|
|
الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين استحقاق الموعد وتعقيدات الواقع
علي ابوحبله
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 12:45
المحور:
القضية الفلسطينية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة تقف الساحة الفلسطينية أمام استحقاق سياسي ودستوري بالغ الأهمية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المحدد في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، وانقسام فلسطيني مستمر، ومتغيرات إقليمية ودولية، فضلًا عن عامل الاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض قيودًا مباشرة على إمكان إجراء انتخابات شاملة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة. وتكتسب الانتخابات المرتقبة أهمية استثنائية باعتبارها محاولة لاستعادة المسار الديمقراطي وتجديد الشرعية السياسية والمؤسساتية، بعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة البرلمانية والانتخابية. غير أن السؤال لم يعد فقط: هل ستُجرى الانتخابات؟ بل أصبح أكثر ارتباطًا بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على توفير شروط انتخابات حرة وشاملة ونزيهة، تحافظ على وحدة الجغرافيا السياسية والقانونية الفلسطينية. الاستحقاق الانتخابي وتجديد الشرعية من الناحية السياسية والوطنية، تمثل الانتخابات فرصة لإعادة الاعتبار لصندوق الاقتراع باعتباره مصدرًا أساسيًا للشرعية، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقوى السياسية والمستقلين والأجيال الجديدة التي لم تتح لها فرصة المشاركة في انتخابات تشريعية ورئاسية منتظمة. ولا ينبغي النظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد منافسة بين قوائم وفصائل، وإنما باعتبارها مدخلًا لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس التمثيل الشعبي وسيادة القانون والفصل بين السلطات والمساءلة السياسية. ومن هنا، فإن نجاح العملية الانتخابية لا يقاس فقط بعدد القوائم المرشحة، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج مجلس تشريعي يتمتع بشرعية شعبية حقيقية، ويكون قادرًا على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بعيدًا عن التجاذبات الفصائلية. الاحتلال الإسرائيلي.. العامل الأكثر تعقيدًا تبقى القدس الشرقية وقطاع غزة من أبرز الاختبارات أمام أي انتخابات فلسطينية شاملة. فإجراء الانتخابات في ظل الاحتلال يضع العملية الديمقراطية أمام قيود تتجاوز قدرة المؤسسات الفلسطينية على معالجتها منفردة. وتبرز هنا مسؤولية المجتمع الدولي في ضمان عدم استخدام الاحتلال كأداة لتعطيل حق الفلسطينيين في ممارسة حقوقهم السياسية. كما أن إجراء انتخابات فلسطينية من دون القدس، أو بصورة مجتزأة جغرافيًا، يطرح إشكالية سياسية وقانونية تتعلق بوحدة الإقليم الفلسطيني ووحدة العملية الانتخابية. وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول العامل الإسرائيلي إلى ذريعة دائمة لتعليق الاستحقاق الديمقراطي، بل إلى قضية ينبغي معالجتها سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا، مع توفير الضمانات الدولية اللازمة. الانقسام الفلسطيني والاختبار الداخلي العقبة الأكثر حساسية لا تتعلق فقط بالموقف الإسرائيلي، وإنما أيضًا بقدرة القوى الفلسطينية على التوافق حول قواعد العملية الانتخابية ونتائجها. فالانتخابات لا تنهي الانقسام تلقائيًا، وإنما يمكن أن تصبح أداة لإنهائه إذا اتفقت القوى السياسية مسبقًا على احترام نتائج الصندوق، وعلى الاحتكام إلى القانون، وعلى رفض الإقصاء السياسي أو استخدام المؤسسات الرسمية لخدمة طرف على حساب آخر. وتكتسب الحوارات الفلسطينية، بما فيها الاتصالات التي تستضيفها القاهرة، أهمية خاصة في هذا السياق. والمطلوب ألا تتحول الحوارات إلى بديل عن الانتخابات، بل إلى وسيلة لتوفير البيئة السياسية التي تسمح بإجرائها. كما أن أي تفاهم وطني يجب أن يشمل جميع القوى السياسية الفاعلة، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي وسائر الفصائل