مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 08:06
المحور:
القضية الكردية
قراءة في كتاب "إقليم الجولان" للباحث أديب سليمان باغ:
الملكية الكوردية الواسعة، الجذور التاريخية، والفسيفساء السكانية
هناك كتب تتجاوز قيمتها موضوعها المباشر، لأن الزمن يمنحها وظيفة لم تكن في ذهن مؤلفها حين كتبها. وكتاب "الجولان: دراسة في الجغرافيا الإقليمية" لأديب سليمان باغ واحد من هذه الكتب.
فالدراسة، التي أنجزها باغ في الأصل أطروحة دكتوراه نوقشت في جامعة السوربون بباريس سنة 1958، لم تكن مجرد وصف جغرافي لمنطقة سورية؛ بل كانت محاولة علمية شاملة لفهم إقليم كامل من حيث طبيعته وسكانه واقتصاده وتاريخه وأنماط الاستقرار فيه. وقد صدرت حديثاً طبعة جديدة من الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 496 صفحة، بعد أن كانت الأطروحة قد عُرّبت في دمشق في ثمانينيات القرن الماضي.
وتزداد أهمية الكتاب اليوم لأنه أنجز قبل حرب حزيران/يونيو 1967 بنحو عقد، ولذلك فإنه يقدم صورة موثقة نسبياً للجولان في زمن كان فيه الإقليم مأهولاً بسكانه، وتعمل فيه قراه ومزارعه وأسواقه وشبكاته الاقتصادية والاجتماعية. وقد كان باغ نفسه ابن الجولان، الأمر الذي جعل دراسته تجمع بين التكوين الأكاديمي في الجغرافيا والمعرفة المباشرة بالإقليم.
لكن إعادة قراءة باغ اليوم تفرض علينا التمييز بين أمرين:
ما قاله باغ بالفعل، وما نستطيع نحن أن نستنتجه من كلامه في ضوء مصادر تاريخية أخرى.
وهذا التمييز ليس شكلياً؛ فهو ضروري خصوصاً عندما نصل إلى موضوع شديد الحساسية مثل الوجود الكردي وملكية الأرض.
أولاً: باغ والجولان قبل 1967
دراسة للإقليم لا لسكانه فقط
ينتمي كتاب باغ إلى مدرسة الجغرافيا الإقليمية التي لا تفصل الأرض عن الإنسان.
فالإقليم عند الجغرافي ليس مجرد مساحة محددة على الخريطة، وإنما منظومة تتفاعل فيها التضاريس والمياه والمناخ والتربة والسكان والزراعة والرعي والقرية والمدينة والأسواق وطرق الاتصال.
ولهذا تتجاوز قيمة الكتاب المعلومات الطبيعية عن الجولان إلى ما يسجله عن المجتمع الذي كان يعيش فيه.
فالطبعة الحديثة تصف العمل بأنه دراسة للجوانب الطبيعية والبشرية والديموغرافية والإثنولوجية والاقتصادية للجولان، وتضم خمسة عشر فصلاً وثلاثة أقسام، إضافة إلى الخرائط.
ومن هنا فإن قراءة الكتاب اليوم لا ينبغي أن تقتصر على سؤال:
كيف وصف باغ الجولان؟
بل ينبغي أن نضيف:
ماذا تكشف طريقة باغ في وصف الجولان عن تركيب المجتمع والملكية والعلاقات الاقتصادية فيه؟
وهذا السؤال هو المدخل إلى موضوعنا.
ثانياً: الكورد في كتاب باغ
النص الذي يستحق التوقف عنده
عندما يصل باغ إلى الحديث عن الكورد في الجولان، لا يقدمهم باعتبارهم كتلة سكانية واحدة، وإنما يقوم بتصنيفهم إلى ثلاث فئات.
وهذا النص مهم جداً لأنه يوضح أن باغ كان يميز بين الأصل الإثني، واللغة، ونمط الحياة، والإقامة، والملكية.
يقول باغ:
"أما الأكراد فعددهم قليل جداً ولكن ينبغي التمييز ضمن الأكراد بين الفئات التالية". ثم يذكر الفئة الأولى:
"الاكراد الذين تعربوا تماماً . فهم لا يتكلمون الا العربية . وهم يعيشون في البدواة ويشبهون البدو العرب . ويدعوهم العرب آغا وهو لقب كوردي قديم يطلق على السادة ، وهو كل ما تبقى من أصلهم البعيد" .
