أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - تفكيك معادلة -إدانة الإبادة الجماعية مقابل وصف المقاومة بالإرهاب-















المزيد.....


تفكيك معادلة -إدانة الإبادة الجماعية مقابل وصف المقاومة بالإرهاب-


علاء اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 22:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هذه المقالة هي خلاصة مناقشتي لآراء ووجهات نظر عدد من الأصدقاء الشباب اليساريين من الجزيرة العربية في مجموعاتهم الخاصة والمغلقة على مواقع التواصل، أجريتها معهم في الاسابيع القليلة الماضية ورأيت، بالاتفاق معهم، أن من المفيد أن يطلع على مضمونها القراء والمتابعون.
مأزق النخب الغربية التقدمية
يتعلق الموضوع بتوجيه هذه المجموعة من الشباب نقداً حاداً أحياناً إلى عدد من الأسماء المؤيدة بقوة لقضية الشعب الفلسطيني ومن هذه الأسماء المؤرخ اليهودي من أصل عراقي آفي شلايم (المولود ببغداد عام 1945) وصاحب كتاب "العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي عربي"، والمفكر الأميركي اليساري نورمان فنكلستين، والسياسي البريطاني جورج غالوي، والإعلامي الأميركي البريطاني من أصل هندي مهدي حسن. وقد تركز نقدهم على الحيثية التالي تلخيصها:
إنَّ المأزق الذي تقع فيه النخب الغربية هو تجريم المقاومة والمقاومين بمقاييس معيار مزعوم هو "مكافحة الإرهاب"، فبموجب هذه الثنائية تتم إدانة "الإرهاب" الذي قامت به المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها "حماس" مقابل تجريم الحكومة الصهيونية واتهامها بممارسة إرهاب الدولة وشن حرب إبادة جماعية. هذا الموقف هو موقف كثيرين في النخب السياسية" وذكروا الأسماء سالفة الذكر كأمثلة.
وبخصوص هذا المأزق يوجه الشباب نقدهم انطلاقاً من الركائز التالية، وسألخص مضمون ما قالوه:
أولاً؛ تم تصميم ما يسمى بـ "مكافحة الإرهاب"، من قبل الدول والمؤسسات الإمبريالية الغربية كمشروع سياسي وقانوني يحمي تلك الدول ويحصّن المؤسسات العسكرية الاستعمارية، فتصبح كافة الميليشيات وحروب العصابات ومنظمات التحرير الشعبية والاستقلالية في عالم الجنوب هي المستهدف الحصري لقوانين هذه المكافحة. وقد خرجت هذه الخصائص والتوصيفات من دوائر إمبريالية واستعمارية متخصصة، وتم استبدال التجاوزات الحكومية العسكرية عبر قاموس لفظي منحاز تلخصها عبارة "جرائم الحرب"، و"الأضرار الجانبية للعمليات العسكرية". وتسربت هذه الصياغات والمضامين إلى الخطاب التضامني التقدمي بهذا الشكل أو ذاك، على الرغم من أنها لا تخدم اللغة التقدمية التضامنية وتتعارض معها.
ثانياً؛ إنَّ ثنائية "الإرهاب المتوازي" (إرهاب المقاومة مقابل إرهاب دولة الاحتلال)، خاطئة ويُكذّبها الواقع والتاريخ وغير عادلة ولا تخدم الضحايا ومقاومتهم بل تضرُّ بهم، فهي تُضيِّع الهدف من الصراع. كما أن وجود الضحية يتطلّب انشطار مفاهيمي حاسم بين معتدي ومعتدى عليه يدافع عن حقوقه المشروعة. وعلى هذا، فإن الوجود الصهيوني بحد ذاته يتحوّل الى اعتداء وجودي وسيرورة من الهجوم العسكري الدائم، سواء في لحظات الدفاع التكتيكي أو الهجوم المسلح في كلتا الحالتين هو هجومي ومعتدي تراكمياً. والوجود الفلسطيني بالمقابل هو دفاعي مشروع، سواء في تكتيك الدفاع أو الهجوم.
