عبد العالي زغيلط
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 13:31
المحور:
الادب والفن
ولد ككل الناس في قرية لم تعد شيئا مذكورا، تعثَّـر في دروبها ..تعفَّر في ترابها ..قاسم الضفادع مستنقعاتها .. شرب شرب الهيم من غدرانها ..تسلق أشجارها..أكل من ثمارها قبل نضجها ..رقص في أعراسها .. سار في جنائزها ..ثم غادرها وتنكر لها.. تخلى لسانـُه عن "التشاء" الجبلية وقلب ظهر المجن للضاد المنطوق في لهجة أهله طاء ؛كان يقول وهو يمسح مخاطه بظاهر اليد حتى تلتصق بالخد وصمة (طربني التشـوفيق على طهري).
كان صالح مثالا للخيـبة المثابرة، تتعثـر لكنها لا تسقط، تنحني للقاصي والقاسي ولكنها لا تنكسر.. تذبل لكنها لا تموت.. كان الإصرار على الوصول هو الشجاعة الوحيدة في صحراء التردد.
اختار عنوانا رعديدا لسيرته التي خطها في كتاب "بين عدوتين" .. نأى فيها بنفسه عن طفولة مترعة بالصفعات جزاء وِفاقا لعجزه عن توحيد الكسور، ومتخمة باللكمات كِـفاء تصريف فعل الكينونة الفرنسي المتلون كالحرباء مع الأزمنة والضمائر ..وفي قلبه نقشت كلمات المعلم : "ستبقى يا صالح مسخا لغويا وعارا على سلالة كراع النمل وبن خالويه.. ستلحقك لعنات كان وأخواتها .. وتضرعات إن وشقيقاتها ..وستبقى في هذه الدنيا جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب ..سيبقى العـي يلاحقك أبد الدهر.."
*****
صار صالح أستاذا ..بعد أن عبر العقبات وصبر على العقوبات .. صار أستاذا وخبيرا في شؤون الجملة الانشائية والخبرية ومستشارا لدى الأفعال الجامدة، وعضوا مشاركا في نادي حروف الجر .. وشريكا لدى المتعاملين اللغويين في ورشات بناء النصوص وصيانتها من التناص والسرقات.
يعطس حتى يُشمَّت ، ويتجشأ عندما يتكلم على المنصة حتى يقال ممتلئ وواثق .. ويتثاءب عندما تكون الكلمة لغيره ..يعيش في إقطاعية المنطقة الرمادية .. مسخ بين صحفي جبان وأستاذ لم يمتلك قليلا من الشجاعة .
أجهش صالح بالكـلام، ولأنه لا يمكن أن يكون مع الله لأن معية الله كلفتها عالية، وثمنها فادح أو لأن الله في ظنه لا يوصله إلى مبتغاه بل قد يورده المهالك في عالم يناصب الله العـداء .. لكنه ما انحاز إلى الشيطان بالكامل ذلك أن الأمر يتطلب روحا وثـابة، وجرأة ليست في رصيده.. فلم يبـق له إلا معية بعض الأوغاد..
اغرورقت أوراقه بالأسئلة .. هل قلت اغرورقت؟ نعم هي كذلك..
*****
أيها العائش في الوهم .. أنا أيضا مثلك .. مثلك إلا قليلا، أعيش في وهـمي وقد ضَيٌع واوه ...
أعرف أن المطابع تفسد الطباع وأن دور النشـر تنسي مرتاديها دار الحشر..وأن الخبائث تعرض هي الأخرى باسم الأدب والشعـر والإبـداع .. لا عليك يا برفوس ..لا بد للإسم أن يلمع من حين لآخر .. ومن تأسى بالنجوم فقد رضي الأفول له قرينا...
*****
محاكمة الراوي:
لم أكن أملك بدلة جديدة يا سيدي القاضي؛ بدلتي اهترأت وأتلفها الكـيٌُ، ومن جـرّب الكيَّ لا ينسى مواجعه ..بدلتي كمعطف غوغول .. ولا أحسن ربط ذلك الحبل المتدلي كمشنقة ديغول.. أنا ضنين بحياتي يا سيدي ..أخشى أن تعانق رقبتي ولا أدري متى تغدر بي، وفي التقرب ما يدعو إلى التهم.
