسلوكية لدى الأبناء، على أن يكون دورها قائما على الحوار والثقة والتوجيه، لا على الخوف وحده .
إن إدانة الإرهاب واجب، لكنها لا تكفي وحدها، فلا بد من تحويل المواقف إلى برامج عملية، تبدأ بالتربية والتوعية، ولا تنتهي عند تطبيق القانون ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض أو العنف ، كما ينبغي دعم المبادرات التي تعزز الحوار والتماسك الاجتماعي، وتفتح المجال أمام الشباب للمشاركة الإيجابية، وتواجه خطاب الكراهية في المدارس والجامعات والمنابر الإعلامية والفضاء الرقمي ، ولا يجوز الخلط بين الاختلاف في الرأي والتطرف، كما لا يجوز التساهل مع التحريض على العنف أو تبرير الاعتداء على الأبرياء فالمجتمع القوي هو الذي يحمي حرية التفكير المسؤولة، ويتمسك بالقانون، ويرفض في الوقت نفسه كل محاولة لتوظيف الدين أو السياسة لتسويغ القتل والكراهية .
إن الكرك ليست مجرد مكان وقعت فيه أحداث مؤلمة، بل هي مسؤولية وطنية لا تنتهي بانتهاء الحدث وهي جزء من وطن يجمع أبناءه تاريخ من التضحية والتكافل والانتماء، ومن واجبنا ألا نسمح للإرهاب بأن يزرع الفرقة بين الأردنيين مسلمين ام مسيحيين او حتى من جنسيات أخرى تعيش على ارض هذا الوطن ، أو أن يضعف ثقتهم بقدرتهم على حماية وطنهم .
إن قوة الأردن لا تقوم على أجهزته ومؤسساته وحدها، بل تقوم كذلك على وعي أبنائه، وتماسك مجتمعه، وثقتهم المتبادلة، وتمسكهم بقيم العدالة والكرامة وسيادة القانون
ولذلك، فإن الوفاء لضحايا الإرهاب لا يكون بالحزن وحده، بل ببناء مجتمع أكثر وعيا وتماسكا، وبحماية الشباب من الاستغلال، وتجديد الخطاب الديني والتربوي، وترسيخ ثقافة ترفض العنف بكل أشكاله .
ماذا بعد إرهاب الكرك؟ سؤال مهم ؛ بعد إرهاب الكرك، نحن بحاجة إلى مراجعة جادة لا إلى ردود فعل مؤقتة، وإلى عمل متواصل لا إلى شعارات عابرة، نحن بحاجة إلى أن نجعل حرمة النفس الإنسانية قيمة حاضرة في التعليم والإعلام والخطاب الديني والسلوك اليومي، وأن نترجم مبادئ رسالة عمّان إلى ممارسة ملموسة في حياتنا ومؤسساتنا .
لقد وضع القرآن الكريم أمامنا قاعدة واضحة في تعظيم حرمة النفس، وجاءت رسالة عمّان لتؤكد الاعتدال ورفض الغلو والتكفير، وتبقى مسؤوليتنا أن نحول هذه المعاني إلى وعي وسلوك وموقف عملي .
إن مواجهة الإرهاب تبدأ من رفض تبريره، ومن حماية عقول أبنائنا، ومن إعلاء قيمة الإنسان، ومن الإيمان بأن الاختلاف لا يبرر الكراهية، وأن التدين الحقيقي لا ينفصل عن الأخلاق والرحمة والعدل .
فالسؤال ليس فقط: ماذا حدث في الكرك؟ بل ماذا سنفعل بعد الكرك؟ والإجابة ينبغي أن تكون واضحة: مزيد من الوعي، ومزيد من التماسك، ومزيد من العمل، حتى يبقى الأردن آمنا بأبنائه، قويا بوحدته، متمسكا بقيمه، رافضا لكل فكر يستبيح الدماء أو يهدد أمن المجتمع واستقراره .
ورحم الله شهداء الكرك والعزاء لذويهم .



#حنان_أحمد_الخريسات (هاشتاغ)       Hanan_Ahmad_Alkhriesat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة تحليلية في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين أ ...
- عين على الأردن وقرار 1325
- قراءة في خطاب جلالة الملكة رانيا العبدالله في قمة عالم شباب ...
- المراة في الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني بن ال ...
- بيت المقدس عين التاريخ
- ايقاعات المكان في ثنايا الأدب
- قراءة لرواية - النبيذة - للكاتبة انعام كجة جي
- الأورومتوسطي وحقوق النساء العالمية ... متى ؟
- تاريخنا المجيد
- تاريخنا المجيد
- أمة اليوم وأمة الأمس في ذكرى سقوط الأندلس
- ثورات هل تستحق أن نراهن عليها ...؟
- المرأة ذلك المخلوق .... لا جمال للحياة دونها (2)
- المرأة ذلك المخلوق ... لا جمال للحياة دونها
- الغياب العماني عن ساحة الاحداث العربية
- الجمعيات النسائية ماذا بعد ؟؟
- الحراك الشعبي في الاردن رؤى وطموحات
- محطات من قيادة حكيمة
- هشاشة الاستبداد
- هشاشة الاستبداد


المزيد.....




- جاي زي سيقدم عرض -سوبر بول- الـ61.. ماذا عن بيونسيه؟
- ترامب عن فنزويلا: قد تصبح الولاية الأمريكية الـ51 -في وقت قر ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. خصوم نتنياهو يعلّقون على نتائج استط ...
- وزير الطاقة الأمريكي لا يستبعد زيادة عدد ناقلات الديزل الروس ...
- بزشكيان يبحث مع أمير قطر في موسكو تطوير تعاون البلدين في قطا ...
- الكرملين: محادثة بوتين مع قيادتي فنلندا والنرويج مهمة لروسيا ...
- وسائل إعلام: فلافيو بولسونارو غادر البرازيل مع عائلته متجها ...
- لافروف يبحث مع نظيره الجزائري تعميق التعاون العسكري التقني و ...
- تصعيد أمريكي ضد مصر.. نائب ديمقراطي يوجه اتهامات حادة للقاهر ...
- عينات الانتخابات الإسرائيلية: تقدم معسكر آيزنكوت دون أغلبية ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حنان أحمد الخريسات - ماذا بعد ارهاب الكرك ؟