من خلال الرفض المباشر والصريح للاستعمار والاحتلال، لا يمكن أن تصبح ضحية الاستعمار ارهابية بالتوازي معه. وإذا عدنا الى تاريخ المقاومة نجد أن الثورة الفلسطينية ضد النكبة كانت ضد الوجود الاستيطاني الاقتلاعي الصهيوني المدني والعسكري، ولا يوجد نموذج في التاريخ الفلسطيني أو في التاريخ العالمي لحركات مقاومة وتحرر وطني تكتفي باستهداف الجيش الحكومي الرسمي فقط، والسبب هو أن هذا الجيش التقليدي الحكومي لا وجود له فالجيش الصهيوني هو منتوج عملية توحيد لخمس من المليشيات الإرهابية الاستيطانية الصهيونية وهي؛ هاغاناه (الدفاع)، شتيرن (ليحيى)، إرغون (المنظمة العسكرية القومية في إسرائيل)، بيتار التي تأسست في لاتيفيا ونشطت في فلسطين، وسرايا بلماح (الصاعقة).
ثالثاً؛ النهج الغرائبي والفرضيات غير المعقولة كالمطالبة المشروطة للمقاومة بتحديد الأفعال ونطاقها (قاتِلوا عدوكم رجلاً لرجل)، هو طرح خاطئ وهزيل بامتياز. فتوازن القوى لا يسمح بمواجهة مثالية أو بدقة استهداف من طرف المقاومين. هذا الفارق الشاسع في موازين القوى يؤدي الى هجمات مختلفة عن قواعد الاشتباك الرسمية لتحقيق الفاعلية والنتائج المأمولة وتضغط على قيادات العدو.
رابعاً؛ إنَّ خطورة تجريم الطرفين (الاحتلال والمقاومة) تبلغ نهايتها المنطقية والوخيمة على مشروع المقاومة وحقها في الهجوم. فحين يتم بشكل إجرائي فوري تجريم الطرفين، يصبح السابع من تشرين الأول/ أكتوبر جريمة ارتكبتها المقاومة ورد عليها العدو الاستعماري بجريمة مضادة. بينما الأسباب الحقيقية للسابع من تشرين/ أكتوبر هي واقعية وعقلانية ولم تبدأ في السابع من تشرين /أكتوبر.
هذه خلاصة مركزة لآراء الأصدقاء اليساريين الشباب، وسأقول بلا تردد أنني أتفق جوهريا مع مضمون هذا التحليل والاستنتاجات التي توصل إليها. فالمشكلة ليست فيها صياغة ومضموناً، بل في استهداف أسماء لمفكرين وباحثين منصفين من أصدقاء الشعب الفلسطيني من دون توثيق وأدلة حاسمة. المشكلة بوضوح في صحة التهمة الموجهة إليهم جميعاً وبتعميم لا يصح، وأحسب أن حشرهم كلهم في قائمة إدانة واحدة ومن دون توثيق مادي دقيق أمر غير مقبول حتى بالمعنى الإجرائي.
انعدام الأدلة والتوثيق الدقيق غالباً
في الأسطر والفقرات التالية سأناقش حالات هؤلاء الذوات كل حالة على حدةٍ في ضوء ما اطلعت عليه من مقالات وحوارات ومقابلات تلفزيونية وفيديوية شاركوا فيها وجرى الاستشهاد ببعضها وخصوصا برنامج بيرس مورغان:
لنبدأ بحالة السيد جورج غالوي فإنَّ آخر مقابلة أجرها معه بيرس مورغان كانت قصيرة، انتهت بشجار ومشادة كلامية حادة انسحب على إثرها غالوي وغادر الاستوديو بعد الاستفزاز الذي تعرض له من قبل مورغان. وفي لقاء آخر أقدم زمنا مع مورغان قال غالوي بعد أن دافع عن أداء المهاجمين الفلسطينيين وسجل إقدام الجيش الإسرائيلي على قتل إسرائيليين كثيرين وفق ما يسمى "بروتوكول حنا بعل" كي لا يقعوا في أسر المهاجمين، قال غالوي إنه يدين قتل المدنيين الأبرياء واحتجاز النساء "وإذا عرضتَ عليَّ مشهدا يقتل فيه مقاتل فلسطيني امرأة عجوز فأنا أدين ذلك بشدة وأدين احتجاز الأطفال كرهائن سواء قامت بذلك الحكومة الإسرائيلية أو المنظمات الفلسطينية".