ـ تقر إذن بأنك لا تحضر نادي السيد صالح؟
ـ لـيس تكبرا ..معاذ الله .. ومن ذا الذي بوسعه أن يتخلف عن مجالس العالم النحرير والحبر الكبير.. العلامة الناقد الجهبذ مولانا صالح أدام الله ظله ونفعنا بعلمه ...
ـ فما يؤخرك إذن؟
ـ قلت لك يا سيدي: أخشى أن يتسامع الناس عن تقحّمي مجلس مولانا الناقد الفطحل وأنا بهذه الأسمال البالية والياقة المتسخة فتنزل قيمة النادي في بورصة النقد الأدبـي وتزل قدمُ مولانا صالح بعد رسوخها في أرض الكتابة ...
ـ لم تكتف بهجران مجلسه بل صرت تسلقه بالغيبة.
ـ كيف؟
ـ ألم تقل عن نادي السيد صالح أنه ورشة لبناء النصوص؟
ـ لا أذكر متى قلت ذلك ولا أين، ولكن فليدع ناديه وليخبرنا بصنعتهم.
عندما يجتمع العي بالفدامة بالملق بالانتهازية بالرياء ثم يحضر مع كل هؤلاء الصلف والعجب والعنجهية .. وينتهي اللقاء بالمجاملة الرخيصة والتربيت على الاكتاف وضرب مواعيد لقول الهراء فماذا يفعل الحر؟
سكت القاضي.. القاضي الحائر بين وهم الراوي ووهن الحجج..
ندوات السيد صالح مثال يحتذى ومسلك يتبع، ...لم يقل القاضي هذه الجملة بالضبط، ولكن الـراوي مجبر على ترقيع الجملة وتجميلها إذ لا يحسن أن نتحدث عن القاضي بما يسيء إلى القضاء أو يكشف عورة العدالة .. العدل أساس شيء ما ... ونحن والحمد لله لا أساس ولا راس.
صحيح يا سيدي القاضي ولكني كما قلت لك " لم أكن أملك بدلة جديدة".. والسيد صالح أصلح الله أحوال مريديه لا يحب الأسمال.
ـ ومن أدراك بما يحبه السيد صالح؟
ارتبك الراوي .. ليس لنا إلا ظواهر البشر وبواطنهم في علم علّام الغيوب.. والعيوب...
ـ سي صالح بناء ماهر، يجعل من حوار بين نملة ونمول مقالة طويلة ثم تنمو المقالة وتصبح بحثا بفصلين ثم يصير البحث كتابا بفصول ومقدمة ناهدة وخاتمة ذات ردف.
ـ استح، قال القاضي مغاضبا.
ندت عن الراوي ابتسامة ماكرة لمّـا رأى في عيني القاضي جزيرة إبستين تتسافد فيها العدالة مع المال وتتسافح فيها الوطنية المهيضة مع الرأسمالية المتعافية، وتتصافح فيها الخيانة مع السمت، وتلتف على خصر المستقبل أفاعي الماضي..رأى أحكام القاضي تكتبها المحامية الشابة على سرير اللذة.. رأى نفسه عابر سرير ..أو عابر وكل ما قيل عن السيد صالح بالحق أو بالباطل من خيالات راوي سيرة صالح.
ـ ربما خانني المعجم يا سيدي القاضي، وإلا فالسيد صالح بإمكانه أن يكتب في أي موضوع يشاء؛ في الفلسفة والأدب والتاريخ والذكاء الاصطناعي والغباء البشري وفي القانون أيضا...
ـ اخرص... اتسخر من العدالة ؟
ـ حاشا لله يا سيدي القاضي ..ولكنني أنتصف من نفسي وأنصف من بسببه دُعِيت إلى محكمتكم الموقرة ...
