|
|
جيل زاد: من هو ؟ وما دلالة حركاته الاحتجاجية ؟
مجلة سلاح النقد
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 23:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
* بقلم عمّار -------------- مقدّمــــــــــة برز الحديث عن جيل Z في السنوات الأخيرة باعتباره فاعلًا في صناعة الأحداث السياسية والاجتماعية، وذلك من خلال موجة من الاحتجاجات الشعبية الكبرى شهدتها عدة دول، من بينها نيبال (التي أسفرت عن إسقاط الحكومة)، وبيرو (حيث سُجّل جرح 19 شخصًا)، ومدغشقر (التي شهدت مقتل 22 شخصًا)، والمغرب (الذي سُجّل فيه مقتل ثلاثة أشخاص). وقد تبنّى المحتجون أنفسهم تسمية "جيل Z"، بل برزت محاولات لتأسيس حركات سياسية تحمل هذا الاسم، كما هو الحال عربيا في المغرب وتونس. ومن ثمة أصبح "جيل Z" مثيرا لنقاش يتجاوز حدوده الديموغرافية والاجتماعية ليصبح موضوعًا للتحليل الجيوسياسي، وذلك في سياق ما يُعرف بـ"الثورات الملوّنة". وتنطلق هذه الورقة من فرضية مطروحة تربط بين هذا الجيل ومخطط أمريكي مفترض لاستثماره في التغيير السياسي في عدد من البلدان من بينها تونس ، لتنتقل بعد مساءلة هذه الفرضية إلى الإطار المفاهيمي الأوسع الذي تندرج ضمنه وهو خصائص هذا الجيل من جهة، وتاريخ "الثورات الملوّنة" ودور الفاعلين الخارجيين فيها من جهة أخرى، قبل أن تختبر الفرضية ذاتها من خلال حالة نيبال، ثم تُستكمل بمساءلة أصل التسمية والاهتمام الأكاديمي الذي حظي به هذا الجيل، وتجليات ذلك عربيا بما يتيح للقارئ الانتقال من الادعاء السياسي المباشر إلى الأرضية المفاهيمية والعلمية التي يمكن الاحتكام إليها في تقييمه.
أوّلا : من هو جيل Z ؟ يُقصد بـ"جيل Z" الفئة العمرية المولودة تقريبًا بين عامي 1997 و2012، وهو الجيل الذي نشأ في كنف الثورة الرقمية والانخراط شبه الكامل في الفضاء الافتراضي. وتتوزع خصائصه على خمسة محاور متكاملة: 1ـــ الانغماس التكنولوجي: نشأ هذا الجيل مصاحبًا للإنترنت والأجهزة الذكية، مما جعله أكثر إلمامًا بالتقنية من الأجيال السابقة. 2- نمط التواصل: يعتمد بشكل مكثف على منصات كتيك توك وإنستغرام وسناب شات كأسلوب حياة يومي. 3- وعيه الاجتماعي والسياسي: يبدي أفراده اهتمامًا ملحوظًا بقضايا المساواة والتغير المناخي وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. 4 ـــ نزعته الفكرية: يميل إلى عدم التسليم بالمعلومة كما تُقدَّم، ويفضّل التحقق منها. 5- تنظيميا: يتّسم باستقلالية أكبر في اتخاذ قراراته الحياتية والمهنية مقارنة بالأجيال السابقة وينتظم أفقيا خارج الأحزاب والمنظمات.
وهذه الخصائص مجتمعة، وبخاصة القدرة على التعبئة الرقمية السّريعة والتنظيم خارج الهياكل التقليدية، هي التي شكّلت أساس الافتراض القائل بإمكانية توظيفه ضمن حركات احتجاجية منظّمة - وهو الافتراض ذاته الذي تقوم عليه فرضية "الاستراتيجية الأمريكية" التي سبقت الإشارة إليها، والتي يتعيّن الآن وضعها في سياقها التاريخي الأوسع.
