أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهتدي مهدي - مقطع من رواية طريق الزاجل














المزيد.....

مقطع من رواية طريق الزاجل


مهتدي مهدي
روائي

(Muhtady Mahdi)


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 02:18
المحور: الادب والفن
    


كان عادل يجر قاربه من ورائه بالحبل, وما إن تسنى له الوصول إلى اليابسة, تعاونا معه في سحبه قليلاً إلى الأرض الطينيّة, حتى لا يبقى يتأرجح, فتأخذه الأمواج. في تلك الأثناء كانت الشّمس قد أصبحت تماماً مثل تلك الصورة التي نسجها في خياله. قرصاً أحمر مع خط الأفق الفاصل بين الماء. "هذا خور عبد الله" قال عادل وهو يشير لناحية الغرب, حيث الشمس الآخذة بالنزول, وخلال ذلك كانوا قد التقطوا الكثير من الصور عبر أجهزتهم الخلويّة, كان الماء قد أخذ بالانحسار لما يسمى بظاهرتي المد والجزر التي تحدث مرتين باليوم, فأخذ عادل يتحدث عن والده الكثير من الكلام الملهم, حول المد والجزر كونه كان أحد بحارة السفن الذين جابوا الكثير من البلدان. فكانت لديه معلومات كثيرة ومفيدة, عن البحار والمرافئ والمدن الساحليّة, في حين لم يستثمر الكثير من رفاقه تجاربهم تلك, إذ سرعان ما كانوا ينسون الكثير من تلك القصص التي كان والده يدونها ويؤرشفها في سجل احتوى على الكثير من المعلومات القيّمة عن البحار "ذات يوم وعندما كنتُ صغيراً, كنّا من أوائل الناس الذين عادوا إلى مدينة الفاو تحديداً كان ذلك في عام 1989, فاصطحبني والدي لأشاهد منظر الغروب الساحر ذاك. لقد بقي ذلك المشهد عالقاً في ذهني طيلة تلك المدة الزمنيّة, حيث مرَ ثمانية عشر عاماً عليها, ولم أزل. أتذكرها كما لو كانت هي اللحظات التي أقف فيها معكم الآن, حينها بدت لي الشّمس كمصباح والبحر سِفرٌ كبير أرى فيه خرائط المدن والخلجان. يومها قال والدي بصدد عودتنا وكان متفائلاً: "تعلمت من البحر أن وراء كل مضيق بحر على مدّ الأفق" وأنا منذ ذلك اليوم كلما ضاق صدري, وضاقت الدنيا الواسعة في عيني. أتيتُ إلى هنا لأطل على البحر فينشرح صدري.
في تلك الأثناء كان مجرد التفكير بالعودة إلى البيت, بالنسبة لحسام, يشعره بالضجر, لذلك أراد أن يستثمر وجوده في هذا المكان جهد الإمكان, بعيداً عن الأزمات والمنغصات المتناسلة, بدءاً من والده والبحث عن جميل الذي شكّل الحلقة المفقودة بين موت والده, ومن تسبب في موته إلى موضوع زواجه, الذي عجزت جدّته في محاولاتها الغفيرة معه, وبدلاً من أن تقنعه بأفضلية زواجه من ابنة عمه إسراء أقتنعت بأنه لن يقتنع ما دام هناك من يمحضه النصح ويشعره بالانتماء واهتمام الآخرين من حوله به. الآن هو يشعر بسعادة غامرة وبهجة, مثلها كانت ترتسم على وجه عماد, الذي كان لا يفكر بالعودة كذلك, والبقاء دون أن يشغل باله بالتفكير, كأنهما كانا يمنيان نفسيهما بإطالة أمد البقاء, في هذا المكان, والانشغال به دون أي شيء آخر. وخير طريقة هي في أن يعيشا اللحظة, دون أن يشغلهما شيء سواها حيث الشمس والماء والطين والنوارس, حتى إن "حسام" نسي زواجله, في غمرة ترقبه للقادم.
