أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهتدي مهدي - مقطع سردي من رواية طريق الزاجل














المزيد.....

مقطع سردي من رواية طريق الزاجل


مهتدي مهدي
روائي

(Muhtady Mahdi)


الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 03:01
المحور: الادب والفن
    


مشى مسافة على الكورنيش, ثم توقف التقط بضعة أحجار وأخذ يلقي بها في الشّاطئ تباعاً, وقد اضطربت الأفكار في رأسه, حتى إنه لا يدري كيف وصل إلى هذه النّقطة المنتهية في هذا المكان. صاح عليه أحدهم "يا ولد.. يا ولد.." أنتبه إلى مصدر الصّوت وراءه, كان جندياً بكامل قيافته العسكريّة, جاء له من نقطة التفتيش القريبة. وكان يمسك بندقيته بيده. من بعيد قال: "ممنوع الوقوف هنا" انتبه إلى أنه كان قريباً من نقطة التفتيش. لكنه كان بعيداً عن القصور الرئاسيّة. رمى الأحجار التي كان يحملها في يده دفعة واحدة في الماء ورجع في طريقه دون أن ينبس ببنت شفة. شعر بغبطة الانتظار, وإن كان انتظاراً لشيء أصبحت صورته تتبلور في ذهنه, فالأمر الذي كان محض شك, صار ينتظر أن يقطعه بيقين الاعتراف.
في طريق العودة فكر ماذا سيفعل وماذا سيعمل في قادم الأيام. منذ أن جاءه ذلك الشّخص الذي عرّف له نفسه بأنه محامٍ مع الأمر القضائي الذي كان يحمله بيده, والصّادر من المحكمة بنبش الرفات. وكان برفقة شرطيين.
طلب منه أن يوقع لغرض حضوره في التّاريخ المحدد لفتح القبر ومن ثم تحديد هوية المتوفى, في إجراءات روتينيّة متعارف عليها.
ثم ذهبوا جميعاً إلى النّجف وكان بصحبتهم خبير عدلي, تم توليه الإشراف المباشر في هذه القضيّة, وممرض لا يزال يعمل مع الجيش الأمريكي وخلال ذلك الطّريق الطّويل تحدّثوا بأحاديث مختلفة, تحدث الممرض لهم عن البصمة الوراثيّة وكيف يتم من خلالها تحديد الأبوّة, وأخذ العيّنات مثل الشّعر وغيرها في مسرح الجريمة, لإثبات عائديتها. ثم تحدّث عن المقابر الجماعيّة, حين كان بصحبة الجيش الأمريكي, وكيف إن عملية استخراج الرّفات لم تكن دقيقة بحيث خلطت العظام مع بعضها, بشكل يتعذّر به فرزها, دون إجراء فحص الحمض النووي لذلك تم إعادتها بانتظار توفر الإمكانيّة لذلك.
استكملوا تلك الإجراءات, وعادوا إلى الشّعيبة بعد أن أخذ الممرض عيّنة من الرفات لغرض مطابقتها مع العينتين اللتين أُخِذتا منهما في مشفى الجيش الأمريكي. لتُنقل بعدها إلى مستشفى أكبر خارج العراق. بعد ذلك بمدة كانت النّتيجة بالنسبة لهم إيجابيّة, وجاؤوا ليخبروه بذلك. وأن ذلك القبر هو قبر والدهم "جميل" الذي تم إعدامه خلال الانتفاضة, وخلال الأيام القادمة سيستصدرون أمراً قضائياً ثانياً, بموجبه سيتم نقل الرّفات إلى قبر في مكان آخر.
بهذه الطّريقة كانت الأحداث تتواتر على حسام, ومعها الخسارات, فبعد أن خسر أفراد عائلته فرداً فرداً, عاد ليخسر قبر والده, الذي بنوه بشق الأنفس, حين تعذّر عليهم العثور على رفاته.
وفيما كان حسام يشق طريق العوّدة على كورنيش الشّاطئ, ويفكّر بكل هذه الخسارات, اشرأبت صورة قبر والده على كل أفكاره. وفكّر لوهلة وسط شعور بهيج ما إذا كان قد خسر قبراً ليكسب والداً حياً بعظمه ولحمه, سيعطف عليه ويعوّضه خيراً, خصوصاً إنه عرض عليه في رسالته فكرة العمل مع النّخب الحاكمة التي أبدى رفضه لها. لكنه سيستطيع أن يقنعه بعمل آخر أو فكرة أخرى إذا صح القول. تبلورت لوهلة في ذهنه. ثم همس إنه هو.. وعاش للحظات حالمة لم يشعر بها من قبل, انتابه خلالها شعور عميق وحاجة ماسة للانتماء. كان إيميله قد لفت انتباهه أيضاً, إذ كان يحمل اسم "كريم جاسم." لكن سرعان ما اسودت صورة ذلك الوالد وازدادت قتامة, لماذا لم يأتِ ليراهم بعد الاحتلال إذا كان حياً, لماذا لم يسأل عنهم طيلة تلك المدّة, هل تزوج فعلاً, وصارت له عائلة أخرى فنسيهم, أو أنه علم بأمر والدته التي تزوجت فعاقبهم على ذلك. أخذ يعب من هواء الشّاطئ, ما استطاع إلى ذلك. ملأ رئتيه, فكلما تقدّم صوب نهر المدينة, ازدادت الانبعاثات العطنة من المياه الآسنة, بسبب المجاري. ظلّت هذه الأفكار تناور في ذهنه, حتى وصل إلى سيّارته التي ركنها جانباً قرب مدينة الألعاب. تذكر غلا وعدها, كذبها, ثم غيابها.. الفتاة التي تعرف عليها ولم يرَ صورتها, فكان لا يستطيع أن يتصوّرها, وفق ما كانت تصوّر له نفسها بالكلام, لكنه استطاع أن يبتكر صوراً متخيّلة عنها. تذكر صديقه "عماد" وتذكر إلهام. بعضهم يظهر غزيراً في الذّاكرة, ليشح حضوره ويتوارى مثل حلم. وهكذا لتبقى الذّاكرة اليوميّة مفازات فارغة دون أمل. وجد نفسه يسير في الأماكن التي وطنها ذات يوم, وظل هاجس الذّكرى يعيش فيها. انطلق صوب جزيرة الدّاكير التي غصّت بورش صناعة السّفن في وقت خلا من عقد التسعينيّات. كانت هياكل السّفن تملأ المكان. تذكّر البحر والنّوارس, تذكر صديقه "عادل" كيف عمل ذات صيف هنا كبرّاد, يبرد درزات اللّحام بـ"الكوسرة", قبل أن تفتتح ورش بناء وصيانة الزوارق والسفن بالفاو، في وقتٍ عمل هو ميكانيكياً هنا ايضاً.. لكنه لا يرى هيكلاً لسفينة واحدة الآن. كان يرى بيوت التّجاوز فقط, والمخازن التي أخذت تنتشر فيها.
في طريق العودة, شاهد لأول مرة أثار حرب الثّمانينيّات, على سياج الجسر الذي طليَّ باللّون الأبيض, وقد تركتْ الشّظايا بصماتها, ممزقةً الحديد في الكثير من الأماكن. بدتْ أوضح وأكثر غوراً فيه بعد طلائه, فتولّدت لديه أول فكرة تشكيليّة "تلميع الخراب." الفكرة التي سيبدو الخراب فيها أرسخ وأكثر خراباً! كان أثر إحدى القذائف, ما يزال شاخصاً على الرصيف, على هيئة صدع كبير. وقد انتشرت من حوله الصدوع الصغيرة, اتضح ذلك جلياً في السياج المعدني للجسر عينه, الذي انبعج قرب مكان الانفجار ومال نحو النهر, وتمزقت أعمدته الحديديّة بفعل الشظايا. شعر كم كان هذا الجسر هدفاً لنيران المدافع في ذلك الوقت.