ثانيا : فرضية الاستراتيجية الأمريكية في سياق الثورات الملوّنة يُستخدم مصطلح "الثورات الملوّنة" لوصف موجة من الحركات الاحتجاجية الشعبية التي شهدتها عدة دول خلال " ربيع أوربا الشرقية " التي انطلقت تسعينات القرن الماضي لتقويض ما كان يسمّى المنظومة الاشتراكية وضمن ما سمي أيضا الحرب الباردة وما تبع ذلك من ارتدادات، فضلا عن وقائع "الربيع العربي" التي اقترن فيها التظاهر بصوت المدافع وأزيز الطائرات الحربية. وغني عن البيان أنّ الإمبريالية الأمريكية ونظيراتها في أوربا الغربية قد مارست حضورا حاسما في فرض المآلات المطلوبة لتلك الأحداث.
وقبل ذلك وبعده كان الحضور من خلال مؤسسات رسمية وغير رسمية كالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID والصندوق الوطني للديمقراطية NED ومنظمات غير حكومية مموَّلة أمريكيًّا أو غربيًّا، في سبيل إرساء أدوات وبناء قدرات ضمن ما سمي المجتمع المدني، شمل تمويل التدريب والتعليم المدني ومراقبة الانتخابات وتأهيل الصحفيين الخ ...يكون هدفها فرض الديمقراطية على الطريقة الأمريكية بما من شأنه خلق نظم عميلة.
أما بخصوص وجود استراتيجية موحّدة موجَّهة خصيصًا نحو استثمار جيل Z، فلا يوجد دليل علني يثبت وجود "مخطط سري" واحد بهذا المعنى، وبطبيعة الحال فإن الإمبرياليين الأمريكيين ليسوا أغبياء الى الحد الذي يكشفون فيه عن مخططاتهم الخاصة بذلك.
ويمثّـــل الشباب، وجيل Z تحديدًا، - بحكم الخصائص التي عُرضت آنفًا - فئة جذابة لكل تدخل إمبريالي يسعى لإحداث تغيير سياسي في المستعمرات وأشباهها وحتى في البلدان الإمبريالية المعادية كروسيا والصين: فاتصالهم الرقمي الكثيف، وقدرتهم على الانتشار الفيروسي للمحتوى، وقابليتهم للتنظيم غير الرسمي خارج أطر الأحزاب بأنواعها، عوامل تجعل استهدافهم أمرا مفهوما من الناحية الجيوسياسية سواء كان الغرض ثوريا أو رجعيا.
ومن هنا فإن برامج الدعم الديمقراطي أو مبادرات التربية الإعلامية والرقمية قد تستهدف هذه الفئة لغايات معلنة كبناء قدرات المواطنة والتوعية الحقوقية، وهو ما يختلف ظاهريا عن "استغلالها" بمعناه التآمري، ولكن الهدف من حيث الجوهر واحد وهو خدمة الهيمنة الأمريكية على العالم بأسره وفق نزعة إمبراطورية تعلن عن ذاتها من خلال الخطاب السياسي الأمريكي الرائج.
وتشير الماركسية من الزاوية النظرية وخاصة من خلال دراسة قانون التناقض، إلى أن أسباب الاحتجاجات والانتفاضات والثورات غالبًا ما تكون داخلية المنشأ (اقتصادية وفساد وقمع)، وأن التدخل الخارجي، يُمثّل عاملًا مساعدًا لا سببًا حاسمًا أو وحيدًا. وإذا كان الأمر كذلك من الناحية النظرية، فإن السؤال المنهجي الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن للبلدان المعنية بالتدخل الأمريكي صيانة سيادتها وغلق الأبواب أمام أدواته المحلية والخارجية ؟ وغني عن البيان أن ذلك لا يمكن لغير الدولة الوطنية القيام به. وفي نفس الوقت التأكيد على أنّ ذلك الجيل يمكن أن يسير في طريق الثورة متى تم فضح الاستراتيجية الأمريكية الرجعية واستبدالها بنقيضها الثوري في الدعاية والتحريض رغم موازين القوى المختلة حاليا خاصة من حيث الوسائل التقنية المستعملة والتمويل.
