أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد شاكر شبلي - في حقيقة كراهة العرب لنبوغ المرأة وتقزيم دور الجسد















المزيد.....

في حقيقة كراهة العرب لنبوغ المرأة وتقزيم دور الجسد


سعد شاكر شبلي

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 23:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بعد نشر مقالنا (إشكاليات الروح والجسد والعقل: إسلامياً وفلسفياً). وردتنا رسالة، من الصديق العزيز الأستاذ الفاضل جاسم محمد سلطان الأكرم، تحمل حقائق اجتماعية يكاد كثير من المريدين يعدونها أحكاماً دينية، متسائلاً بالقول:
1. نبوغ المرأة: من قرآتي القديمة والحديثة وجدت ما يشبه الإجماع أن العرب تكره نبوغ المرأة فأي نبوغ يقصدون . رغم اني ومن خلال التجربة وجدت صواباً الى حد ما فيما يقولون.
2. ثنائية الروح والجسد: رغم أن الله سبحانه وتعالى قد فصل والى حد كبير آلية ومسؤلية وحدود تحرك الروح في الجسد سواءًبالحياة أو بعد الممات ولكن اعتقد أن تقزيم دور ومسؤلية الجسد تتناقض عقلياً مع الغايه من خلق الجسد والله جل في علاه يقول (ثم أنشأناه خلقاًآخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) .
واستطرد: هل يُعقل أن الخالق بهذا الوصف الراقي لهذا المخلوق ليكون مجرد وعاء، أفيدونا رحمكم الله من غيث نتاجكم وجزل نظمكم مع فائق شكري واحترامي؟
لقد تأملنا في السؤالين، وهما عميقان يمسان قضايا فكرية وحضارية مهمة، وسنحاول إجابة كل منهما باختصار غير مُخلّ، مستندين إلى ما تفضلت به النصوص القيمة أو المأثورة ، وما تيسر لنا من فهم.
حول السؤال الأول: "إجماع" العرب على كراهية نبوغ المرأة
إن وجود "ما يشبه الإجماع" على كراهية نبوغ المرأة هو وصف دقيق لحالة ثقافية واجتماعية سائدة، وليس إجماعاً دينياً أو شرعياً. فمن المهم التفريق بين:
• الواقع الثقافي/الاجتماعي: هو ما يقف عنده ذوي التجارب المعرفية الثرية، وهو حقيقي. فقد سادت في فترات طويلة من التاريخ العربي والإسلامي نظرة دونية للمرأة، وتراجع حضورها في الحياة العامة، خاصة في العصر العباسي مقارنة بصدر الإسلام. وإذ نرجع ذلك إلى عوامل اجتماعية وسياسية، لا إلى نصوص دينية قاطعة، بل إن بعض الروايات الموضوعة حرضت على منع تعليم النساء، ووُجد من رأى في تعليم المرأة خطراً، قائلاً: "أفعى تُسقى سُمّاً". هذا "الإجماع" المزعوم هو في حقيقته إجماع ثقافي ذكوري، وليس إجماعاً فقهياً.
• الموقف الديني (الإسلامي): هنا يظهر الفرق الجوهري. فالنصوص الشرعية القطعية تساوي بين الرجل والمرأة في طلب العلم والذكاء والتكليف. فالخطاب في نصوص الحث على العلم مطلق يشمل الجنسين، وقد كان في تاريخنا الإسلامي من الإناث من أجادت الفقه والتفسير كسيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام، كما كانت سيدتنا عائشة رضي الله عنها أيضاً من أبرز فقهاء الإسلام، وكان الصحابة يتلقون عنها الحديث. بل إن الشوكاني نقل أنه "لم يُنقل عن أحد من العلماء بأنه رد خبر امرأة لكونها امرأة".
والتاريخ الإسلامي حافل بنماذج نسائية نبغت في الأدب والحكمة والطب والحديث، مثل عائشة بنت طلحة التي كانت "مضرب الأمثال في النبوغ"، وحميدة الرويدشتية العالمة الفاضلة في الحديث، وغيرهن الكثير.
إذن، "أي نبوغ" يقصده من كرهوه؟ إنهم يقصدون النبوغ في المجال العام والمنافسة الفكرية والاجتماعية، لأن ذلك كان يهدد -في تصورهم- بنية السلطة الذكورية. أما النبوغ في المجالات التي لا تهدد هذه البنية (كبعض مجالات الأدب أو العلم في نطاق محدود) فقد كان مقبولاً بدرجات متفاوتة. المشكلة ليست في النبوغ بذاته، بل في ثقافة الوصاية التي حصرت دور المرأة وأعادت إنتاج التفسيرات الأكثر تشدداً للنصوص.
حول السؤال الثاني: ثنائية الروح والجسد و"تقزيم" دور الجسد
خلاصة السؤال في غاية الأهمية: هل الجسد مجرد "وعاء" للروح؟ والإجابة القاطعة هي: لا، بل هو شريك تكاملي وضروري. والآية التي استشهدتم بها هي المفتاح: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].
المعنى الأرجح لهذه الآية هو نفخ الروح في الجسد بعد اكتمال خلقه، فيصبح إنساناً حياً ذا سمع وبصر وإدراك. هنا لا يأتي الجسد كمجرد "محل" للروح، بل يبلغ كمالاً في ذاته ليكون قادراً على استقبال الروح، وبعد حلول الروح فيه يكتسب كمالاً جديداً يصيره إنساناً بالمعنى الكامل العلاقة ليست كعلاقة "الكابتن بالسفينة" (النموذج الأفلاطوني) حيث الروح دخيلة على الجسد، بل هي علاقة تلازم وتأثير متبادل.
وقد أكد هذا الفهم عدد من كبار المفكرين في التراث الإسلامي:
• ابن عربي: يرى أن "الجسد ضرورة للنفس"، وليس أمراً زائداً أو طفيلاً. فهو الوسيلة التي تعكس بها النفس العالم، ولكل روح جسد "يشاكلها ويجانبها مزاجياً". بل إن النفس لا تدرك شيئاً إلا بواسطة هذه القوى التي رُكبت في الجسد، فهي لها كالآلة. (كتاب الفتوحات المكية / ج 49 وما بعده)
• ابن سينا: يقرر أن الروح والجسد جوهران متشابكان، وأنهما -مع تغايرهما- يعتمد كل منهما على الآخر ولا يمكن فصلهما في هذه الحياة.(كتاب احوال النفس).
• الغزالي: يشبه الجسد بـ"المطية" (الدابة) التي تحمل الروح في طريقها إلى الله، وبـ"الراوية" التي تحفظ الماء. فالجسد ليس عدواً، بل هو آلة ووسيلة لا غنى عنها لتحقيـــق كمال الروح. ( كتاب "عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية")
نعم، هناك تيار زهدي في التاريخ الإسلامي يميل إلى "تقزيم" الجسد، لكن هذا التيار لا يمثل جوهر الرؤية القرآنية المتوازنة. الرؤية الإسلامية الصحيحة هي أن الإنسان كلٌّ متكامل من روح وجسد، وكماله في صلاحهما معاً، كما في الحديث الشريف : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله". فالجسد ليس سجناً للروح، بل هو ميدان اختبارها ووسيلتها للتعبير عن نفسها وعبادتها لله.
خلاصة الرد
1. بخصوص المرأة: ما لاحظه الصديق الكريم عن "كراهية للنبوغ" هو ظاهرة ثقافية تاريخية، وليست حكماً شرعياً. فالإسلام في مصادره الأصلية يكرم نبوغ المرأة ويقر بذكائها، والتاريخ يزخر بنماذج مشرقة، والمشكلة تكمن في القراءات الذكورية والنظرة الدونية التي سيطرت على بعض فترات التاريخ ولم تحفظ إبداع المرأة كما ينبغي.
2. بخصوص الجسد: الآية الكريمة ومواقف كبار المفكرين تؤكد أن الجسد ليس مجرد وعاء. هو شريك للروح، وضروري لتكوين الإنسان ولتزكيته، والعلاقة بينهما علاقة تكامل لا تنافر. من يُقزّم دور الجسد إنما يقرأ القرآن والفلسفة بروح غير متوازنة، أما الرؤية القرآنية فهي رؤية "أحسن الخالقين" الذي أتقن صنع هذا المخلوق العجيب (الجسد) وجعله آية من آيات قدرته.
أسأل الله أن ينفع المؤمنين الأخيار بما يقرأون، وأن يزيدهم علماً وفهماً.... والله من وراء القصد.



