أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - تركيا والكورد بعد نهاية الحرب: هل نحن أمام إعادة تأسيس للعقد الوطني أم إعادة تدوير للقضية الكوردية؟















المزيد.....


تركيا والكورد بعد نهاية الحرب: هل نحن أمام إعادة تأسيس للعقد الوطني أم إعادة تدوير للقضية الكوردية؟


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 09:19
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة: السؤال الذي يتجاوز أردوغان وأوجلان

تدخل تركيا مرحلة مختلفة بعد أكثر من أربعة عقود من الصراع المسلح مع حزب العمال الكوردستاني.

فدعوة عبد الله أوجلان في فبراير/شباط 2025 إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل الحزب، أعقبها إعلان PKK في مايو/أيار من العام نفسه حل نفسه وإنهاء نشاطه المسلح. ثم انتقل المسار تدريجياً من المجال الأمني إلى البرلمان والتشريع. وفي فبراير/شباط 2026 أقرّت لجنة برلمانية تركية خارطة طريق تربط إصلاحات قانونية بعملية نزع السلاح وإعادة الدمج، قبل أن يقر البرلمان في أغسطس/آب 2026 قانوناً يوفر إطاراً قانونياً لهذه المرحلة.

لكن هذه التطورات، على أهميتها، تطرح سؤالاً أكبر من سؤال السلاح:

ماذا سيأتي بعد انتهاء الحرب؟

إذا كان نزع السلاح هو نهاية الصراع المسلح، فهل سيكون أيضاً بداية لعقد سياسي ودستوري جديد بين الدولة التركية والكورد؟

أم أن تركيا تتجه إلى إنهاء "مشكلة PKK" من دون أن تصل بالضرورة إلى معالجة "القضية الكوردية"؟

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

فالدولة تستطيع أن تتحقق من اختفاء السلاح، لكنها لا تستطيع أن تعتبر اختفاء السلاح دليلاً على اختفاء القضية السياسية التي أنتجت الصراع.

"انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء القضية. السؤال الحقيقي ليس: هل اختفى السلاح؟ بل: هل اختفت الأسباب السياسية التي جعلت السلاح ممكناً؟"

أولاً: تركيا أمام لحظة دستورية لا مجرد تسوية أمنية

يدعو الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دستور مدني جديد، بينما تطرح القوى الكوردية، وفي مقدمتها حزب DEM، تصوراً مختلفاً للمواطنة والعلاقة بين الدولة والمكونات المختلفة.

وهذا مهم لأن القضية الكوردية لم تعد، نظرياً على الأقل، محصورة في السؤال الأمني.

فالدستور التركي الحالي ينص في المادة 66 على أن:

"كل من يرتبط بالدولة التركية برابطة المواطنة هو تركي".

كما تنص المادة الثالثة على أن الدولة التركية غير قابلة للتجزئة وأن لغتها الرسمية هي التركية، فيما تجعل المادة الرابعة المواد الأولى والثانية والثالثة غير قابلة للتعديل أو حتى لاقتراح تعديلها.

ومن هنا فإن أي حديث عن "دستور جديد" يفتح سؤالاً أعمق من مجرد تغيير النصوص:

هل سيكون الدستور الجديد إعادة صياغة للنظام القائم، أم إعادة تعريف للعلاقة بين المواطنة والهوية؟

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الاختبار.

فالمسألة الكوردية لا تتعلق فقط بالسماح باللغة أو الثقافة، وإنما بالسؤال الأوسع:

هل يستطيع المواطن الكوردي أن يكون تركياً من الناحية القانونية والسياسية، وكوردياً من الناحية القومية والثقافية، من دون أن تتعارض الهويتان داخل تعريف الدولة للمواطنة؟

وهذه ليست مسألة كوردية فقط.

فإذا كان العقد الوطني الجديد سيعيد تعريف المواطنة، فإنه يجب أن يكون قادراً على استيعاب العرب واللاز والشركس وسائر المكونات، لا أن يتحول إلى مجرد إعادة ترتيب للعلاقة بين الأتراك والكورد.