وحين سأله مورغان: ألا تعتقد أن ما فعلته حماس في ذلك اليوم كان عملا إرهابيا؟ قال غالوي: حسناً، الأجزاء التي تحدثت عنها كانت بلا شك هجوما إرهابيا". والواضح من الحوار والمقاطعات المستمرة من قبل مورغان أن غالوي استُدْرِج إلى قول ما لم يرد قوله، ولكن ما قاله سيسجل عليه. وكان عليه أن يصمد بوجه ابتزاز مورغان ويتفادى الاستدراج. وقد علق مورغان على إجابة غالوي بالقول إنه لم يتوقع أن يسمع ذلك منه فهو أراد إدانة كاملة لحماس ووصفها بالإرهابية ثم استشهد مورغان بآخرين محسوبين على الليبراليين واليسار مثل جيرمي كوربن الذي "جلس على هذا الكرسي الذي تجلس عليه الآن ورفض ما فعلته حماس" كما قال.
يبقى الفرق كبيراً بين تصريحات متحفظة واضطرارية لا يمكن قبولها كهذه التصريحات المتلعثمة التي أدلى بها غالوي، وتلك التي تقطر عدوانية ويوجهها غالباً رسميون عرب آخرهم كان وزير الخارجية القطري الذي قال من دون يطرف له جفن في مقابلته مع الإعلامي البريطاني ذاته - بيرس مورغان - "إن ما حدثَ في السابعِ من أكتوبر كان مجزرةً، ويجب إدانَته ومحاسبة كلِّ من كان مسؤولاً عنه"!
ولكن كلام الشباب يصدق تماماً على ما قاله الكاتب الصحافي الأميركي البريطاني من أصول هندية مسلمة وهو "ليبرالي تقدمي" كما يعرف نفسه مهدي حسن. فهذا الكاتب وصف المقاومة الفلسطينية في غزة بأنها إرهابية وقامت بـ "أعمال رعب وإرهاب" (Acts of terror). وتحدث في برامجه وتغطياته الإعلامية عن فداحة المجازر التي استهدفت المدنيين والشباب في الحفل الموسيقي والعائلات في منازلهم. ويصح أن يقال بصدده ما ذكره الشباب في مداخلتهم سالفة الذكر من أنه يتبنى السردية الإمبريالية والصهيونية للأحداث بشكل مباشر حتى وإنْ تعكز على تضامن لفظي مع الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال والإبادة الجماعية.
شلايم يُشْرِك بريطانيا في الإبادة الجماعية لغزة
أنتقل الآن إلى ما نسب إلى المؤرخ آفي شلايم. وأستعرض أهم ما قاله في اللقاء الذي أجراه معه مورغان. ففي هذا اللقاء لم يصف شلايم المقاومة أو "حماس" بأنها إرهابية. بل هو اتهم إسرائيل بأنها "عنصرية وتمارس إرهاب الدولة". كما وردت كلمة "إرهاب" مرة أخرى في دفاعه عن منظمة بريطانية تضامنية سلمية تدعى "حراك فلسطين" (palastine action) وبرأها من تهمة الإرهاب.
الأكثر دلالة وأهمية من ذلك، ويعدُّ سابقة في بابه، إن شلايم حمَّل بريطانيا مسؤولية مشتركة مع الكيان الصهيوني عن الإبادة الجماعية التي تُرتكب ضد الشعب الفلسطيني في غزة بسبب إصدارها لوعد بلفور وإشرافها على تطبيقه بالشكل الذي طُبق به. وهذا يعني - من وجهة نظره - أن الإبادة الجماعية تأتي كنتيجة لهذا الوعد ولقيام دولة الكيان الإبادي. وقال شلايم "إن الإبادة الجماعية بشكل ما هي نتيجة لوعد بلفور لأن بريطانيا أعطت لليهود الذين كانوا يشكلون 10% من سكان فلسطين حق تقرير المصير وحرمت من هذا الحق الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون 90% من سكان هذا البلد". ولشلايم كتاب مهم صدر قبل مدة بعنوان "الإبادة الجماعية في غزة". ترجمته شهد دعباس وصدر عن دار تكوين الكويتية.