ـ لم تجب عن سؤالنا : لماذا لا تحضر ندوات السيد صالح؟
ـ في الحقيقة (والحقيقة يا سيدي القاضي كما أراها أنا) أنني حضرت ندوتين إحداها عن أدب النساء ، والثانية عن شاعر نسيت اسمه.
سكت الراوي ...
ـ اكمل.. قال القاضي.
ـ ليس لدي ما أقوله.
ـ وماذا عن الندوتين؟
ـ قيل كلام كثير عن أدب النساء والأدب النسوي والنسوية والنسائية والمرأة وووو... كنت يومها مرهقا فغفوت بعض الشي..يعني قليلا .. واستيقظت على يد تربّت على كتفي .. يد ناعمة ..وصوت رخيم يقول لي: قم تناول معنا شايا ومكسرات.. وشكرت الأدب النسوي؛ أدب الحريم الذي أيقظني من غفوتي ونبهني إلى غفلتي ..وشاركت المشاركين بكرشي..حشوتها بما لذ وطاب وأحيا همّة الشباب وقوّى الباه وأعاد الشيخ إلى صباه وأنسى النساء الأدب النسوي، والمرأة المراء، وأنسى صاحبة الجديلة الجميلة الجدل.
ـ هل أنت فرويدي؟
ـ سمعت طراطيش كلام أن فرويد متهم بالذكورية .. ربما هي آخر ما وقر في أذني ولم يصدقه عقلي ثم انخرطت في نومي..
ـ هذا كل ما تذكره من ندوة السيد صالح ؟
ـ قلت لك ما حدث، وليس بي حاجة إلى الافتراء عليه أو اتهامه بما ليس فيه...
ـ قال القاضي وماذا عن ندوة الشاعر؟
ـ ليعذرني سيدي القاضي فقد نسيت اسم الشاعر، وكما تعلم فالشعراء طبقات، ولا أدري في أي طبقة كان الشاعر، والشعراء حزازات وحساسيات وحسابات ولا أدري أين موقعه، كما أن الشعراء في كل واد يهيمون وأنا أخشى أن يحتمل الوادي زبدا رابيا .. ثم إن الشاعر الـمُحتفى به جاء بكوستيم مستقيم لا ترى فيه عوجا ولا أمتا كأرض القيامة، وأنا إنسان أحب الحياة بلا مكواة ولا كرافطة ولا تلميع.. أحب الحياة قصيدة منطلقة من كل عقال منفكَّة عن كل إسار منفلتة من كل ضابط ... فلما رأيت الشاعر أيقنت من تواري القصيدة.. وأن حضوري الندوة هو الغياب.
ـ ولكن الندوة أشرف عليها السيد صالح. قال القاضي.
أصلح الله حالنا وحال القاضي وحال السيد المبجل صالح، كل ما في الأمر أنني شعرت بضيق التنفس والاختناق من ربطة عنق الشاعر فتسللت خارج القاعة لأدخن سيجارة أجدد بها نفسي ..وصادف أن وجدت حسناء مهتمة بالشعر وتحب رائحة التبغ ممزوجا بالعطر الرجالي "الشيطان الأزرق" فغرقنا في حديث شعري أنساني ندوة السيد صالح دنَّس الشيطان شـره.
ـ تعترف إذن بأنك لا تبالي بندوات السيد صالح ..هاه؟
ـ إن كان ما قلته يسمى لا مبالاة في نظر محكمتكم الموقرة، فأنا كما تقول.
التفت القاضي يمينا وشمالا .. وضع نظارته.. قلب أوراقا بملف كان بين يديـه .. ثم وجه إلي نظره قائلا بعد صمت لم يدم طويلا:
بما أن السيد صالح غائب فقد تأجل الحكم إلى جلسة قادمة.
*****
عدت يا سادتي منهكا أحمل مزودا من الأسئلة عن صاحب ورشة النصوص الذي يملك كل هذا النفوذ .. وعلى كتفي أحمل جسما كرويا يسمى رأسا.. "رأس المحنة".. تمنيت لو أن القاضي أنزله عن كاهلي بكلمة منه.
#عبد_العالي_زغيلط (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