أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الكحل - حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.















المزيد.....

حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.


سعيد الكحل

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 15:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا جدال في أن المعارضة البرلمانية تشكل إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، بما تضطلع به من وظائف التأطير والرقابة على السلطة التنفيذية، وتقويم السياسات العمومية، واقتراح البدائل الكفيلة بتحسين الأداء الحكومي للاستجابة لانتظارات المواطنين. وتستمد المعارضة مشروعيتها من قدرتها على الجمع بين النقد المسؤول والالتزام بقواعد المنافسة الديمقراطية، بما يحافظ على الثقة في المؤسسات ويضمن استمرارية الدولة. غير أن الممارسة السياسية قد تنحرف عن هذه الوظائف عندما يصبح الخطاب السياسي قائماً على الاتهام بدل البرهنة، وعلى إثارة الانفعالات الجماعية بدل تقديم البرامج، وعلى صناعة "العدو" بدل تحليل الاختلالات البنيوية. ففي هذه الحالة تنتقل السياسة من مجال للتداول العقلاني إلى مجال لإنتاج السرديات الشعبوية التي توظف نظرية المؤامرة والتخوين وسيلة لتعبئة الرأي العام. وقد سبق لعاهل البلاد أن دعا، في خطاب افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 13 أكتوبر 2017، الفاعلين السياسيين إلى الارتقاء بالنقاش العمومي من منطق المزايدة إلى منطق الإنجاز. ويعكس هذا التوجيه تصوراً للديمقراطية يقوم على إنتاج السياسات العمومية لا على إعادة إنتاج الخطابات المأزومة. فأمام فشل أطياف حزبية في إقناع المواطنين ببرامجها الانتخابية ومشاريعها المجتمعية، تلجأ إلى الشعبوية الاتهامية بغرض شيطنة الخصوم السياسيين وتبخيس الجهود التنموية للدولة دون تقديم بدائل عملية.
رأسمال الإدانة.
يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الحقل السياسي يقوم على التنافس حول الرأسمال الرمزي، أي الثقة والشرعية والمصداقية التي يمنحها المجتمع للفاعلين السياسيين. وفي الظروف الطبيعية، تُكتسب هذه الشرعية عبر الإنجاز، والكفاءة، والقدرة على تمثيل المصالح العامة. غير أن بعض الفاعلين، عندما يعجزون عن تحقيق هذا الرصيد أو يدركون إفلاس خطابهم، يلجؤون إلى استراتيجية بديلة يمكن وصفها بـ"رأسمال الإدانة"، أي بناء حضورهم السياسي من خلال اتهام الخصوم والسعي لتجريدهم من الشرعية.
في هذا السياق، تتحول الشعبوية إلى أسلوب خسيس في العمل السياسي، يقوم على تقسيم المجتمع إلى شعب نقي من جهة، ونخب متآمرة من جهة أخرى، بحيث تُختزل جميع الأزمات في إرادة خفية أو مؤامرة تستهدف الوطن أو الهوية أو السيادة. وهكذا يصبح الاتهام أكثر تأثيراً من البرهان، لأن مخاطبة الانفعالات أسهل من إقناع العقول. في هذا الإطار تدخل السرديات التالية التي روج لها فاعلون حزبيون للمداراة عن فشلهم السياسي:
1 ـ سردية التهجير الديموغرافي.
تقوم هذه السردية على الادعاء بأن قرارات ترحيل ساكنة الأحياء المهددة بالفيضانات (نموذج القصر الكبير) أو برامج إعادة التهيئة العمرانية لبعض المدن الكبرى (الرباط، الدار البيضاء) تخفي مشروعاً لإعادة تشكيل البنية الديموغرافية للمغرب وتهديد هويته الثقافية والدينية، عبر تهجير السكان وتوطين جماعات يهودية قادمة من إسرائيل. هذه السردية يروج لها مناهضو التطبيع لشرعنة اتهامهم للدولة وللنظام بالتآمر على هوية المغرب وسيادته، من جهة، ومن أخرى ببناء "رأسمال الإدانة" تعويضا عن الفشل والعجز في توسيع القاعدة الانتخابية لفائدة برامجهم. وهذا تفسير ينقل النقاش من تقييم السياسات العمومية إلى صناعة سردية مؤامراتية تستثمر في المخاوف المرتبطة بالهوية والدين والسيادة.
2 ـ سردية إحراق حقول القمح.
تعتمد هذه السردية التي تبناها وروج لها عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للبيجيدي بالبرلمان، على الربط بين الحرائق التي أتت على عدد من حقول القمح بمنطقة دكالة وبين مزاعم وجود سياسة ممنهجة لحماية لوبيات الاستيراد حتى يحافظوا على السعر مرتفعا. ويغفل هذا الخطاب طبيعة السوق الدولية للحبوب، والإكراهات المناخية التي يعاني منها المغرب، فضلاً عن التحقيقات القضائية والإدارية التي تحدد أسباب كل حادثة على حدة.
3 ـ المماثلة التاريخية بين أحداث مختلفة.
النموذج الثالث المعتمد في بناء "رأسمال الإدانة" يتمثل في إجراء مماثلة بين أحداث يونيو 1981 التي تختلف جذرياً في سياقها وطبيعتها القانونية عن جريمة الهجوم على مقر للدرك الملكي بالقليعة وإحراقه بغرض السطو على الأسلحة بداخله. سردية وظفها البرلماني عبد الله بوانو في صراع حزبه مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش بدوافع انتقامية تعود جذورها إلى ما سمي لحظتها بـ"البلوكاج" الذي انتهى بإعفاء بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة. ويشكل هذا النوع من القياس أحد أبرز مظاهر سوء استخدام التاريخ في الخطاب السياسي، لأنه، من جهة، يلغي الفروق بين الاحتجاج السلمي وبين الاعتداء على المؤسسات العمومية، ومن أخرى، يخلط بين الذاكرة الجماعية والوقائع القانونية، بما يفضي إلى إضفاء مشروعية رمزية على العنف ضد الدولة ومؤسساتها.
أكيد أن اللجوء إلى هذه السرديات يراد منه تحقيق الأهداف التالية:
أولا: تعويض ضعف البرامج الانتخابية عبر تحويل الاهتمام من سؤال البدائل إلى سؤال المؤامرة.
ثانياً: منح الفاعل السياسي قدرة على تعبئة الناخبين من خلال إثارة الخوف والغضب، وهي مشاعر أكثر تأثيراً من النقاش العقلاني.
ثالثاً: إعفاء الذات من المسؤولية، إذ يصبح سبب كل أزمة هو تآمر الآخرين، لا قصور الفاعل السياسي في تقديم الحلول.
رابعا : شيطنة الدولة والحكومة بمكوناتها الحزبية بانخراطهما في "مؤامرات" تستهدف الأمن الغذائي والسيادة الوطنية والهوية الدينية والقافية للمغاربة.
جدير بالذكر أنه لا خلاف حول حق المعارضة، بل واجبها، في مساءلة الحكومة وانتقاد اختياراتها، غير أن النقد الديمقراطي يختلف جذرياً عن الاتهام المجرد. فالأول يستند إلى الوقائع والمعطيات، ويقترن بتقديم بدائل قابلة للتطبيق، بينما يقوم الثاني على إثارة الانفعال وتوسيع دائرة الشك دون أن يقدم حلولاً أو يتحمل أدنى مسؤولية سياسية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الديمقراطية المغربية لا يتمثل في وجود معارضة قوية، بل في الحاجة إلى معارضة تجعل من الحقيقة والبرهان أساساً للممارسة السياسية، ومن البديل العملي معياراً للمنافسة الديمقراطية. فكلما ارتقى الخطاب السياسي إلى مستوى التحليل الرصين، إلا وتعززت الثقة في المؤسسات، واتسع أفق المشاركة السياسية، وأصبحت الديمقراطية أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.