ثم ينتقل إلى الفئة الثانية:
"الأكراد القرويون والمقيمون في المدن. ففي القنيطرة يوجد عدد محدود حوالي 50 شخصاً تقريباً. وهم يمارسون التجارة الصغيرة ولهم علاقات طيبة مع البدو. ويمتهن الأكراد في عدد من القرى مهنة البقالة أو الجزارة"."
ثم تأتي الفئة الثالثة، وهي الأهم في موضوعنا:
"الأكراد الملاكون الكبار، وهؤلاء لهم ممتلكات واسعة يجري استثمارها بواسطة وكلاء ومرابعين في الجولان، ولكن الملاكين يقيمون في دمشق وهم أكبر ملاكي الأراضي في الجولان".
ثم يورد باغ العبارة التي تستحق أن تكون محور البحث كله:
"ويكتفى أن نشير إلى أن ثلاث عائلات منهم تمتلك وحدها 452925 دونماً".
انتهى الاقتباس
هنا يجب أن نتوقف.
فالرقم 452,925 دونماً ليس تقديراً وضعناه نحن، وليس رقماً من دراسة حديثة، وإنما هو رقم أورده أديب سليمان باغ نفسه في وصفه للملكية الكردية الكبيرة في الجولان.
وهذه نقطة يجب تثبيتها بوضوح.
ثالثاً: ماذا يقول هذا النص، وماذا لا يقول؟
إن أول ما يلفت الانتباه في كلام باغ أن عدد الكورد المقيمين في الجولان كان، بحسب وصفه، محدوداً جداً.
فهو يذكر نحو خمسين شخصاً في القنيطرة ضمن فئة الكورد القرويين والمقيمين في المدن، ويتحدث عن أفراد يمارسون التجارة الصغيرة والبقالة والجزارة.
ثم، فجأة، ينتقل إلى فئة مختلفة تماماً:
الملاك الكبار المقيمون في دمشق.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية.
الوجود السكاني الكوردي المحدود في الجولان لا يتناسب، في وصف باغ، مع حجم الملكية العقارية الكوردية التي ينسبها إلى ثلاث عائلات فقط.
وهذه ليست مفارقة يجب حلها بتغيير أحد الرقمين.
بل هي ظاهرة تاريخية بحد ذاتها.
فصاحب الأرض لا يشترط أن يكون مقيماً في الأرض التي يملكها.
وباغ نفسه يشرح ذلك صراحة حين يقول إن الملاك الكبار "يقيمون في دمشق" وإن ممتلكاتهم في الجولان تستثمر بواسطة "وكلاء ومرابعين".
وبذلك يقدم لنا باغ، من حيث لا يدري ربما، مفتاحاً لفهم أحد أشكال البنية الاقتصادية للجولان:
مالك كبير في دمشق - أرض في الجولان - وكيل أو مرابع - فلاّحون ومزارعون محليون.
وهذا يختلف جذرياً عن تصور الملكية باعتبارها دليلاً مباشراً على الهوية السكانية.
رابعاً: 452,925 دونماً - ماذا يعني الرقم؟
إذا أخذنا رقم باغ كما هو، فإن 452,925 دونماً تعادل نحو 452.9 ألف دونم.
وهذا حجم عقاري هائل بالمعايير الزراعية التقليدية.
لكن الرقم وحده لا يخبرنا بكل شيء.
فنحن بحاجة إلى معرفة:
- ما مساحة الجولان الزراعية التي كان باغ يعتمدها؟
- هل الرقم يشمل أراضي زراعية فقط أم أنواعاً أخرى من الأراضي؟
- هل يقصد ثلاث عائلات بالمعنى الضيق أم فروعاً متعددة من الأسرة؟
- هل كانت الملكية مسجلة باسم أفراد أم عائلات؟
- هل كانت الأراضي ملكية خاصة "ملك" أم من الأراضي الأميرية التي جرى تسجيل حق التصرف بها؟
- هل كانت المساحات متصلة أم موزعة بين قرى ومزارع مختلفة؟
- هل كان جميع الملاك من دمشق؟
- وما أسماء العائلات الثلاث؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من رقم باغ.
بل تجعل الرقم أكثر أهمية.
لأن الرقم، إذا أمكن ربطه بسجلات الطابو والملكية العثمانية، يمكن أن يتحول من مجرد معلومة في كتاب جغرافي إلى مدخل لإعادة بناء خريطة الملكية العقارية في الجولان في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين.