ثالثا : في أصل تسمية "جيل Z" يُطلق مصطلح "جيل Z" على الأفراد المولودين بين عامي 1997 و2013، أي أن أعمارهم تتراوح حاليًا بين 12 و28 عامًا. ويضم هذا الجيل، من الناحية الاجتماعية والتعليمية، طلبة الجامعات وتلاميذ الإعداديات والثانويات، إلى جانب أقرانهم من المنقطعين عن الدراسة لأسباب متعددة، يتصدرها الفقر والتهميش في ظل اتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات أي انه ينتمي موضوعيا الى الثورة لا غلى نقيضها.
ويُنظر إليه باعتباره سهل التأثر عبر المحركات الرقمية من جهة، غير أنه لا يخلو، من جهة أخرى، من روح نقدية ورهافة في الوعي وتحلٍّ بالمسؤولية وانشداد إلى المستقبل والعمل من أجله. ولا يعني ارتباطه الوثيق بالعالم الرقمي، مقارنة بالأجيال السابقة، أن تلك الأجيال غريبة عن هذه الوسائط، بل إن استعمالها لها وارتباطها بها أقل حجمًا وكثافة فحسب.
ويجب التذكير بأنّ تقسيم الناس إلى أجيال ليست إشكالية حديثة، بل هي مسألة ذات قيمة منهجية قديمة في الفكر الإنساني. فقد تناول ابن خلدون هذا المفهوم في مقدمته، محددًا المدى الزمني للجيل الواحد بأربعين عامًا ولا توجد جهة واحدة يمكن أن يُنسب إليها "اختراع" مصطلح جيل Z بشكل رسمي وموثّق، بل جاءت التسمية امتدادًا منطقيًّا للتسلسل الأبجدي الذي بدأ بمصطلح "جيل X"، فقد استُعمل مصطلح "جيل X" لأول مرة سنة 1991 على يد الكاتب الكندي دوغلاس كوبلاند في روايته "جيل إكس: حكايات لثقافة متسارعة" وتدور أحداث الرواية حول آندي وكلير وداغ، وهي شخصيات في العشرينات من العمر تعيش في بالم سبرينغز وتعاني من قلة فرص العمل أو الاشتغال في وظائف لا تليق بمؤهلاتها، في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية النسبية التي عرفتها الثمانينيات. وقد رصدت الرواية، بأسلوب ساخر ولاذع، خيبة أمل هذا الجيل تجاه عالم العمل، وسلّطت الضوء على المجتمع الأمريكي الشمالي في أواخر القرن العشرين.
ثم تلاه "جيل Y" المعروف بجيل الألفية فجاء "جيل Z" كامتداد طبيعي لهذا التسلسل. وقد تبنّت مؤسسات إعلامية أمريكية، من بينها صحيفة نيويورك تايمز، هذا المصطلح بشكل غير رسمي للإشارة إلى الجيل الذي نشأ مع الإنترنت والهواتف المحمولة، كما ساهمت باحثة علم النفس جين تونغي في تسليط الضوء على خصائص هذا الجيل من خلال أعمالها الأكاديمية والإعلامية، دون أن يُنسب إليها اختراع التسمية بحد ذاتها. ويظل التفسير الأقرب أن هذه التسمية نتاج تراكمي لتحولات إعلامية وثقافية وتسويقية شهدها أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، لا قرارًا فرديًّا لجهة بعينها - وهو ما يفتح الباب أمام السؤال عمّن تناول هذه التسمية بالدرس العلمي بعد استقرارها.