#سعيد_الكحل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نتائج البكالوريا والتحولات الجندرية في المجتمع المغربي.
- الغش في الامتحان: أزمة قيم أم أزمة قانون؟
- حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة.
- كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟
- مواقع التواصل الاجتماعي من المساءلة إلى التشكيك في المؤسسات.
- الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز.
- ذكرى تفجيرات 16 ماي: كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرها ...
- مالي ضحية تحالف الانفصال والإرهاب.
- صلاة الحريديم: احتجاج مفتعل بخلفيات سياسوية.
- حين تفقد الأحزاب المبادَرة والمصداقية..
- بيان شورى عدلاوة: تحريض، تنكّر وتهافت.
- عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع.
- اقطعوا أذرع الأخطبوط الإيراني قبل أن يخنق العالم.
- حتى لا تصير مدن الشمال بيئة حاضنة للخلايا المتشيعة.
- النظام الجزائري في رقصة الديك المذبوح.
- حين تتباكى نساء الإسلامويين على حقوق المرأة التي ناهضنها.
- حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران.
- وفاء مبدئي للمغرب بالتزاماته تجاه الفلسطينيين.
- حتى لا يتحول المغرب إلى موْطن للمرحّلين من أوربا.
- ملحمة دولة وأمة.


المزيد.....




- أميرة ويلز تتسلق أعلى 3 قمم في بريطانيا خلال 24 ساعة فقط.. م ...
- ألمانيا.. الشرطة تعلن مقتل وإصابة عدة أشخاص بإطلاق نار
- -طهران طلبته-.. ترامب يكشف عن موعد انعقاد الاجتماع مع إيران ...
- وصول أول رحلة تجارية مباشرة بين الإمارات وإيران منذ بدء الحر ...
- CTV: غرق قارب يقل سياحا في كندا وفقدان ستة أشخاص (فيديو)
- زلزالا فنزويلا: عمليات الإنقاذ تتواصل وحصيلة القتلى مرشحة لل ...
- تصعيد إسرائيلي في الجنوب السوري.. توغلات وقصف يدفعان الأهالي ...
- مناورة سياسية في قصر بعبدا؟ عون يفكر بإقالة هيكل وبري -لا تم ...
- جماهير المغرب تشعل مونتيري قبل مواجهة هولندا في دور الـ32
- ما الذي يخفيه الاتفاق؟ تقرير يكشف ملحقًا أمنيًا سريًا يمنح إ ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الكحل - حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.