أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سوسن يحيى قاسم - وارثة الرماد














المزيد.....

وارثة الرماد


سوسن يحيى قاسم

الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 10:05
المحور: الادب والفن
    


وارثةُ الرماد
منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم،،كانت كثيرة الشك،،وأن هناك دائمًا شيءٌ في المعنى يخفي المعنى... وان النار لاتشبه ألوانها وهناك شيءٌ غامض غير الرماد،،يبقى بعد رحيلها، كأن اللهيب حين ينتهي لا يموت، بل يترك خلفه شاهدًا صامتًا على ما حدث.
ولعلها منذ صغرها كانت تعرف ذلك دون أن تعرف كيف.
كان والدها، وهو يغادر إلى عمله كل صباح، يفتّش بعينيه أركان البيت قبل أن يخرج، ثم يبعد أعواد الثقاب عن متناول يديها، كمن يخفي عن طفلٍ سرًّا أكبر من عمره. لم يكن يخشى النار وحدها... بل كان يخشى ذلك الفضول الذي كانت تحمله نحوها؛ ذلك الإصغاء الطويل لاحتراق الأشياء، كأنها تنتظر من اللهب أن يعترف بما يخفيه.
كانت أمها تخاف أن تتركها في المطبخ وحدها، فهي مولعة ببقايا الرماد، تترقب نهاية كل اشتعال، وتحدّق في البقايا السوداء بريبةٍ عجيبة، تلمس بقاياها دون خوف،،كأنها تبحث بين ذراتها عن وجهٍ غاب، أو حكايةٍ لم تُروَ بعد.
منذ طفولتها كانت تشك وتسأل نفسها كيف أن يكون الرماد يومًا بقايا نار. كانت تحرك بقاياه بريبة دائمًا، وتتساءل في صمت: كيف يمكن لحريقٍ كامل أن ينتهي بهذه الحفنة الهشة؟
لم تكن واثقة أن يكون الرماد الشكل الأخير لكل اشتعال. ظنّت أنه سيبقى، حتى وإن بدأت الريح تعيد ترتيب الجهات؛ لن تلتفت إليها الأشجار، ولن ترتبك السماء، ولن ينكسر غبار الضوء... كما الأشياء التي بُنيت من خلود الوعد.
كانت بطبعها كثيرة الشك دائمًا، وتسمع من أصوات الحدس ما لا يُسمع.
وكأن ثمة بركانًا لحقيقة الأفكار يحدث في مكانٍ لا تصل إليه العقول، حتى الذين عاشوا في قلبها لم يروا منه إلا شظايا باردة من هذا البركان بعد أن هدأ.
أما هي...
فلم تعرف أنها كانت تمشي فوق جسرٍ من دخان، إلا حين حاولت أن تتكئ على ظلّها... لعله لن يسقط.
رغم أنها كانت تتمنى أن لاتنتصر هذه الظنون وتكون من فتات الوهم وسلطنة الوعي.
لذا أدارت وجهها من المرآة نحو النافذة. كانت سماء تموز تمارس زرقتها ببراءةٍ مستفزة، بينما كانت سحابة مجهولة تداعب قرص الشمس وتحاول أن تجرّ الصيف من أطرافه، كما تُجرّ مدينةٌ مهزومة خلف مواكب المنتصرين.
ابتسمت...
ابتسامة طفلٍ يطرد خوفه؛ كتلك التي تولد حين تموت الدموع قبل أصحابها.
وهي تتأكد من مخاوفها، كانت تخشى أن تنسج حول اسمه قصائد قد يهملها،،قصائد لا تخفى على قلبٍ اعتاد الإصغاء.
وحين أشارت إليه ذلك المساء.. بقصيدة تفوح بالغيرة،،
ابتسم بثقةٍ، وأغلق نافذةً ظنّت أن الريح لن تعثر عليها بعد اليوم.
لكن الظلال لا تختفي دائمًا حين تُغلق الأبواب.
فقد عادت من شقٍّ لا تراه العيون، ومن طريقٍ يظنه الناس نهاية، بينما كان بدايته.
ولأنها كانت تعرف ذلك الظل الذي يسبقها دائمًا، ويغيب كلما سألته عنه، فقد كان يقسم لها أن الشمس لا تُخلّف ظلالًا.
