|
|
خطاب العرش ينقل الدولة من منطق الإنجاز إلى رهان الإنصاف.
سعيد الكحل
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 16:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن خطاب العرش لسنة 2026 مجرد مناسبة لاستعراض حصيلة سنة من العمل أو الإعلان عن مشاريع جديدة، بل جاء ليؤكد أن المغرب دخل مرحلة جديدة من تطور مشروعه التنموي والسياسي؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال الأساسي هو حجم ما أنجزته الدولة من أوراش كبرى، وإنما مدى انعكاس تلك الأوراش على حياة المواطنين. فبعد أكثر من ربع قرن من الإصلاحات المتواصلة، ومن الاستثمار المكثف في البنيات التحتية، وتحديث الاقتصاد، وتوسيع مجالات الحماية الاجتماعية، بدا واضحا أن الخطاب يؤسس لتحول جوهري في معيار تقييم السياسات العمومية عبر عنه جلالته بالتالي: "إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط". خطاب الثقة وإشاعة التفاؤل. إن أبرز ما يميز خطاب العرش حرصه على التعبير عن مشاعر الارتياح والاطمئنان والاعتزاز بما تحقق من المكاسب والمنجزات التي هي ثمرة رؤية إستراتيجية تبعث على الثقة في مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة الأمنية والعسكرية التي توفر الأمن وتضمن الاستقرار الذي "هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب" خصوصا في "محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات". وهذه رسالة مباشرة لكل المتآمرين ضد مؤسسة الأمن ومديرها العام. واعتزاز جلالة الملك بهذه المؤسسة يعكس اعتزاز كل المغاربة بالساهرين على أمنهم وسلامتهم. فما تحقق من منجزات أشاد بها العالم (التنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية، قدرة كبيرة في مواجهة الكوارث والأزمات، تزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية..) يدعو إلى التفاؤل والثقة في المستقبل وعدم الاكتراث لخطابات اليأس والإحباط. ومما يبعث على التفاؤل والثقة، أن خطاب العرش يعيد صياغة العلاقة بين الزمن السياسي والزمن التنموي. فالديمقراطيات الحديثة تعرف تعاقب الحكومات وتغير الأغلبية البرلمانية، لكن الدولة لا تستطيع أن تعيد رسم أولوياتها الاستراتيجية مع كل دورة انتخابية. لذلك، بدا واضحاً أن الخطاب يرسم حدوداً فاصلة بين ما يدخل في نطاق التنافس الحزبي المشروع، وما يندرج ضمن الخيارات الكبرى للدولة التي ينبغي أن تحظى بالاستمرارية والتراكم. وليس في هذا الطرح ما ينتقص من قيمة التعددية السياسية أو من دور المؤسسات المنتخبة، بل إنه يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الدولة الحديثة. ذلك أن السياسات العمومية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالأمن المائي، أو الانتقال الطاقي، أو الحماية الاجتماعية، أو التصنيع، أو تأهيل البنيات التحتية، تحتاج إلى نفس إصلاحي طويل يتجاوز عمر الولايات الحكومية. أما دور الحكومات، فيتمثل في تحسين أدوات التنفيذ، والرفع من نجاعة التدبير، وتسريع وتيرة الإنجاز، وإيجاد الحلول المناسبة للإكراهات التي تعترض التنزيل. ومن هذه الزاوية، يحمل الخطاب رسالة واضحة إلى الأحزاب السياسية قبل الانتخابات التشريعية مفادها أن المنافسة الديمقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق في إطلاق الوعود غير القابلة للتنفيذ، أو إلى التشكيك في كل ما تحقق، بقدر ما يفترض أن تكون مناسبة لتقديم تصورات عملية حول كيفية الارتقاء بجودة التدبير العمومي، وتحسين مردودية الاستثمار، وتطوير الخدمات الأساسية، وتعزيز العدالة الاجتماعية. فالناخب لا يحتاج فقط