أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الكحل - العدمية النوّاحة وخطاب التبخيس في المغرب.















المزيد.....

العدمية النوّاحة وخطاب التبخيس في المغرب.


سعيد الكحل

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 16:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يشهد الفضاء العمومي المغربي، ولا سيما الرقمي منه، انحدارا عميقا في طبيعة الخطاب "النقدي" وأشكاله. ومن بين أبرز هذه التشوّهات بروز نزعة يمكن تسميتها، على سبيل المجاز لا على سبيل الدقة الفلسفية، بـ«العدمية النوّاحة»: خطابٌ يتعامل مع الواقع من زاوية سلبية مطلقة، فيُنكر المنجزات أو يُبخّس قيمتها، ويُضخّم، في المقابل، الإخفاقات والمشكلات مهما كانت محدودة أو ظرفية، إلى حدّ أن العدميين نحتوا نعْت "التعياشيت" ليقدحوا به كل من يثمّن ما تحقق من منجزات ومكاسب. وقد ساهم الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي في توفير بيئة حاضنة لهذا النمط الخطابي. وهذه ليست ملاحظة خاصة بالحالة المغربية وحدها؛ فقد أظهرت دراسات في علم النفس الإعلامي والاتصال السياسي، من أبرزها أعمال الباحث الكندي ستيوارت سوروكا حول "الانحياز السلبي" في استهلاك الأخبار، أن المحتوى السلبي يحظى إحصائياً بمعدلات تفاعل ومشاركة أعلى من المحتوى الإيجابي، بصرف النظر عن دقته أو تمثيليته للواقع.
لا يمكن فهم انتشار الخطاب العدمي بمعزل عن البنية التقنية التي تحتضنه وتشيعه. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعمل كقنوات محايدة لنقل المعلومات، بل تخضع لمنطق خوارزمي يكافئ الإثارة والانفعال والسلبية. وقد أظهرت دراسات متعددة أن المحتوى السلبي يحظى بمعدلات تفاعل أعلى بنسبة تتراوح بين 20% و40% مقارنة بالمحتوى الإيجابي أو المتوازن. وفي السياق المغربي، تشير معطيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت تجاوز 33 مليون مستخدم سنة 2024، وأن منصات مثل «فيسبوك» و«تيك توك» و«يوتيوب» أصبحت المصدر الأول للأخبار لدى فئة الشباب بين 18 و35 سنة. هذا يعني أن الخطاب العدمي لا يبقى محصوراً في دوائر ضيقة، بل يتضخم خوارزمياً ليصبح «الواقع المدرك» لدى شرائح واسعة، حتى لو كان لا يعكس الواقع الفعلي. والأخطر من ذلك أن هذا التضخيم يخلق ما يسميه علماء الاجتماع بـ «الواقع الموازي» وهو واقعٌ رقمي منفصل عن المعطيات الموثقة، يتغذى على ذاته، ويُنتج قناعة جماعية بأن «كل شيء فاشل» بغض النظر عن الأرقام. ولعل أحداث اقتحام الثغرين المحتلين، سبتة ومليلية، تثبت خطورة توظيف مواقع التواصل الاجتماعي في خلق هذا «الواقع الموازي» والتحريض على الهجرة غير النظامية.
يأكلون الغلة ويسبون الملّة.
لا غرابة، إذن، أن تطفو على السطح فئة من "المؤثرين/المسترزقين" بالخطاب العدمي كل أدواتهم معاول هدم الثقة في الدولة ومؤسساتها والتشكيك في مصداقيتها. فئة كل همّها هو التربص بالدولة واستهدافها بكل أساليب التغليط والتشهير والتحريض. وقد اصطف هؤلاء إلى خندق تنظيمات حزبية كل زادها هو اتهام الدولة بمسؤوليها بالانخراط في مؤامرات خارجية سواء ضد الوطن والشعب (تمكين إسرائيل من تنفيذ مخططاتها في المغرب)، أو ضد الفلسطينيين (الانضمام إلى مجلس السلام والمشاركة في "قوة الاستقرار الدولية" التابعة لمجلس السلام في غزة)، أو ضد الجيران (التطبيع يستهدف الجزائر، واقتحام سبتة ومليلية المحتلتين عقاب لسانشيز على موقفه الداعم لغزة). جميع هؤلاء باتو متخصصين في مهاجمة الدولة وتسفيه مؤسساتها، دافعهم الاسترزاق بتضخيم المشاكل، وزادهم الخطاب العدمي المقيت والشعبوية البغيضة على حساب استقرار الوطن وسمعة الشعب.
