أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الكحل - الدولة المغربية هي الضمير العام الذي يحمي الأمة من الشعبوية والعنترية.














المزيد.....

الدولة المغربية هي الضمير العام الذي يحمي الأمة من الشعبوية والعنترية.


سعيد الكحل

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الجدل المحتدم في المغرب حول العلاقات المغربية-الإسرائيلية يكشف عن صراع فلسفي أعمق من مجرد موقف سياسي ظرفي. إنه صراع بين مفهومين للدولة: مفهوم إيديولوجي عاطفي يختزل الدولة في أداة لتنفيذ الشعارات، ومفهوم عقلاني مؤسساتي يرى فيها الضمير الموضوعي للأمة وحارس مصالحها العليا. ولعل استحضار المفهوم الهيغلي للدولة بكونها التجلي الأسمى للروح الموضوعي والضمير الجماعي للأمة، سيفيد في فهم الدولة المغربية وارتقاها فوق الضمائر الفردية الذاتية، المتقلبة والعاطفية، لتحوِّل الأخلاق من شعور داخلي إلى عقل مؤسساتي يحسب المصالح والمفاسد بمنطق التاريخ لا بمنطق اللحظة. وهذا بالضبط ما يميز الدولة المغربية عن القوى الحزبية والشعبوية التي تطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل.
الضمير الذاتي والضمير الموضوعي.
إن القوى الإسلاموية واليسارية المتطرفة المناهضة للتطبيع تتحرك من منطلق "الضمير الذاتي" بمعناه الهيغلي الأدنى: ضمير أخلاقوي، عاطفي، دعوي، يبني مواقفه على الشعارات والمزايدة الأيديولوجية. إنه ضمير يرى العالم بالأبيض والأسود، ولا يضع في حسابه موازين القوى ولا المصالح العليا للوطن. إنه يطالب الدولة بأن تعرّض أمنها القومي للخطر إرضاء لخطاب تعبوي ظرفي، عاطفي وشعبوي. ومن ثم فإن المناهضين "للطبيع" يمارسون "أخلاق القناعة" بمفهوم ماكس فيبر: يصرخون بقطع العلاقات لتبرئة ذمتهم الأخلاقية، دون أن يجيبوا عن سؤال بسيط: ماذا بعد القطع؟ من سيعوض المغرب عن الخسارة الدبلوماسية والأمنية والتكنولوجية؟ من سيضمن استمرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء إذا انسحب المغرب من الاتفاق الثلاثي؟ وهل إلغاء التطبيع سيحرر فلسطين؟
أما الدولة المغربية، فتتصرف كـ "ضمير عام موضوعي". إنها الوعاء الذي يجمع ذاكرة قرون من الوجود والكينونة، وتعي تماما هرمية الأولويات. فهي تدرك جيدا أن ملف الصحراء المغربية، قضية وجود، لم يُحسم نهائيا بعد، وأن المعركة الدبلوماسية لا تزال في أوجها. وتدرك أن التفريط في التحالفات التي تدعم هذا الملف، وعلى رأسها التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، هو انتحار سياسي لا يمكن لدولة عاقلة أن تقدم عليه، بل يتطلب براغماتية استراتيجية وليس عنتريات فارغة.
إن الدولة المغربية، بوعيها التاريخي، تعلم أن قطع العلاقات مع إسرائيل لن يحرر شبرا من فلسطين، ولكنه سيحرر خصوم المغرب من الضغط النفسي الأخلاقوي، وسيفقد المغرب أوراقا تفاوضية ودفاعية وأمنية وتكنولوجية حيوية؛ بل سيعزل المغرب في لحظة هو في أمس الحاجة فيها إلى كل حليف. فالدولة تعلم أن المصالح العليا للأمة لا تدار بالعواطف في منصات التواصل الاجتماعي، بل بمنطق الحكمة والعقل الرصين. لهذا فالدولة المغربية، بمَلِكها ومؤسساتها السيادية، لم تساير مطالب الإسلامويين واليساريين المتطرفين، لأنها تدرك أن وظيفتها ليست إرضاء الشارع، بل حماية الشارع حتى من نفسه. وظيفتها أن تكون الضمير العام الذي يحمي الأمة من نزوات الضمائر الخاصة. فهي تدرك جيدا أن العدو الحقيقي للمغرب ليس إسرائيل، بل هو المشروع الانفصالي الذي يهدد وحدته الترابية. وهي بهذا تحدد بوضوح من هو العدو الوجودي ومن هو الحليف الداعم لوحدتها الترابية، بينما القوى الشعبوية تجعل غزة قبل تازة؛ بل مستعدة للتضحية بتازة من أجل غزة.
من هنا يمكن القول إن رفض الدولة المغربية لمطالب قطع العلاقات ليس "تطبيعا" بالمعنى الابتذالي، بل هو تطبيق لنظرية "الدولة كعقل وضمير موضوعي" للأسباب التالية:
1 ـ الدولة تدرك أن النظام الدولي لا يدار بالشعارات، بل بتبادل المصالح. والمغرب، الذي لم يُغلق بعد ملف صحرائه نهائيا في الأمم المتحدة، في حاجة ماسة لدعم واشنطن وتل أبيب كقوة ضغط داخل الكونغرس ومراكز القرار.
2 ـ الدولة تدرك أن الأمن القومي منظومة متكاملة: أمن حدود، وأمن غذائي، وأمن تكنولوجي وسيبراني. والتعاون مع إسرائيل في هذه المجالات هو جزء من تحصين الضمير الجماعي للأمة.
3 ـ الدولة وحدها تملك المعلومة السيادية الكاملة التي لا يملكها زعيم حزب أو ناشط فيسبوكي.
إن الدولة المغربية، بتمسكها بالاتفاق الثلاثي، لا تخون فلسطين وهي التي تقدم من الدعم المالي والدبلوماسي للفلسطينيين ما لم تقدمه دولة أخرى (تتحمل لوحدها تمويل صندوق بيت المقدس وتدعم صمود المقدسيين)؛ بل إنها تحمي المغرب من الغوغائيين والشعبويين والانفصاليين ومن حملة المشاريع التخريبية والانقلابية. وهي بذلك تنتقل من دولة تتعرض للابتزاز العاطفي إلى دولة تمارس سيادتها كضمير عام موضوعي.
لقد أثبتت الدولة أنها أكبر من الأحزاب وأوعى من الشعارات. فبينما يفكر المناهض للتطبيع في مقعد انتخابي أو في تعبئة مسيرة، تفكر الدولة في خريطة الوطن كاملة، من طنجة إلى الكويرة، وفي أمن الأجيال القادمة. وهذا هو جوهر الفكر الهيغلي: الحرية الحقيقية ليست في أن تفعل ما تمليه عليك عاطفتك، بل في أن تخضع لعقلانية الدولة لأنها هي التي تضمن بقاءك.



