|
|
من القضية الكوردية إلى الفاعل الكوردي: نحو عقيدة استراتيجية جديدة
مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 07:13
المحور:
القضية الكردية
ملخص
تنطلق هذه الدراسة من مفارقة مفادها أن الكورد يمتلكون عناصر متعددة من القوة، ومع ذلك يظل أثرهم الاستراتيجي دون مجموع هذه العناصر. وتذهب إلى أن الإشكالية لا تكمن أساساً في غياب الموارد، بل في ضعف القدرة على تحويلها إلى نفوذ وخيارات ونتائج قابلة للاستمرار.
وتقترح الدراسة مفهوم "معامل التحويل الاستراتيجي" بوصفه أداة تحليلية لفهم الفجوة بين الموارد الكامنة والقوة المتحققة، بحيث لا تُقاس القوة بحجم الموارد وحده، وإنما بقدرة المؤسسات والمعرفة والتنسيق والخيارات على تحويل تلك الموارد إلى قدرة فعلية على التأثير.
وتبحث الدراسة في شروط الانتقال من "القضية"، التي تقوم أساساً على المطالبة والاعتراف والدعم الخارجي، إلى "الفاعل"، الذي يقوم على القدرة وإدارة المصالح وتوسيع الخيارات وتقليل الاعتماد على طرف واحد. كما تتناول العلاقة بين التحالف والاعتماد، وأهمية وجود حد أدنى مشترك بين الأجزاء الكوردية، ودور المؤسسات البحثية والإنذار المبكر وتخطيط السيناريوهات، وتختبر الأطروحة من خلال مقارنات مع تجارب فلسطينية وكتالونية وأرمنية.
وتخلص الدراسة إلى أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني الاستغناء عن الآخرين، بل تعني ألا يكون مصير أي جزء كوردي مرهوناً بإرادة طرف واحد، وأن الاختبار الحقيقي للعقيدة الاستراتيجية ليس ما تستطيع تحقيقه في الظروف المواتية، بل ما تستطيع الاحتفاظ به من خيارات عندما تتغير الظروف أو يتعرض أحد عناصر قوتها لصدمة.
الكلمات المفتاحية: الفاعل الكوردي؛ العقيدة الاستراتيجية؛ تحويل القوة؛ الاستقلالية الاستراتيجية؛ الاعتماد على الحلفاء؛ المرونة الاستراتيجية؛ الإنذار المبكر.
مقدمة: من امتلاك عناصر القوة إلى القدرة على توظيفها
بعد سلسلة من الدراسات التي تناولت علاقة الكورد بالقوى الكبرى، وإشكالية الاعتماد على الحلفاء، ودور الأحزاب والمؤسسات، وأهمية الممرات التجارية، والقوة الناعمة، والمرونة الاستراتيجية، يغدو من المشروع أن يُطرح السؤال الأشمل:
إذا كان الكورد يمتلكون هذه العناصر المتفرقة من القوة، فلماذا لم تتحول، حتى اليوم، إلى قوة استراتيجية متماسكة؟
فالكورد ليسوا جماعة مجردة من الموارد؛ إذ يمتلكون جغرافيا مترامية الأطراف، وكثافة سكانية معتبرة، وموارد طبيعية، ومواقع استراتيجية، وتجارب سياسية متباينة، وقوى عسكرية في بعض المناطق، وشتاتاً واسعاً، وشبكات علاقات دولية، وإرثاً ثقافياً وحضارياً عريقاً، فضلاً عن خبرات متراكمة في إدارة المؤسسات والاقتصاد والأمن.
ومع ذلك، ظل أثر هذه العناصر دون مجموعها بكثير.
وهنا تكمن الإشكالية التي ينبغي أن تنتقل إليها الاستراتيجية الكوردية من الآن فصاعداً:
امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويلها إلى قوة.
فالجغرافيا لا تغدو نفوذاً بمجرد وجودها، والاقتصاد لا يصير قوة بمجرد توافر الموارد، والشتات لا يتحول إلى تأثير سياسي لمجرد اتساعه، والعلاقة مع قوة كبرى لا تصبح ضمانة دائمة لمجرد استمرارها سنوات طويلة.
إنما تبدأ القوة حين تتصل هذه العناصر بعضها ببعض ضمن رؤية ناظمة، ومؤسسات راسخة، ومعرفة قادرة على التقدير، وقرار يستطيع إدارة البدائل.
ومن هنا تنبثق الفكرة المركزية لهذه الدراسة:
"المطلوب ليس البحث عن قوة تحمي الكورد، بل بناء قدرة تجعل الكورد أقل حاجة إلى أن يعتمدوا على قوة واحدة لحماية مصالحهم."
وهذه هي النقلة التي أقصدها بالانتقال من القضية الكوردية إلى الفاعل الكوردي.
أولاً: القضية تستدعي الاعتراف، والفاعل يستدعي القدرة
تقوم القضية السياسية على المطالبة بالحقوق وانتزاع الاعتراف بها، في حين يقوم الفاعل السياسي والاستراتيجي على امتلاك القدرة على حماية المصالح والتفاوض بشأنها وإدارة الأزمات المترتبة عليها.