لا يقتصر تبخيس العدميين على انتقاد السياسات العمومية، بل يتجاوز ذلك إلى نفي أي قيمة للمنجزات المتحققة. يظهر ذلك بوضوح في التعامل مع بعض التحولات الاقتصادية والصناعية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فعندما تستقطب البلاد استثمارات صناعية كبرى، أو تنجح في تطوير صناعة السيارات وتوسيع حضورها في الأسواق الخارجية، يسارع خطاب التبخيس إلى اختزال هذه التجربة كلها في تفسير واحد، قوامه استغلال اليد العاملة أو انخفاض كلفة الإنتاج. ولا شك أن قضايا الأجور وظروف العمل والعدالة الاجتماعية تستحق النقاش والمساءلة والنضال من أجل تحسينها، لكن اختزال الاستثمار الصناعي برمته في «استغلال اليد العاملة» يلغي عناصر أخرى لا يمكن تجاهلها، من قبيل عائدات التصدير (16 مليار دولار)، وتطور البنية التحتية واللوجستية، وتكوين الموارد البشرية، وتطور سلاسل التوريد، والاستقرار المؤسساتي، والقدرة على الاندماج في الأسواق الدولية.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن النظر إلى التبخيس المستمر باعتباره آلية لإعادة إنتاج التشاؤم الجمعي. فعندما يصبح الاعتراف بالنجاح أمراً غير مقبول داخل بعض البيئات السياسية أو الإعلامية، يتحول الموقف المعارض من وسيلة لمراقبة السلطة إلى هوية قائمة بذاتها. وفي هذه الحالة يصبح كل إنجاز محرجاً، لأنه يربك الصورة المسبقة التي يقوم عليها الخطاب العدمي الذي يبحث عن أي ثغرة، مهما كانت صغيرة، لتصبح هي الموضوع الوحيد، بينما يُهمّش الإنجاز نفسه.
إن المغرب، مثل سائر الدول، يواجه تحديات حقيقية في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والتفاوتات الاجتماعية والعدالة المجالية والحكامة. غير أن وجودها لا يلغي، في الوقت نفسه، ما تحقق من تطور في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، والربط اللوجستي، والاستثمارات، وتوسيع الخدمات الأساسية أهّلت المغرب ليتصدر الدول الصناعية في إفريقيا ويضاعف إنتاجه الوطني الخام ثلاث مرات خلال عقدين ونصف، علما أنه دولة غير نفطية.
بين النقد البنّاء والعدمية.
من الضروري التمييز بين النقد البنّاء والعدمية. فالنقد البنّاء يستند إلى الوقائع والمعطيات، ويعترف بالنجاحات كما يشير إلى الاختلالات، ويقترح بدائل وحلولاً عملية. أما الخطاب العدمي فيقوم على رفض الواقع برمته ومهاجمة المنجزات، دون تقديم تصورات قابلة للتطبيق. فالمجتمعات المتقدمة لم تتطور بفضل التمجيد المطلق للواقع، لكنها أيضاً لم تتقدم عبر إنكار كل ما تحقق. بل إن التوازن بين الاعتراف بالمنجزات ومواصلة الإصلاح يشكل أحد أهم شروط التنمية المستدامة. ذلك أن التنمية تحتاج إلى حد أدنى من الثقة في المستقبل وفي قدرة المجتمع والدولة على التقدم ومواجهة التحديات. وعندما يسود الاعتقاد بأن كل المبادرات فاشلة مسبقاً، تتراجع المشاركة المجتمعية وتنطفئ روح المبادرة. ذلك أن التركيز المتواصل على السلبيات وتضخيمها دون إبراز جوانب التقدم يخلق شعوراً عاماً بالعجز واليأس، خاصة لدى فئة الشباب، ويضعف الإيمان بإمكانية التغيير الإيجابي؛ وقد لمسنا هذا في تصريحات الأطفال والشباب لحظة اقتحامهم بوابة سبتة المحتلة نهاية شهر يوليوز. ومن شأن الخطاب العدمي النوّاح، خصوصا في عالم مترابط إعلامياً، أن يؤثر على الصورة الذهنية للدول في جاذبيتها الاقتصادية والسياحية والاستثمارية؛ ومن ثم يساهم تضخيمُ المشكلات المحلية بصورة مستمرة في تكوين انطباعات غير متوازنة عن الواقع الاقتصادي والسياسي للدولة.
لا جدال في أن ظاهرة العدمية الاجتماعية وخطاب التبخيس والتيئيس تكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطريقة إدراك الواقع وتقييمه؛ وتجاوزها يقتضي التحرر من سطوة العدمية التي أسرت العقول وسيّجتها ضد الانفتاح والتطور والانخراط في تقوية مؤسسات الدولة عبر المشاركة البناءة والنقد الموضوعي واعتماد مقاربة متوازنة تعترف بالنجاحات وتنتقد الإخفاقات في الوقت نفسه. فالتنمية لا تتحقق عبر النوّاح واللّطم والتحريض ضد الدولة ومؤسساتها، وإنما بالانخراط الفعال والإيجابي في مواجهة التحديات وتثمين المكتسبات والعمل على تجويدها.