"الدستور هو الاختبار الحقيقي: هل ستبقى المواطنة مرتبطة بتعريف قومي واحد، أم تصبح إطاراً جامعاً يستطيع استيعاب التعدد القومي والثقافي داخل الدولة؟"

ثانياً: من إنهاء PKK إلى معالجة القضية الكوردية

يجب التمييز بين قضيتين كثيراً ما يجري دمجهما في خطاب واحد:

إنهاء PKK شيء، وإنهاء القضية الكوردية شيء آخر.

الأول يتعلق بتنظيم مسلح، والسلاح، والمقاتلين، والملاحقات القانونية، وإعادة الدمج.

أما الثاني فيتعلق بالمواطنة واللغة والثقافة والتمثيل السياسي والحكم المحلي والحريات والضمانات الدستورية وموقع الكورد داخل الدولة.

القانون الذي أقره البرلمان التركي في أغسطس/آب 2026 ركز أساساً على توفير حماية قانونية وإطار لإعادة دمج عناصر PKK السابقين، وتعليق بعض الملاحقات والأحكام في حالات محددة، لكنه لم يحسم المطالب السياسية والثقافية الكوردية الأوسع ولا وضع أوجلان النهائي.

وهنا تظهر نقطة جوهرية:

يمكن أن تنتهي المنظمة المسلحة من دون أن تنتهي المسائل السياسية التي ارتبطت بها.

بل إن السؤال الحقيقي يبدأ بعد اختفاء المنظمة.

فإذا انتهى PKK، فمن يمثل القضية الكوردية سياسياً؟

وإذا خرج المقاتلون من الجبال، فأين ستنتقل مطالبهم؟

وإذا لم تعد هناك قوة مسلحة تفاوض باسم القضية، فهل ستنتقل القضية إلى البرلمان والدستور والأحزاب والمجتمع المدني؟

أم ستبقى في إطار أمني مختلف، ولكن من دون سلاح؟

خلاصة الفكرة

"حل PKK قد ينهي تنظيماً، لكنه لا يحل تلقائياً قضية سياسية واجتماعية أوسع. السؤال هو: أين ستذهب القضية بعد أن تخرج من الجبل؟"

ثالثاً: أوجلان... مفتاح الانتقال أم رجل مرحلة تنتهي مهمته؟

لا يمكن فهم المسار الحالي من دون عبد الله أوجلان.

فدعوتُه في فبراير/شباط 2025 كانت نقطة التحول الأساسية التي قادت إلى مسار حل PKK وإنهاء الكفاح المسلح.

لكن دوره المستقبلي هو السؤال الأكثر حساسية.

هل ستتعامل أنقرة معه باعتباره شريكاً في الانتقال من الحرب إلى السياسة؟

أم باعتباره قناة لإنهاء الكفاح المسلح، ثم تنتهي مهمته؟

أم يمكن أن تظهر صيغة ثالثة تقوم على تسوية وضعه وإخراجه من السجن، ولكن من دون تحويله إلى قائد سياسي مباشر للمرحلة الجديدة؟

هذا الاحتمال الأخير يجب التعامل معه بوصفه سيناريو تحليلياً، لا معلومة عن خطة تركية مؤكدة.

فقد يكون ممكناً، نظرياً، أن تنتهي مرحلة أوجلان بوصفه قائد حركة مسلحة، وأن يبدأ مرحلة أخرى بوصفه شخصية سياسية أو تاريخية خارج القيادة التنظيمية المباشرة.

لكن هناك سؤالاً أهم:

هل المطلوب أن ينتقل أوجلان من إمرالي إلى مركز القيادة، أم أن تنتقل القضية الكوردية نفسها من إمرالي إلى البرلمان والدستور والمؤسسات؟

وهنا قد تكون المفارقة الأساسية:

نجاح العملية لا يقاس فقط بخروج أوجلان من السجن أو بقائه فيه، وإنما بمدى تحول القضية من علاقة خاصة بين إمرالي وأنقرة إلى قضية مؤسساتية.