لقد ظل السؤال الكوردي، طوال عقود، يدور بدرجات متفاوتة حول ثلاثة محاور:
من يعترف بحقوق الكورد؟ من يدعم قضيتهم؟ ومن يستطيع مساعدتهم في مواجهة خصومهم؟
أما السؤال الذي ينبغي أن يحتل موقعاً متقدماً اليوم فهو مختلف في جوهره:
ما الذي يستطيع الكورد بناءه بأنفسهم بحيث يصبح تجاهل مصالحهم أكثر كلفة للآخرين؟
ولا يعني هذا الانتقال من المطالبة بالحقوق إلى التخلي عنها، وإنما يعني الانتقال من التعويل على الاعتراف الخارجي وحده إلى بناء عناصر تجعل هذا الاعتراف أقدر على الحماية والاستمرار.
فالطرف الذي لا يملك سوى المطالبة يظل رهيناً لمن يستجيب لها، أما الطرف الذي يملك المؤسسات والمعرفة والاقتصاد والعلاقات والخيارات، فيدخل ساحة التفاوض من موقع مختلف.
وهنا لا تختفي القضية، وإنما تتغير طريقة حملها والدفاع عنها.
ثانياً: الإشكالية ليست نقص القوة، بل تشتتها
إذا تأملنا الواقع الكوردي من زاوية استراتيجية، تبيّن أن عناصر القوة قائمة، غير أنها تعمل في الغالب ضمن مسارات منفصلة.
هناك قوة سياسية، لكنها موزعة بين أحزاب ومناطق.
وهناك قوة اقتصادية، لكنها غير مترابطة بين الأجزاء.
وهناك جغرافيا استراتيجية، لكنها مقسمة بين أربع دول.
وهناك قوة ثقافية وشتات واسع، لكنهما لا يعملان دائماً ضمن رؤية جامعة.
وهناك علاقات دولية، لكنها ترتبط في الغالب بحسابات كل جزء أو حزب.
وهناك خبرات عسكرية وأمنية مهمة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى قدرة سياسية مستدامة.
فالإشكالية، إذن، ليست في افتقار الكورد إلى عناصر القوة، بل في أن هذه القوة تعمل في كثير من الأحيان كـ موارد متجاورة لا كـ منظومة مترابطة.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أولية:
"الموارد وحدها لا تنتج القوة؛ إنما القدرة على تنسيق الموارد هي التي تحولها إلى قوة قابلة للاستخدام."
وهذا التمييز هو المدخل إلى مفهوم "معامل التحويل الاستراتيجي".
ثالثاً: معامل التحويل الاستراتيجي
يمكن مقاربة هذه المسألة عبر مفهوم أقترحه في هذه الدراسة، هو "معامل التحويل الاستراتيجي".
والمقصود به، بصورة مبسطة، مدى قدرة أي مجتمع أو حركة سياسية على تحويل موارده المتاحة إلى خيارات ونفوذ ونتائج قابلة للاستمرار.
فقد تمتلك منطقة ما مورداً طبيعياً كبيراً، لكنها لا تملك القدرة على نقله أو تسويقه أو حمايته؛ فيكون المورد موجوداً، لكن قدرته على إنتاج النفوذ محدودة.
وقد تمتلك منطقة أخرى موقعاً جغرافياً استثنائياً، لكنها تفتقر إلى الطرق والمخازن والخدمات اللوجستية والأسواق؛ فتظل الجغرافيا موجودة، لكن قيمة الموقع لا تتحول بالكامل إلى قوة اقتصادية.
وقد يمتلك مجتمع شتات واسعاً، لكنه يفتقر إلى المؤسسات التي تنظم هذا الانتشار؛ فيبقى الحجم الديموغرافي أكبر من التأثير السياسي.
وقد يمتلك فاعل علاقات متعددة مع دول مختلفة، لكنه يصبح عاجزاً عن التحرك إذا تغير موقف أحد شركائه الأساسيين؛ فتكون العلاقات كثيرة، بينما تكون الخيارات الحقيقية قليلة.
ولهذا فإن المسألة ليست:
موارد = قوة
بل أقرب إلى نموذج تحليلي يمكن التعبير عنه على النحو الآتي:
"الموارد × المؤسسات × المعرفة × التنسيق × الخيارات = قدرة استراتيجية"
وهذه ليست معادلة رياضية بالمعنى الصارم، ولا تفترض أن العناصر الخمسة متساوية الوزن أو أن القوة يمكن حسابها بهذه الطريقة حرفياً. إنها صيغة إرشادية تعبر عن منطق تكاملي: كلما ارتفعت قدرة الفاعل على تنظيم موارده ومعرفته ومؤسساته وخياراته، ارتفعت قدرته على تحويل الموارد الكامنة إلى نفوذ فعلي.
كما أن قوة عنصر ما يمكن أن تعوّض جزئياً ضعف عنصر آخر، لكن الاختلال الحاد في عنصر أساسي قد يخفض فاعلية المنظومة كلها.
وهنا تكمن الفكرة الأهم:
"ليست المشكلة دائماً في مقدار القوة التي يمتلكها الكورد، بل في مقدار القوة التي يستطيعون تحويلها إلى خيارات عندما يحتاجون إليها."
وهذا المفهوم يمكن مستقبلاً تطويره إلى مؤشرات أكثر دقة عبر مؤسسة بحثية متخصصة، بحيث يصبح بالإمكان قياس درجة الاعتماد الاقتصادي، وتنوع الشركاء، وقدرة المؤسسات، ومرونة الممرات التجارية، وكفاءة إنتاج المعرفة، وغيرها من المتغيرات.
رابعاً: ألا يكون أي حليف جزءاً من تعريف الاستراتيجية
كان من أهم خلاصات هذه السلسلة أن الإشكال لا يكمن في التحالف مع قوة كبرى، بل في الاعتماد عليها.