#سعيد_الكحل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أهمية وأبعاد الشراكة الاستراتيجية المغربية-الأمريكية.
- أحداث سبتة عنوان المؤامرة.
- خطاب العرش ينقل الدولة من منطق الإنجاز إلى رهان الإنصاف.
- لعبة الظلال لمحاولة استنساخ قضية صنصال.
- الأمن والتنمية في مواجهة الإرهاب: لماذا نجح النموذج المغربي؟
- هرطقات بنكيران، أو حين تصبح الإهانة برنامجاً سياسياً.
- انتصارات المنتخب الوطني ونعيق الغربان.
- حين يصل الإفلاس الحزبي مداه.
- نتائج البكالوريا والتحولات الجندرية في المجتمع المغربي.
- الغش في الامتحان: أزمة قيم أم أزمة قانون؟
- حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة.
- كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟
- مواقع التواصل الاجتماعي من المساءلة إلى التشكيك في المؤسسات.
- الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز.
- ذكرى تفجيرات 16 ماي: كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرها ...
- مالي ضحية تحالف الانفصال والإرهاب.
- صلاة الحريديم: احتجاج مفتعل بخلفيات سياسوية.
- حين تفقد الأحزاب المبادَرة والمصداقية..
- بيان شورى عدلاوة: تحريض، تنكّر وتهافت.
- عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع.


المزيد.....




- صالات المطارات.. هل تستحق العناء أم أصبحت تجربة مخيبة للآمال ...
- ما سر هوس مواقع التواصل بهذا المشروب الكوري من حليب الموز؟
- -نهاية الشرق الأوسط الأمريكي- - مقال في صحيفة فورين أفيرز
- إقالات نادرة تهزّ الموساد.. هل تكشف إخفاق الرهان الإسرائيلي ...
- روسيا تجري اختبارات صاروخية في جزر متنازع عليها واليابان تحت ...
- بحيرات وأنهار المجر تسجل مستويات متدنية قياسية مع تفاقم الجف ...
- بين العقوبات والاستعداد العسكري.. هل تقترب إيران من جولة جدي ...
- ألمانيا تحتاج العمالة الماهرة.. لماذا لا يسد العاطلون هذا ال ...
- عمران خان يعود إلى السجن بعد فحص طبي
- بيسكوف: تفجيرات -السيل الشمالي- عمل تخريبي إرهابي ضد الاتحاد ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الكحل - العدمية النوّاحة وخطاب التبخيس في المغرب.