خامساً: الملكية ليست ديموغرافيا
وهنا نصل إلى واحدة من أهم النقاط التي ينبغي التشديد عليها.
لا يجوز تحويل الملكية العقارية إلى دليل تلقائي على التركيب السكاني.
إذا كان كوردي من دمشق يملك قرية أو آلاف الدونمات في الجولان، فهذا لا يعني أن سكان القرية كانوا كورداً.
وبالعكس، إذا كان الفلاحون الذين يعملون في الأرض عرباً أو شركساً أو تركماناً أو غيرهم، فهذا لا يلغي ملكية صاحب الأرض.
إنها علاقة اقتصادية مختلفة عن علاقة الانتماء السكاني.
ولهذا فإن الجولان الذي يخرج من نص باغ يبدو أكثر تعقيداً من التصنيفات السياسية اللاحقة.
فقد يكون:
المالك كوردياً، والفلاح عربياً، والوكيل من مدينة أخرى، والسوق في القنيطرة، والتمويل أو الإدارة من دمشق.
وهذا يعني أن الإقليم كان جزءاً من شبكة اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدوده الجغرافية.
سادساً: من الجولان إلى دمشق
هنا يبدأ التحليل الذي يتجاوز نص باغ.
إذا كانت ثلاث عائلات كوردية تملك، بحسب باغ، 452,925 دونماً، وإذا كان الملاك يقيمون في دمشق، فإن السؤال الطبيعي يصبح:
من هم هؤلاء الملاك؟
وهنا تظهر أهمية دراسة النخبة الكوردية الدمشقية في القرن التاسع عشر.
فالمصادر التاريخية المتاحة عن بعض الأسر تشير إلى وجود نخبة كوردية في دمشق امتلكت الثروة والعلاقات السياسية والمناصب الإدارية والعسكرية، ولم يكن نفوذها محصوراً داخل الحي الذي تسكنه.
ومن أبرز الأمثلة التي يمكن دراستها:
أسرة شمدين.
ثم:
أسرة اليوسف.
وهاتان الأسرتان ترتبطان أيضاً بعلاقة مصاهرة سيكون لها أثر مهم في تاريخ دمشق العثمانية.
سابعاً: محمد سعيد شمدين - من الزعامة المحلية إلى إمارة الحج
تظهر المصادر التاريخية محمد سعيد شمدين بوصفه أحد الأعيان الكورد في دمشق في أواخر العهد العثماني، وتربط بينه وبين إمارة الحج الشامي.
وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن محمد سعيد شمدين كان شخصية بارزة في النخبة الكوردية الدمشقية، وأن نفوذه ارتبط بالزعامة المحلية والقيادة والأدوار الأمنية والإدارية. كما تربط الدراسة بينه وبين انتقال مكانته وثروته إلى حفيده عبد الرحمن باشا اليوسف.
وهنا تظهر أهمية وضع هذه المعلومات بجوار نص باغ.
فباغ يقول:
"ملاك أكراد كبار في دمشق يمتلكون مساحات واسعة في الجولان".
والمصادر التاريخية الأخرى تقول:
هناك أسر كوردية دمشقية تمتلك الثروة والنفوذ والمناصب وتتحرك داخل شبكة الدولة العثمانية.
الجمع بين المعلومتين لا يثبت تلقائياً أن المقصودين هم الأشخاص أنفسهم.
لكنه يجعل السؤال مشروعاً للغاية.
ثامناً: إمارة الحج - أين تبدأ علاقتها بالموضوع؟
كانت إمارة الحج الشامي من المناصب المهمة في الدولة العثمانية.
وتشير المصادر التي درست تاريخ دمشق إلى أن الدولة فصلت بين ولاية دمشق وإمارة الحج سنة 1866، وأصبح منصب أمير الحج يُسند في مرحلة لاحقة إلى قادة وشخصيات عسكرية، وتشير المصادر إلى حضور ضباط كورد من بيوت معينة في هذا المجال.
وهذا يفسر شيئاً من صعود بعض الأسر الكوردية في دمشق.
فإمارة الحج لم تكن مجرد لقب اجتماعي.
كانت مرتبطة بقافلة الحج الشامي، وبالطريق بين دمشق والحجاز، وبالأمن، والتنظيم، والعلاقات مع القبائل والمناطق التي تمر بها القافلة.