رابعا : الاهتمام الفلسفي والعلمي بجيل Z حظي جيل Z، فور استقرار تسميته، باهتمام متزايد من قبل باحثين في علم النفس والاجتماع والفلسفة، تتوزع إسهاماتهم على مقاربات متكاملة أكثر منها متنافسة. ففي المقاربة النفسية الاجتماعية، تناولت جين تونغي، في كتابها " iGEN" (2017)، كيف أصبح هذا الجيل أكثر عزلة واعتمادًا على الهواتف الذكية، وأكثر عرضة للقلق والاكتئاب، وأقل ميلًا للعلاقات الشخصية المباشرة مقارنة بالأجيال السابقة؛ وفي الاتجاه ذاته تقريبًا، ناقشت شيري توركل تأثير التكنولوجيا على الهوية والعلاقات الاجتماعية، مشيرة إلى أن التواصل الرقمي قد يكون أكثر سطحية، وقد يعيق تطور المهارات الاجتماعية والعاطفية.
وإلى جانب هذه المقاربة النفسية، تقدّم المقاربة الفلسفية والنقدية للإعلام زاوية أخرى: فقد تناول دوغلاس راشكوف، كيف أصبح جيل Z، في نظره، جيلًا "مُبرمَجًا" من قبل الأنظمة الرقمية، يخضع لضغوط اجتماعية مرتبطة بثقافة المشهد والتنافسية الرقمية؛ وفي أفق مجاور، طرح زيغمونت باومان في كتابه "الحداثة السائلة" الذي يمكن ربطه بتجربة جيل Z كيف يعيش المنتمون إليه في عالم متغير باستمرار، ويواجهون صعوبة بناء هوية مستقرة.
أما من زاوية التنمية النفسية للهوية، فتوفر نظرية إريك إريكسون حول مراحل تطور الهوية، وبخاصة في مرحلة المراهقة والشباب، إطارًا نظريًّا يمكن إسقاطه على فهم التحديات التي يواجهها جيل Z في تكوين هويته وسط الضغوط الرقمية، رغم أن إريكسون لم يعاصر هذا الجيل. وفي سياق أقرب إلى التحليل الاجتماعي العام، تناول مالكولم غلادويل، أثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية على الأجيال، دون أن يركز تحديدًا على جيل Z، إلا أن أفكاره حول "اللحظات الحاسمة" تجد صدى لها في فهم تأثير الثورة الرقمية على هذا الجيل - وهو ما يعيد الربط، من زاوية أكاديمية بحتة هذه المرة، بقدرة هذا الجيل على التأثير السريع في المجتمع التي سبقت الإشارة إليها في سياق فرضية "الاستراتيجية الأمريكية".
وبموازاة هذه الأسماء، تناول علماء الاجتماع، بشكل أعم، تأثير الإنترنت والرقمنة على علاقات الشباب وصحتهم النفسية، مع تباين النتائج بين تأثيرات إيجابية كالتنظيم الاجتماعي، وأخرى سلبية كالقلق والاكتئاب - وهو تباين يعكس، في جوهره، الازدواجية ذاتها التي طبعت هذه الورقة منذ مقدمتها: جيل يمكن أن يُقرأ بوصفه موضوعًا للدراسة العلمية الرصينة، كما يمكن أن يُقرأ، في السياق ذاته، بوصفه أداة افتراضية للتوظيف السياسي.
خامسا : جيل Z عربيا تقدم الحالة المغربية عربيا نموذجا مهما للدراسة فقد شهدت مدن مغربية عديدة، ابتداءً من نهاية شهر سبتمبر 2025، احتجاجات شبابية واسعة نظمتها حركة "جيل زد 212"، احتجاجًا على ما وصفته بـ"الأولويات الحكومية الخاطئة"، المتمثلة في ضخ الأموال في الرياضة الدولية وتشييد الملاعب استعدادًا لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030، مقابل تجاهل قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
وقد امتدت رقعة الاحتجاجات لتشمل أغلب جهات البلاد، ووصلت إلى القرى ودخلت الأحياء الشعبية، بمشاركة أساسية من شباب المعاهد والكليات، إلى جانب سياسيين ونقابيين. وانطلقت شرارة الاحتجاج عقب وفاة عدد من النساء الحوامل في مستشفى عمومي بمدينة أغادير أثناء عمليات ولادة قيصرية، ما فجّر غضبًا شعبيًا واسعًا حول تردي منظومة الرعاية الصحية.