كانت أسماك نطاط الطين تهرب منهم كلما تقدموا باتجاهها, لتختبئ في جحورها التي بدت كفوهات لبراكين, انتشرت في الطمي من أمامهم, كانت تهرب زاحفة إلى جحورها, في صورة عكست في ذهن حسام نظريّة الارتقاء النوعي, حيث كان قد قرأ كتاباً كاملاً عنها, كيف إن المخلوقات البحريّة من الأسماك صارت تطور نفسها, , فأخذت الزعانف تتحول إلى ما يشبه الأقدام, تعينها في الحركة على اليابسة, تماماً مثلما يجده الآن في هذه المخلوقات البرمائيّة, التي بدت له قد حافظت واكتفت بهذا الحجم من التطور. وفيما كان منشغلاً بالتفكير بأقدم الكائنات التي وجِدت على سطح الأرض, قال عادل: "هل تعلم أن أقدم الكائنات على سطح الأرض هي الأسماك, ثم جاءت الفقاريات لتأتي من بعدها اللبائن بعد سلسلة من الانقراضات" شعر حسام كما لو أن تياراً كهربائياً قد مسه مع كلام عادل, حين تزامن مع نفس الفكرة التي كانت تشغل باله. فقال سبحان الله كنت أفكر في نفس كلامك هذا, وهذا الشيء يحدث معي كثيراً, حين أكتب رسالة على هاتفي لأحد, أو عندما أكون على حاسبتي منشغلاً في برنامج المراسلة. يحدث تناص في كلمة ما, بيني وبين جدتي أو بين مفردة تلفظ عبر شاشة التلفاز.
"يسمى هذا تخاطر" قال عادل وكانت أقدامهم المنغمسة في الطين اللزج, تصدر صوتاً كلما تقدموا باتجاه القارب, وما إن غابت الشمس وحل الغسق, وأخذ الماء ينحسر تدريجياً. ومعه صار لزاماً عليهم العودة, وقد أصبح قاربهم يستقر على الطين, بدلاً من أن يبقى مناصفة بين الماء والطين.
"تركنا نصفه بالماء قبل قليل؟" قال عماد وهو ينظر إليهما, وكأنه قد أتى بجديد في هذه الملاحظة وقد تصور إنها سترفع من شأنه في عيون رفيقيه اللذين يتحدثان طوال الوقت في أمور يجهل أن يخوض في غمارها معهما, لكيلا يشعر بتخلفه في كلامه غير المنسجم, مع ما يتسع لهما من فضاء فكر رحب يخوضان به حسب ما يروق لهما من كلام. كان يصغي لذلك الكلام جيداً, حتى وهو يدير ظهره ويتظاهر بعدم سماعه وانشغاله بعيداً عنهما.
"إنه الجزر, عزيزي" قال عادل وأراد حسام أن يتكلم لكنه لجم لسانه في اللحظة الأخيرة, التي كاد ينطق فيها بالكلام, فمهما كان تصويبه لما قاله, سيبقى ذلك يُشعِر "عماد" بالانتقاص ما دام هناك طرف ثالث بينهما, لا يقل عنهما شأناً وموسوعيّة. يتكلم عنه ابنه, بتلك الثقة وكأنه لا يزال يعيش في الماء, الهواء في كل مكان, كأنه لا يزال حاضراً أمامه.. فحضور الراحلين في الوجدان أفضل من غياب الحاضرين عنه.



#مهتدي_مهدي (هاشتاغ)       Muhtady_Mahdi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلب مطيع
- أرقام
- أبي
- يعيش الرئيس
- اللا معقول.. عبثيّة الواقع العراقي
- إيقاد الشموع
- فتاة المتنزه


المزيد.....




- التعليم العالي: بدء تنسيق طلاب الشهادات الفنية اليوم.. والتس ...
- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهتدي مهدي - مقطع من رواية طريق الزاجل