"نجاح المرحلة لا يُقاس فقط بمصير أوجلان. النجاح الحقيقي هو أن تنتقل القضية الكردية من إمرالي إلى البرلمان، ومن العلاقة الشخصية إلى المؤسسات."

رابعاً: الخطر الحقيقي يبدأ بعد نزع السلاح

لا تكمن المشكلة في مبدأ الانتقال من السلاح إلى السياسة.

فإنهاء حرب استمرت عقوداً يمكن أن يكون مصلحة للمجتمع التركي والكوردي معاً.

لكن نجاح الانتقال يتوقف على ترتيب الخطوات وتزامنها والضمانات التي ترافقها.

فالخطر يظهر إذا أصبح التسلسل:

نزع السلاح –> حل التنظيم –> إعادة دمج المقاتلين –> ثم يبدأ لاحقاً النقاش السياسي والدستوري.

في هذه الحالة يكون الطرف الكوردي قد قدم التزاماً تاريخياً ونهائياً، بينما تصبح الاستحقاقات السياسية المقابلة مرتبطة بوعود مستقبلية.

وهنا تصبح المعادلة أكثر حساسية:

المشكلة ليست أيهما يأتي أولاً: السلاح أم الدستور؛ وإنما هل توجد ضمانات ملزمة تمنع أن يصبح نزع السلاح نهايةً للتفاوض بدلاً من أن يكون بدايةً لمرحلة سياسية جديدة؟

فاللجنة البرلمانية التركية التي أقرت خارطة الطريق في فبراير/شباط 2026 ربطت الإصلاحات القانونية بمسار نزع السلاح، وتناولت قضايا تتعلق بالديمقراطية والالتزام بأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية وإعادة الدمج.

لكن السؤال يبقى:

إلى أي مدى ستصل هذه الإصلاحات؟

هل ستبقى في حدود إدارة آثار الحرب؟

أم ستصل إلى جوهر العلاقة الدستورية بين الدولة والكورد؟

"المشكلة ليست في نزع السلاح، بل في ما إذا كان نزع السلاح سيفتح باب السياسة أم سيغلق باب التفاوض."

خامساً: لماذا يصبح الجدول الزمني ضرورة سياسية؟

يمكن أن توجد عملية سلام من دون اتفاق نهائي منذ اليوم الأول.

لكن من الصعب بناء ثقة مستدامة إذا كانت العملية بلا مراحل واضحة، وبلا نقاط قياس، وبلا مواعيد، وبلا جهة تستطيع الأطراف محاسبتها على تنفيذ الالتزامات.

توجد اليوم آليات مرتبطة بالتحقق من نزع السلاح وإعادة الدمج، لكن المسار العام لا يزال يترك أسئلة واسعة حول الموعد النهائي لتسوية الملفات السياسية والدستورية الكبرى. وقد ركز القانون الذي أقره البرلمان في أغسطس/آب 2026 على الإطار القانوني لنزع السلاح وإعادة الدمج أكثر من تركيزه على تسوية دستورية شاملة.

وهنا يظهر خطر "المرحلة الانتقالية المفتوحة".

فالمرحلة الانتقالية يفترض أن تكون جسراً.

لكن إذا لم تكن لها نقطة نهاية واضحة، يمكن أن تتحول إلى نظام دائم.

وتصبح كلمة "لاحقاً" أداة لتأجيل الإصلاح بدلاً من أن تكون وعداً بتنفيذه.

ولهذا تحتاج العملية إلى تسلسل واضح، مثل:

- مرحلة أولى: نزع السلاح والتحقق منه؛
- مرحلة ثانية: ضمانات قانونية للمقاتلين والعائدين؛
- مرحلة ثالثة: إصلاحات سياسية وحريات عامة؛
- مرحلة رابعة: معالجة قضايا الحكم المحلي والحقوق الثقافية واللغوية؛
- مرحلة خامسة: المسار الدستوري؛
- مرحلة نهائية: إغلاق الملفات العالقة وفق ضمانات قانونية.

ولا تكفي المواعيد وحدها.