وهي قاعدة ينبغي تعميمها.
فليس الخطأ أن تربط الكورد علاقات قوية بالولايات المتحدة أو أوروبا أو تركيا أو العراق أو أي قوة أخرى. وإنما تكمن المشكلة حين تصبح دولة واحدة جزءاً من تعريف الاستراتيجية الكوردية نفسها.
فالحليف قد يكون مهماً، والشريك قد يكون ضرورياً، لكن الاستراتيجية يجب أن تبقى ملكاً لصاحبها.
ذلك أن الدول تغير أولوياتها، والحكومات تتبدل، والتحالفات تتحول، والتهديدات تتغير، والمصالح قد تتعارض في لحظة بعينها.
وتقدم التجربة الدولية، وكذلك التجربة الكوردية، أمثلة على أن موقف الراعي الخارجي قد يتغير بصورة تعيد تشكيل حسابات الطرف المعتمد عليه.
ومن هنا ينبغي أن يتغير السؤال:
ليس:
من سيحمينا إذا وقعت الأزمة؟
بل:
ماذا سنفعل إذا تغير موقف من نعتمد عليه؟
وهذا هو الفارق بين التحالف والاعتماد:
"التحالف يضيف إلى خياراتك؛ أما الاعتماد فقد يختزل خياراتك في خيار واحد."
خامساً: لا معركة بلا مخرج
من أهم الدروس المستخلصة من التفكير الاستراتيجي أن القرار لا يُقاس فقط بقدرته على تحقيق الهدف الأول، وإنما كذلك بقدرته على إدارة اليوم التالي.
لذلك ينبغي أن يسبق أي قرار استراتيجي عدد من الأسئلة:
ماذا نريد؟
ما الموارد التي نملكها؟
ما الذي يستطيع الخصم فعله؟
ما الذي يستطيع الحليف فعله؟
ماذا يحدث إذا انسحب الحليف؟
ما البديل؟
ما السيناريو الأسوأ؟
كيف نخرج من الأزمة إذا أخفق السيناريو الأساسي؟
وهذه ليست أسئلة تشاؤمية، بل هي جوهر التخطيط الاستراتيجي.
فالسيناريو البديل لا ينبغي أن يُكتب بعد انهيار السيناريو الأول، بل يجب أن يكون جزءاً من القرار منذ لحظة اتخاذه.
ومن لا يملك خطة للخروج قد يجد نفسه أسيراً للقرار الذي اتخذه.
ولهذا يمكن صياغة قاعدة أكثر شمولاً:
"لا تدخل قراراً استراتيجياً إذا كان نجاحك مشروطاً بنتيجة واحدة فقط."
سادساً: الحد الأدنى المشترك بدلاً من وهم الوحدة
لا تحتاج الأجزاء الكوردية الأربعة إلى وحدة سياسية كي تتعاون، ولا إلى حزب واحد، ولا إلى قيادة سياسية واحدة.
إنما تحتاج إلى ما هو أكثر واقعية: حد أدنى مشترك من المصالح الاستراتيجية.
ويمكن أن يشمل ذلك حماية المصالح الاقتصادية، وتطوير التجارة والنقل، وتنويع العلاقات الخارجية، وحماية الموارد، ودعم الثقافة واللغة، وتبادل المعرفة، وتنسيق المواقف في القضايا ذات الآثار العابرة للحدود، وعدم توظيف جزء كوردي ضد جزء آخر في القضايا التي تمس المصالح الأساسية للجميع.
وبذلك يصبح الاختلاف السياسي ممكناً دون أن يتحول إلى صراع يستنزف القدرة المشتركة.
فالغاية ليست أن يصير الكورد متطابقين، بل أن يصيروا قادرين على الاختلاف دون تقويض مصالحهم المشتركة.
وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال القوة.
سابعاً: الحزب ليس دولة
إذا ظلت المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى رهينة التنافس الحزبي، فإن أي مشروع مشترك سيبقى عرضة للتعطيل كلما تغيرت موازين القوى.
وللحزب وظيفة سياسية مشروعة، هي التنافس والتمثيل والوصول إلى السلطة أو التأثير فيها.
غير أن المصالح الاستراتيجية تحتاج إلى مؤسسات تتجاوز عمر الحزب والحكومة والقيادة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الفصل بين:
التنافس الحزبي المشروع
و
المصلحة الاستراتيجية المشتركة.
ولا يعني ذلك إلغاء الأحزاب أو الانتقاص من دورها، بل يعني ألا تكون المؤسسة الحزبية هي المصدر الوحيد للمعرفة الاستراتيجية أو تحديد المصالح بعيدة المدى.
ثامناً: مؤسسة للتفكير الاستراتيجي الكوردي
إذا كان المطلوب بناء فاعل استراتيجي، فلا بد من مؤسسة قادرة على التفكير قبل الأزمات لا أثناءها فقط.
ويمكن تصور مؤسسة كوردية عابرة للأجزاء، غير حزبية وغير حكومية، لا تكون حكومة ولا قيادة سياسية عليا، بل مؤسسة للبحث والتنسيق والتقدير الاستراتيجي.
وقد تضم خبراء في الاقتصاد والطاقة والأمن والقانون والعلاقات الدولية والنقل والمياه والتكنولوجيا، إلى جانب الأكاديميين ورجال الأعمال والباحثين.