هذا الموقف الذي يدين إرهاب الدولة الصهيونية كان قد كرره شلايم في حوار مطول أجرته معه صحيفة (هآرتس) في التاسع من أيلول/ سبتمبر من العام الجاري. حيث نقلت عنه قوله: "ما يحدث في غزة اليوم هو مظهرٌ قاسٍ من مظاهر إرهاب الدولة الإسرائيليّة، فإسرائيل دولةٌ استعماريّةٌ واستيطانيّةٌ وعدوانيّةٌ عازمة على إبقاء الفلسطينيين في حالة دائمةٍ من التبعية، وطالما أنّها تحظى بدعمٍ غربيٍّ فستواصل انتهاك القانون الدوليّ وقرارات الأمم المتحدة في تحدٍ لأبسط معايير السلوك الدولي المتحضّر، وهذا ليس صراعاً بين طرفيْن متساويين، وإنّما بين قوة احتلالٍ وسكان مقهورين". وذكَّرت الصحيفة بتصريحاتٍ سابقةٍ لشلايم بعد هجوم أكتوبر- تشرين 2023، حين قال، إنّ "حماس" هي "الجماعة الفلسطينيّة الوحيدة التي تقف في وجه الاحتلال الإسرائيليّ، وأنّه بشنّها الهجوم على إسرائيل، وجّهت رسالةً قويةً مفادها أنّ الفلسطينيين لن يُهمّشوا، وأنّ المقاومة الفلسطينية لم تنتهِ، ورغم تعاون السلطة الفلسطينيّة مع إسرائيل في الضفة الغربية، ستواصل "حماس" قيادة النضال من أجل الحرية والاستقلال الفلسطينيّ". فهل يعقل بعد هذا أن يتهم شلايم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب؟ لنستعيد ما قاله في هذا الصدد؛
إنَّ العبارة التي قالها شلايم في وصف هجوم 7 تشرين /أكتوبر "طوفان الأقصى" في برنامج مورغان، ويؤاخذه عليها الأصدقاء الشباب هي إن "هجوم 7 تشرين الأول كان مروعاً، وشكل صدمه للجمهور الإسرائيلي". ثمَّ اقتبس مستدركاً ما قاله المفكر الأميركي اليهودي تشان تشاسكي "الصهيونية الاستيطانية هي الشكل الأكثر تطرفا ووحشية للإمبرالية". وهنا سأله مورغان سؤاله "التفتيشي" الممل والمكرر: "إذن، هل تدين ما حدث في ذلك اليوم 7 تشرين الأول باعتباره عملا إرهابيا دنيئاً؟".
فرد شلايم رداً عقلانياً وهادئاً بأن وضع حدث الهجوم في سياقه الموضوعي والتاريخي الحقيقي وقال: "إن هجوم "حماس" في تشرين / أكتوبر جاء في سياق معين، هو سياق 57 عاما من الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري والحصار الخانق، ولكني أدين بشدة هجوم "حماس" لأنه كان موجه مباشرة ضد المدنيين. وقتل المدنيين أمر خاطئ. من الخطأ أن تقتل "حماس" مدنيين إسرائيليين ولكن من الخطأ أيضا أن تقتل الحكومة الإسرائيلية مدنيين فلسطينيين. لأن هذا عمل من أعمال إرهاب الدولة".
بكل تأكيد لا يمكن الدفاع عن هذه العبارات لشلايم لأنها لا تفرق بين المدنيين المسالمين والمستوطنين المسلحين والمدربين جيدا اشترك بعضهم فعلا في القتال كما قالت وثيقة حماس، ولكن من جهة أخرى لا يمكن تحميلها أكثر مما تعني. وفي التفاصيل نقول؛
عدم التفريق بين المدني المسالم والمستوطن المسلح
يُسجَل لمصلحة شلايم أنه وضع الحدث في سياقه، ولم يتهم المقاومة الفلسطينية بتهمة الإرهاب، ولكنه - وهنا يجب التحفظ على كلامه ورفض مضمونه -أدان بعموم القول استهداف المدنيين الإسرائيليين خلال الهجوم من قبل المقاومة وأنصارها. ومبعث تحفظنا على كلام شلايم هنا هو أنه نظر إلى سكان غلاف غزة التي استهدفهم المهاجمون على أساس أنهم سكان مدنيون مسالمون وهذا ليس صحيحاً. فالهجوم استهدف أولا الفرقة العسكرية في جيش الاحتلال المكلفة بحصار غزة وحيَّدها تماما في قتال رجل لرجل ثم استهدف المستوطنات وسيطر عليها. هذا أولا؛