بل ينبغي أن تقترن بجهة واضحة للمتابعة، وآلية تحقق، وآليات تمنع التراجع عن الالتزامات بعد اكتمال نزع السلاح.

"كل مرحلة انتقالية تحتاج إلى موعد نهاية. فالمشكلة ليست في أن يستغرق الحل وقتاً، بل في أن يصبح "الوقت" نفسه بديلاً عن الحل."

سادساً: من "نزع السلاح أولاً" إلى سؤال الضمانات

هنا يجب الانتقال من سؤال الترتيب إلى سؤال أكثر عمقاً:

ما الذي يضمن أن الخطوة الأولى ستقود فعلاً إلى الخطوة الثانية؟

إذا كان نزع السلاح شرطاً للإصلاحات، فيجب أن يكون واضحاً ما هي الإصلاحات التي ستأتي بعده.

وإذا كانت الإصلاحات مشروطة بالتحقق من نزع السلاح، فيجب أن يكون تعريف "التحقق" واضحاً.

وإذا كانت العودة إلى الحياة المدنية مشروطة بالتشريع، فيجب أن تكون قواعد التشريع معروفة.

أي أن العملية تحتاج إلى خريطة التزامات متبادلة.

يمكن تصورها على النحو الآتي:

نزع السلاح ↔ ضمانات قانونية

حل التنظيم ↔ فتح المشاركة السياسية

إعادة الدمج ↔ إصلاحات قانونية

الانتقال من الحرب إلى السياسة ↔ معالجة القيود على النشاط السياسي

إغلاق الملف الأمني ↔ فتح الملف الدستوري

بهذا المعنى، لا يصبح نزع السلاح مكافأة للدولة، ولا الإصلاحات تنازلاً من الدولة، وإنما يصبح الطرفان جزءاً من عملية انتقال واحدة.

"السلام المستدام لا يقوم على تنازل طرف واحد، بل على التزامات متبادلة يمكن قياسها ومراقبة تنفيذها."

سابعاً: الدرس السوري... ولماذا ينظر إليه الكورد بحذر؟

التجربة السورية تقدم درساً مهماً، وإن كانت مختلفة جذرياً عن الحالة التركية.

ففي سوريا جرى خلال 2026 دفع عملية دمج القوات الكوردية ضمن مؤسسات الدولة، بالتوازي مع إعادة ترتيب الوضع السياسي والإداري في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

وفي أغسطس/آب 2026 عُيّن مظلوم عبدي، القائد السابق لقوات سوريا الديمقراطية، مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، بعد مسار دمج القوات الكوردية ضمن مؤسسات الدولة السورية. كما رحبت تركيا بتفكك قوات سوريا الديمقراطية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية.

لكن هذه التطورات تطرح سؤالاً يتجاوز الأسماء والمناصب:

ماذا يحدث عندما يسبق الدمج العسكري والمؤسسي الحسم النهائي لشكل النظام السياسي والدستوري؟

لا يعني ذلك أن تركيا ستكرر التجربة السورية.

فالحالتان مختلفتان من حيث طبيعة الدولة، وتاريخ الصراع، والبنية الدستورية، والفاعلين الدوليين.

لكن المقارنة تكشف مشكلة تستحق الانتباه:

الدمج العسكري لا يحسم وحده مسألة الحقوق السياسية.

وقد يحصل قائد عسكري سابق على منصب داخل الدولة، بينما تبقى أسئلة التعليم واللغة والتمثيل السياسي واللامركزية والضمانات الدستورية مفتوحة.

ولهذا فإن الدرس الكوردي من سوريا لا ينبغي أن يكون رفض الانتقال إلى السياسة، وإنما الإصرار على أن تكون الانتقالية منظمة ومضمونة زمنياً وقانونياً.

"المناصب قد تدمج الأشخاص، لكنها لا تدمج بالضرورة القضية. السؤال ليس: أين أصبح القائد؟ بل: ماذا تغير في النظام الذي يعيش فيه شعبه؟"

ثامناً: القضية ليست قضية أوجلان ولا قضية PKK وحدهما

هذه نقطة أساسية في أي نقاش جدي.