#سعد_شاكر_شبلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكاليات الروح والعقل والجسد: دينياً وفلسفياً
- جدلية التنظيم البشري والتوازن الدولي: من العقد الاجتماعي إلى ...
- تداعيات قرار الحكومة العراقية بتخفيض العملة المحلية
- التراجع المعرفي والفجوة التعليمية في العالم العربي
- في المؤسسات الأكاديمية : مشكلات شخصية تهدد المستوى العلمي
- حاجات الانسان الدنيوية وفق مقاصد الشريعة الإسلامية مقارنة با ...
- القدس بين استهداف الوجود وديمومة الشاهد الحضاري
- إشكاليات الولاية في النظام السياسي الإيراني: دستورياً ودينيا ...
- الصراع في الشرق الأوسط (2025-2026) الأسباب، التطورات، التداع ...
- قراءة نقدية لكتاب المغطس.. كنز كنوز الأردن شهادة حية على أصا ...
- إشكالية القول بخلق القرآن الكريم من عهد الخليفة العباسي المأ ...
- انقسام المشهد العربي وتداعيات المواجهة في منطقة الخليج العرب ...
- الديانة الإبراهيمية الجديدة واتفاقات ابراهام: جدلية التقارب ...
- حوار علمي هادف في قضايا دينية.. عرض وتحليل
- بين الفتوى والقانون: عندما تبيح -مجهولية المالك- الاستيلاء ع ...
- دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب
- جزيرة جرينلاند
- مصطلح سياسي
- العالم فوق صفيح ساخن - ج3 / كوريا الشمالية: لاعب غير تقليدي ...
- العالم فوق صفيح ساخن – الجزء 2 / مكانة الصين على المستوى الع ...


المزيد.....




- استهداف الكنيسة.. رسالة سياسية وأمنية في ظل حالة سيولة إقليم ...
- جريمة كنيسة الكرك والوجود العربي المسيحي.. بين التطرف والتكف ...
- السلم الأهلي صمام أمان المجتمعات.. جريمة كنيسة حمود جرس إنذا ...
- موقع اخباري: مسيحيو المهجر من العراقيين ما تزال لديهم رغبة ق ...
- مليشيا الحوثي وتجريف الهوية اليمنية.. تغيير أسماء المعالم بو ...
- المقاومة الإسلامية في العراق ترصد 171 خرقا للأجواء العراقية ...
- أحد أعرق المواقع المسيحية في العالم.. اتفاق ينهي أزمة دير سا ...
- سفير الفاتيكان لدى الأردن يزور مصابي حادث كنيسة الكرك
- الانتخابات الإسرائيلية: من هو يوآف سيغالوفيتش...أول يهودي يت ...
- مخاوف إسرائيلية من -عمليات إرهابية يهودية- واسعة بالضفة بعد ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد شاكر شبلي - في حقيقة كراهة العرب لنبوغ المرأة وتقزيم دور الجسد