والقوى والمستقلين، لأن استبعاد أي مكوّن رئيسي من التوافق السياسي قد يضعف فرص استقرار النتائج، حتى لو تمت العملية الانتخابية من الناحية الإجرائية. فتح.. وتحدي توحيد القوائم تواجه حركة فتح بدورها اختبارًا داخليًا مهمًا يتعلق بتشكيل القوائم الانتخابية والحفاظ على وحدة القرار التنظيمي. وأي تعدد واسع للقوائم المحسوبة على تيارات فتح المختلفة قد يعيد رسم الخريطة الانتخابية بصورة يصعب التنبؤ بنتائجها. لكن هذه المسألة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها صراعًا على المقاعد، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرة القوى الفلسطينية على الانتقال من منطق المحاصصة والانقسام إلى منطق التنافس الديمقراطي. فالانتخابات الحقيقية لا تعني ضمان نتائج مسبقة لأي فصيل، وإنما تعني ضمان قواعد عادلة ومتساوية لجميع المتنافسين. العامل الأميركي والدولي لا يمكن فصل الانتخابات الفلسطينية عن البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بها. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية المعنية بالملف الفلسطيني تمتلك أدوات تأثير سياسية واقتصادية ودبلوماسية، لكن المسؤولية الأساسية عن القرار الانتخابي تبقى فلسطينية. ويظل الدعم الدولي مطلوبًا لتوفير المراقبة والتمويل والخبرات الفنية وضمان النزاهة، لا لفرض نتائج أو إعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني. كما أن أي مقاربة دولية جادة ينبغي أن تنطلق من مبدأ احترام إرادة الناخب الفلسطيني، مع التأكيد على أن العملية الديمقراطية لا تكون ذات معنى إذا كانت نتائجها خاضعة مسبقًا لشروط خارجية. ما السيناريوهات المحتملة؟ أمام القيادة الفلسطينية والقوى السياسية عدة احتمالات خلال الأسابيع المقبلة. السيناريو الأول: إجراء الانتخابات في موعدها. وهو السيناريو الأكثر انسجامًا مع مبدأ احترام الاستحقاق الانتخابي، لكنه يتطلب معالجة الملفات المتعلقة بالقدس وغزة، واستكمال الإجراءات القانونية والفنية، والوصول إلى تفاهمات سياسية تضمن مشاركة أوسع قدر ممكن من القوى الفلسطينية. السيناريو الثاني: تأجيل محدد ومعلن. وقد يصبح خيارًا مطروحًا إذا تعذر استكمال شروط الانتخابات الشاملة. وفي هذه الحالة، فإن التأجيل لا يكون مقبولًا سياسيًا إلا إذا كان محدد المدة، ومبررًا بصورة واضحة، ومقرونًا بجدول زمني وإجراءات ملزمة لاستكمال الاستحقاق. السيناريو الثالث: تأجيل مفتوح. وهو السيناريو الأكثر خطورة، لأنه قد يعيد إنتاج حالة الفراغ المؤسساتي ويعمق أزمة الشرعية، ويحوّل الاستثناء المؤقت إلى واقع دائم. السيناريو الرابع: انتخابات منقوصة جغرافيًا. وهو خيار قد يطرح إشكالات سياسية وقانونية بالغة الحساسية، خصوصًا إذا جرت العملية دون القدس أو دون مشاركة كاملة لقطاع غزة، بما قد يكرس الانقسام بدل معالجته. الأردن والمصلحة العربية من المنظور الأردني والعربي، فإن الانتخابات الفلسطينية ليست شأنًا فلسطينيًا داخليًا محضًا، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي. وتتمثل المصلحة الأردنية والعربية في دعم عملية سياسية فلسطينية تعيد الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وتحافظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وتعزز قدرة الشعب الفلسطيني على تمثيل نفسه، بعيدًا عن أي ترتيبات تنتقص من حقه في تقرير مستقبله السياسي. ومن هنا، فإن الدور العربي المطلوب لا يتمثل في فرض صيغة سياسية بعينها، وإنما في مساعدة الفلسطينيين على الوصول إلى توافق يضمن إجراء انتخابات نزيهة وشاملة، أو، عند تعذر ذلك، تأجيلها ضمن إطار قانوني وسياسي واضح ومحدد زمنيًا. الاستحقاق أكبر من موعد انتخابي المسألة الفلسطينية اليوم تتجاوز مجرد تحديد يوم للاقتراع. فالانتخابات تمثل جزءًا من معركة أوسع تتعلق بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس دستورية وديمقراطية، وتوحيد مؤسسات الضفة الغربية وقطاع غزة، وترسيخ مبدأ تداول السلطة، وإعادة تفعيل المجلس التشريعي، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون. وعليه، فإن