أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سوسن يحيى قاسم - تجليات الذات بين سطوة الوهم وإنجلاء الحقيقة















المزيد.....

تجليات الذات بين سطوة الوهم وإنجلاء الحقيقة


سوسن يحيى قاسم

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 01:00
المحور: الادب والفن
    


تجليات الذات بين سطوة الوهم وانجلاء الحقيقة

قراءة تأملية في نص "أوراق كنت أظنها حبًا" للشاعرة نجاة العبودي
بقلم/ سوسن يحيى قاسم

في رحلة البحث عن اليقين بثبات مستميت تسمو بنا الشاعرة والكاتبة نجاة العبودي في فضاءات تجربة شعورية مكثفة تغوص في أعمق طبقات النفس البشرية؛ في بوح مسافر لايقف عند محطات الحسرة العابرة، بل يطوف حول الصراع الأزلّي ليلامس بين الحقيقة والخيال. إنه نص يستكشف كيف يمكن للقلب أن يصنع عالماً كاملاً من الدفء، ثم يكتشف فجأة أنه كان يبني على سراب..الاتكاء على السراب والوهم ورحلة البحث عن اليقين
"أهشّ أيامي بعصًا عرجاء، تتوكأ على وهم، وأقلب صفحات دفاتر مُلئت بأحاديث ظننتها مواثيق عهد."
تستفتح النص بلحظة دهشة كشف قاسية؛ فالعصا العرجاء التي تُستحث بها الأيام لا تحمل أحداً، بل تسند عجزها على وهم محض. هنا يبرز المعنى التأملي الأعمق كيف يهرب الإنسان من قسوة الواقع الحاضر باللجوء إلى ذكريات مضت؟
والعودة للذكريات وتقليب الدفاتر لم يكن مجرد حنين، بل كان محاولة مستميتة للقبض على أمل ينقذ الروح من السقوط. كانت تبحث بين السطور عن ثغرة تُكذّب بها شكوكها، لتعود بها إلى بر الأمان، غير أن كل صفحة تفتحها تسوقها خطوة إضافية نحو المواجهة الذاتية الكبرى.إن حضور الذكرى بصمت الاستبداد الذي ينطق التفاصيل الصغيرة يجعلنا نتأمل ذلك الإنتقال للماضي الواهم الذي أتقنت فيه الشاعرة ، حيث تنبعث الذكريات حية ومكتملة الملامح..
كما تلمح لسطوة النظرة والظل النظرات المترقبة، والخطوات المحسوبة، والتنافس الخفي على أبسط لمسات الحنان (من منّا يفوز بمسكة يد؟)، كلها صور تظهر كيف يُحول العشق أرق اللحظات إلى أعياد صغيرة.
الأشياء كشواهد حية،، الفنجان المهجور، الجريدة المطوية، وحافة النهر.. هذه التفاصيل لم تصورها لنا بهيئة أثاث عابر في مشهد الوصف الشعري، بل كانت شهود إثبات وتأويل على وجود مشاعر تأبى الفناء، مما أضفى على الوهم شرعية جعلت تصديقه أمراً لا مفر منه.
لتنتقل بنا للحظة الحسم وصحوة الإرادة
"سأمزقها... غير نادمة، وألجم رباط روح عاشقة، كلما دنت من قربك."
هنا تتجلى ذروة التحول النفسي في النص؛ الذي تتهجاه الروح المستسلمة لأولى ابجديات النصياع افبعد حالة الاستسلام والاذعان واسترجاع أطياف الماضي، يولد من قرارٌ حاسم..من رحم الواقع بعد مخاض عسير من ظنون الآمال وخرافات السراب .
إن تمزيق الأوراق ليس مجرد استياء ونوبة غضب، بل هو فعل تحرر واعي. إنه قطع إرادي لمشيمة التعلق بالماضي، وإلجام لروح أرهقها الجري وراء الخراب..هنا تتجاوز فيه الشاعرة انتهاك المظلومية إلى ممارسة القوة..والتحرر من إجحاف الألم،،فلا ندم، ولا مبالاة بأقاويل الوشاة، واتهامات العذال ،،بل مواجهة صريحة مع الذات أعلنت فيها أنها أحبت، وتألمت، ولكنها أدركت الحقيقة المرة أخيراً.
وفي سطور انكسار الأقنعة والتجرد المطلق تبوح لنا
"بعد فوات الأوان أدركت... فلا حبيب، ولا رسائل غزل... فقط أوراقٌ كنت أظنها حبًا."
تأتي الخاتمة كإشراقة فرضت نفسها عنوانا للقصيدة لتبدد كل ما سبق في بزوغ فجر الوعي بأضواء خاطفة وموجعة لبصر البصيرة،،حتى انجلت الغمامة التي تبين أن المعركة والمقاومة بأكملها كانت من طرف واحد، كان راسخا وخاسرا،،وأن كل تلك المشاعر والرسائل لم تكن إلا انعكاساً لرغبة الذات في الحب لا لواقع حقيقي مع الآخر.
وترسو بنا الشاعرة العبودي لبر الأمان و النهاية فنعيش معها حالة من السكينة القاسية؛ يزول الحبيب، وتتلاشى الغصة، ولا يبقى في المشهد سوى الحقيقة المجردة لقد كان مجرد وهم طال به الانتظار الأليم، ولكن الاستفادة من درسه الباهظ..كانت هي
الخلاصة المعنوية المهمة.
يمثل هذا النص وثيقة لحرية الروح بعد القيد واستعصاء النفس على الانكسار ويبين أن قمة الشجاعة لا تكمن في البقاء داخل الحكايات الجميلة، بل في القدرة على إحراقها حين نكتشف أنها كانت زائفة. النص درسٌ مكثف في كيف يستعيد الإنسان ملكية نفسه، ليبدأ رحلته من جديد بعد أن يمزق آخر أوراقه القديمة..بعدما أتضحت له الرؤيا له فأضحى لا يرى من احبهم كما كان يراهم ..أولئك الذين باتوا يُحاكمون الشوق عبثاً، ويستصغرون لوعة الحنين متخذين من طُهر المشاعر تهمة، ومن رماد الروح دليلاً على اللهو. لكنّ العزّة تأبى الوقوف في قفص اتهامٍ لا يدرك جلال الوجد؛ لذا كان الانسحاب هنا شجاعةً مقدسةً؛ ترفعاً عن محاكمةٍ جاهلة، وصوناً لكرامة قلبٍ ينهار عشقاً لا تسليةً، واكتفاءً بالذات عن تزوير الحقيقة..وتوديع الغصة في همس وعزلة الندم،،وإن كان بعد فوات الاوان.
القصيدة
أوراق كنت أظنها حبا. ...نجاة العبودي