إلى خطاب سياسي جذاب، بل يحتاج إلى برامج واقعية تستند إلى تشخيص دقيق للمشكلات وإلى حلول قابلة للتطبيق. لهذا السبب، منح الخطاب الملكي مكانة خاصة للعدالة المجالية. فالتفاوت بين الجهات لم يعد مجرد معطى اقتصادي، بل أصبح قضية ترتبط بتكافؤ الفرص وبالاندماج الوطني. وقد أبانت التجربة أن بعض الجهات استطاعت أن تستفيد بشكل أكبر من دينامية الاستثمار، بينما ما تزال جهات أخرى تواجه تحديات مرتبطة بجذب الرساميل، أو بتوفير البنيات الضرورية، أو بخلق فرص الشغل. ولا يمكن لدولة تسعى إلى تحقيق تنمية شاملة أن تكتفي بتحسن المتوسطات الوطنية، لأن متوسطاً مرتفعاً قد يخفي تفاوتات كبيرة بين المجالات والفئات الاجتماعية. ومن ثم، فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط باستمرار الأوراش الكبرى، وإنما بقدرة هذه الأوراش على تقليص هذه الفوارق. فالمطلوب ليس تنمية تنتج الثروة فحسب، بل تنمية توزع فرص إنتاجها والاستفادة منها بصورة أكثر توازناً. وهنا تحديداً يلتقي البعد الاقتصادي بالبعد الاجتماعي، ويلتقي منطق الكفاءة بمنطق الإنصاف، ليشكلا معاً الإطار الذي يقترحه خطاب العرش لتقييم السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة؛ خصوصا وأن جلالته أعلنها صريحة واضحة " كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم". الدولة المنصفة. إن المغرب لم يعد مطالبا فقط بمواصلة الإصلاح، وإنما بإعادة تعريف معايير نجاحه. فخلال العقدين الماضيين، كان التحدي يتمثل في بناء أسس اقتصاد حديث، وإطلاق أوراش البنية التحتية، وتعزيز موقع المملكة داخل محيطها الإقليمي والقاري. أما اليوم، فإن التحدي الأكبر يتمثل في جعل هذه الإنجازات أكثر قربا من المواطن، وأكثر قدرة على تحسين حياته اليومية. فالانتقال من الدولة المنجِزة إلى الدولة المنصفة لا يعني التخلي عن المشاريع الكبرى أو التقليل من أهميتها، بل يعني مواصلتها واستكمالها بمنظور يجعل المواطن غايتها النهائية. وعندما يشعر المواطن بأن هذه المشاريع انعكست على دخله، وعلى تعليم أبنائه، وعلى جودة الخدمات الصحية، وعلى فرص الارتقاء الاجتماعي، فإنها تتحول من مجرد إنجازات مادية إلى عناصر تؤسس للثقة في الدولة وفي المستقبل. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن خطاب العرش لا يقدم قطيعة مع المسار الإصلاحي الذي عرفه المغرب منذ سنة 1999، بل يمثل تطورا طبيعيا وضروريا له. فقد كان الرهان في البداية هو بناء مقومات الدولة الحديثة وتعزيز تنافسية الاقتصاد، أما اليوم فإن الرهان أصبح تحويل هذه المقومات إلى تنمية أكثر إنصافا، وأكثر قدرة على تقليص الفوارق. وهذا ما شدد عليه جلالته " نشدد على ضرورة التنزيل الفعال، لبرامج التنمية الترابية المندمجة، التي نحرص على أن تشمل كل المناطق والجهات، دون استثناء". وهذا التحول لا يلقي المسؤولية على الحكومة المقبلة وحدها، بل يضع الأحزاب، والإدارة، والقطاع الخاص، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني أمام مسؤولية مشتركة، عنوانها جعل أثر التنمية، لا حجمها فقط، المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية. الدبلوماسية في خدمة التنمية. على المستوى الدبلوماسي، اختار جلالته أن يمنح الأولوية للشأن الداخلي، دون أن يعني ذلك تراجعا في الحضور الخارجي للمملكة. فغياب الإشارة المباشرة إلى الجزائر أو إلى مستجدات قضية الصحراء، خلافا لبعض الخطابات الملكية السابقة، لا يمكن تفسيره باعتباره إغفالا لهذا الملف، وإنما باعتباره تعبيرا عن قناعة بأن المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب خلال السنوات الأخيرة أصبحت راسخة، وأن الأولوية أصبحت موجهة نحو استثمار هذه المكانة الدولية التي ترسخت للمغرب "كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع"، و"شريك مطلوب، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة" مكنته "أن يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه، وأن يطرح عروض شراكات بناءة، ومبادرات تعاون واعدة، بخصوص مختلف القضايا الثنائية والدولية الكبرى". أي أن المغرب قطع مع عهد الابتزاز الأوروبي ولي الذراع. إن المغرب، بفضل "مكانته كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي" وما يوفره من فرص جذابة للاستثمار، جعلته "يدخل النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية". من هنا، فإن الخطاب الملكي يقدم تصورا متكاملا للعلاقة بين الداخل والخارج. فكلما كان الاقتصاد أكثر قوة، ازدادت قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية؛ وكلما تعزز الاستقرار السياسي والمؤسساتي، ازدادت جاذبية البلاد للاستثمار والشراكة. وفي المقابل، فإن قوة الحضور الدبلوماسي ينبغي أن تنعكس على التنمية الداخلية، من خلال استقطاب الرساميل، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص الشغل، وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي. إنها علاقة تكاملية تجعل السياسة الخارجية امتدادا للسياسات التنموية، لا بديلا عنها.
#سعيد_الكحل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لعبة الظلال لمحاولة استنساخ قضية صنصال.
-
الأمن والتنمية في مواجهة الإرهاب: لماذا نجح النموذج المغربي؟
-
هرطقات بنكيران، أو حين تصبح الإهانة برنامجاً سياسياً.
-
انتصارات المنتخب الوطني ونعيق الغربان.
-
حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.
-
نتائج البكالوريا والتحولات الجندرية في المجتمع المغربي.
-
الغش في الامتحان: أزمة قيم أم أزمة قانون؟
-
حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة.
-
كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟
-
مواقع التواصل الاجتماعي من المساءلة إلى التشكيك في المؤسسات.
-
الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز.
-
ذكرى تفجيرات 16 ماي: كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرها
...
-
مالي ضحية تحالف الانفصال والإرهاب.
-
صلاة الحريديم: احتجاج مفتعل بخلفيات سياسوية.
-
حين تفقد الأحزاب المبادَرة والمصداقية..
-
بيان شورى عدلاوة: تحريض، تنكّر وتهافت.
-
عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع.
-
اقطعوا أذرع الأخطبوط الإيراني قبل أن يخنق العالم.
-
حتى لا تصير مدن الشمال بيئة حاضنة للخلايا المتشيعة.
-
النظام الجزائري في رقصة الديك المذبوح.
المزيد.....
-
اتساع رقعة الصراع وشكوك حول مصير مجتبى خامنئي.. خبيران يعلقا
...
-
مسؤول رفيع في حماس لـCNN: الحركة توافق على نزع سلاحها رهناً
...
-
بعد إعلان ترامب.. ترحيب دولي حذر باتفاق نزع سلاح حماس
-
اكتشاف بروتين داخل الخلايا قد يكون مفتاح علاج السكري للأبد!
...
-
المرحلة الثانية لاتفاق الهدنة.. على ماذا وافقت حماس؟
-
700 طن من المتفجرات الإسرائيلية تهز جنوب لبنان (فيديو)
-
المصريون يتعرضون لعملية نصب كبرى
-
الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال قيادي بكتائب المجاهدين في غزة
-
الجيش الكويتي: تصدينا لهجوم إيراني واستهداف منشآت حيوية دون
...
-
الأمن العام اللبناني يدرس تسوية أوضاع نحو 600 ألف سوري ممنوع
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|