ومن هنا كان صاحب هذا المنصب يدخل في شبكة الدولة العثمانية الأمنية والسياسية.
لكن ينبغي هنا تسجيل ملاحظة منهجية:
لا يوجد في النص الذي نقله لنا باغ ما يثبت أن الأراضي التي ذكرها حصل عليها أصحابها كمكافأة عن إمارة الحج.
ولذلك لا ينبغي أن نكتب ذلك كحقيقة.
ما يمكن قوله هو أن الوظيفة والنفوذ والثروة والملكية ظهرت مجتمعة لدى بعض الأسر، وأن العلاقة السببية بينها تحتاج إلى وثائق مستقلة.
تاسعاً: عبد الرحمن باشا اليوسف - الحلقة التي تصل شمدين باليوسف
تتضح الصورة أكثر عند دراسة عبد الرحمن باشا اليوسف.
فالمصادر تشير إلى أنه ولد في دمشق سنة 1871، وأنه كان حفيد محمد سعيد شمدين من جهة الأم، وأنه خلف جده في إمارة الحج سنة 1892.
وتذكر دراسة عن حياته ودوره السياسي أن انتقال إمارة الحج إليه جاء بعد عجز جده عن متابعة مهامه، وأنه ارتقى لاحقاً في مراتب الدولة العثمانية، ووصل إلى رتبة "روم إيلي بكربكي"، وأدرج اسمه في سالنامات الدولة.
وتذكر مصادر أخرى أن عبد الرحمن ورث عن جده ثروة كبيرة تضمنت أراضي واسعة في الجولان ومناطق أخرى، إضافة إلى دار الأسرة في الساروجة.
وهنا تظهر أمامنا سلسلة تاريخية تستحق البحث:
محمد سعيد شمدين
↓
مصاهرة مع آل اليوسف
↓
عبد الرحمن باشا اليوسف
↓
وراثة الثروة والمكانة
↓
إمارة الحج سنة 1892
↓
استمرار الارتباط بملكية الأراضي في الجولان
لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى:
هذه قراءة تركيبية من مصادر متعددة، وليست فقرة كتبها باغ بهذا التسلسل.
عاشراً: مسجد سعيد باشا شمدين - شاهد حجري على تلك المرحلة
ومن أكثر التفاصيل التي تساعد على تثبيت حضور شمدين في دمشق وجود المسجد المعروف باسم:
مسجد سعيد باشا شمدين.
وتذكر موسوعة الآثار في سورية أنه بُني سنة 1309هـ/1892م في أقصى شرق حي الأكراد ( ركن الدين)، في المنطقة التي تعرف اليوم بحي أسد الدين، وأنه كان من آثار سعيد باشا شمدين، أمير الحج الشامي وأحد أعيان الكورد في دمشق في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
وهنا نصحح بصورة نهائية الخلط الذي ظهر سابقاً في تسمية المسجد.
فالمصدر الأثري يسميه:
مسجد سعيد باشا شمدين
وليس "مسجد سعيد باشا اليوسف".
أما علاقته بعبد الرحمن باشا اليوسف فتأتي من رابطة الأسرة والإرث والمصاهرة، لا من اسم المسجد.
وهذا التفريق مهم.
فالمسجد شاهد على محمد سعيد شمدين، بينما عبد الرحمن اليوسف هو حفيد شمدين من جهة الأم ووريث مكانته وثروته، وأمير الحج بعده.
حادي عشر: ماذا نستطيع أن نستنتج من ذلك بالنسبة إلى الجولان؟
يمكن هنا تقديم قراءة أكثر تركيباً.
إن المعلومة التي أوردها باغ عن الملكية الكوردية الكبيرة تصبح أكثر قابلية للفهم عندما نضعها ضمن بنية النخبة الدمشقية.
فالمالك الكبير المقيم في دمشق لم يكن ظاهرة استثنائية في العالم العثماني.
كانت المدن الكبرى تضم ملاكاً وأعياناً يمتلكون الأراضي في الأرياف، ويقوم الوكلاء بإدارتها، بينما يبقى المالك مرتبطاً بمركزه الحضري.
وهذا ما يصفه باغ بوضوح عندما يتحدث عن:
المالك في دمشق
والوكيل والمرابع في الجولان.
إذن، يمكن أن يكون جزء من التاريخ الاقتصادي للجولان تاريخاً صنعه أشخاص لم يكونوا مقيمين فيه.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
ثاني عشر: الجولان كامتداد اقتصادي لدمشق
إن قراءة هذه الظاهرة تسمح لنا بالنظر إلى الجولان باعتباره جزءاً من مجال اقتصادي أوسع.