القضية الكوردية لا يمكن اختزالها في عبد الله أوجلان.

ولا في قادة PKK.

ولا في المقاتلين الذين سيعودون إلى الحياة المدنية.

ولا في حزب DEM.

فهناك مجتمع كوردي واسع يعيش داخل النظام السياسي التركي، وله مصالح ومواقف متعددة، وليس كتلة سياسية واحدة.

كما أن تركيا ليست مكوّنة من الأتراك والكورد فقط.

هناك العرب واللاز والشركس وغيرهم من المكونات.

ولهذا فإن أي عقد وطني جديد يجب ألا يقوم على استبدال هيمنة قومية بهوية قومية أخرى، وإنما على بناء مواطنة جامعة تستطيع استيعاب التعدد القومي والثقافي داخل الدولة.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الدستوري:

فإذا بقي تعريف المواطنة كما هو، بينما جرى فقط استيعاب بعض الشخصيات الكوردية، فإننا نكون أمام تسوية للنخب أكثر من كوننا أمام تسوية للمجتمع.

أما إذا تغيرت قواعد المشاركة السياسية والحقوق الثقافية والحكم المحلي والضمانات الدستورية، فإن معنى العملية يصبح أوسع بكثير.

"القضية الكردية ليست قضية رجل واحد ولا حزب واحد. استيعاب القادة قد يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة حقوق المجتمع."

تاسعاً: وماذا عن حجم الكورد في تركيا؟

من المهم هنا الابتعاد عن الأرقام السياسية المتداولة بلا تدقيق.

تقدّر مصادر حكومية وبحثية بريطانية عدد الكورد في تركيا بنحو 15 مليوناً، أي قرابة 18-20% من السكان، مع الإشارة إلى أن تركيا لا تعتمد في إحصاءاتها السكانية الرسمية سؤالاً قومياً مباشراً يسمح بإحصاء دقيق للهوية الكوردية.

رغم أنه لو كان هناك إحصاء شفاف وبرعاية دولية سيتجاوز الكورد نسبة 43%

ورغم ذلك فإن الأرقام التي تضع الكورد عند 40% أو 43% من سكان تركيا لا ينبغي تقديمها باعتبارها حقيقة إحصائية ثابتة.

لكن تصحيح الرقم لا يقلل من أهمية القضية.

فحتى وفق تقديرات أقل بكثير من 43%، يبقى الكورد أكبر أقلية قومية ولغوية في تركيا، ويظل وزنهم الديموغرافي والجغرافي والسياسي والتاريخي كبيراً بما يكفي لجعل القضية الكوردية جزءاً من سؤال الدولة التركية نفسها.

ولهذا فالمسألة ليست:

كم تبلغ نسبة الكورد؟

بل:

هل يستطيع عقد وطني جديد أن يعكس تعدد المجتمع التركي من دون أن يشعر أي مكوّن بأن مواطنته مشروطة بإخفاء هويته؟

"الأرقام مهمة، لكن جوهر المسألة ليس عدد الكورد؛ بل طبيعة الدولة التي يريد الجميع أن يعيشوا فيها."

عاشراً: هل نزع السلاح مقدمة للحل أم بديلاً عنه؟

هنا يمكن اختبار المسار التركي من خلال الوقائع لا من خلال الخطاب.

إذا كانت تركيا تتجه إلى إعادة تأسيس العلاقة مع الكورد، فمن المفترض أن تظهر تدريجياً مجموعة من المؤشرات:

أولاً: مراجعة مفهوم المواطنة أو توضيح أساسه بصورة لا تجعل الهوية القومية الكوردية متعارضة مع المواطنة التركية.

ثانياً: ضمان الحقوق اللغوية والثقافية.

ثالثاً: حماية المشاركة السياسية الكوردية.

رابعاً: معالجة مسألة الوصاية على البلديات.

خامساً: مراجعة التشريعات التي قد تسمح بتجريم النشاط السياسي السلمي تحت عناوين أمنية واسعة.