وتتلخص مهامها في:
- بناء قواعد بيانات مشتركة. - مراقبة التحولات الإقليمية. - إعداد السيناريوهات. - تقييم المخاطر. - إصدار تقديرات استراتيجية. - دراسة مشاريع البنية التحتية والطاقة. - رصد التحولات الاقتصادية والديموغرافية. - تطوير كوادر بحثية جديدة. - تقديم توصيات غير ملزمة للأجزاء والقوى السياسية. - بناء أرشيف استراتيجي يحفظ المعرفة المتراكمة.
ولا تكون قراراتها ملزمة لأحد، وهذه نقطة جوهرية.
فقوة المؤسسة لا تنبع من قدرتها على إصدار الأوامر، بل من قدرتها على إنتاج معرفة يصعب تجاهلها.
وهنا يمكن أن يتحول "معامل التحويل الاستراتيجي" من فكرة نظرية إلى أداة عملية: إذ تستطيع المؤسسة مستقبلاً بناء مؤشرات تقيس تنوع الأسواق، واعتماد الطاقة، وتعدد الممرات، ومرونة التحالفات، وقوة المؤسسات، ومستوى الجاهزية للأزمات.
تاسعاً: من رد الفعل إلى الإنذار المبكر
كثير من الخسائر الاستراتيجية لا يقع لأن الطرف عاجز عن الرد، بل لأنه يبدأ الرد بعد أن يكون هامش الخيارات قد تقلص.
والإنذار المبكر لا يضمن النجاح، لأن الإشارات قد تكون موجودة لكن تفسيرها أو الاستجابة لها قد يفشلان.
ولهذا ينبغي أن يكون أحد أهم مكونات العقيدة الجديدة بناء منظومة للإنذار المبكر تقوم على الدورة:
"رصد ← تحليل ← إنذار ← سيناريوهات ← قرار ← مراجعة"
ويجب أن تصبح هذه الدورة جزءاً من الثقافة السياسية والاستراتيجية.
فإذا ظهرت مؤشرات على تحول في موقف دولة كبرى، وجب اكتشافها قبل الإعلان عنه.
وإذا تبدلت أولويات دولة مجاورة، وجب تحليل آثارها قبل أن تتحول إلى أزمة.
وإذا برزت تحولات في مسارات التجارة والطاقة، وجب استشراف تبعاتها قبل أن تصبح أمراً واقعاً.
وبذلك تنتقل السياسة من انتظار الحدث إلى الاستعداد له.
عاشراً: القوة ليست القدرة على المواجهة وحدها
يسهل تعريف القوة بعدد الجنود والأسلحة ومساحة الجغرافيا، غير أن القوة الاستراتيجية أوسع من ذلك بكثير.
فقد تكون القوة قدرة على الردع، أو على التفاوض، أو قدرة اقتصادية، أو قدرة على جذب الاستثمار، أو قدرة ثقافية، أو قدرة على بناء تحالفات متعددة، أو قدرة على تحمل الضغوط، أو القدرة على الانتقال من خيار إلى آخر دون انهيار.
ولهذا ينبغي أن تكون القوة الكوردية المستقبلية قوة مركبة:
- الجغرافيا توفر الموقع. - الاقتصاد يوفر المصالح. - الطاقة توفر الموارد. - الممرات توفر الترابط. - الثقافة توفر الهوية. - الشتات يوفر الامتداد. - الدبلوماسية العامة توفر الصورة. - المعرفة توفر القرار. - المؤسسات توفر الاستمرارية. - والمرونة الاستراتيجية تحفظ هذه العناصر حين تتبدل الظروف.
لكن هناك عنصراً إضافياً ينبغي ألا يغيب:
"القدرة على امتصاص الصدمة."
فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تستطيع فعله عندما تكون الظروف مواتية، وإنما بما تستطيع الاحتفاظ به عندما تسوء الظروف.
حادي عشر: اختبار الصدمة
يمكن هنا تقديم اختبار عملي للعقيدة الجديدة.
لنفترض أن أحد العناصر الأساسية تغير بصورة مفاجئة:
ماذا يحدث إذا فقد أحد الأجزاء سوقه الرئيسية؟
ماذا يحدث إذا أُغلق ممر تجاري رئيسي؟
ماذا يحدث إذا تغير موقف حليف أساسي؟
ماذا يحدث إذا انخفضت عوائد الطاقة؟
ماذا يحدث إذا وقعت أزمة أمنية؟
ماذا يحدث إذا انقسمت القوى السياسية داخلياً؟
إذا أدى أحد هذه التطورات إلى انهيار معظم الخيارات المتاحة، فإن درجة الاستقلالية الاستراتيجية تكون منخفضة، مهما بدا حجم الموارد كبيراً.
أما إذا استطاع الفاعل امتصاص الصدمة، وإعادة توزيع موارده، والانتقال إلى بدائل أخرى، والحفاظ على حد أدنى من قدرته على الحركة، فإن ذلك يعني أن بنيته الاستراتيجية أكثر مرونة.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة إضافية:
"الاستقلالية الاستراتيجية لا تُختبر في الظروف الطبيعية، بل في قدرة النظام على البقاء فاعلاً بعد الصدمة."
وهذه النقطة تجعل مفهوم المرونة الاستراتيجية أكثر قابلية للقياس من مجرد كونه شعاراً.
ثاني عشر: اختبار العقيدة في الواقع
كل نظرية لا تصمد أمام الاختبار العملي تنحدر إلى مجرد خطاب.