#مهتدي_مهدي (هاشتاغ)       Muhtady_Mahdi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقطع جديد من رواية طريق الزاجل
- مقطع من رواية طريق الزاجل
- كلب مطيع
- أرقام
- أبي
- يعيش الرئيس
- اللا معقول.. عبثيّة الواقع العراقي
- إيقاد الشموع
- فتاة المتنزه


المزيد.....




- المسرحي الغزي علي أبو ياسين ينال لقب -كاتب الشجاعة- لعام 202 ...
- فيلم -اغتراب- يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تطوان وتنويه خاص ...
- فلسطين في قلب مهرجان الدوحة السينمائي 2026: حكايات الصمود وا ...
- الأحد المقبل.. الجامعة العربية تشارك في المؤتمر الثالث للثقا ...
- عداد بلا جمهور.. هل شاهد 43 مليونا فعلا فيلم إسرائيل المضاد ...
- معرض بيروت للكتاب: خريطة القلق اللبناني بين الذاكرة والحرب و ...
- كيف تورط الشاعر محمد الفيتوري في عملية اختطاف الإمام موسى ال ...
- مهرجان «العودة للجذور» يمنح نينوى جائزة أفضل فيلم روائي طويل ...
- من بين الركام.. كيف حملت سيدة جنوبية ذاكرة مكتبة بنت جبيل؟
- من فلسطين إلى اليمن.. حكايات إنسانية في مهرجان الدوحة السينم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهتدي مهدي - مقطع سردي من رواية طريق الزاجل