سادساً: معالجة أوضاع السجناء والناشطين وفق معايير قانونية واضحة.

سابعاً: وضع إطار واضح لوضع أوجلان.

ثامناً: فتح المسار الدستوري بصورة صريحة.

تاسعاً: ضمان ألا تتحول إعادة دمج قادة PKK إلى تسويات فردية منفصلة عن الحقوق السياسية والاجتماعية الأوسع.

عاشراً: إشراك مختلف المكونات القومية والثقافية في صياغة العقد الوطني الجديد.

بعض هذه القضايا دخل بالفعل في النقاش البرلماني، خصوصاً ما يتعلق بالإصلاحات القانونية والحقوق والحريات وإعادة الدمج والبلديات. لكن الفرق بين إصلاحات قانونية مرتبطة بمرحلة ما بعد الصراع وبين تغيير العقد الدستوري لا يزال هو جوهر المسألة.

"إذا أردنا قياس التحول التركي، فلننظر إلى القوانين والبلديات والحريات والدستور، لا إلى التصريحات وحدها."

الحادي عشر: ثلاثة مسارات أمام تركيا والكورد

يمكن النظر إلى المرحلة المقبلة من خلال ثلاثة مسارات محتملة، من دون افتراض مسبق أن أحدها سيحدث.

المسار الأول: إعادة تأسيس العقد الوطني

في هذا المسار يصبح نزع السلاح نقطة بداية لتسوية سياسية أوسع.

ويجري تطوير مفهوم المواطنة، وتوسيع الحقوق الثقافية والسياسية، وإيجاد ضمانات دستورية، ومعالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة ضمن عملية سياسية ذات مراحل واضحة.

هنا تتحول نهاية الصراع المسلح إلى بداية جمهورية أكثر تعددية.

المسار الثاني: التسوية المحدودة

تنتهي الحرب، ويجري دمج المقاتلين، وتتحسن بعض الحقوق والحريات، وربما يحصل بعض القادة السابقين على مواقع سياسية أو استشارية، لكن لا يحدث تغيير جوهري في تعريف الدولة والمواطنة.

في هذه الحالة ينتهي الصراع المسلح، لكن القضية الكوردية تستمر في صورة سياسية جديدة.

المسار الثالث: إعادة تدوير القضية

تنجح الدولة في إنهاء البنية المسلحة، لكن الإصلاحات السياسية والدستورية تتباطأ أو تتوقف.

وبمرور الوقت تتحول "المرحلة الانتقالية" إلى وضع دائم.

وهنا تكون النتيجة أن تركيا أنهت:

الصراع مع PKK
من دون أن تكون قد عالجت بالضرورة الجذور السياسية للقضية الكوردية.

والخطر الأكبر في هذا المسار هو أن يتحول استيعاب عدد من القادة إلى بديل عن معالجة الحقوق الجماعية.

"بعد الحرب توجد أكثر من نهاية ممكنة: قد تبدأ تركيا عقداً وطنياً جديداً، وقد تكتفي بتسوية محدودة، وقد تنقل القضية من شكلها المسلح إلى شكل سياسي مؤجل."

الثاني عشر: كيف نعرف أي مسار تسلكه تركيا؟

لا ينبغي أن نحاول قراءة نوايا أردوغان من تصريحاته فقط.

المعيار الحقيقي سيكون في الأفعال القابلة للقياس.

السؤال ليس:

ماذا قالت أنقرة؟

بل:

ماذا تغير في القانون؟

ماذا تغير في الدستور؟

ماذا تغير في وضع البلديات؟

ماذا تغير في الحريات السياسية؟

ماذا تغير في وضع اللغة والثقافة؟

ماذا حدث لأوجلان؟

هل حصل المجتمع الكوردي على حقوق جماعية، أم حصل بعض القادة فقط على مواقع فردية؟

ثم يأتي السؤال الأهم:

هل هناك نقطة نهاية واضحة للعملية؟

فإذا كانت كل مرحلة تحتاج إلى مرحلة أخرى، وكل إصلاح يحتاج إلى تحقق جديد، وكل وعد مؤجل إلى "الوقت المناسب"، فإن العملية يمكن أن تستمر من دون أن تصل إلى التسوية السياسية النهائية.