فدمشق كانت المركز الإداري والتجاري والسياسي.
والجولان كان يمتلك الأرض الزراعية والمراعي والموارد الطبيعية.
والقنيطرة كانت مركزاً إقليمياً.
ومن ثم نشأت علاقات بين:
المدينة والريف،
المالك والمزارع،
التاجر والمنتج،
الوكيل وصاحب الأرض،
السوق والقرية.
وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا كان من الطبيعي أن يكون صاحب الملكية الكبيرة في دمشق بينما تدار أرضه في الجولان بواسطة وكلاء ومرابعين.
وهذا ليس تفسيراً خاصاً بالكورد؛ وإنما ظاهرة اقتصادية يمكن دراستها في إطار أوسع.
ثالث عشر: المغاربة - دليل آخر في نص باغ
ومن المفيد جداً ألا نتوقف عند الفقرة الخاصة بالكورد فقط.
فبعد حديثه عنهم، ينتقل باغ إلى المغاربة.
ويكتب أن المغاربة كانوا يتجمعون في قريتين في أقصى جنوبي الجولان، هما عابدين ومعرابة، وأنهم قدموا من شمال أفريقيا إلى المشرق بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر في القرن التاسع عشر.
ثم يذكر شخصية لافتة:
الأمير سعيد عبد القادر الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر،
ويقول إنه كان من أكبر ملاكي الأراضي في الجولان، وأنه كان يقيم في دمشق، لكنه باع جزءاً كبيراً من أراضيه.
هذه الفقرة مهمة جداً لأنها تؤكد أن باغ نفسه لم يكن ينظر إلى الملكية العقارية بوصفها مطابقة للتركيب السكاني.
فها هو يسجل:
مغاربة يقيمون في قريتين في الجولان،
ومالك مغاربي كبير يقيم في دمشق،
وأراض واسعة في الجولان.
وهذا يعزز الاستنتاج القائل إن الجولان كان جزءاً من شبكة ملكية واستثمار تتجاوز السكان المقيمين في الإقليم.
رابع عشر: التلاوية والمكونات الأخرى
ثم ينتقل باغ إلى التلاوية، ويصفهم بأنهم قبائل تتكلم العربية وتعيش في سهل البطيحة الصغير على الضفة الشمالية الشرقية لبحيرة طبرية.
وهذه الإشارة، إلى جانب ما يورده عن العرب والكورد والمغاربة وغيرهم، تؤكد أن الصورة التي يقدمها باغ للجولان ليست صورة جماعة واحدة.
إنها صورة فسيفساء بشرية.
وهو ما يجعل محاولة اختزال تاريخ الجولان في هوية واحدة أمراً يتعارض مع طبيعة المادة التي سجلها الباحث نفسه.
خامس عشر: الكورد بين السكان والملكية
من هنا يمكن أن نفهم الفقرة الكوردية في كتاب باغ بطريقة أكثر دقة.
فهو لم يقل إن الجولان كان ذا أغلبية كوردية.
بل قال صراحة إن الكورد "عددهم قليل جداً".
لكنه، في الوقت نفسه، تحدث عن فئة من الكورد باعتبارهم "الملاكين الكبار"، وقال إن ثلاث عائلات منهم تمتلك وحدها 452,925 دونماً.
إذن، وفق باغ نفسه، هناك فرق بين:
الحضور الديموغرافي المحدود
و
الثقل العقاري الكبير.
وهذا ربما يكون أهم ما يمكن أن نستخلصه من الفقرة كلها.
سادس عشر: هل يعني ذلك أن "الجولان كان كوردياً"؟
ليس هذا ما يقوله باغ.
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
النص الذي نقلناه لا يسمح بتحويله إلى نتيجة تقول إن الجولان كان إقليماً كوردياً من الناحية الديموغرافية.
بل العكس.
باغ يقول إن عدد الكورد قليل جداً.
لكن نصه يثبت شيئاً آخر أكثر تحديداً:
أن هناك نخبة كوردية مالكة للأرض ذات وزن عقاري كبير، وكانت تقيم خارج الجولان، في دمشق.
وهذه نتيجة مختلفة تماماً.
وهي، في رأيي، أكثر أهمية من إطلاق توصيف عام على الإقليم.
