أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم القعير - صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟ ابراهيم القعير














المزيد.....

صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟ ابراهيم القعير


ابراهيم القعير

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 17:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟


تغريبة الحق.. أطول معاناة في تاريخ البشرية. سفينة نوح وثمن الإصلاح.هو أول غيث النبوة المرسل إلى الأرض بعد أن أظلّها غمام الشرك، وأحد أولي العزم الذين حملوا مشاعل النور في ليل الإنسانية البهيم، والجد الثاني الذي تناسلت من صبره البشرية. إن ما كابده سيدنا نوح -عليه السلام- في مجابهة قومه يمثّل السفر الأطول والأقسى في تاريخ المعاناة الإنسانية؛ إذ امتدت مكابدته تسعمائة وخمسين عاماً، تجرّع خلالها غصص الصدّ والجحود، واعتصم بالصبر الجميل في قلةٍ مستضعفة لم تزدها الأيام إلا ثباتاً. ولم تكن وطأة المحنة مقصورة على عداء العشيرة، بل تغلغلت إلى سويداء بيته؛ إذ خانته امرأته بكفرها، فكانت تفشي سرّه وتنبذه بالجنون، وتوّجت الرزية بفقد ولده (كنعان) الذي عصى واستكبر، فابتلعه الطوفان غرقاً أمام ناظريه، ليتجرع الأب مرارة الفقد وحسرة العقوق معاً.

والمتأمل في الذكر الحكيم يستجلي خمسة أساليب ممنهجة لإسقاط أهل الحق، صاغتها الجاهلية الأولى (بنو راسب) وتوارثتها المجتمعات المستكبرة عبر العصور كابراً عن كابر:

1. هدم الرمز والانتقاص من قدره:
أولى كنانات الباطل هي السعي الحثيث للحطّ من مكانة الداعي، والتقليل من شأنه عبر تساؤلات تافهة تطعن في أهليته؛ فيدّعون حداثة سنه، أو غربته عن المِصر، أو ضآلة معارفه. وهكذا واجه قوم نوح نبيّهم بالاستهزاء والتهكم كلما شرع في بناء أسباب النجاة، كما صوّر القرآن الكريم هذا الصَّلف في قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38].

2. محاكمة النوايا والطعن في المقاصد:
إذا عجز الباطل عن مقارعة الحجة، عمد إلى تزييف الدوافع؛ فيشيع أن المصلح لا يبتغي بنصحه إلا مآرب شخصية، من وجاهة، أو طلب صيت، أو رغبة في استمالة الجماهير والاستحواذ على عقولهم (وهو ما يُعرف في ثقافة عصرنا بـ "طلب الترند والتفاعل"). لقد واجه المَلأ دعوة نوح بـهذا الاتهام الرخيص، كما حكى القرآن: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24]، ورموه بالضلال في قولهم: {قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: 60].

3. التترس بالأعراف واشتراط ما ليس بشرط:
يلجأ سدنة الجمود إلى الاحتجاج بسلطان العادة، وشرعية المألوف، قائلين: "ما عهدنا هذا في آبائنا، وما أقره كبراؤنا". ثم يأنفون من اتباع الحق لأن سواد أتباعه من المستضعفين والبسطاء، إذ يرى الطغاة في كل عصر أن الحق حكرٌ على علية القوم، واصفين المصلحين بالشرذمة المفسدة التي تعكر صفو الحياة ورونقها، كما قال تعالى مخبراً عن استعلائهم: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111]، وقولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27].

4. الحصار النفسي والافتراء المعنوي:
حين تضيق بالباطل السبل، يشنّ على أهل الحق حرباً نفسية واجتماعية شعواء، فيطوقهم بالعزلة والقطيعة، ويوجه إليهم سهام التهم الجاهزة؛ فتارة هو "ساحر مجنون"، وتارة "متطرف رجعي"، وأخرى "صاحب أجندة وإملاءات خارجية"، وهو ديدن الطغيان المذكور في محكم التنزيل: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9]، وقوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35].