أما إذا كانت الخطوات مرتبطة ببعضها زمنياً وقانونياً، فإن ذلك يجعل العملية قابلة للمساءلة ويقلل من خطر تحول المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة.

"لا تختبر النوايا بالكلمات. اختبرها بما يتغير فعلاً: القانون، الدستور، البلديات، الحريات، وضع أوجلان، والجدول الزمني."

الثالث عشر: أوجلان ليس القضية كلها

قد يكون من الخطأ اختزال مستقبل القضية الكوردية في مصير أوجلان.

إذا خرج أوجلان من السجن غداً، فهذا لا يعني أن القضية الكوردية حُلّت.

وإذا بقي في السجن، فهذا لا يعني بالضرورة أن العملية السياسية فشلت.

المعيار الأهم هو:

هل أصبحت حقوق الكورد مرتبطة بالمؤسسات والقانون والدستور، أم بقيت مرتبطة بشخص أوجلان وبالعلاقة الخاصة بين إمرالي وأنقرة؟

إذا انتقلت القضية من:

إمرالي ↔ أنقرة

إلى:

البرلمان ↔ الدستور ↔ الأحزاب ↔ المؤسسات المنتخبة ↔ المجتمع التركي والكوردي

فإننا نكون أمام تحول مؤسسي حقيقي.

أما إذا بقي أوجلان هو قناة التواصل الأساسية، وبقيت المسألة الكوردية ملفاً أمنياً وسياسياً خاصاً، فإن احتمال إعادة إنتاج المشكلة بأدوات جديدة سيظل قائماً.

والأمر نفسه ينطبق على قادة PKK الآخرين.

قد يكون منحهم أدواراً سياسية أو استشارية جزءاً من الانتقال.

لكن ذلك لا يكفي إذا لم يترافق مع تغيير أوسع في القواعد التي تحكم مشاركة المجتمع الكوردي كله.

"حرية أوجلان مهمة، لكن حرية أوجلان ليست هي حل القضية. المعيار هو: هل أصبحت القضية ملكاً للمؤسسات، أم بقيت مرتبطة بشخص؟"

الخاتمة: الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إسكات السلاح

قد يكون من الممكن الاتفاق على إنهاء الحرب.

لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ بعد ذلك.

فالسلاح يمكن نزعه بقرار.

أما انعدام الثقة فلا يُنزع بقرار.

والهوية لا تختفي بحل تنظيم.

والقضية السياسية لا تنتهي بمجرد انتهاء العمل المسلح.

كما أن منح بعض القادة وظائف أو مناصب لا يعادل حل قضية مجتمع بأكمله.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لتركيا ليس فقط في قدرتها على الوصول إلى:

"تركيا بلا إرهاب"

وإنما في قدرتها على الانتقال من:

تركيا بلا حرب

إلى:

تركيا بلا قضية كوردية مؤجلة.

وهنا يصبح الدستور الاختبار الحقيقي.

فإذا استطاعت تركيا أن تنقل الكورد من موقع "المشكلة الأمنية" إلى موقع الشريك في تعريف العقد الوطني، وأن تضمن في الوقت نفسه حقوق العرب واللاز والشركس وسائر المكونات، فإن العملية الحالية قد تتحول إلى لحظة تأسيسية في تاريخ الجمهورية.