ونظّمت الحركة نفسها بشكل شبكي لا مركزي عبر منصة "ديسكورد"، من دون الكشف عن هوية القائمين عليها، وقدّمت نفسها بوصفها مجموعة من "الشباب" غير المنتمي لأي حزب سياسي، وهو ما يعكس شكلاً تنظيميًا جديدًا يقوم على التنظيم الشبكي في غياب الأطر الحزبية والنقابية التقليدية بما يتفق مع ما نبّهنا إليه سابقا.
وقد تمحورت مطالب حركة "جيل زد 212" المغربية حول إصلاح منظومتي الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد المالي والإداري، وخلق فرص شغل حقيقية للشباب. ومع استمرار الاحتجاجات، ارتفع سقف المطالب ليشمل الدعوة إلى رحيل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي يُنظر إليه من قبل المحتجين كرمز لـ"تحالف المال والسلطة"، بحكم جمعه بين النفوذ الاقتصادي والسياسي بصفته سياسيًا ورجل أعمال يشغل منصب رئيس الحكومة المغربية منذ أكتوبر 2021. وقد رفع المحتجون شعارات متعددة عبّرت عن مطالبهم بلغة مباشرة، من أبرزها:
«الشعب يريد إسقاط الفساد» / «حرية، كرامة، عدالة اجتماعية» / «لا نريد ملاعب، نريد مستشفيات» «هذا المغرب الله كريم.. لا صحة لا تعليم» «ما بغيتونا نقراو، ما بغيتونا نخدمو، ما بغيتونا نوعاو.. باش فينا تبقاو تحكموا»
كما ربط المتظاهرون بشكل مباشر بين تعثر نظام الرعاية الصحية في البلاد والاستثمارات الجارية استعدادًا لبطولة كأس العالم 2030، مردّدين عبارات من قبيل "الملاعب موجودة، والمستشفيات مفقودة"، إلى جانب دعوات نُشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسوم من قبيل "#أخنوش_ارحل".
مع توسع الاحتجاجات جرت عمليات اعتقال واسعة طالت عددًا من المشاركين، بينهم قاصرات وقاصرون، واضطرت الحكومة المغربية إلى الإعراب عن "حسن إنصاتها وتفهّمها للمطالب الاجتماعية"، وأعربت عن استعدادها "للتجاوب الإيجابي والمسؤول معها، عبر الحوار والنقاش داخل المؤسسات والفضاءات العمومية"، بهدف "إيجاد حلول واقعية وقابلة للتنفيذ".
وفي المقابل، أصدرت حركة "جيل زد" بيانًا أدانت فيه بشدة "الاعتقالات التعسفية" التي طالت عددًا من المشاركين في المظاهرات، مشددة في الوقت ذاته على رفضها القاطع لأي أعمال شغب أو تخريب طالت ممتلكات عامة أو خاصة، وداعية جميع المشاركين إلى "الالتزام بالسلمية الكاملة وتجنب أي تصرف قد يُستغل لتشويه مطالبنا العادلة". وعلى نقيض ذلك ظلت الدعوات في تونس محتشمة ولم تصل الى مستوى الحركة الاحتجاجية أي أنّها لم تتجاوز حدود منصات التواصل الاجتماعي ولكن أحزابا قديمة تحاول استثمار هذا الجيل وهو ما عبر عنه قادة سياسيون في دعوتهم الشباب التونسي الى الاقتداء بالمثال النيبالي والبنغلاديشي، غير أنّ تلك الدعوات لم تلق استجابة تذكر.