5. بثّ الريبة وصناعة العزلة:
يمزجون السمّ بالعسل، ويسعون لزجر الناس عن سماع المصلح بإشاعة الريبة حوله، مستنكرين أن يأتيهم الهدى على يد بشر مثلهم، ومحرضين الدهماء على التمسك بالموروث الفاسد لضمان عزلته، كما قال تعالى على لسانهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]، وقولهم الحاقد: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا}

[هود: 27].

خاتمة: شقاء المصلحين وثمن الحرية
إن هذه المعاناة المريرة ليست وقفاً على الأنبياء والرسل دون سواهم، بل هي الضريبة السرمدية التي يتقاضاها الجهل من كل مصلح؛ فالمفكرون، والوطنيون، وكل غيورٍ ينتفض ضد القوانين الجائرة أو يماط اللثام عن بؤر الفساد، يلقون المصير ذاته: سُعار حربٍ شعواء، وتغييب في غياهب السجون، ونبذ في المجتمعات. وإن أعظم الفواجع نكراً، وأشدها مضاضة، أن ترى بعض الشعوب تحارب من يسعى لخلاصها، وتتحزب مع جلادها، في قمةٍ مخزية من قمم العبودية الطوعية؛ بينما يتشح المستبدون برداء الحضارة، والإنسانية، والأخلاق الزائفة، ليسدلوا ستاراً يوارون به قذارة واقعهم وبشاعة جرائمهم.



#ابراهيم_القعير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضبابية أم وحل الحرب الأمريكية على إيران...؟د
- هل وسائل التواصل الاجتماعي حيادية...؟
- الشرق الأوسط: مهد الحضارات.. حين تُسحق العدالة تحت وطأة الأط ...
- ماذا يحدث خلف أسوار إيران
- العالم لن يعد كما كان
- كشف ٧ اكتوبر هشاشة العالم وهو يسير في فوضى ابراهيم القع ...
- صراع الدول العظمى في الشرق الأوسط
- هل فشل الانقلاب في إيران؟
- غزة ، من رمز العزة وأسطورة الصمود إلى أرض الكازينوهات.
- مجلس ترمب...مرحلة تحول في النظام الدولي
- حرب بلا رصاص ستمزق أوروبا
- عواصف العام القادم
- توني بلير هل يروج لانتداب ام إحتلال لغزة
- غزة :وداعا يا اظلم أمم عرفها التاريخ
- ماذا تنتظرون بعد قطر....؟
- اتفاقيات عربية ضربا من الخيال...لماذا..؟
- تعدد انواع الموت في غزة
- ابعاد الحرب الإيرانية والشرق الأوسط الجديد
- عصر الوهم ولى
- تصاعد الصراع الداخلي في الكيان يعد انتصار.


المزيد.....




- مصادر: سقوط قتلى وجرحى بصاروخ حوثي وتوقف حركة الملاحة بمطار ...
- تقارير عبرية تكشف تفاصيل نظام توجيه عسكري إسرائيلي تم استخدا ...
- سوخوي تتصدر المشهد.. إندونيسيا تحشد مقاتلاتها لمرافقة طائرة ...
- الجيش الإسرائيلي: إطلاق صاروخ اعتراض باتجاه هدف جوي مشبوه في ...
- الخطوط الكويتية تلغي الرحلات الجوية من وإلى الرياض
- اليمن.. قوات -درع الوطن- تعلن إحباط محاولة تسلل حوثية في محي ...
- السعودية.. مطارا أبها والدمام يواصلان استقبال الرحلات الجوية ...
- تقارير تؤكد إخلاء مطار الملك خالد بالرياض ووقوع جرحى جراء ال ...
- تحقيق إسرائيلي: وثائق وتحذيرات سابقة تناقض رواية نتنياهو بشأ ...
- حشود بشرية تحيي الذكرى السنوية الثالثة لأحداث 7 أكتوبر


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم القعير - صناعة الإسقاط: كيف تحارب المجتمعات الجاهلة مصلحيها؟ ابراهيم القعير