أما إذا انتهى السلاح، ثم بقي تعريف المواطنة دون تغيير جوهري، وبقيت الحقوق السياسية والثقافية معلقة، وبقي وضع أوجلان مفتوحاً، وبقيت الإصلاحات بلا سقف زمني واضح، وحصل بعض القادة على مناصب فردية من دون حقوق جماعية، فإن الخطر هو أن تكون تركيا قد أنهت فصلاً من الصراع، لا الصراع السياسي الذي أنتج جزءاً منه.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة ليس:

هل سيسلم الكورد سلاحهم؟

بل:

"ماذا ستقدم الدولة التركية، ومتى، وبأي ضمانات، مقابل انتقال الكورد النهائي من الحرب إلى السياسة؟"

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأعمق هو:

هل تستطيع تركيا أن تنهي الحرب من دون أن تؤجل السلام؟

فهنا تحديداً يتقرر ما إذا كانت تركيا تعيد تأسيس عقدها الوطني، أم تعيد تدوير القضية الكوردية في صورة جديدة.

"نهاية الحرب ليست نهاية القصة. لحظة الحقيقة تبدأ عندما يصمت السلاح: ماذا ستفعل الدولة بعد ذلك؟ وهل يتحول الصمت إلى سلام، أم إلى انتظار لحرب سياسية جديدة؟"



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب -إقليم الجولان- للباحث أديب سليمان باغ: الملكي ...
- حين تصبح الجغرافيا قابلة للاستبدال: الطاقة وهرمز وحدود النفو ...
- الشرق الأوسط يتغير من دون أن تتغير خرائطه إعادة توزيع الوظائ ...
- من القضية الكوردية إلى الفاعل الكوردي: نحو عقيدة استراتيجية ...
- المرونة الاستراتيجية: من الاعتماد المتبادل إلى هندسة الخيارا ...
- القوة الناعمة الكوردية: الثقافة والشتات والدبلوماسية العامة
- الممرات التجارية: كيف تتحول كوردستان من منطقة عبور إلى عقدة ...
- الحزب ليس دولة: لماذا تحتاج القضية الكوردية إلى مأسسة القوة؟
- قسد بين صناعة القوة وإدارة الانكفاء مقاربة استراتيجية في عقد ...
- لماذا يخسر الكورد حين يراهنون على حليف واحد؟ قراءة استراتيجي ...
- تغيير الخرائط لا يصنع الدول: سوريا والكورد بين حق تقرير المص ...
- من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية ...
- الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل - أين تكمن القيمة الحق ...
- موسى عنتر... حين حاول الرصاص إسكات القلم
- الجغرافيا الكوردية: من الموقع الجغرافي إلى الأصل الاستراتيجي ...
- ماذا يملك الكورد؟ ولماذا لا يتحول ما يملكونه إلى قوة؟ في فجو ...
- بين قنديل ودمشق الدلالات الاستراتيجية لتصريح جميل بايق بشأن ...
- الكورد والقوة التي لا تُرى من -الحاجة إليهم- إلى -الحاجة إلى ...
- القضية الكوردية: من حق تقرير المصير إلى صناعة القدرة على تقر ...
- من تفكيك القوة إلى تفكيك الموقف قراءة استراتيجية في مسار ما ...


المزيد.....




- استقالة مسؤول السجون في ولاية تينيسي بعد فشل إعدام كريستا با ...
- عشرات الآلاف يتظاهرون في شوارع مدريد مطالبين بإجراءات بشأن ا ...
- فشل إعدام بجرعتين قاتلتين يُطيح برئيس سجون ولاية تينيسي الأم ...
- آلاف الألمان يتظاهرون في برلين وشتوتغارت ضد إعادة التسلح وال ...
- عام على اتفاق غزة: خروقات إسرائيلية مستمرة وحصار يفاقم معانا ...
- سؤال حول -فلاي دبي- واتهام بالعنصرية يفجران مؤتمر مباراة أير ...
- الولايات المتحدة.. رئيس نظام السجون في تينيسي بصدد الاستقالة ...
- مئات يتظاهرون في باريس ضد دعم أوكرانيا ويطالبون بخروج فرنسا ...
- شبكات.. اعتقال مهندس أمريكي بتهمة التخابر مع الحوثيين وسجون ...
- برنامج الأغذية العالمي: مستويات قياسية من الجوع في اليمن مع ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - تركيا والكورد بعد نهاية الحرب: هل نحن أمام إعادة تأسيس للعقد الوطني أم إعادة تدوير للقضية الكوردية؟