لأن التاريخ الحقيقي أكثر تعقيداً من الشعارات.
سابع عشر: ماذا عن أصول اسم "الجولان"؟
أما المسألة المتعلقة بأصل اسم الجولان وربطه بالكورد أو بالخوريين أو بكلمة "Gul"، فهي مسألة ينبغي فصلها عن هذا البحث العقاري.
يمكن طرح فرضيات حول الاسم، ويمكن مقارنة اللغات القديمة والحديثة في المنطقة، لكن التشابه الصوتي وحده لا يكفي لإثبات الاشتقاق.
كما أن الانتقال من وجود شعوب قديمة في المنطقة إلى إثبات استمرارية إثنية مباشرة مع شعب حديث يحتاج إلى منهج تاريخي ولغوي أكثر صرامة.
لذلك فإن الصياغة الأدق هي:
أصل اسم الجولان مسألة لغوية وتاريخية مفتوحة للبحث، ولا ينبغي إدراج فرضية "Gul + an" بوصفها حقيقة محسومة ما لم تسندها دراسة لغوية متخصصة.
وهذا لا يقلل من قيمة الفرضية؛ بل يحافظ عليها بوصفها سؤالاً بحثياً.
ثامن عشر: أين تكمن الجذور التاريخية للملكية؟
إذا أردنا الانتقال من السؤال "من كان يملك؟" إلى السؤال الأهم "كيف امتلك؟"، فإننا ندخل إلى قلب التاريخ العثماني.
فملكية الأرض يمكن أن تنتقل عبر:
- الإرث.
- البيع والشراء.
- المصاهرة.
- تسجيل حقوق التصرف.
- الأوقاف.
- الامتيازات.
- التوسع الاقتصادي.
- استغلال النفوذ المحلي.
- أو مزيج من هذه العناصر.
ولهذا فإن القول إن الأراضي "مُنحت مكافأة على حماية طريق الحج" يحتاج إلى وثيقة تثبت المنح.
ولا يكفي أن نثبت أن الشخص كان أميراً للحج وأنه كان مالكاً كبيراً.
فالتزامن بين الأمرين لا يثبت السببية.
وهذه قاعدة يجب أن تحكم قراءة هذه القضية كلها.
تاسع عشر: من الطابو إلى تاريخ المجتمع
إذا أردنا أن نذهب أبعد من باغ، فإن الخطوة العلمية التالية ينبغي أن تكون البحث في سجلات الملكية نفسها.
فالرقم 452,925 دونماً هو بداية البحث وليس نهايته.
نريد أن نعرف:
من هي العائلات الثلاث؟
ثم:
أين كانت أراضيها؟
ثم:
كيف وصلت إليها؟
ثم:
متى سجلت؟
ثم:
من كان يستثمرها؟
ثم:
من كان يعيش في تلك الأراضي؟
ثم:
كيف انتقلت ملكيتها بعد الانتداب الفرنسي؟
وإذا أمكن الإجابة عن هذه الأسئلة، فسوف ننتقل من تاريخ الرواية إلى تاريخ الوثيقة.
عشرون: الجولان كفسيفساء اجتماعية
إن الصورة التي يقدمها باغ للجولان تكاد تكون صورة فسيفساء:
الكورد.
العرب.
الشركس.
التركمان.
المغاربة.
التلاوية.
والجماعات البدوية والريفية الأخرى.
لكن هذه المكونات لم تكن تعيش بالضرورة في جزر منفصلة.
كانت هناك تجارة ومصاهرة وعلاقات جوار وعمل وملكية واستثمار.
وهذا ما يجعل دراسة المجتمع الجولاني أكثر تعقيداً من مجرد تعداد الطوائف والقوميات.
فقد تكون الهوية الاجتماعية شيئاً، والهوية الاقتصادية شيئاً آخر.
وقد يكون المالك من جماعة، والعامل من جماعة أخرى، والسوق في مدينة يسكنها خليط من الجماعات.
وهكذا تصبح العلاقات أهم من التصنيفات وحدها.
واحد وعشرون: باغ لا يكتب عن الكورد فقط
ومن المهم ألا نقرأ فصل الكورد منفصلاً عن بقية الكتاب.
فباغ كان يدرس الجولان كله.
ولهذا نجد بعد الكورد، المغاربة والتلاوية وغيرهم.
وهذا يعطينا مفتاحاً لمنهجه:
هو يريد أن يصف تركيب الإقليم.