ويذهب طرح أولي إلى وجود "خطة أمريكية جديدة" قائمة على تعبئة جيل Z، مماثلة لتلك التي نُفّذت مؤخرًا في نيبال، وهي مرشحة لأن تُستنسخ في تونس التي عرض نواب في الكونغرس الأمريكي خطة لإعادة ما سمي بالديمقراطية إليها، الأكثر نشاطا في تنفيذها النائب الجمهوري جو ويلسون عراب وصول الجولاني الى السلطة في دمشق. ومعلوم أنّ التجربة النيبالية أسفرت عن تنحي رئيس الحكومة ووفاة زوجته حرقًا، وتدمير مبانٍ تاريخية من بينها مبنى البرلمان، مع توجيه أصابع الاتهام إلى دوائر ملكية سعت الى استعادة نفوذها.
وبناءً على هذا التماثل الظاهري بين الحالتين، يفترض الطرح ذاته أن الخطة، في نسختها التونسية، لا تقتصر على استثارة الجدل حول قضية استفزازية بعينها، مثل توزيع الواقيات الذكورية وظاهرة "السراويل الممزقة"، وسحب الهواتف من التلاميذ، وحادثة انتحار تلميذة الخ... وإنّما خلق أزمات متلاحقة يمكن استثمارها في إطلاق موجة من المظاهرات تنتهي بمحاصرة المؤسسات الحكومية واقتحامها وفرض تنحي قيس سعيد. وطالما أنّ الأمر يتعلق بسيطرة الأحزاب التي كانت حاكمة إبّــان "العشرية السّوداء" فإن النتيجة المحتملة هي عودة تلك الأحزاب الى السلطة في ثوب جديد من خلال استعمال هذا الجيل، في وقت يبدو فيه الرئيس غير مُصغٍ لهذه التحذيرات ومطمئن البال لاستقرار أركان حكمه.
خلاصة: وما نخلص إليه هو أنّ احتجاجات جيل زاد تتميز بطابعها الأُفُقي، وهي بلا قيادة ظاهرة، وان مفجرها هو الفساد والقمع وتراكم الثروات لدى طبقة مستغِلّة، يستفز نمط حياتها أغلبية الشعب، ولكن تلك الاحتجاجات تغلب عليها العفوية لذلك ظلت أسيرة الغضب دون القدرة على التحول الى ثورة وان كان بإمكانها التسبب في تغيير حكومة مثلما هو عليه الحال في نيبال وبنغلاديش فإنّها غير قادرة على بناء نظام جديد يحقق المطالب التر رفعتها هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن القوى الدولية المهيمنة على العالم تجد فيها فريسة يمكن توظيفها بسهولة لتحقيق أغراضها فالأمر يتعلق بحركة هشة يسهل التحكم بها رغم نواياها الطيبة فالسياسة وجه أخر للحرب وكل حرب لا يمكن خوضها دون تنظيم محكم واستراتيجيا واضحة المعالم.
*********************************** *ملحق
أصدرت الأمانة الوطنية للحزب الشيوعي الهندي اليوم (10 سبتمبر 2025) البيان التالي:
يُعرب الحزب الشيوعي الهندي (CPI) عن قلقه العميق إزاء الوضع الذي يتكشف في نيبال، والذي ينزلق بسرعة إلى حالة من الفوضى. هناك غضب واضح بين الناس، وخاصة شباب الجيل زد GenZ، بشأن قضايا قمع حرية التعبير، والقيود المفروضة على منصات التواصل الاجتماعي، والفساد. يجب الاعتراف بهذا الغضب. ومع ذلك، فإن إحراق مبنى البرلمان، ومساكن الرئيس وكبار الوزراء، وقتل زوجة رئيس الوزراء السابق، والهجمات العنيفة على الممتلكات العامة ومكاتب الأحزاب الشيوعية وغيرها من الأحزاب السياسية في البلد هي مسألة تثير قلقا بالغا. تشير هذه التطورات إلى أن الاحتجاجات تتحول إلى هائجة، وتتجاوز الأساليب الديمقراطية للنضال، وتخاطر بتقويض الأسباب ذاتها التي تدعي التمسك بها.