ولذلك ينبغي أن تُختبر العقيدة الجديدة في البيئات الأربع التي يعيش فيها الكورد.
تركيا
هل يمكن بناء مصالح اقتصادية وتجارية طويلة الأمد دون انتظار حسم كل الخلافات السياسية والأمنية؟
العراق
هل يمكن الانتقال تدريجياً من التنافس على الصلاحيات إلى بناء شبكة مصالح تجعل الاستقرار والتعاون أكثر فائدة من الصراع؟
إيران
هل يمكن تطوير العلاقات التجارية والحدودية ضمن الأطر القانونية القائمة، مع صون استقلالية القرار الاقتصادي؟
سوريا
هل يمكن بناء ترتيبات سياسية واقتصادية وثقافية تحفظ الحقوق الكوردية، وتصل المناطق الكوردية ببقية الاقتصاد السوري والإقليمي؟
هذه الأسئلة لا تستلزم إجابة واحدة موحدة.
لكنها تكشف معياراً بالغ الأهمية:
"إذا كانت الاستراتيجية عاجزة عن العمل في بيئات مختلفة، فهي ليست استراتيجية، بل مجرد موقف سياسي."
والاختبار الأكثر جدية هو أن تستطيع الفكرة إنتاج خطوات قابلة للتطبيق في بيئة تختلف عن الأخرى، من دون أن تفقد مبدأها الأساسي.
ثالث عشر: مقاربة مقارنة: دروس من تجارب أخرى
الحالة الفلسطينية: المؤسسات والاعتماد على المعونة
بنت منظمة التحرير الفلسطينية، في أطوار مختلفة، شبكة مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية عابرة للجغرافيا، مكنتها من الحفاظ على تمثيل سياسي رغم التشتت.
وفي المقابل، أظهرت دراسات المعونة والبناء المؤسسي في الضفة الغربية وغزة أن الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي يمكن أن يحد من استقلالية القرار.
والدرس بالنسبة إلى الحالة الكوردية مزدوج: قيمة المؤسسات العابرة للأجزاء، وخطر الارتهان لمصدر خارجي واحد للتمويل أو الحماية.
الحالة الكتالونية: القدرة المؤسسية دون اعتراف دولي
تمتلك كتالونيا مؤسسات حكم ذاتي وقاعدة اقتصادية قوية وهوية ثقافية راسخة، ومع ذلك أخفق إعلان الاستقلال عام 2017 في الحصول على اعتراف دولي.
ولا تعني هذه المقارنة أن الحالة الكوردية مطابقة للحالة الكتالونية؛ فالسياقات القانونية والسياسية والإقليمية مختلفة بصورة جوهرية. وإنما تُستخدم الحالة الكتالونية لاختبار علاقة محددة: القدرة المؤسسية لا تنتج تلقائياً اعترافاً خارجياً.
ومن ثم فإن بناء القدرة لا ينبغي أن يكون مشروطاً بانتظار الاعتراف، دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية الاعتراف حين يصبح ممكناً.
الحالة الأرمنية: الشتات بوصفه قوة عابرة للحدود
استخدم خاتشيغ تولوليان مفهوم القوة اللادولتية لوصف قدرة الشتات المنظم على التأثير من خلال الشبكات المؤسسية والثقافية والمالية.
وتوضح أدبيات الشتات أن أثره السياسي لا يرتبط بالحجم العددي وحده، بل بدرجة التنظيم ووضوح الأهداف والمؤسسات.
وهذا يقدم درساً مهماً للحالة الكوردية:
"الانتشار لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ؛ الذي يحول الانتشار إلى نفوذ هو التنظيم."
وتبقى هذه المقارنات أدوات تحليلية، لا نماذج جاهزة للاستنساخ.
رابع عشر: اختبار الفشل
لا تكتفي العقيدة الجادة بتحديد ما تريد تحقيقه، بل تحدد كذلك مؤشرات الإخفاق.
ويجب إطلاق الإنذار عندما:
- يعتمد اقتصاد جزء كوردي على دولة واحدة بصورة مفرطة. - تصبح العلاقة مع قوة خارجية شرطاً لبقاء المشروع السياسي. - يصبح حزب واحد المصدر الوحيد للمعلومة والقرار. - تتحول القوة العسكرية إلى بديل عن المؤسسات السياسية. - يتفوق الخلاف بين الأحزاب على المصلحة المشتركة. - تتحول المشاريع الاقتصادية إلى أدوات للنفوذ الحزبي. - يصبح جزء كوردي أداة في مواجهة جزء آخر. - يقوم القرار الاستراتيجي على رد الفعل بدلاً من السيناريوهات. - يؤدي فقدان شريك واحد إلى انهيار معظم الخيارات المتاحة.
وهذه ليست تفاصيل إدارية، بل مؤشرات على تراجع معامل التحويل الاستراتيجي وانخفاض مستوى الاستقلالية.
خامس عشر: العقيدة الجديدة لا تبحث عن أصدقاء دائمين
لا توجد في السياسة الدولية صداقات دائمة بالمعنى الاستراتيجي، وإنما توجد مصالح تحتاج إلى إدارة.
فقد تتفق القوى الكوردية مع دولة ما في مجال الطاقة وتختلف معها في السياسة.
وقد تتعاون معها في التجارة وتختلف معها في الأمن.
وقد تقتضي قضية معينة شراكة مع طرف، بينما تقتضي قضية أخرى التعاون مع طرف مختلف.