ومن هنا فإن قيمة الفقرة الكوردية لا تأتي فقط من إثباتها وجود كورد في الجولان، بل من أنها تكشف عن طبقة أخرى من المجتمع:
طبقة المالكين الغائبين عن الإقليم.
وهذه الطبقة قد تكون أهم اقتصادياً من عدد المقيمين فعلياً.
اثنان وعشرون: ما الذي نضيفه نحن إلى باغ؟
هنا يبدأ دور القراءة التحليلية.
يمكننا، استناداً إلى المصادر الأخرى، أن نضع فقرة باغ ضمن تاريخ أوسع للنخبة الكردية في دمشق.
ومن أبرز عناصر هذا التاريخ:
الاستقرار الكوردي في دمشق.
ثم:
ظهور أعيان وأسر ذات ثروة ونفوذ.
ثم:
المشاركة في الإدارة العثمانية والأدوار العسكرية والأمنية.
ثم:
إمارة الحج.
ثم:
المصاهرة بين الأسر الكبرى.
ثم:
انتقال الثروة والمكانة عبر الوراثة.
ثم:
الملكية العقارية في مناطق الريف، ومنها الجولان.
وهذا التسلسل ليس نص باغ، وإنما هو الإطار التفسيري الذي يمكن أن يساعدنا في فهم عالمه الاجتماعي والاقتصادي.
ثلاثة وعشرون: من شمدين إلى اليوسف
إن علاقة شمدين باليوسف من أهم الحلقات التي تستحق مزيداً من الدراسة.
فالمصادر تذكر أن ابنة محمد سعيد شمدين تزوجت من محمد باشا اليوسف، وأن ابنهما عبد الرحمن أصبح وريثاً لجده من جهة الأم، ثم خلفه في إمارة الحج.
وهكذا أصبحت المصاهرة وسيلة لانتقال:
الثروة + المكانة + العلاقات + الوظيفة.
وهذا نموذج معروف في تاريخ النخب، حيث لا تكون الأسرة مجرد وحدة قرابة، بل تصبح شبكة سياسية واقتصادية.
ومن هنا يمكن فهم كيف تداخلت الأسرة والملكية والوظيفة في مجتمع دمشق العثمانية.
أربعة وعشرون: إمارة الحج ليست دليلاً على أصل الملكية
وهنا ينبغي أن نضع خطاً واضحاً.
وجود محمد سعيد شمدين ثم عبد الرحمن اليوسف في إمارة الحج أمر يمكن توثيقه من المصادر.
ووجود ملكيات واسعة مرتبطة بآل شمدين واليوسف أمر تشير إليه المصادر أيضاً.
لكن القول إن كل هذه الملكيات جاءت بسبب إمارة الحج يحتاج إلى وثائق.
وهذا التفريق يحمي المقال من الاستنتاج الزائد.
فقد يكون منصب إمارة الحج:
- نتيجة للثروة والنفوذ السابقين،
- أو عاملاً في زيادة النفوذ،
- أو وسيلة لتثبيت المكانة،
- أو مرتبطاً بعلاقات سياسية أوسع.
ولا يمكن اختيار تفسير واحد من دون وثائق.
خمسة وعشرون: لماذا يبقى باغ مهماً بعد سبعين عاماً؟
لأن كثيراً من الدراسات التاريخية تكتب بعد وقوع الأحداث.
أما باغ فكان يسجل مجتمعاً لا يزال حياً أمامه.
لقد كتب قبل 1967.
ووصف القرى والأرض والسكان وأنماط المعيشة والملكية.
ولذلك فإن كتابه يمكن أن يكون، إذا أحسنّا استخدامه، سجلاً تاريخياً لجغرافية الجولان قبل التحولات الكبرى.
وتكمن قيمته خصوصاً في أن بعض الظواهر التي يسجلها لا يمكن استعادتها بسهولة من المصادر السياسية وحدها.
فالوثيقة السياسية قد تقول إن قرية ما كانت موجودة.
أما باغ فيسأل:
من عاش فيها؟
ماذا زرع؟
كيف امتلك الأرض؟
كيف كانت علاقته بالقرى المجاورة؟
ومن كان يملك الأرض؟
وهذه أسئلة التاريخ الاجتماعي.