#سعيد_الكحل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخطاب الملكي اعتزاز بالهوية وحث على التعبئة لضمان السيادة و ...
- رسائل وتحديات تعيين فاطمة المنصوري رئيسة للحكومة.
- لانتخابات في المغرب: من الصراع الإيديولوجي إلى الصراع حول ال ...
- عدلاوة يريدونها قوْمة وعصيانا وزحْفا.
- المؤسسة الأمنية المغربية: ثقة مجتمعية وأداء مهني واعتراف دول ...
- ديماغوجية إدريس الأزمي لن تخفي الحقيقة.
- وهْم الخطاب التمثيلي للشعب عند الكوفيين.
- العدمية النوّاحة وخطاب التبخيس في المغرب.
- أهمية وأبعاد الشراكة الاستراتيجية المغربية-الأمريكية.
- أحداث سبتة عنوان المؤامرة.
- خطاب العرش ينقل الدولة من منطق الإنجاز إلى رهان الإنصاف.
- لعبة الظلال لمحاولة استنساخ قضية صنصال.
- الأمن والتنمية في مواجهة الإرهاب: لماذا نجح النموذج المغربي؟
- هرطقات بنكيران، أو حين تصبح الإهانة برنامجاً سياسياً.
- انتصارات المنتخب الوطني ونعيق الغربان.
- حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.
- نتائج البكالوريا والتحولات الجندرية في المجتمع المغربي.
- الغش في الامتحان: أزمة قيم أم أزمة قانون؟
- حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة.
- كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟


المزيد.....




- كيف أصبحت -إيش كوديش- جزءًا من دائرة أوسع من العنف ضد الفلسط ...
- روسيا تتوعد اليابان برد قاس على تزويد أوكرانيا بالمسيرات
- العراق.. إجراءات قانونية بحق -مؤثرة- على خلفية محتوى -مخالف ...
- 10 سنوات سجنا لوزير جزائري وعقوبات تصل إلى 20 سنة للمتهمين ف ...
- أيزنكوت يتعهد: لن أخدم تحت نتنياهو حتى في اتفاق تناوب
- تطبيق ChatGPT يحصل على ميزة جديدة لحماية خصوصية البيانات
- مصر.. كاميرات المراقبة ترصد لحظة انهيار مروع لعقار في الإسكن ...
- الدفاع التركية تعلن توقيع مذكرة -بدر- مع قطر وإندونيسيا وباك ...
- الجيش الروسي يواصل التقدم في زابوروجيه ويحرر بلدتين
- إصابة جنديين سوريين خلال قيامهما بنزع ألغام من مخلفات النظام ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الكحل - الدولة المغربية هي الضمير العام الذي يحمي الأمة من الشعبوية والعنترية.