وثانيا فإنَّ سكان المستوطنات، والغالبية الساحقة إنْ لم نقل جميع سكان الكيان هم في عِداد المستوطنين المسلحين والمدربين على السلاح يعيشون على أرض مغتصبة من شعب آخر وليست أرضهم، بل وغالبيتهم من جمهور وأنصار اليمين القومي الديني المتطرف. غير أن هذا القول لا ينفي بالمطلق حدوث تجاوزات وأعمال عنف قاسية ولا مبرر لها جاءت غالبا من الجمهور المدني للمقاومة في غزة الذي اندفع تحت ضغط الدافع الثأري وخصوصا لذوي الشهداء وضحايا المجازر الإسرائيلية خلال الهجوم وبشكل غير مخطط له. وهذا ما سجلته وثيقة حركة حماس التي أصدرتها بتاريخ 21 كانون الثاني-يناير 2024، في 18 صفحة بتوقيع مكتبها السياسي. عرفت بوثيقة «هذه روايتنا... لماذا طوفان الأقصى؟». في هذه الوثيقة اعترفت "حماس" باحتمال حدوث خلل أثناء تنفيذ الهجوم وبأن بعض الجمهور الغزاوي قد خرج عن السيطرة في بعض الحالات وارتكب بعض التجاوزات. وذكرت الوثيقة بالنص ما يلي: "نحن نعمل على تجنب المدنيين - في المستوطنات - رغم عدم امتلاكنا للأسلحة الدقيقة، وإن حدث شيء من ذلك (الاستهداف للمدنيين) فيكون غير مقصود وإنما في ظل ضرورات المعركة التي نخوضها دفاعا عن النفس ورد العدوان". وفي فقرة تالية تضيف الوثيقة "وربما يكون قد حدث بعض الخلل أثناء تنفيذ عملية طوفان الأقصى بسبب انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بشكل كامل وسريع وحدوث بعض الفوضى نتيجة الاختراقات الواسعة في السياج والمنظومة الفاصلة بين قطاع غزة ومناطق عملياتنا/ روايتنا". إن هذا الكلام في وثيقة حركة حماس يجعل من الممكن تفهم العبارات التي قالها شلايم وسوف يكررها فنكلستين وغالوي ووضعها في هذا السياق، سياق الاعتراف بوجود خلل عملياتي.
وفي كتابه "الإبادة الجماعيّة في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين"، هو عملٌ تحليليٌّ نقديٌّ جديد لشلايم يقدم فيه "قراءةً تاريخيّةً وسياسيّةً لأحداث العدوان الإسرائيليّ ضدّ غزة بوصفه امتدادا لمشروعٍ استعماريٍّ استيطانيٍّ قديم".
ويرى شلايم أنّ ما يحدث في غزة ليس حرباً عابرةً، بل هو حلقة متصلة ضمن مسار طويل لهندسة المحو وإلغاء الوجود الفلسطينيّ. ويربط الكتاب بين السياسات الإسرائيليّة المعاصرة ودور الاستعمار البريطانيّ التاريخيّ، بما في ذلك وعد بلفور عام 1917 في تمهيد الطريق للسيطرة الصهيونيّة.
الحازم فنكلستين باقٍ على العهد
لا نفارق هذه المضامين النقدية والاستنتاجات كثيرا حين نعاين كتابات ومقابلات الباحث اليساري الأميركي الباسل نورمان فنكلستين. وسوف أركز على آخر مقابلة له أجرها معه مورغان. وفيها كرر فنكلستين آراءه التي أعرفها وسبق له وأن قالها في كتاباته ومقابلاته. وفي المقابلة الأخيرة مع مورغان لم يصف فنكلستين المقاومة أو "حماس" بالإرهاب.