ستة وعشرون: ما الذي يجب أن نتحقق منه لاحقاً؟
حتى بعد تثبيت رقم 452,925 دونماً، تبقى مجموعة من المسائل التي تستحق تحقيقاً وثائقياً مستقلاً:
أولاً: أسماء العائلات الثلاث التي ذكرها باغ.
ثانياً: موقع الأراضي التي كانت تملكها كل عائلة.
ثالثاً: السجلات العقارية التي اعتمد عليها باغ.
رابعاً: طبيعة الملكية قانونياً في النظام العثماني.
خامساً: أسماء الوكلاء والمرابعين.
سادساً: طبيعة العلاقة بين الملاك والفلاحين.
سابعاً: تاريخ انتقال الأراضي بعد العهد العثماني.
ثامناً: مدى ارتباط بعض هذه الملكيات بشمدين وآل اليوسف.
تاسعاً: هل كانت هناك صلات بين الملكيات وإمارة الحج، أم أن الأمرين متوازيان تاريخياً دون علاقة سببية مباشرة؟
وهذه الأسئلة يمكن أن تحول المقال من قراءة صحفية إلى مشروع دراسة تاريخية مستقلة.
خاتمة: الجولان الذي كشفه باغ
حين نعود إلى كتاب أديب سليمان باغ بعد كل هذه الأسئلة، نكتشف أننا لا نقرأ مجرد كتاب في الجغرافيا.
نحن نقرأ وثيقة عن مجتمع.
مجتمع متعدد السكان والمصالح والانتماءات.
وفي هذا المجتمع كان الكورد، بحسب باغ، قليلي العدد من حيث الإقامة السكانية المباشرة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن وجود نخبة كوردية من كبار ملاكي الأرض المقيمين في دمشق.
ثم يضع أمامنا رقماً بالغ الدلالة:
452,925 دونماً تملكها ثلاث عائلات كوردية وحدها.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
من هم؟
كيف امتلكوا؟
من أين جاءت هذه الأراضي؟
كيف كانت تدار؟
ومن كان يزرعها؟
وكيف ارتبطت هذه الملكيات بدمشق؟
وحين نضع هذه الفقرة بجانب تاريخ أسر مثل شمدين واليوسف، وبجانب إمارة الحج، والمصاهرة، والوراثة، والأوقاف، والملكيات العقارية، تظهر أمامنا شبكة اجتماعية واقتصادية أوسع من مجرد "وجود كوردي في الجولان".
إنها شبكة تصل:
دمشق بالجولان،
والمدينة بالريف،
والمالك بالمزارع،
والأسرة بالوظيفة،
والثروة بالنفوذ،
والملكية بالسكان.
لكن الأهم ألا نذهب أبعد مما تسمح به الوثيقة.
فباغ لا يقول إن الجولان كان كوردياً ديموغرافياً؛ بل يقول العكس تقريباً حين يصف عدد الكورد بأنه "قليل جداً".
وهو لا يقدم في النص الذي بين أيدينا دليلاً على أن الملكيات كانت مكافأة على إمارة الحج.
ولا يكفي وجود الملكية الكوردية الكبيرة لإثبات أن سكان الأراضي كانوا كورداً.
لكن باغ يقدم لنا شيئاً أكثر دقة وأهمية:
دليلاً على وجود ملكية كوردية واسعة مرتبطة بنخبة دمشقية، في إقليم كان سكانه متنوعين، وكانت علاقاته الاقتصادية تتجاوز حدوده السكانية والجغرافية.
وهذه ربما تكون إحدى أهم المفاتيح لفهم الجولان قبل 1967.
فالجولان لم يكن مجرد أرض تسكنها جماعات مختلفة؛ بل كان أيضاً إقليماً تتقاطع فيه الملكية والإقامة والعمل والتجارة والسلطة، وتتصل فيه القرى بدمشق عبر شبكة من المصالح والعلاقات.
ولهذا فإن إعادة قراءة باغ اليوم لا ينبغي أن تنتهي عند السؤال: من كان يسكن الجولان؟
بل ينبغي أن تمتد إلى السؤال الأعمق:
من كان يملك الجولان؟ ومن كان يعمل في أرضه؟ ومن كان يديرها؟ ومن كان يملك النفوذ الذي جعل الأرض والثروة والوظيفة والسياسة تتقاطع في فضائه؟
وعندما نجيب عن هذه الأسئلة بالوثائق، لا بالروايات وحدها، سنكون قد بدأنا بالفعل في إعادة كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للجولان.
وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية الباقية لكتاب أديب سليمان باغ.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