أهشّ أيامي بعصًا عرجاء، تتوكأ على وهم،
وأقلب صفحات دفاتر
مُلئت بأحاديث ظننتها مواثيق عهد.
كلمات خطّتها يدي،
وسكبتها مشاعر توهّجت
في لحظة صفاء وود،
زفير لواعج امرأة
أحدثها صقيع الأيام وغربة الجسد.
أستمر في التصفح،
علّني أجد ما يوحي
أنني كنت واهمة،
فأعود أدراجي إلى نقطة الصفر.
أرى عينيك شاخصتين تراقبان الظل،
وتحتسبان خطواتي على مهل،
ونبضات قلبك تسابقني؛
من منّا يفوز بمسكة يد؟
هنا... شهقة علت
حين تعثرت أقدامي بأذيال ثوبي.
وهنا... دمعة سُكبت
لحظة فراق لم نقصدها.
هنا غفا طيفك بين المقل،
والأهداب له تتوسّد.
وهنا أسمعتني شعرًا
يتغزل بخصري النحيل،
وبظلال ليلي الأسود
وهو يحطّ على الخدين،
وبلمسة... يتنهّد.
هنا أقلب جريدتك،
وفنجان قهوتك،
وعلى حافة نهرنا
قبلات تشهد.
هنا... وهنا...
ما أكثر السطور التي مُلئت
بحروف قبلتها شفتاي،
وعلى الجبين طبعتها.
ويح قلبي...
ما زال يتأمل
أن ألقاك غدًا... أو بعد.
تمر أصابعي على الأوراق
بحرقة،
وتسقط دمعات حَرّى
على صباحات الورق.
سأمزقها... غير نادمة،
وألجم رباط روح
عاشقة، كلما دنت من قربك.
وسأهمس في الخفاء:
عشقته...
وبقربه تعذبت.
سأنثرها في الهواء،
غير مبالية بالوشاة
إن همسوا:
عاشقة الوهم!
بعد فوات الأوان أدركت...
فلا حبيب،
ولا رسائل غزل،
ولا غصّة في الصدر علت.
فقط...
أوراقٌ كنت أظنها حبًا،
ووهمٌ طال به الانتظار.



#سوسن_يحيى_قاسم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أساطير الانعتاق
- نص نثري حين ينخر الضمير
- إغفاءة حرف
- وارثة الرماد
- ومضات من سِفر الرافدين


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سوسن يحيى قاسم - تجليات الذات بين سطوة الوهم وإنجلاء الحقيقة