وليس في ذلك تناقض، بل هو جوهر المرونة الاستراتيجية.
فالهدف ليس أن يحبك الآخرون، بل أن يجدوا مصلحة في التعامل معك.
ولهذا فإن قيمة شبكة العلاقات لا تقاس فقط بعدد الشركاء، بل بعدد الخيارات التي تتيحها عند تغير الظروف.
سادس عشر: زيادة الخيارات جوهر الاستقلالية
يمكن تعريف الاستقلالية الاستراتيجية تعريفاً عملياً بسيطاً:
"كلما ازدادت خياراتك، قل تعرضك للابتزاز."
إذا كان لديك سوق واحد، فأنت أكثر عرضة للضغط.
وإذا كان لديك سوقان أو ثلاثة، اتسعت قدرتك على المناورة.
وإذا كان لديك حليف واحد، أصبح موقفه أكثر حسماً.
أما إذا كان لديك شركاء متعددون، قل ارتباط قرارك بإرادة طرف بعينه.
وإذا كان لديك ممر واحد، أصبح إغلاقه أزمة.
أما إذا امتلكت شبكة ممرات، أصبح الإغلاق مشكلة يمكن إدارتها.
وهذا لا يعني أن تعدد الخيارات يلغي المخاطر، بل يعني أن الخطر يصبح قابلاً للإدارة بدلاً من أن يكون مصيرياً.
ومن هنا لا ينبغي تعريف الاستقلالية الاستراتيجية باعتبارها حالة لا تحتاج فيها إلى الآخرين؛ فهذا غير واقعي في عالم مترابط.
بل هي حالة:
"لا يستطيع فيها طرف واحد أن يتحكم بمصيرك."
سابع عشر: من القوة المتفرقة إلى القوة المركبة
هنا تلتقي دروس السلسلة كلها.
الإشكال ليس في التحالف، بل في الاعتماد عليه.
الحزب ليس دولة.
الجغرافيا لا تصير قوة إلا إذا تحولت إلى بنية تحتية ومصالح.
الثقافة والشتات لا يغدوان قوة ناعمة إلا إذا جرى تنظيمهما.
المرونة لا تعني التردد، بل القدرة على تغيير الوسيلة دون تغيير المصلحة الأساسية.
المؤسسة ليست بديلاً عن السياسة، بل هي التي تمنح السياسة الذاكرة والاستمرارية.
الممر التجاري ليس مجرد طريق، بل قد يصبح شبكة مصالح.
الاقتصاد ليس بديلاً عن السياسة، لكنه قادر على أن يمنحها أدوات جديدة.
والتحالف ليس مشكلة ما دام يضيف إلى الخيارات، لا ما دام يستبدل بها.
وهكذا تصبح القوة الكوردية منظومة مترابطة لا مجموعة أدوات منفصلة.
ثامن عشر: اعتراضات متوقعة والرد عليها
تقتضي الأمانة العلمية عرض أقوى الاعتراضات على هذه الأطروحة.
الاعتراض الأول: التنسيق العابر للحدود قد يُستغل ذريعة أمنية
قد يُقال إن الدول الأربع ستنظر إلى أي تنسيق مؤسسي بين الأجزاء الكوردية بوصفه تهديداً لسيادتها، وتستخدمه مبرراً لتشديد القبضة الأمنية والسياسية.
وهذا اعتراض وجيه ولا يجوز التقليل منه.
والرد المقترح يقوم على ثلاثة عناصر:
أولاً: طبيعة المؤسسة. المؤسسة المقترحة ليست قيادة سياسية ولا حكومة ولا مؤسسة تنفيذية، وإنما مؤسسة بحثية غير حزبية وغير حكومية.
ثانياً: التدرج. يمكن أن تبدأ بالملفات الأقل حساسية، مثل المعرفة الاقتصادية والبنية التحتية والتبادل الأكاديمي والثقافي، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية.
ثالثاً: العمل ضمن الأطر القانونية القائمة. فالهدف ليس تجاوز سيادة الدول، وإنما تطوير مصالح مشتركة يمكن أن تعمل داخل الأطر القانونية القائمة.
ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن الخطر يظل قائماً، وأن درجة المخاطرة تختلف باختلاف كل دولة وبيئة سياسية.
الاعتراض الثاني: المؤسسات ترف في ظل الحاجة إلى الأمن
قد يُقال إن الأولوية القصوى هي البقاء والحماية، وإن الاستثمار في البنى المعرفية والمؤسسية رفاهية لا تحتملها الظروف.
لكن المؤسسة والمعرفة ليستا بديلاً عن الأمن؛ بل يمكن أن تكونا من شروطه.
فالطرف الذي لا يعرف مسبقاً كيف ستتغير البيئة المحيطة به، ولا يملك سيناريوهات بديلة، ولا يستطيع قياس درجة اعتماده على حليف أو سوق أو ممر، يظل معرضاً للصدمات مهما امتلك من أدوات القوة.
الاعتراض الثالث: تجاهل التنوع الأيديولوجي والسياسي
الرد هنا أن مفهوم الحد الأدنى المشترك صُمم تحديداً ليستوعب الاختلاف.
فالمطلوب ليس الاتفاق على الغايات النهائية، وإنما الاتفاق على مجموعة محدودة من المصالح التي يمكن الدفاع عنها بصورة مشتركة.
تاسع عشر: هل هذه الرؤية طوباوية؟
هذا هو الاختبار الحقيقي.