وحين سأله مورغان عما قاله في مقابلة مع تاكر كارلسون من أن "المجتمع الإسرائيلي هو "أمة من قتلة الأطفال بناء، على إحصائيات تقول إن الجيش الإسرائيلي يمثل السكان اليهود في إسرائيل إلا فئة قليلة جدا". حين سأله مورغان "أليس هذا الكلام قاسياً أن يقال بحق شعب كامل مؤلف من عدة ملايين نسمة، ولماذا تكرره في كل مناسبة"؟
أجاب فنكلستين: "أقول وأكرر ذلك لأن استطلاعات الرأي الإسرائيلية نفسها تؤكد أن السكان يؤيدون بشدة ما يحدث في غزة على يد الجيش. وبما أن إسرائيل هي الدول التي تضم أعلى نسبة ممن يستعملون الانترنيت، فهذا يعني أن هذا الشعب الإسرائيلي على علم واطلاع تام على ما يحدث في غزة، وتنقله لهم المنصات من قبيل تيك توك. ثانيا؛ فالجيش في إسرائيل "جيش شعبي" أي إنَّ على كل مواطن أن يكون مستعدا للدفاع عن الدولة وهو يرتكب إبادة جماعية تلقي بظلال من الشك على مهمته في الدفاع عن حرية بلده. وثالثا؛ هل تعلم بماذا عَنْوَنَت الأمم المتحدة أحدث تقاريرها عن غزة؟ لقد عنونته حرفيا بـ "الاستهداف الإسرائيلي المقصود للأطفال في غزة"؟ وهذا ليس استثناء بل هو تقرير أممي مفصل يقع في 120 صفحة".
وحين سأله مورغان إنْ كان في المقابل سيلوم "سكان غزة كلهم" بسبب ما فعلته "حماس" أجاب فنكلستين: "أجبت مراراً على هذا السؤال وأنا أتبنى موقف الفلسطينيين الذين تحدثت إليهم عما حدث فقالوا لي: لو وضعت أي مجموعة من الناس في ظروف حصار كالذي ولدنا وعشنا فيه حتى يوم السابع من تشرين الأول /أكتوبر، فإن ما حدث سيكون حتميا". يقاطعه مورغان قائل: فهل الغزاويون أمة من قتلة الأطفال؟ فيجيب فنكلستين: لا، لن أقول ذلك!
خلال المناقشة احتج ضيف إسرائيلي في برنامج مورغان على وصف فنكلستين للإسرائيليين بأنهم "أمة من قتلة الأطفال". وهنا سأل فنكلستين الضيف إنْ كان قد خدم في الجيش الإسرائيلي فقال له نعم، فرد عليه فنكلستين فوراً: إذن أنت قد تكون قاتل أطفال! فثارت ثائرة الضيف ومعه مورغان الذي زاد من حصاره لفنكلستين بأسئلة استفزازية فرد عليه هذا الأخير مذكرا إياه بما قاله له في لقاء سابق من أنه لن يجادل في الحقائق الثابتة. وقد اعترف بوجود فظاعات ارتُكبَت في هجوم السابع من تشرين / أكتوبر، وإنه وصفها بأنها فظاعات كبيرة.
ولم يتجاوز ما قاله فنكلستين وصف بعض التجاوزات خلال الهجوم بانها (فظاعات أو تجاوزات كبيرة فظيعة). وهذا أمر يمكن تفهمه ووضعه في سياقه حين نستعيد ما قالته حركة حماس ذاتها في وثيقتها الرسمية المفصلة سالفة الذكر "هذه روايتنا...". ويبدو أن من الإنصاف أن ننظر إلى ملاحظات فنكلستين وشلايم وغالوي النظرة نفسها ونعدُّها داخلة في نطاق مقاربة الحقيقة والالتزام باستقامة الباحث الواجبة ولا تمت بصلة إلى الثنائيات والمعادلات الإعلامية التي تستلهم السردية الصهيونية والغربية حول ما يسمونه الإرهاب ويصمون به كل أشكال المقاومة ورفض الظلم والاضطهاد والعنف الإمبريالي والصهيوني كما بلغ ذروته في حرب الإبادة الجماعية في غزة.
مَن جرَّمَ المقاومة؟
أما توجيه بعض الشباب الاتهام إلى شلايم وفنكلستين وغالوي بأنهم جرَّموا المقاومة وقولهم إن هذا التجريم يؤدي إلى الضرر نفسه الذي يلحقه اتهامها بالإرهاب فيمكن الرد عليه بالآتي:
لم يستخدم شلايم وفنكلستين وغالوي كلمة جريمة أو إجرام في مداخلاتهم وأقصى ما تم استخدامه هو كلمات وعبارات من قبيل "فظاعات" أو "فظاعات كبيرة". وثمة هنا احتمالان الأول أنهم يرفضون تجريم المقاومة وإلا لقالوا ذلك بشكل صريح ومباشر. والثاني إنهم يقصدون بتلك الكلمة معنى آخر هو "الفعل الإجرامي" وهذا مجرد ظن ودخول في نوايا المتحدثين لا يعول عليه تحليليا.