معيار النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في فتح صناديق الاقتراع، وإنما في ضمان أن تكون الانتخابات مدخلًا لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات، لا مناسبة جديدة لإنتاج الانقسام. إن احترام موعد 28 تشرين الثاني/نوفمبر ينبغي أن يبقى هو الأصل، والتأجيل يجب أن يكون استثناءً تفرضه الضرورة، لا خيارًا سياسيًا مفتوحًا. وإذا تعذر إجراء انتخابات شاملة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي إعلان الأسباب بوضوح، وتحديد مدة التأجيل، ووضع خارطة طريق معلنة لا تسمح بتحويل الاستثناء إلى قاعدة. فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى انتخابات شكلية، كما أنهم لا يحتاجون إلى تأجيل مفتوح؛ ما يحتاجونه هو انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، تحمي وحدة الشعب والأرض والمؤسسات، وتعيد القرار إلى الناخب الفلسطيني. وفي النهاية، فإن صندوق الاقتراع يجب أن يكون أقوى من الحسابات الفصائلية، والقانون يجب أن يكون فوق الجميع، والشرعية الشعبية هي الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه المرحلة الفلسطينية المقبلة. المحامي علي أبوحبلة رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة عرض أقل
#علي_ابوحبله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المحكمة العليا الإسرائيلية تعيد القوائم العربية إلى السباق..
...
-
بين الانسحاب والشطب.. قرار سامي أبو شحادة بين الحساب القانون
...
-
تصريحات اشتية بين السياق السياسي ومسؤولية الخطاب الوطني
-
12 شهراً لإنقاذ المسار الوطني الفلسطيني وبناء الدولة
-
المجلس التشريعي الفلسطيني القادم.. بين استعادة الشرعية واختب
...
-
اجتماع أبوظبي.. تسريب إسرائيلي أم هندسة انتخابية؟
-
حين كان المثقف في الصفوف الأولى… لماذا تراجع اليوم إلى الخلف
...
-
الجولان بين ثبات السيادة السورية وحسابات الأمن الإسرائيلي
-
الشطب السياسي واختبار المحكمة العليا للديمقراطية الإسرائيلية
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة بين العزلة الدولية وحسابات انت
...
-
حين تصبح الكلمة سلاحاً للفتنة.. من يحمي الحقيقة من صحافة الخ
...
-
مشروع «صندوق فلسطين للتكافل والعلاج الإنساني»
-
رسوم الترشح وقوائم غزة: بين مقتضيات القانون وحق المشاركة الس
...
-
الانتخابات التشريعية 2026.. لجنة الانتخابات تمضي نحو الاستحق
...
-
الدورة ال81 للأمم المتحدة.. فلسطين تختبر صدقية النظام الدولي
-
الانتخابات التشريعية 2026.. استحقاق دستوري وتجديد للشرعية ال
...
-
أوسلو أمام اختبار الواقع
-
المجلس الوطني الفلسطيني بين النص القانوني وحق الشعب في اختيا
...
-
الاستيطان ليس ظاهرة هامشية: بين عقوبات المستوطنين ومسؤولية ا
...
-
المصالحة الفلسطينية أمام فرصة أخيرة لإغلاق ملف الانقسام وبنا
...
المزيد.....
-
أفعوانية تتوقف فجأة.. وركاب عالقون على ارتفاع 30 مترًا
-
إيران ترفض مساعي أمريكا لتوجيه المفاوضات نحو الملف النووي وت
...
-
الجيش الإسرائيلي يستأنف العمل على طريق سوفا 53 و يستهدف بالق
...
-
بعد 5 أيام من إخفائه: نيابة أمن الدولة تحبس صحفي -متصدقش- مح
...
-
ماذا نعرف عن تجربة -صنع كلب خارق- الفاشلة في الأربعينيات؟
-
-تهديد إماراتي بسحب المليارات من بريطانيا- - في التلغراف
-
عراقجي: الحرب والعقوبات لن تجدي نفعا
-
بقائي: هناك نقاش جدي للغاية في إيران حول الانسحاب من معاهدة
...
-
إثيوبيا.. القوات الحكومية تسيطر على ميكيلي عاصمة تيغراي
-
أستراليا تجدد العقوبات على أبو مريم الأسترالي
المزيد.....
-
الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ
...
/ سمير أبومدللة
-
إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط
...
/ فهد سليمان
-
في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48
/ محمد السهلي
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
/ محمود الصباغ
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|