قد تبدو هذه الرؤية واسعة، وربما عسيرة التطبيق، لا سيما في ظل أربع دول ذات سيادة، وتباين الأنظمة السياسية، واختلاف مصالح الأجزاء الكوردية، واستمرار التنافس الحزبي.
لكن الطوباوية ليست في التفكير في مشروع بعيد المدى.
الطوباوية الحقيقية هي الاعتقاد بأن تحولاً تاريخياً كبيراً يمكن أن يحدث من دون بناء المؤسسات التي تجعله ممكناً.
هذه الرؤية لا تفترض وحدة سياسية قريبة، ولا زوال الحدود، ولا اتفاق الكورد على كل شيء، ولا تخلي دول المنطقة عن مصالحها، ولا أن القوى الكبرى ستقدم ضمانات مجانية.
بل تنطلق من عكس ذلك تماماً:
الحدود قائمة.
المصالح متعارضة.
القوى الكبرى متحولة.
الأحزاب مختلفة.
والدول تحمي مصالحها.
وعلى أساس هذه الحقائق، يصبح المطلوب بناء استراتيجية قادرة على العمل رغم وجودها، لا انتظار زوالها.
وهنا يكمن معيار واقعية المشروع:
"إذا كانت الاستراتيجية لا تستطيع أن تبدأ بخطوة صغيرة قابلة للتنفيذ، فهي ليست استراتيجية بعد؛ وإذا استطاعت أن تبدأ بخطوة صغيرة وتنتج منها قدرة إضافية، فإنها تكون قد بدأت بالفعل."
عشرون: عشر قواعد لعقيدة استراتيجية جديدة
إذا أردنا اختزال هذه الرؤية في قواعد عملية، أمكن صياغتها على النحو الآتي:
1. لا تعتمد على حليف واحد. 2. لا تدخل معركة بلا مخرج. 3. لا تقايض الجغرافيا؛ حوّلها إلى مصالح طويلة الأمد. 4. لا تجعل الحزب بديلاً عن المؤسسة. 5. لا تجعل القوة العسكرية بديلاً عن القوة السياسية. 6. لا تجعل الاقتصاد تابعاً للصراع السياسي. 7. لا تسمح باستخدام جزء كوردي ضد جزء آخر في القضايا الاستراتيجية الأساسية. 8. ابنِ الخيارات قبل أن تحتاج إليها. 9. حوّل المعرفة إلى مؤسسات لا إلى أفراد. 10. اجعل الهدف زيادة الخيارات وتقليص نقاط الضعف، لا زيادة الخصوم.
هذه القواعد لا تقدم وصفة سحرية، لكنها تقدم ما هو أهم: طريقة مختلفة في صناعة القرار.
واحد وعشرون: ماذا يعني الانتقال من القضية إلى الفاعل؟
لعل أهم نتيجة تخلص إليها هذه السلسلة أن القضية الكوردية لا تحتاج إلى مزيد من المطالبات فحسب، بل إلى مزيد من القدرة على إدارة المصالح.
فالانتقال من القضية إلى الفاعل يعني التحول:
من سؤال:
"من يقف معنا؟"
إلى سؤال:
"من يحتاج إلى التعاون معنا؟"
ومن سؤال:
"من سيحمينا؟"
إلى سؤال:
"كيف نقلل حاجتنا إلى الحماية من طرف واحد؟"
ومن سؤال:
"كيف نوحد الكورد؟"
إلى سؤال:
"كيف ننسق مصالحهم رغم اختلافهم؟"
ومن سؤال:
"كيف ننتزع تنازلاً؟"
إلى سؤال:
"كيف نبني مصلحة تجعل الشراكة أنفع من الصراع؟"
ومن سؤال:
"ماذا سنفعل إذا تخلى عنا الحليف؟"
إلى سؤال:
"لماذا يجب أن يكون لدينا دائماً بديل؟"
وعندئذ تتغير طبيعة القضية نفسها.
فبدلاً من أن تظل القضية الكوردية موضوعاً دائماً لسياسات الآخرين، يبدأ الكورد تدريجياً في التحول إلى فاعل يملك القدرة على التأثير في البيئة التي يعمل داخلها.
خاتمة: من انتظار القوة إلى بناء القدرة
أمضت القضية الكوردية عقوداً في محاولة الإجابة عن سؤال:
ماذا يريد الآخرون أن يمنحونا؟
ولعل الوقت قد حان لطرح سؤال مختلف:
ماذا نستطيع نحن أن نبني؟
ولا يُقصد بهذا السؤال التخلي عن الحقوق، ولا التقليل من أهمية الاعتراف الدولي، ولا تجاهل موازين القوى، ولا إنكار المخاطر التي تفرضها الدول الأربع أو القوى الإقليمية والدولية.
وإنما المقصود إدراك حقيقة استراتيجية بسيطة:
"لا يمكن تشييد مستقبل مستدام على ما يستطيع الآخرون أن يمنحونا إياه وحده، بل على ما نستطيع نحن أن نمتلكه ونطوره ونحميه ونوظفه."
فالقوة الآتية من الخارج قد تكون مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون القوة الوحيدة.
والتحالفات قد تكون ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الاستراتيجية.
والأحزاب ضرورية للحياة السياسية، لكنها لا ينبغي أن تحل محل المؤسسات.
والاقتصاد قد يخدم السياسة، لكن الأجدى أن يصبح هو ذاته أحد مصادر القوة السياسية.