عندها صدّقت كذبته الأولى...
وما أقساه إنكار الصادقين؛ تلك الكذبة البيضاء التي تُقال حتى يبقى الوهم واقفًا على قدميه..ولكن دون حراك،،
لطالما ادّعت أنها تثق به.
لكن قلبها كان يلتقط ارتعاشته قبل أن تراها عيناها، وكانت كلما همست له بما يثقل حدسها، أعاد إليها الطمأنينة بكلماتٍ محفوظة، حتى كادت تعتذر من بصيرتها، وتصدق أن القلب قد يسيء أحيانًا تأويل ما يراه.
ولكن الدخان لايخرج من مخبئه..دون إذن مسبق من النار
ولم يكن أكثر ما أوجعها أن الظل خرج...في النهار
بل أنها وقفت أمام مفارقةٍ لم تجد لها تفسيرًا.
لأن الذي ترك خلفه ثلاثين عامًا من العمر ذات يوم، ومضى نحوها هي، كيف استطاع أن يجعلها تصدّق أنها ستكون الاستثناء؟
كيف لم ترَ في حكاية المرأة الأولى مرآةً لما قد يأتي؟
أغمضت عينيها...
فرأت بابًا قديمًا يُغلق في وجه امرأةٍ أخرى؛ امرأةً تركت ثلاثين شتاءً على عتبته، ثم انصرفت بصمتٍ يشبه انكسار الأشجار العتيقة.
عندها فهمت...
أن الخراب لا يبدّل ضحاياه...
بل يبدّل عناوينهم.
ثم أدركت...
أن بعض الأبواب لا تُغلق لأنها انتهت،
بل لأنها تعلّمت مقاس يدٍ أخرى.
وأن المقاعد لا تبقى فارغة طويلًا،
فالغبار لا يملك ترف الاستقرار.
حدّقت في الرماد طويلًا... كأول مرة تراه.
كان يشبه البيوت العتيقة بعد أن ينسحب منها ساكنوها.
لا أحد يسأل أين ذهب الساكن الأول؛ فالستائر تعتاد وجهًا جديدًا، والمفاتيح تحفظ أصابع أخرى، حتى الجدران... تتوقف عن ترديد الاسم القديم.
عندها فهمت أن النار لا تورّث الوفاء...
بل تورّث مكانًا صالحًا لاشتعالٍ آخر.
ابتسمت.
ليس لأن الوفاء انكسر،
بل لأن الأشياء التي تُستبدل بسرعة، لم تكن يومًا تعرف الفرق بين اليد التي احتضنتها... واليد التي جاءت بعدها.
ولم تسأل لماذا؟
تركت سؤالًا واحدًا معلّقًا في الهواء، كحدّ السيف
أيُّ يدٍ تجمع رماد ثلاثين عامًا... ثم تظن أن ثلاثة أعوامٍ تكفي لمحو رائحة الحريق؟
ولم تنتظر جوابًا.
فالرياح...
لا تعتذر للأوراق التي أسقطتها.
ولا تعدُ الورقة التالية بأنها ستبقى



#سوسن_يحيى_قاسم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ومضات من سِفر الرافدين


المزيد.....




- تجارب نسوية أدبية في جلسة بالمنبر النسوي في اتحاد الأدباء
- سينما الذاكرة.. كيف تنقذ الأفلام المستقلة حكايات الجنوب العا ...
- بعد 60 عاما على صدورها.. هل ما زالت -موسم الهجرة- سقفا للأدب ...
- سوريا تستعيد 21 قطعة أثرية من الولايات المتحدة
- -شهرزاد المغربية التي لم تفاوض الخوف-.. سيرة مفكرة خلقت نسوي ...
- سبعون عاما على مهرجانات بعلبك.. ذاكرة الحجارة التي تقاوم ثقل ...
- الأردن يحتضن ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية
- سهرة عائلية لا تُنسى.. دليلك لأفضل أفلام الرسوم المتحركة في ...
- -التكفير-.. فيلم يعيد حرب العراق إلى الواجهة
- حسين فهمي: أفلام الذكاء الاصطناعي لن تشارك في مهرجان القاهرة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سوسن يحيى قاسم - وارثة الرماد