يدين CPI بشدة سلوك إدارة الشرطة في كاتماندو والمدن المجاورة، التي قتلت بإطلاق نار على شباب محتجين كثيرين وسكبت الوقود إلى النار، فقط للاستسلام أمام نفس الشباب في اليوم التالي. تثير مثل هذه الإجراءات شكوكا خطيرة في مؤامرة أكبر من قبل القوى التي لا ترغب في رؤية نيبال ديمقراطية تزدهر بموجب دستورها العلماني والديمقراطي الذي تحقق بشق الأنفس - وهو إنجاز للحركة الشعبية ضد النظام الملكي الذي لعب فيه الشيوعيون الدور القيادي. وفي الوقت نفسه، يؤكد الحزب الشيوعي الهندي أن الانقسامات بين الشيوعيين في نيبال ساهمت أيضا في هذه الأزمة. أعطى شعب نيبال مرارا وتكرارا ولايته لصالح الشيوعيين. لكن هذه الولاية قد قوضت بسبب التنازلات لأطراف مدفوعة بجداول أعمال ضيقة، مما أدى إلى تخفيف المبادئ الشيوعية، وضعف الحكم، والفساد، وخيبة أمل الناس والمساهمة في الأزمة الحالية.
يحذر الحزب الشيوعي الهندي من أنه ما لم يعيد الشيوعيون في نيبال التفكير في طريقهم واستعادة الوحدة المبدئية، فإنهم يخاطرون بالتراجع عن إرث عقود من نضالات الناس وتعبئتهم. وفي الوقت نفسه، يعرب الحزب عن دعمه الكامل وتضامنه مع شعب نيبال والشيوعيين في نيبال، ويأمل أن يعود الوضع إلى السلام والحالة الطبيعية في أقرب وقت ممكن. يؤكد الحزب الشيوعي الهندي أيضا على الحاجة إلى اليقظة من قبل جميع القوى الديمقراطية والعلمانية، لأن التدخل في الشؤون الداخلية لبلدان جنوب آسيا ليس جديدا على المصالح الإمبريالية. لا ينبغي تحويل الغضب الحقيقي لشباب نيبال لدعم القوى اليمينية أو الدعوات إلى العودة إلى النظام الملكي، مما من شأنه أن يلغي التقدم الديمقراطي والعلماني الذي أحرزه شعب نيبال. ---------------------------------------------- سلاح النقد، عدد سبتمبر-أكتوبر-نوفمبر 2026
#مجلة_سلاح_النقد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عشر ملاحظات حول الحرب بين الأمس واليوم
-
مجلّة سلاحُ النّقد، عدد سبتمبر-أكتوبر-نوفمبر 2026، *الاِفتتا
...
-
مذبحة إمبرياليّة على أرض المغرب
-
مجلّة سلاح النقد، جوان-جويلية-اوت 2026: العــدد كــاملا
-
جمهورية الرّيف وعبد الكريم الخطابي في المغرب: تجربة مُبكّرة
...
-
لينين قَارئا هيغل
-
الفلاّحون والأرض في تونس
-
مجلّة سلاحُ النّقد، عدد جوان-جويلية-أوت، *الاِفتتاحيّة*
المزيد.....
-
-التحالف- يعلن دعمه للقوات الحكومية اليمنية في العملية العسك
...
-
موسكو: نكثف الضربات وزيلينسكي وراء ذلك
-
مستشار الحرس الثوري الإيراني يحدد أمرا يواجهه الأمريكيون في
...
-
بعد تفعيل -العاصفة الكبرى-.. حديث إسرائيلي عن تحول قادم في س
...
-
رئاسة مجلس النواب الليبي في مهب التغيير
-
-العمليات البحرية البريطانية- ترصد انفجارات قرب ناقلة نفط جن
...
-
حزب الخضر البريطاني يعلن الصهيونية حركة عنصرية ويدعم دولة عل
...
-
بعد احتجاجات واسعة بمدارس فرنسا.. الحكومة تعلن 5 مسارات لمعا
...
-
إيران مباشر.. طهران تدرس الرد الأمريكي وواشنطن تواصل الضغط ا
...
-
اليمن مباشر.. القوات الحكومية تعلن بدء -معركة التحرير- والتح
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|