والجغرافيا قد تكون قدراً، لكن يمكن تحويلها إلى أصل.
والاختلاف بين الأجزاء الكوردية حقيقة لا سبيل إلى إلغائها، لكن يمكن تحويله من مصدر للتجزئة إلى نظام لتوزيع الأدوار والمصالح.
والشتات قد يكون انتشاراً بشرياً واسعاً، لكنه لا يصبح قوة إلا عندما يتحول إلى معرفة وشبكات ومؤسسات وتأثير.
أما المرونة الاستراتيجية، فلا تعني أن تعرف دائماً ماذا سيحدث، فهذا غير ممكن، وإنما أن تظل قادراً على الحركة عندما يحدث ما لم تتوقعه.
ولهذا فإن العقيدة الاستراتيجية الجديدة لا تقوم على البحث عن الدولة التي تحمي الكورد، بل على بناء القدرة التي تجعل حماية المصالح الكوردية مصلحة لا يستطيع الآخرون تجاهلها.
فالاستقلالية الاستراتيجية لا تعني ألا تحتاج إلى الآخرين، بل تعني ألا يكون مصيرك مرهوناً بإرادة طرف واحد.
والمعيار الأعمق لهذه الاستقلالية ليس عدد الحلفاء، ولا حجم الموارد، ولا عدد البيانات السياسية، وإنما عدد الخيارات التي تبقى متاحة بعد أن تتغير الظروف.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي لـ"معامل التحويل الاستراتيجي":
فالموارد تصبح قوة حين تتحول إلى قدرة.
والقدرة تصبح نفوذاً حين تتحول إلى خيارات.
والخيارات تصبح استقلالية حين تمنع طرفاً واحداً من التحكم بمصيرك.
والاستقلالية تصبح استراتيجية مستدامة حين تستطيع امتصاص الصدمة والاستمرار بعد تغير الظروف.
وعندما يبلغ الكورد هذه المرحلة، لن يعود السؤال فقط:
هل يستطيع الآخرون تجاهل القضية الكوردية؟
بل سيصبح:
هل يستطيعون تجاهل الفاعل الكوردي؟
وهنا بالتحديد تنتقل القضية من موقع المطالبة إلى موقع التأثير، ومن انتظار القرار إلى المشاركة في صناعته، ومن امتلاك عناصر القوة المتفرقة إلى بناء قوة استراتيجية مركبة.
ذلك هو الانتقال الحقيقي:
"من القضية الكوردية إلى الفاعل الكوردي."
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المرونة الاستراتيجية: من الاعتماد المتبادل إلى هندسة الخيارا
...
-
القوة الناعمة الكوردية: الثقافة والشتات والدبلوماسية العامة
-
الممرات التجارية: كيف تتحول كوردستان من منطقة عبور إلى عقدة
...
-
الحزب ليس دولة: لماذا تحتاج القضية الكوردية إلى مأسسة القوة؟
-
قسد بين صناعة القوة وإدارة الانكفاء مقاربة استراتيجية في عقد
...
-
لماذا يخسر الكورد حين يراهنون على حليف واحد؟ قراءة استراتيجي
...
-
تغيير الخرائط لا يصنع الدول: سوريا والكورد بين حق تقرير المص
...
-
من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية
...
-
الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل - أين تكمن القيمة الحق
...
-
موسى عنتر... حين حاول الرصاص إسكات القلم
-
الجغرافيا الكوردية: من الموقع الجغرافي إلى الأصل الاستراتيجي
...
-
ماذا يملك الكورد؟ ولماذا لا يتحول ما يملكونه إلى قوة؟ في فجو
...
-
بين قنديل ودمشق الدلالات الاستراتيجية لتصريح جميل بايق بشأن
...
-
الكورد والقوة التي لا تُرى من -الحاجة إليهم- إلى -الحاجة إلى
...
-
القضية الكوردية: من حق تقرير المصير إلى صناعة القدرة على تقر
...
-
من تفكيك القوة إلى تفكيك الموقف قراءة استراتيجية في مسار ما
...
-
من التهجير إلى تثبيت الواقع هل توقّف التغيير الديموغرافي في
...
-
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
-
من اغتيال سيپان إلى استهداف الاستقرار: مقاربة تحليلية لفرضية
...
-
من توحيد البيشمركة إلى بناء منظومة الأمن القومي الكوردي توحي
...
المزيد.....
-
الأمم المتحدة تطالب باحترام -هيبة- الجمعية العامة بعد استفزا
...
-
موريتانيا: منظمات المجتمع المدني تطالب بإقرار قانون لمعاقبة
...
-
موريتانيا: منظمات المجتمع المدني تطالب بإقرار قانون لمعاقبة
...
-
العراق.. تنفيذ حكم الإعدام بحق 10 مدانين بجرائم -إرهاب-
-
قرار جديد من المحكمة العليا لصالح ترامب بشأن عمليات ترحيل ال
...
-
محكمة الاحتلال تحول الكاتب الصحفي راسم عبيدات إلى الاعتقال ا
...
-
سويلم يشارك في جلسة رفيعة المستوى حول مخرجات الاجتماع الوزار
...
-
الضفة.. اقتحام إسرائيلي للمغيّر واعتقال فلسطيني وسط هجمات لل
...
-
الأمم المتحدة: الجوع والنزوح يدفعان مزيدا من أطفال اليمن نحو
...
-
الزيدي والمالكي يؤكدان استكمال التشكيلة الحكومية ودعم مكافحة
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|