أعتقد أن من مصلحتنا كمدافعين عن الخطاب المقاوم أن نأخذ بالتفسير الأول ونربطه بفهمنا الطبقي الثوري للعنف الذي يمارسه العدو. وفي هذا الإطار سأختم باستعادة مقولة شهيرة لليون تروتسكي حول ضرورة التفريق بين عنف السادة وعنف العبيد في تجربة الحرب الأهلية الأميركية حيث قال: "إن التاريخ يقيس قسوة الشماليين والجنوبيين بمقاييس مختلفة. لنأخذ مالك عبيدٍ يلجأ إلى الحيلة والعنف ليقيد العبد بالسلاسل، وعبداً يستخدم الحيلة والعنف ليقطع قيوده. فقط خصيان جديرون بالاحتقار سوف يقولون لنا إنهما متساويان أمام محكمة الأخلاق! اقتبسه إسحق دويتشر في - النبي المنبوذ -ص 504 عن كتاب تروتسكي "أخلاقنا وأخلاقهم". وما على القارئ إلا أن يستبدل السيد والعبيد في هذه المقولة بالجنرال الصهيوني وسكان عزة في "سجنهم الكبير في الهواء الطلق" طيلة أكثر من نصف قرن ليصل إلى حكم تروتسكي ذاته.
*كاتب عراقي



#علاء_اللامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعقيباً على رسالة الباحث د. نائل حنون حول -المشكلة السومرية-
- ليس كل من ينتقد إيران خائناً أو عدواً
- تجاوزات صموئيل كريمر المنهجية لاختلاق قومية سومرية
- كيف اختلقت كلمة (سومر) غير موجودة في اللغة السومرية؟
- خليج العرب عربي فليكن خليج الإيرانيين فارسي!
- -حصر السلاح بيد الدولة- يعني تجريد مناهضي واشنطن وتل أبيب فق ...
- وصمة عار جديدة على جبين الحكم العراقي: منع قافلة تضامن مع فل ...
- حول بيان شروط كتائب حزب الله في العراق
- بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل ...
- هل هي لغة الضاد أم لغة الظاء كما يرى الفراهيدي؟
- مدارس -أيدوبا- في العراق القديم وفرضية السومرية لغة وليست هو ...
- التطبيع مع الطائفية السياسية جريمة أخطر من التطبيع مع إسرائي ...
- الدبلوماسية الإيرانية تذل ترامب والبنتاغون يخفي خسائره
- ج2/كيف ولدت السريانية وهل كلمات؛ قرآن، رحمن، نعمة، وجنة سريا ...
- ج1/ هل كُتب القرآن بالسريانية وما أصل الخطين الآرامي والعربي ...
- سقوط آخر دويلات الفرنجة: انتصار عكا وانهيار كيان -القومون-
- مقولة -المال مجهول المالك- في الفقهين السني والشيعي
- سقوط آخر دويلات الفرنجة -الصليبيين-: السياق والمقدمات
- جمهورية العتبات الدينية توقع عقودا استراتيجية كبرى مع شركات ...
- المصطلح الاجتماسي بين الاختلاق والواقعية: -الشيعية السياسية- ...


المزيد.....




- حصريًا لـCNN: تفاصيل صادمة عن همام الحمامي المشتبه به في حاد ...
- الحوثيون يعلنون استهداف -أرامكو- في السعودية.. والحكومة اليم ...
- فيديو مزعوم لـ-هجوم حوثي على منشأة لشركة أرامكو-.. هذه حقيقت ...
- مقاتلو جبهة تحرير تيغراي ينسحبون من ميكيلي.. والقوات الحكومي ...
- الحوثيون يعلنون استهداف منشأة لأرامكو في الرياض وسط تصاعد ال ...
- إسرائيل تعلن استهداف -اليد اليمنى والمساعد الشخصي- ليحيى الس ...
- ثانية حاسمة.. شاب ينقذ طفلا من سقوط مروع في مصر (فيديو)
- ترامب وإيران.. خيارات معقدة وحسابات حاسمة
- الذكاء الاصطناعي.. التسابق المتهور
- هل عالج حسني مبارك حفيده في إسرائيل؟.. شهادة جديدة عن سر لن ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - تفكيك معادلة -إدانة الإبادة الجماعية مقابل وصف المقاومة بالإرهاب-